islamaumaroc

حظ الدولة العلوية في نشر الكتاب

  دعوة الحق

106 العدد

العناية بكتاب الله تعالى شيء قد لا يحتاج إلى بحث وتدليل، إنه أمر أصبح بين المسلمين فطريا ينشأون عليه منذ الطفولة الأولى- من فجر نزوله إلى حد الساعة وإلى ما شاء الله خلوده، حيث يتلقاه الخلف عن السلف استظهارا في الصدور، مؤمنين بما ورد عن الرسول الأكرم في حامليه من فضل- فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشراف أمتي حملة القرآن وأصحاب الليل» كذا رواه البيهقي في شعب الإيمان، وفيه أيضا: ثلاثة لا يكترثون للحساب، ولا تفزعهم الصيحة، ولا يحزنهم الفزع الأكبر- حامل القرآن يؤديه إلى الله، يقدم على ربه سيدا شريفا حتى يرافق المرسلين، الحديث. وروى البخاري في صحيحه عن عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ونصه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه».
وكان الإمام أبو عبد الرحمن السلمي التابعي الجليل يقول لما يروي هذا الحديث عن عثمان: هذا الذي أقعدني مقعدي هذا- يشير إلى كونه جالسا في المسجد الجامع في الكوفة يعلم القرآن ويقرئه مع جلالة قدره، وكثرة علمه، وحاجة الناس إلى علمه، وبقي يقرئ الناس بجامع الكوفة أكثر من أربعين سنة، وعليه قرأ  الحسن والحسين رضي الله عنهما.
ومن وراء هذه الحالة الخالدة، والانبعاث الجديد، والطفرة الموفقة التي كان الفوز فيها حليف المغاربة إذ فكر المسلمون وبناة قواعد الدين تفكيرا جديا في إخوانهم البرابرة من الناحية الثقافية أو التعليمية بتعبير أوضح حسب الوضعية التي كانوا عليها لأول عهدهم بالإسلام حيث جاء التعرف بدينه الحنيف وتفهمه، وتعلم لغته.
وكان من ألطاف الله تعالى- أن ألهم الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز- فبادر رحمة الله عليه للأمر بتعليم البربر الإسلام بمجرد جلوسه على عرش الخلافة سنة 99- 717 م، فوجه عشرة من التابعين وصلاح العرب لتعريف الناس بأمور دينهم، وكان من بين هؤلاء المعلمين حبان بن أبي جبلة.
ولم يكن للراغبين في الإسلام من أهل المغرب مفر من اللجوء في تعرف أمور الدين إلى العرب رسل الرسالة، وهداة الشعوب.
فهذا القائد موسى بن نصير الوارد على المغرب بعد حسان بن النعمان سنة 87- 705 اهتم اهتماما كبيرا بالزيادة في نشر الدين واللغة العربية، ورتب طائفة من العرب ليعلموا البربر القرآن (1) وفرائض الإسلام، وأدخل في حظيرة الإسلام والعروبة أصقاعا شاسعة بالمغرب الأقصى، وجعل مولاه طارقا عليه
حيث عاصمته (عروس المغرب) طنجة. هكذا توالت أفواج الهداة والقراء عبر التاريخ ترد على المغرب رغبة في تعليمه وتثقيفه وبث آي القرآن في صدور أبنائه، دولة تلو أخرى، إلى أن أتى الله بالدولة العلوية الشريفة، فكان حظها في نشر الكتاب وفتح معاهده، واختيار ملقنيه أوفر نصيبا، وأسمى عناية، فقد عنيت برواتب قراء أحزابه بالمساجد صباح مساء، فضلا عما كان يحبسه بعض الموفقين من أبناء المغرب على مجوديه ومحسني تلاوته في أيام معينة خاصة أيام رمضان، حيث يقطعون لياليه المشهودة في تراويحه، حتى إن من المحسنين من يفتحون بيوتهم في رمضان لحفاظ الكتاب الكريم فتختم بمنازلهم ختمات يغتنمون فضائلها كأسرهم مستمعين لآي الذكر الحكيم تتردد في أركان بيوتهم وقد تأثروا بها راكعين ساجدين، خاضعين متضرعين إلى منزله وحافظه، (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9].
