islamaumaroc

الدولة العلوية والقرآن الكريم

  دعوة الحق

106 العدد

القرءان أصل أصيل في حفظ المدينة الإسلامية وشرح مقوماتها، وسبب قائم للهداية البشرية وتطور حياتها، ودلالة على النظر في الكائنات والاتصال بطبيعتها.
ومنذ نزل الكتاب العزيز إلى الأرض والناس يستضيئون بتوجيهاته ونظرياته، ويستنبطون أصول الحياة وفنون المعرفة على اختلاف المدارك والمذاهب والغايات من جوامع كلماته، وما زالوا يستحثون على الاقتباس من وحيه في كل عصر من العصور، وما انفكت التفاسير تتشاكل في وضعها مع أحوال الزمان وظروف المكان، وما برحت عناية العالم مصروفة إلى ترجمته والوقوف على ثروته، فاستفاد منه العنصر الأجنبي في نهضته وحضارته، وفي أبحاثه الفضائية، وفي محاولاته الصعود إلى المناطق السماوية، ومع ذلك ففي كتاب الله عز وجل من الأسرار والعجائب ما لا ينبئك عنه إلا تقدم الزمان، وتطور فكر الإنسان، كما يقول الله تعالى : ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا). والمسلمون عندما أخذوا بهذا الكتاب في حياتهم، واستجابوا له استجابة حية كانوا راجحين في كل ميزان، وسابقين إلى كل ميدان، وكانت عزتهم وكرامتهم بمكان، وصدق قول الله العظيم : (وأنه لذكر لك ولقومك).
ولقد نالت منه الأمة المغربية أوفر الحظوظ والأنصبة حتى قالوا أن القرءان نزل بلغة العرب ففسره العجم، وحفظه المغاربة، ونطق به المصريون، ولقد شيد ملوك الدولة العلوية الذين اشتهروا بحماية الكتاب العزيز، والذين كتب لهم شرف الدفاع عن استقلال الوطن العزيز عند ما طرأ عليه طارئ الاستعمار عملا بقوله تعالى : (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا)، شيدوا أركان صرح المعرفة بهذا البلد الأمين ورفعوا منارها ومعالمها وشجعوا هيئتها ومطالبها فكان أدنى ما يعامل به قارئ القرءان أو الضارب في العلم بأدنى سهم، أن يعظم ويحترم وأن لا يعامل بما تعامل به الرعية من أداء المغارم المالية، والكلف المخزنية والحركات السلطانية، وكانوا أعزهم الله يرون من فخر الدولة ومجدها تشييد المدارس القرءانية والعلمية على نفقاتهم الشخصية حتى كان الناس يقلدونهم في هذا الباب والناس دائما على دين ملوكهم، فيقيمون المدارس والمكاتب القرءانية والزوايا والرباطات والمساجد على نفقاتهم الخاصة مساهمة في الخير واحتسابا بالله تعالى، والدولة تعاملهم إزاء ذلك بالإجلال والتوقير، وتسندهم بالظهائر والتنويه والتقدير، ولم يكن من المعروف في المغرب أن يتعاطى المرء العلم وهو غير عارف بالقرءان ولا جامع له.
ففي عهد جد العلويين المولى إسماعيل بن الشريف توافرت المكاتب وتكاثرت المدارس في المدن والقرى والمداشر، يتعلم الناس فيها القراءة، والكتابة، والحساب، ويحفظون القرءان الكريم، وكانت العادة جارية في هذا العهد وفيما بعد بالاحتفال بحفظة القرءان على وجه خاص حيث كان الآباء برعاية الدولة يشترون أقراسا كهدية لأولادهم عندما يجمعون القرءان العظيم، ويتناول حافظ القرءان المصحف بيده، ويركب الفرس يتفسح عليه، وسائر صبيان المكتب تذهب للتفسح مع المحتفل به، وتأتي إليهم أجواق الطرب فترافقهم وتشنف أسماعهم، وبعد ذلك من أراد قراءة العلم توجه إليه، وعندما يتمم دروسه يقع امتحانه واختياره، ومن فاز بأغلبية الأصوات على أقرانه عين قاضيا أو مفتيا، فانظر كيف كانت عنايتهم بالقرءان الكريم، وكيف كان الاحتفال به خاصا، وكيف كان التشجيع للعلم في هذا العهد الشريف.
