islamaumaroc

لمحات من الاسهام العلوي في خدمة العلم ورعاية العلماء

  دعوة الحق

106 العدد

إن قصة العناية بالعلم والعلماء على عهد الملوك العلويين لشيقة تحفل بكل جديد مثير وتزخر بكل تمين عذب؛ ذلك أن شمس هذه الدولة الشريفة منذ أن أشرقت شمسها على ربوع المغرب وغمرت وهادها ونجودها، والقائمون بها يمدون الظلال المعرفية الوارفة لتتفيأها الأمة المتطلعة إلى المجد والشموخ.
 وليس هذا قولا تضافرت على خلقه الاستعارة والمجاز، إنما هو واقع حي تدعمه البراهين، وتشهد له الحقائق، فمن يستطيع أن ينفي وجود شخصيات عملاقة انطلقت في هذا العصر العلوي من قماقمها انطلاقة الصاروخ تبني المجد الأدبي والعلمي، وتبرز العبقرية الفكرية العظيمة أمثال ابن ناصر المتوفى سنة 1089 هـ وعبد القادر الفاسي المتوفى سنة 1091هـ والإمام اليوسي المتوفى سنة 1102 هـ وابن زاكور المتوفى سنة 1120 هـ وابن الونان المتوفى سنة 1187 هـ وابن إدريس العمراوي المتوفى سنة 1264هـ، من يستطيع أن ينكر هذه الأسراب من المفكرين المتألقين الذين يمثلون أصالة الثقافة المغربية في أسمى مظهرها وأروع صورها.
وليست العناية التي كان يوليها ملوكنا العلويون لكل ما يتصل بالعلم والعلماء من قريب أو بعيد ترجع فقط إلى شغفهم بنشر العرفان بين الرعية، بل ترجع إلى أن جلهم تسلح بوسائل الثقافة، وخاض معامعها في جرأة فبرز فيها أيما تبريز، لذلك استطاعوا عذوبة العلم وسلاسته فقدروا مكانة العلماء حق قدرها واستوا بنفس راضية العطيات، وأغدقوا الصلات لإنماء المواهب وتفتيق الملكات وشحذ العزائم.
وهناك أسماء تتألق في سماء العلم وتسمق وتعلن عن نفسها بنفسها من غير أن تحتاج إلى إطراء مؤرخ، فدونك المولى محمد بن عبد الله الخليفة العالم المتوفى سنة 1204هـ الذي كان في العلم بحرا لا يجارى، وفي التحقيق والمعارف لا يمارى على حد تعبير صاحب نشر المثاني(1)، والذي رغم إثقال السياسة ومشكلاتها ألف كتابه « الفتوحات الإلهية» الذي طار ذكره كل مطار حتى بلغ المشرق فقرظه علماء أزهريون منهم محمد بن محمد الأمين المالكي، وكتابه « الجامع الصحيح الأسانيد المستخرج من ستة مسانيد».
ودولك أيضا الخليفة المولى سليمان المتوفى سنة 1238 وقد وصفه صاحب الإستقصا بقوله : «وإذا خاض في السنة والكتاب أبدى ملكة مالك وابن شهاب، ولو تصدى في الفقه للفتيا والتدريس لم يشك سامعه أنه ابن القاسم أو ابن إدريس، وإذا تكلم في علوم القرآن أنهل بما يغمر مورد الظمآن(2)».
وقد تفتق ذهن هذا الخليفة العالم عن آثار علمية من بينها «عناية أولي المجد بذكر آل الفاسي بن الجد (3)»، ورسالة صغيرة تحت عنوان « جواز التجمير بالقسط في رمضان (4)»، و« حاشية على شرح الخرشي لمختصر خليل (5)».
ودونك ثالثا المولى عبد الحفيظ السلطان العالم واضع منظومة في مصطلح الحديث وأخرى(6) في كتاب «المغني اللبيب»، وكتاب تحت عنوان «ساقوتة الحكام في مسائل القضاء والأحكام»، وكتاب «العذب السلسبيل في حل ألفاظ خليل».
وهذا الحب والشغف والتعليق باالمعارف يبرز لنا جليا أيضا فيما كان يضطلع به السلطان المولى عبد الرحمن ابن هشام المتوفى سنة 1276هـ من إحياء لشعائر الدين والعناية بالثقافة الإسلامية ورعاية حامليها والمتعطشين إلى الارتواء من موردها، وليس يكشف لنا عن هذا الأمر إلا الظهائر التي كان يحررها في شأن العلم ويقترح فيها النظام المجدي في تحصيلها والإفادة منها إفادة تعود بالخير العميم على المتلقي التواق إلى كل ما يصقل عقله.