وإذا علمنا أن القرآن أنزل على سبعة أحرف- وحملناها على القرءات السبع- فللمغاربة في استظهار القرءان بأحرفه ورواياته قصب السبق واليد الطولى في تحمل هذه الروايات بالأخص السبع منها- رواية نافع- وابن كثير، وأبي عمرو البصري، وابن عامر، وعلي الكسالي، وعاصم، وحمزة.
وكانت قراءة المغاربة للعهود الأولى برواية حمزة وحرفه، ولما رحل محمد بن خيرون الأندلسي الأصل، القيرواني الدار، إلى الشرق صدر المائة الرابعة - حمل إلى المغرب قراءة نافع المدني شيخ مالك إمام دار الهجرة ( وجاره في تراب البقيع) بالمدينة المنورة.
نعم اختار أهل المغرب قراءة أحد رواييه - أبي سعيد عثمان المصري الملقب بورش (2). ولم يمنع هذا أن تعاطي المغاربة دراسة باقي الروايات السبع بل العشر - فقد اعتنت دولتنا العلوية الشريفة بتهيء مدارس وزوايا لدراسة القرءان برواياته وأحرفه في عدة نواحي، فتلك زاوية سيدي زوين - وزاوية زرهون (مدفن المولى إدريس الأكبر - الفاتح)، وسواها من الزوايا والكتاتيب المنتشرة في السهول والجبال، التي أسست على بث القرءان في الناشئين على اختلاف رواياته، فضلا عن الدراسات القرءانية التي كانت تعج بها المساجد بالأخص كلية القرويين - ما شئت من دراسة منظومات ابن بر الرباطي التازي (3) وأبي الخير شمس الدين محمد الجزري - ولامية أبي محمد قاسم الرعيني الشاطبي وسواها من المصنفات في الفن الذي وجد تشجيعا على السير قدما تدريسا وتأليفا، حيث انبرى لذلك جمهرة من علماء المغرب كأبي عبد الله محمد (4) بن أبي جمعة الهبطي، فاعتنى بوضع وقف آيات الكتاب الذي جرى عليه أهل المغرب، نعم وقع له شيء خفيف في بعض الوقفات، ذلك ما حفز العلامة الصوفي محمد بن المهدي بن أحمد الفاسي (شارح دليل الخيرات)- لوضع رسالة ضمنها أحكام تلك المواضيع سماها: « الدرة الغراء في وقف القراء»، كما ألف في الموضوع تأليفا مستقلا الأستاذ محمد بن عبد السلام الفاسي، وقد أخبر الأستاذ محمد المعاشي شيخ شيخنا المحدث الكبير أبي شعيب الدكالي المرحوم الأستاذ المكي بربيش قائلا: كان بدكالة 18 أستاذا يدرسون الجعبري (5).
ومن رجالات الفن ورواده المغاربة- الشريف الأستاذ شيخ القراء في عصره تـ1257- 1841 أبو العلاء إدريس ابن عبد الله الودغيري الحسني الشهير بالبكراوي، كان مجودا للقراءة لا يضارعه أحد في التجويد، وإليه المرجع في علوم القراءة، أخذها عن الشيخ محمد بن عبد السلام الفاسي صاحب الحاشية على الجعبري على الشاطبية عن الأستاذ عبد الرحمن (6) المنجرة عن والده إدريس؛ ومن مؤلفات الشيخ المنجرة هذا- شرحه، نظم السجلماسي في الهمز وكيف يوقف عليه.
