islamaumaroc

عناية محمد الخامس بالقرآن وعلومه

  دعوة الحق

106 العدد

من المعروف من كتب التاريخ ومن الطابع الذي بقي لحد الآن يطبع حياة المغرب والمغاربة أن هاته البلاد قامت دولتها على الدين وعلى المحافظة على القرآن الكريم وتعاليمه الحية رغم تعاقب السنين وتعدد مشاكل الحياة وتعقدها، وإذا كان المرابطون استطاعوا أن يؤسسوا دولة تضم ما بين حدود مصر وجزيرة الأندلس وما بين مناطق البحر الأبيض المتوسط إلى تخوم إفريقيا الجنوبية والغربية بفضل احتفاظهم على نشر القرآن وعلومه.
وإذا كان الموحدين الذين جاءوا بعدهم إنما نجحوا في دعوتهم بفضل تجديد ما اندثر من تعاليم القرآن وعلومه على يد المهدي بن تومرت وعبد المومن ابن علي وبنيه، وإذا كانت الدول التي تعاقبت بعدهم من مرينيين وسعديين لم تغفل هذا الجانب الحيوي من حياة المغرب الاجتماعية - فإن العلويين برزوا في هذا المضمار أبا عن جد وملكا عن ملك، وخصوصا في عهد الملك الصالح المصلح محمد الخامس طيب الله ثراه.
هاته الشخصية الفذة التي لم يمنعها ما جد في مطالب الحياة وتكاليفها وضغط الثقافات الأجنبية والحركات الهدامة التي كانت تلقى تأييدا كبيرا من طرف المستعمرين وأذنابهم المنبثين في كل مكان- (أقول) لم يمنعها كل ذلك عن أن تسن للبلاد نظاما دينيا يأخذ أحسن ما عند الأمم في جميع مجالات الحياة العصرية ويحافظ أيضا على الروح الدينية المثلى، ولذلك كنا نراه دائما في صراع مع المستعمر ومع الذين يجهلون كل شيء عن تعاليم الإسلام وعن الفكرة التي نزل من أجلها القرآن وهي تكوين أمة مسلمة قوية تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتومن بالله وحده.
نعم منذ أن تقلد زمام السير بالمغرب ورعاية شؤونه العامة والخاصة المادية والأدبية وهو يفكر ويبحث ولا يدع فرصة تمر دون أن يحقق مغنما جديدا لأمته وبلاده متدرعا بالصبر الجميل وسالكا طريق الحكمة والدعوة بالتي هي أحسن، امتثالا لأساليب الدعوة التي بدأها جده المصطفى صلى الله عليه وسلم والمستوحاة من تعاليم القرآن ومن الآية الكريمة (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [النحل: 125].
لقد درس أساليب الاستعمار في الاقتصاد والسياسة والاجتماع وفي كل شيء، وكان يخلو إلى نفسه دائما ويتأمل ماذا يراد بالمغرب وما يبيته الاستعمار الغاشم لأهله وبنيه، وكان دائم التفكير في ذلك كله، يخاطب أحباءه وأصفياءه ويبين لهم أنه لا يدع الفرص تسير ولا يهدأ له بال حتى تسعد بلاده ويسعد أهله وتدرك مطالبها وتسير على نهج سلفها الصالح رضوان الله عليهم.
وقد دعاه تفكيره الديني المتجدد المنبعث من أعماق قلب مومن متيقظ شاعر بالمسؤولية الدينية والدنيوية أن يفكر في التعليم الديني ويجدد لجامعة القرويين التي تحتضنه شبابها ويطورها وفق الحياة الجديدة حتى تكون دائما في مستوى رسالتها الخالدة.
وهكذا كان يجتمع بالمفكرين والعلماء في كل حدب وصوب ويعرفهم بما عزم عليه ويبين أن روح الاختيار وعدم التقيد بنظام في الدراسة بالكلية القروية لا يمكن أن يأتي بالنتائج المتوخاة وأن العالم كله يسير وفق نظام وتخطيطات محكمة في جميع شؤونه وأننا مقبلون على الاحتكاك بالأمم والشعوب على اختلاف طبقاتها وتعدد نظمها واختلاف أجناسها وعقائدها وأديانها، وذلك يدعو بالطبع إلى تجديد السلاح الذي نتسلح به دائما حتى لا نغلب على أمرنا ونسقط فريسة لأهل البغي وأنصار الضلال، فكانت صرخته تنفذ إلى أعماق قلوب جميع طبقات الشعب وتتلقاها الأمة عن بكرة أبيها، وقد أقبل الشباب والكهول والشيوخ على النظام الجديد للجامعة القروية، هذا النظام المحكم الذي استطاع أن يخرج للمغرب علماء مقتدرين استطاعوا أن يحافظوا للأمة على تعاليمها رغم المناورات والدسائس والمقاومات العنيفة التي كانوا يتلقونها من خصومهم المستعمرين والمتأثرين بروح الاستعمار والحركات الإلحادية الهدامة.