ومن بين هذه الظهائر التي تظهر لنا الاهتمام البالغ بالعلم والمعارف ظهير أصدره إلى قاضي فاس المولى عبد الهادي مؤرخا في 12 محرم الحرام 1261 هـ تقبيس منه ما يلي نظرا لطوله :
«ولد عمنا الأرضي الفقيه القاضي مولاي عبد الهادي وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد فقد بلغنا توافر طلبة العلم على العادة وجدهم في الطلب غير أنه قل التحصيل والإفادة وذلك لمخالفة الفقهاء في أفرائهم عادة الشيوخ، وإعراضهم عما ينتج التحصيل والرسوخ فإن الفقيه يبقى في سلكة سيدي خليل نحو العشر السنين وفي الألفية العامين والثلاث أكثر ما يجلب من الأقوال الشاذة والمعاني الغريبة الفاذة وكثرة التشغيب بالإعتراضات وردها، ومناقشة الألفاظ وعدها ويخلط على المتعلم حتى لا يدري الصحيح من السقيم.
إلى أن يقول المولى عبد الرحمن :
«فبوصول كتابنا هذا إليك أجمع المدرسين وأرشدهم لما فيه المنفعة العامة والإفادة التامة، وهو الإقتصار في التقرير على حل كلام المؤلفين وإفهامه للسامعين المتعلمين مع التنبيه على ما فيه من خطأ وتحريف من غير إكثار هدر ولا تشغيب بترداد اعتراضات وطرر إذ المقصود هو حصول الفهم والإفادة، والمناقشة في الألفاظ إنما هي لغو وزيادة وليست لأهل التحرير بعادة.
ويختم الظهير بقوله :
فينبغي حمل الطلبة على الأليق بحالهم من الدءوب والإطالة، ومواصلة الطلب وترك البطالة والسلام(7).
وفي غمار هذه الميراث مجتمعه كان لابد للشعر أن ينتفض انتفاضته الرائعة ليعبر إذ لا مناص له من تعداد حسنات أتت أكلها وازدهرت فأخرجت ثمارا دانية القطوف.
فهذا الشاعر السيد محمد العلوي الشنقيطي يقول مادحا الخليفة المولى عبد الرحمن من قصيدة طويلة :
عمرت عمرت من عهد الشريعة ما
                 باض النعام بدور منــه أدراس
داركتها بعدمـا مالت دعائمهــا
                فاستحكمت واطمـأنت فوق أساس
وكذلك يهتف شاعر فحل هو الوزير السيد محمد بن إدريس الكبير العمراوي رأسما مناقب المولى عبد الرحمن في رائية طويلة النفس :
وقام بنصر الحق، بالحق فاعتلي
            به ركن هذا الدين واعتصم التغــر
ولم تلهه عن لذة الدين أمـرة
           ولا عن طلاب المجد خود ولا قصـر
وغير هذا، وغير هذا كثير وكثير مما لهج به شعراء العصر العلوي.
وأيضا يتجلى اهتمام ملوكنا ملوكنا العلويين بالعلم والعلماء في الك المجالس العلمية الرائعة التي لم تكن تصرفهم عن حلاوتها تبعات الملك وأعباء السياسة، ولم يلههم عن عذوبتها زخرف الدنيا؛ لأنهم يعرفون مسبقا أن التماسك الحضاري والإضطراد التقدمي لا يتحقق إلا على أساس العلم والعرفان، وليس أدل على ذلك من أن السلطان المولى محمد ابن عبد الله استقدم إلى حضرته كبار العلماء وخصص لهم وقتا معينا لطرح القضايا العلمية، وكان ذلك بعد صلاة الجمعة، وكان من مجالسيه أمثال السيد محمد الغربي والسيد محمد المير والسيد عبد الرحمن بوخريص والسيد محمد بن عبد الصادق والسيد عبد الرحمن المنجرة والسيد علي بن إدريس الفيلالي كما أنه- يعني المولى محمد بن عبد الله- عمل على نقلعلماء من أنحاء أخرى إلى مراكش وطلب منهم أن يقوموا بالتدريس في مساجدها ويحضروا مجالسه الحديثية ومن هؤلاء السيد أحمد بن عثمان من مكناس ومن سلا السيد عبد الله المنجرة.
