islamaumaroc

القرآن والمغرب المعاصر

  دعوة الحق

106 العدد

بينت في عدد سابق (1) عناية أهل المغرب الشديدة بالمحافظة على القرءان الكريم منذ الفتح الإسلامي إلى الآن، وأشرت إشارة عابرة إلى بعض مظاهر التخلف في ميدان العلوم القرآنية في الوقت الحاضر.
وأحب في هذا المقال أن أتوسع بعض الشيء في تبيان مظاهر التخلف هذه وبوادر الانتعاش مع الإتيان بمقترحات أرى أن العمل بها قد يساعد على بعث العلوم القرءانية بما يتفق والعصر الحاضر.
كان للتدهور السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي أصاب المغرب وبلغ مداه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل هذا القرن، كان لهذا التدهور أثر بالغ في انحطاط الحياة العلمية والثقافية وتفشي الجهل والبدع الضالة والابتعاد عن طريق السلف الصالح.
وقد كان حريا بالحركة الإصلاحية التي اختلط منهاجها السلطان محمد بن عبد الله وخاصة في ميدان التعليم الديني، كان حربا بهذه الحركة أن تؤتي نتائج طيبة لو استمرت وأتيح لها أن تلتقي بإطلالة السلطان الحسن الأول على الحضارة الغربية الحديثة التي حاول أن يستفيد من رقدها لولا ظروف معاكسة.
ومن حسن حظ المغرب أن أهله بقوا متمسكين بالقرءان الكريم محافظين عليه رغم جميع مظاهر التدهور التي سادت حياة البلاد. وهذه ظاهرة نلمسها في جميع أقطار العالم الإسلامي، وهي ذات أهمية بالغة جدا لارتباطها الوثيق بانبثاق دعوة الإصلاح والتجديد وانطلاقها من معاقل قرءانية ومرامي سلفية. وإليك مثلا الحركة الوهابية التي ظهرت في الحجاز في القرن الثامن عشر، والحركة السنوسية التي انبثقت في برقة أوائل القرن التاسع عشر، ودعوة جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، والكواكبي، ومحمد إقبال في المشرق؛ وعبد الحميد ابن باديس، والبشير الإبراهيمي، والعربي العلوي، وعلال الفاسي، والمكي الناصري، وتقي الدين الهلالي، في المغرب. إن تاريخ يقظة الشعوب الإسلامية مدين لرجال نبعهم الثقافي الأول هو القرءان الكريم.
بقيت الكتاتيب القرءانية المنبثة في حواضر المغرب وبواديه مهتمة بتعليم القرءان وتحفيظه مع تلقين أصول الرسم بطريق السماع والاستظهار؛ وقلة العناية بالتجويد والتفسير والقراءات، إذا استثنينا عددا ضئيلا جدا من العلماء كانوا يتجهون إلى هذه الناحية من علوم القرءان.
وقد سمعت عن بعض الثقاة أن من الشيوخ الأجلة، رحمهم الله، من كان يعتبر تفسير القرءان علما قد انقضى أهله، ولا يجوز لأحد من المتأخرين أن يشتغل به. ولعل ذلك كان منهم غيرة وحرصا على حفظ كلام الله من عبث التأويل والخوض في عصر تفشى فيه الجهل وتدهورت الأخلاق، ولكن هذه الظاهرة، كانت في نفس الوقت علامة الهزال الذي أصاب الحياة العلمية والدينية.
وشاء الله أن يظهر، بعد فترة يسيرة من سقوط المغرب تحت قبضة الحماية الأجنبية، رجال سلفيون مستنيرون دعوا إلى التحرر والتعلم والنهوض على أساس من هدى القرءان؛ وإذا كانت دعوة بعض هؤلاء الرجال قد اصطبغت بصبغة سياسية وطنية، بحكم حالة المغرب وظروفه إذ ذاك، فإن هذه الدعوة كانت في عمقها إسلامية سلفية.
وكان التفسير من العلوم القرءانية التي أصابها هذا الانتعاش السلفي، وتصدى له علماء من أمثال علال الفاسي ومحمد المكي الناصري وتقي الدين الهلالي.