ولا يتسع المجال هنا للتحدث عن هذا النظام وما كان يحتوي عليه من أسلاك يمكن إجمالها في أطوار ثلاثة: ابتدائي وثانوي وعالي ذو شعبتين دينية وأدبية، وكل طور اختير له مدرسون وخططت له التخطيطات ووضعت له المناهج التي كان يشرف على وضعها مجلس يسمى بالمجلس العلمي يحتوي على كبار علماء المغرب وتترأسه شخصية انتهت إليها المشاركة في المعقول والمنقول وعركت الحياة وعركتها ومارست الدراسة والتدريس أجيالا، وقد دعاه التفكير في تنظيم جامعة القرويين إلى التفكير أيضا في النواة الأولى التي تغذي كلية القرويين وتزودها بالعناصر الصالحة؛ إنها الكتاتيب القرآنية المنتشرة شرقا وغربا وجنوبا وشمالا في المدن والقرى والجبال والسهول وفي كل نقطة من بلاد المغرب الفسيحة، لأن القوم كما ذكرنا متدينون بطبيعتهم، ولا يمكن لمدشر ولا لقرية بل ولا لعائلة أن تعيش بدون مؤدب يرعى شؤون أبنائها ويهتم بتربيتهم وتعويدهم على أحسن الخصال وأجمل الفعال ويزرع في أفكارهم الطيبة البريئة الطاهرة الشاملة لجميع ما يحتاجه الإنسان من مهده إلى لحده، وبل وحتى بعد هاته المرحلة، حتى يلقى ربه ويشمله بعنايته ورحمته ويكتب له السعادة والعيش في النعيم في جنات عالية قطوفها دانية.
ولما رأى محمد الخامس طيب الله ثراه أن غاية الاستعمار وخططه ترمي إلى القضاء على اللغة العربية وعلى القرآن الكريم الذي يحفظها بين دفتيه والأساليب والطرق التي شرعها للوصول إلى أهدافه الخبيثة وجه عنايته إلى رعاية التعليم القرآني، حيث جعل أمره سواء في المدارس والكتاتيب موكولا إليه وحده، ولا يمكن لإدارة المعارف التي كانت تشرف آنذاك على التعليم العمومي أن تتدخل في شؤونه الفنية والمادية، حيث كانت القرويين تابعة لوزارة العدل والكتاتيب، القرآنية حرة في شؤونها المادية، ولكنها من الناحية الفنية تابعة لوزارة الأحباس، وقد أقبل الشعب المغربي على التعليم القرآني إقبالا أقلق راحة المستعمرين مما جعلهم يكيدون للقائمين عليه وينعتوهم بأقبح النعوث ويدعون أنهم إنما يتسترون وراءه لبث آرائهم المنافية للفضائل وللإخلال بالأمن والنظام وتأليب عامة الشعب على الحكومة وحتى على الملك، ولكنه رحمه الله كان على علم دقيق بكل هذه الدسائس ويقابلها بالصبر والحكمة ويسن من القوانين ما يظن الاستعمار أنه في صالحه، ولكنها في الحقيقة مسامير كان يدقها محمد الخامس في نعش الاستعمار، لأن تقنين التعليم القرآني وتقسيمه إلى كتاتيب قرآنية تهتم بالقرآن وحده وبتحفيظ متون العلوم العقلية والنقلية وإلى مدارس قرآنية حرة تعمل على العناية بتدريس مبادئ العلوم اللسانية والشرعية والعقلية.. كل ذلك من شأنه أن يركز اللغة القومية ويحيط تعاليم القرآن الكريم بسياج من الرعاية والحفظ والتقدير ويجعل المقبلين عليها في تكاثر دائما، حتى كانت تفوق بأضعاف مراكز التعليم الذي تشرف عليه الإدارة الفرنسية.