وفي عهد المولى سليمان بن محمد كانت المناداة بحفظ القرءان وتعلم العلم، والتشجيع على تعاطيه ونشره بالدراسة والتأليف وخاصة علوم القرءان والحديث بالغا أقصاه وقائما على المراعاة والملاحظة، وتقديم المنح والجوائز، وترتيب الأرزاق والفوائد للمستحقين وللفائقين، فمن ذلك أنه رحمه الله أمر أبا العلاء إدريس بن عبد الله البدراوي وكان من الشخصيات اللامعة في القراءات، والتجويد، والرسم، أن يؤلف تأليفا في مقرأ نافع ابن عبد الرحمان المدني فألف كتابه التوضيح والبيان في مقرأ نافع بن عبد الرحمان، قال في أوله جعلته سلما لتعليم الصبيان، وتذكرة للماهرين بالقرءان، وأمره كذلك بتأليف في همزة الوصل وفي الألف التي تزاد في الخط إلى غير ذلك من الخدمات القرءانية التي أرشد إليها رحمه الله، وفي عهده نبغ المفسر الكبير الشيخ الطيب بنكيران الذي وضع تفسيرا جليلا من سورة النساء إلى حم غافر.
وأما في عهد المولى محمد بن عبد الله فقد استوت النهضة وازدهرت الحركة باعتماد القرءان والحديث، وبتوجيه التعليم وتنظيمه، وتحديد برامجه ومناهجه، ثم بوضع منشور للتعليم أذاعه على العموم والخصوص، وتوعد كل من خرج عن أحكامه، وراقب التعليم مراقبة تمنع من التصرف المطلق في أبوابه، وهذا المنشور الذي له ذكرى في التاريخ بعد من معالمه الحسنى ومكارمه المثلى رحمه الله تعالى، ومن أجله انتشرت كتب السلف، وكثر الإطلاع على آثار الأقدمين، واستقام النظر في الكتاب والسنة، وكانت الصلات تأتي في كل عيد إلى القراء والعلماء والطلبة والمؤذنين وأئمة المساجد، تشجيعا لهم على ممارسة أعمالهم بنشاط وإخلاص، والأعمال بالنيات ولكل امرء ما نوى.
وفي عهد المولى الحسن الأول كان اعتبار حملة القرءان الكريم متناهيا، وكان تشجيعهم بالكافآت السخية، والأعطيات الوافرة التي كانت ترصد لكل من جمع القرءان الكريم، وأما الذين يحفظونه برواية الشيخ حمزة فكانوا علاوة على تمتعهم بالنوال والعطاء يتحررون من كل خدمة ونائبة، وهذا الالتفات الخاص الذي توج عهد الحسن الأول رحمه الله، أدى إلى انتشار الكتاتيب القرءانية وازدياد عددها في أكثر الأقاليم المغربية، فكنت تجد أكثر الدوار أو المدشر في البادية من حفاظ القرءان الكريم حتى أنهم أصبحوا يكونون مجتمعا خاصا في هذا الإطار، ويوجد في بعض قبائل السراغنة دوار من أولاد صبيح ينيق سكانه على مائتي خيمة ما زال إلى الآن يطلق عليه دوار حمزة لأنهم كانوا يحذفون رواية الشيخ حمزة.
وأما حفيداه جلالة محمد الخامس رحمه الله وجلالة الحسن الثاني حفظه الله فقد كانا معلمين للخير، ومقتصين هذا الأثر بحكمة، ومجليين عن نفسهما في ذلك المضمار، واهتما على الخصوص زيادة على ما تحليا من العطف والحدب، على أهل العلم والأدب، وعلى ما امتعا به شعبهما من نهوض عام وازدهار شامل- بتنظيم التعليم عموما وبتنظيم مدارس القرءان والحديث خصوصا، والكتاب والسنة  هما المصدران الأساسيان للدين الإسلامي، وهما بؤبؤ كل عز ومنهاة كل مجد.