وقد انتعشت بهؤلاء الرجال القلائل الحياة العلمية والسياسية والاجتماعية، بفضل الدروس التي كانوا يعقدونها في المساجد، والخطب التي يلقونها في شتى المناسبات، فضلا عن المقالات التي نشروها في جرائد ومجلات ظهرت في أوائل العقد الرابع من هذا القرن وما بعده.
وأدت المدارس الوطنية الحرة، التي تأسست في شتى المدن، قسطها الحيوي في هذا المجال بما لقنته للناشئين من تعاليم القرءان ولغته، فضلا عن العلوم الضرورية الأخرى.
وقد أتت سياسة « الظهير البربري» المعروف بنتائج عكسية، فبينما كان يريد الاستعمار تفرقة المغاربة والقضاء التدريجي على الشريعة الإسلامية في نواحي حيوية وغريزة على بلادنا، تجلت الوحدة الوطنية في أنصع مظاهرها، وأبدى المغاربة اعتصاما أشد بحبل الله المتين، وبكتابه الكريم.
وكانت الحركة التحريرية الوطنية، في جوهرها، حركة إسلامية سلفية، بحكم ثقافة قادتها الأولين، وبحكم طبيعة الشعب المغربي أيضا.
وإذا رجعنا إلى الموضوع الذي يعنينا بالذات، وهو « القرءان وعلومه»، فإننا نجد أن هذه المدة القصيرة و والمضطربة التي بينا  بعض ملامحها قد امتازت بما ظهر خلالها، من اهتمام بالتفسير والتجويد والرسم القرءاني، وكانت هذه المواد تلقن في كثير من مساجد المغرب ومدارسه الحرة. وساعدت المطبعة على دخول عدد من التفاسير إلى المغرب، وخاصة من مصر.
إلا أن هذه الحركة الطيبة، لم تكن مع الأسف شاملة عامة، فقد كانت المدارس التي أسستها إدارة الحماية، على قلتها تحاول بمكر وتحايل أن تبعد الناشئة المغربية عن دينها ولغتها وأن تفصلها عن جذورها الأصلية بواسطة برنامج محكم ومدبر.
ولسنا ننكر أن القرءان كان من ضمن المواد التي تلقن في المدارس الحكومية؛ إلا أن ذلك كان يجري بأسلوب منفر وطريقة عقيمة تتنافى مع الأصول التربوية التي كان من المفروض أن تكون من الأمور الجديدة التي تحملها معها « إدارة الحماية»
لقد رتب المسؤولون في ذلك الوقت كل شيء ترتيبا يجعل حصة القرءان واللغة العربية أبغض الحصص إلى تلاميذنا !
وكانت هذه الظاهرة سببا من الأسباب الكثيرة التي نفرت طائفة كبيرة من الشبيبة المتعلمة من تراثهم الديني واللغوي والتاريخي، فكان من ذلك ما نشاهده الآن، بعد حصول المغرب على استقلاله، من ضعف اهتمام الشبان بالقرءان لجهلهم به وبأسراره البيانية واللغوية وبما يتضمنه من تشريع وعبادات وما يدعو إليه من تأمل وتدبر.
وإذا كانت المدرسة « نموذج الحماية» تتحمل قسطا من المسؤولية في ذلك، فإن قسطا آخر من التبعية يقع على جمود طرق التلاوة وانحطاط فن التجويد وانعدام التفاسير القرءانية المبسطة المطبوعة طبعا أنيقا واضحا، فضلا عن جمود بعض العلماء وتزمتهم وتمسكهم بأساليب عقيمة فيما يلقونه من دروس وعظية في المساجد. ذلك أنه بالرغم من حركة التجديد والبعث التي تصدى لها بعض الرجال المصلحين، وخاصة بعد صدور الظهير البربري سنة 1930، فقد بقيت الأساليب الوعيظة الجامدة تسير في خط متواز مع حركة التجديد. على أن الجمود كان يحظى بتأييد المسؤولين، في ذلك الحين، وتشجيعهم في مقابل العنت والمحاربة الشديدة التي لقيتها دعوة الإصلاح والتجديد والتحرر. وإذا كان عالم مصلح جليل، مثل الأستاذ علال الفاسي، قد فاق، على الصعيد الوطني، كل العلماء الجامدين المسخرين، من حيث التأثير وبعث الهمم والتوجيه، فإن المشاغل السياسية والحزبية، وفترات النفي والتعطيل التي عاناها قد حدث بشكل محسوس، من تأثير دعوة الانبعاث الإسلامي التي كان من قادتها الأوائل.