وهذا المجالس العلمية كانت المرحلة التمهيدية للمجالس الحديثية التي توالت فيما بعد لدى ملوكنا العلويين.
وانطلاقا من هذه اللفتات الطيبة المعذوذبة جرت عادة ملوكنا الأمجاد أن يتخذوا أساطين الفكر المغربي شيوخا لهم يأخذون عنهم ويستنيرون بأفكارهم ويقيموا ندوات حديثية يصطفون لها فحول المحققين من جميع أطراف المملكة مع الإضطلاع بكل ما يحتاجون إليه من النفقات وما يتبع النفقات من الحاجيات وتكون هذه الندوات خلال الأشهر الثلاثة رجب وشعبان ورمضان
ولا غضاضة بعد هذه الجولة الخاطفة التي عرفنا فيها مدى تعلق ملوكنا العلويين بالعلم أن نستعرض أسماء لشخصيات تصدرت رئاسة المجالس الدينية في الحضرة الملكية زيادة في تبيان هذا الشغف المعرفي الذي تلبس شخصياتنا السلطانية.
في عهد الملك المولى عبد الرحمن تسلم رئاسة المجالس العلمية لسرد الحديث النبوي الشريف السيد التهامي بن حماد بن عبد الرحمن المطيري المكناسي المتوفى عام 1249هـ.
وفي نفس عصر المولى عبد الرحمن انتقلت هذه الرئاسة إلى الفقيه السيد عبد القادر ابن أحمد الكوهن المتوفى عام 1254هـ.
وفي عهد المولى الحسن الأول أسندت صدارة المجلس الحديثي إلى الفقيه أبي العباس أحمد بن سودة المري المتوفى عام 1321هـ وكان أول درس ترأسه عام 1295، وكذلك كانت لهذا العالم رئاسة المجلس في أيام المولى عبد العزيز.
أما في أيام السلطان المولى عبد الحفيظ فقد ترأس المجالس العلمية شيخ الجماعة أبو العباس السيد أحمد ابن الخياط الإدريسي المتوفى عام 1343هـ.
وفي أواخر هذا الأخير وأوائل عهد السلطان المولى يوسف تصدر للرئاسة الحديثية الشيخ أبو شعيب الدكالي المتوفى عام 1356.
وعندما انتهت مقاليد الخلافة لأمير المؤمنين سيدي محمد الخامس قدس الله روحه تكونت مجالس الحديث من العلماء الموظفين كالوزراء وغيرهم، وكان يرأسها وزير العدل أو رئيس مجلس الاستئناف الشرعي.
واقتداء بالآباء والأجداد ارتأى نظر أمير المؤمنين مولاي الحسن الثاني أن يقيم ندوات علمية رائعة في العشر الأوائل من رمضان المعظم يشارك فيها خيرة علماء المغرب والمشرق ويعالجون خلالها مواضيع إسلامية حساسة، وفي ختامها يتفضل أمير المؤمنين حفظه الله فيدلي بدلوه بين الدلاء مشاركة منه في هذه الندوات القيمة التي أصبح لها صدة بعيد وبعيد جدا بين العلماء والمثقفين.
وإجمالا وتفصيلا فإن العصر العلوي يتميز- منذ المولى إسماعيل- برعاية العلم وتقدير العلماء، والتمسك بالسنة والعمل على نشر العلوم الإسلامية لبعث روح إسلامية حقة.

1 ) انظر ص 271 ج 2 طبعة فاس.
2 ) انظر ص 172 ج 8 طبعة دار الكتاب سنة 1956 م الدار لابيضاء.
3) طبع بالمطبعة الجديدة بفاس سنة 1347 هـ.
4) توجد نسخة منها بالخزانة الملكية رقم 5633.
5) توجد نسخة خطية منها بالخزانة الملكية تحت رقم 1323
6) طبعت بالمطبعة المولوية بفاس 1330هـ.
7) الإتحاف ج 5 ص 118- 119- 120- 121 لابن زيدان.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here