وقد زادت عناية أمير المومنين الحسن الثاني فعين قراء أجلة وأساتذة أكفاء في دار الحديث المؤسسة برباط الفتح، وفي مدارس القرءان التي توجد بنواحي الجنوب والشمال، مما جعل الألسنة رطبة بالدعاء لجلالته والثناء على همته، واكتظت هذه المدارس التي تتلى فيها آيات القرءان الكريم بالطلاب الذين يأتون إليها من كل صوب وحدب بغية جمع القرءان، وتجويده، والإلمام بأحكامه، وبرواياته السبع والعشر، وجعل اعزه الله وزارة الشؤون الإسلامية تشرف على هذا العمل البار وتراقب سيره ونشاطه، وتؤدي الرواتب والمنح للقائمين عليها من شيوخ القراءات، وللمستفيدين من نوابغ الطلبة والطالبات.
ومن معالم عنايته أعزه الله بالكتاب والسنة، أمره الشريف بطبع المصحف الكريم طبعا فائقا من جهة الخط والرسم، ومن جهة الزخرفة والفن، فجاء آية في الصنع، وغاية في الإبداع، وتفضل جلالته بالحضور في الدروس التفسيرية والحديثية التي أصبحت تقام عادة في رمضان من كل سنة بأمره وإشرافه، جعل الله هذه الأعمال خالصة لوجه الكريم، ودائمة بدوامه إلى يوم الدين والجزاء.
وهاك ما يشهد للموضه من الإنتاج الواقع في ظل الدولة العلوية مما بلغ إليه علمنا القاصر وهو قليل من كثير:
1) اللمعة في قراءة السبعة لأبي زيد الفاسي المتوفى سنة 1096.
2) حاشية على الجمبري شارح حرز الأماني للمنجزة المتوفى سنة 1179.
3) حاشية أيضا على الجعبري لأبن عبد السلام الفاسي المتوفى سنة 1214.
4) التوضيح والبيان في مقرأ نافع بن عبد الرحمان لأبي العلاء البدراوي المتوفى سنة 1257.
5) الإتحاف فيما يتعلق بالقاف للقاضي ابن خضراء المتوفى سنة 1322.
6) تأليف في تجويد القرءان لمحمد بن يوسف الجناني المتوفى 1302.
7) منظومة في وقف القرءان في قراءة البدور السبعة للسيد إبراهيم إنجاز المتوفى سنة 1253.
8) تأليف في قراءة نافع وبيان رواته للسيد محمد بن عمر التنملي المتوفى سنة 1299.
9) تفسير البحر المديد في تفسير القرءان المجيد لابن عجيبة المتوفى سنة 1224.
10) حاشية علي تفسير أبي السعود والبيضاوي للسيد حمدون بن الحاج.
11) تفسير القرءان لأبي الحسن الدمناني المتوفى سنة 1306.
12) تفسير من سورة النساء إلى حم غافر للشيخ الطيب بنكيران المتوفى سنة 1227.
ومما يلاحظ ان ظاهرة حفظ القرءان مجردا عن معرفة معانيه لم تكن في عهد السلف الصالح- ولذلك كان بعض الشيوخ لا يسمح بمحو الألواح حتى يقرأها التلميذ بكل ما يتعلق بها من رسم، وتجويد، وإعراب وتفسير.
ذلك أن القصد من قراءة القرءان هو معرفة معانيه الدينية، والدنيوية، والكونية، ولا يتهيأ ذلك إلا بدراسة اللغة العربية وأدبها، فإنهما المفتاح لإدراك ما في القرءان الكريم من المعاني المختلفة، فينبغي إدخال العلوم اللسانية إلى المدارس القرآنية ويكون ذلك بنظام يضمن النجاح ويحقق الغرض المنشود، ولا يتأتى هذا إلا بتعدد الأساتذة في المكتب القرءاني ليقوم كل واحد باختصاصه من تلك العلوم الأدبية ونحن لا ننكر فضيلة تلاوة القرءان ولكن ليست التلاوة هي المقصود من القرءان والله الموفق.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here