وهذا ما حدا بهذه الإدارة إلى أن تتخذ موقفا متشددا إزاءها، حيث عمدت إلى إقفال أبوابها لأنها شعرت بخطرها وعملها المنافي  لتركيز النفوذ الأجنبي في المغرب،. فتظاهر تلاميذها الصغار في الشوارع معلنين سخطهم على الاستعمار الثقافي واللغوي، فقام جلالة المغفور له محمد الخامس بعمل حازم في الموضوع حيث أمر بفتح المدارس القرآنية وأصدر ظهيرا ملكيا بتاريخ 11-12-37 يسمى بقرار وزيري نظم تفتيشا دقيقا للكتاتيب القرآنية والمدارس القرآنية، وخصص منحا لحملة القرآن والقائمين على شؤون هاته الكتاتيب والمدارس، ومن هنا أصبح التعليم بالكتاتيب والتعليم الحر يخضع لقوانين يضعها القصر الملكي وحده تحت الإشراف المباشر لجلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه. وبفضل هاته الرعاية الملكية السامية استطاع التعليم القرآني أن يحافظ على صبغته الدينية وتمكنت المدارس القرآنية الحرة من أن تؤدي رسالتها على أكمل وجه، وقوي نشاط حفاظ القرآن وحملته، خصوصا لما تحققوا من عناية صاحب الجلالة بهم واهتمامه بأمر القرآن وحملته الذين وضع لهم شهادة خاصة تمنح للمجيدين منهم بعد أن يجتازوا اختبارا في القرآن ورسمه تحت إشراف قاضي المدينة أو القرية وبواسطة لجنة من حفظة القرآن وعلماء الرسم والتجويد تختار لهذا الغرض. وبقي الحال هكذا إلى سنة 1956 أي سنة الاستقلال حيث استرجعت وزارة التربية الوطنية والفنون الجميلة أمر النظر في التعليم القرآني وأصبح بمقتضى مذكرة رقم 21 خاضعا لتفتيشات تنظمها هاته الوزارة بواسطة مفتشين رئيسيين ثلاثة وبمساعدة نواب مخبرين في كثير من المدن والقرى وبعثت مصلحة التعليم الأصلي في وزارة التربية الوطنية بمذكرات إلى عمال المدن والأقاليم بواسطة وزارة الداخلية ترجوهم فيها مساعدتها في إحصاء الكتاتيب والمدارس القرآنية عبر المدن والقرى، فقام العمال بالأمر خير قيام وبعثوا بتقارير إضافية عن عدد الكتاتيب والمدارس وعدد الحفاظ والمعلمين وعدد تلاميذ هاته الكتاتيب. وقد ارتأت مصلحة التعليم الأصلي أن لا تبقى الكتاتيب محافظة على نظامها العتيق الذي أصبح عائقا لها عن تأدية رسالتها نظرا لتطور أساليب التربية والتعليم من جهة ولكون العائلات المغربية قد تفتحت آفاقها عن النظم الجديدة المتبعة في الأمم التي سبقتنا في هذا المضمار، فوضعت مشروعا للكتاتيب النموذجية طبق في كثير من المدن والأقاليم كما أنشئت مدارس للمقرئين بالشمال والجنوب أعطت نتائج لا بأس بها. وبعد التعديلات التي أدخلت على وزارة التربية الوطنية انتقل أمر تفتيش الكتاتيب والمدارس القرآنية والحرة إلى نياباتها الإقليمية.
وفي سنة 1962 وضعت هاته النيابات إحصائيات مكنتها من التعرف على عدد الكتاتيب والمعلمين والتلاميذ، هذا العدد الذي ناهز نحو أربعة عشر ألف كتاب تضم نحو هذا العدد من المعلمين وترعى نحو ثلاثمائة ألف طفل.
وبقي الأمر على هاته الحال حتى سنة 1964 حيث انعقد اجتماع بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ضم كثيرا من المسؤولين من هاته الوزارة ومن وزارة التربية الوطنية، وقر الرأي على رجوع الكتاتيب القرآنية إلى الأحباس واحتفاظ وزارة التربية الوطنية بأمر مساعدتها فنيا فقط.
والحقيقة أن أمر العناية بالتعليم القرآني وبعلوم القرآن كان في طليعة الأعمال التي تقوم بها الدولة العلوية منذ نشوئها لحد الآن، وكان هذا التعليم يلقى من كافة الملوك والمسؤولين في هاته الدولة ما هو جدير به نظرا لغيرة هذا الشعب على دينه والكتاب المنزل الذي هو دستور حياته المادية والمعنوية. وقد أظهر جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله في كثير من المناسبات عطفه على حملة القرآن واهتمامه بالتعليم القرآني والتربية الإسلامية بوجه عام، مما هو معروف ولا حاجة لبسطه، لأنه حفظه الله يقتفي أثر والده وسلفه الصالح في ذلك، فنرجو بمناسبة هاته الذكرى الخالدة ذكرى مرور أربعة عشر قرنا على نزول القرآن الكريم على الرسول الأعظم أن تتجدد الاعتبارات على جميع المستويات وأن تسترجع تعاليم القرآن مكانتها في نفوس جميع المغاربة والمسلمين قاطبة، لأنهم كلهم جربوا الخروج عن هاته التعاليم والنتائج التي استنتجوها والوبال والانحطاط الخلقي والاجتماعي الذي وصلوا إليه، والحقيقة أنه لو اتبع المسلمون هاته الروح الإنسانية التي تحويها تعاليم القرآن الكريم بل لو اتبعها الناس كلهم لانعدمت مشكلة الفقر ولحلت مشاكل التغذية ولعاشت منظمة الأمم في أمن من مخاوف الفقر وانعدام القوت. والناس من خوف الفقر في الفقر. وصدق من أورد هاته الحكمة الإسلامية الخالدة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here