ومثل ذلك يمكن أن يقال بالنسبة لعلماء مجددين آخرين.
وإني لأستطيع أن أجزم أن إدارة الحماية كانت تخشى حركة التجديد الديني والدعوة الإسلامية السلفية أكثر مما كانت تخشى الحركة الوطنية السياسية. ومن هنا كان تشجيعها للجمود والتزمت باسم احترام الدين.
وفضلا عما ذكرته من أساليب التعليم الرسمي وأغراضه إبان الحماية، ورعاية « الجمود والتنويم الديني»، فإن الكتاتيب التي كان لها فضل كبير في المحافظة على القرءان الكريم في المغرب، بعيدة عن أساليب التعليم الحديثة، وضعفت عنايتها بفن التجويد والتلاوة، وانحصرت مهمتها في تحفيظ القرءان الكريم مع اهتمام عرضي بالرسم القرءاني والوقف.
أما جامعة القرويين ومعاهد التعليم الديني في شتى مدن المغرب فقد انتعشت فيها الدراسات القرءانية منذ استقلال، وأصبح فيها «التفسير» على الخصوص من المواد الأساسية.
وتأسست في عدد من أنحاء المغرب جمعيات للمحافظة على القرءان الكريم، وجعلت من ضمن أهدافها العناية بالتجويد وتشجيع حفظ كتاب الله.
ونظمت الدروس الوعظية في المساجد، وخاصة في شهر رمضان المبارك، وكان لتفسير القرءان مكان ملحوظ في هذا الدروس.
وخصصت الإذاعة، والتفلزة حصصا منتظمة لتلاوى القرءان الكريم، وحصصا غير منتظمة للتفسير (وأخيرا يبدو أن هذه الحصص قد انتظمت بالدروس المفيدة القيمة التي يلقيها أستاذنا الجليل الشيخ محمد المكي الناصري).
ولا ريب أن حرمة القرءان الكريم ومكانته في نفوس المسلمين كافة باعتباره كتاب الله، أولا، ونبعا حضاريا وثقافيا هاما، ثانيا، يتطلبان مضاعفة الاهتمام بهذا الكتاب المقدس وبلعومه. والذي أراه في هذا الميدان :
- إحداث « معهد للمقرئين» يكون عمله مزدوجا : 1) تلقين فن التجويد لحفظة القرءان الكريم الذين تتوفر فيهم بعض الشروط الضرورية : (إتقان الحفظ، حلاوة الصوت، مستوى ثقافي معين لا يقل عن الشهادة الثانوية) مع تلقينهم مواد التفسير والرسم القرءاني وعلم القراءات). 2) إجازة المقرئين والإشراف على شؤونهم، بحيث لا يتصدر للتلاوة سوى حملة إجازة هذا المعهد.
- إحداث كرسي للعلوم القرءانية في كلية الآداب. ولا تخفى صلة هذه العلوم القوية باللغة وفقهها والأدب القديم وفنونه، وبالتاريخ الإسلامي أيضا.
- تجديد دروس التفسير والعلوم القرءانية الأخرى في جامعة القرويين وكلية ابن يوسف.
- العناية بنشر تفاسير مبسطة وتعميمها في المدارس الثانوية بصفة خاصة.
- نشر كتاب علمي ومبسط عن فن التجويد والوقف والرسم القرءاني والقراءات، وتقرير دراسته في المعاهد الدينية.
- إحداث حصة لتفسير القرءان في التلفزة، على ألا تتجاوز هذه الحصة عشر دقائق في اليوم.
وقد كانت ذكرى مرور أربعة عشر قرنا على نزول القرءان الكريم مناسبة احتفل فيها المغرب احتفالا رائعا، وظهر فيها تمسك هذا الشعب بكتاب الله العزيز. وعسى أن تكون هذه الذكرى العظيمة منطلقا جديدا لحياة جديدة تتجاوب فيها قيم الحياة العصرية مع القيم الإسلامية المثلى، وتنبعث فيها حضارة مغربية أصيلة ذات أبعاد إنسانية وروحية تستفيد من تقدم العصر ولا تتخلى عن جوهرها الأصيل المستمد من تعاليم القرءان وهديه.


1 ) « دعوة الحق»، يناير 1968.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here