وقد لا يبعد أن تكون هذه الأستاذية تسلسلت منحدرة من أبي الحسن علي بن عيسى الراشدي أستاذ القراءات في الدولة السعدية- وقواعد اللغة والأدب - استهل عمله العلمي في فاس بتدريس الكراريس - المنظومات الأولية المتعلقة بضبط القرءان ورسمه وتجويده، ثم أسند إليه كرسي الشاطبية الكبرى بمسجد الشرفاء.
والدولة العلية بالله لا تألو جهدا في النهوض بالميدان العلمي خاصة القرءان وعلومه، فقد رتبت جماعة من حفاظه لقراءة الحزب يوميا بالروايات السبع - بفاس ومكناس والرباط - أدركنا طائفة من المهرة فيها يقرأون الحزب بالأحرف السبعة عقب صلاة العصر بالزاوية الرحمانية بالرباط، هم الأساتذة: محمد المهدي متجنوش، والعربي الزناتي، وصالح بن عسيلة الضريرين، ومحمد المدور، ومحمد الشاذلي، والمكي ابن أحمد بربيش. (7) رحم الله الجميع.
ومما انتجته تلك التلاوة الجماعية بالروايات - أن قامت هيأة من طلبة الرباط وعلى رأسها الأستاذ المرحوم المكي بربيش المذكور، فطلبت من شيخنا الحافظ أبي شعيب الدكالي أن يدرس معها لامية الشاطبي وفعلا أجاب الرغبة وقرأها معهم بشرح المقرئ ابن القاصح بالزاوية الناصرية التي كانت بها جل دروسه(8).
ومن مبرات الدولة وتوفيرها لحاملي القرءان لاسيما دارسيه بالسبع أو العشر إعفاؤهم من التكاليف والمشاق كيفما كان نوعها اعتبارا لاصطفائهم وامتيازهم عن الغير(9)، وقد تجلى هذا المدلول في عصر الحسن الأول قدس الله روحه، بل كان نفس المعنى يشمل علية العلماء وحفاظ كبريات المتون العلمية، كمختصر الشيخ خليل.
وقد يبدو أن ذلك منهم كان (علاوة على الاحترام) تنشيطا لهم على أداء رسالة التبليغ في انشراح وبعد عن كل ما يمكنه أن يشغل الفكر ويقف حجر عثرة في السير المنتظم الرتيب، حفاظا على هذا القطاع الثقافي المقدس.
فكان ملوك الدولة ينظرون بعيدا إلى المرافق من جميع جوانبها واضعين الأشياء موضعها، حيث يسود الاستقرار والطمأنينة؛ ومن العناية التي جبلوا عليها أنهم كانوا يختارون للتراويح في رمضان حفاظا مهرة في القرءان وتجويده من الرباط وسلا طوال ليالي رمضان.
وإن يفتخر المغرب اليوم رافعا رأسه بين بقية الأمم الإسلامية ومحلقا في أجواء العناية الربانية - فليفتخر بالذكرى المقدسة التي أقامها الملك المعظم الحسن الثاني أيده الله في رمضان ( 1387 - 1968 )    « ذكرى مرور أربعة عشر قرنا على نزول القرءان».
فألقى حفظه الله ليلة القدر بعد صلاة العشاء بمسجد أهل فاس قرب القصر - خطابا فيما حضره أعضاء الدولة، والسفراء المسلمون، وعلماء الشعب، والعلماء المدعون من سائر الأقطار الإسلامية.
ذكرى هزت النفوس وأحيت القلوب - فامتاز رمضان المبارك بإشراقاتها مما لم يسبق له نظير فيما عشناه وعهدناه.
فقد لمعت آيات الكتاب المبين في الصدور، ودوت رنات الوحي في أعماق المومنين، وشعت الأنوار في الأركان، وتمنى كل مسلم لو تطول تلك الأيام ويمتد زمان رمضان أكثر - فضلا عن الدروس السلطانية التي كان يرأسها الحسن الثاني حفظه الله، وعلاوة على المهرجانات الأخرى التي أقيمت كارهاصات للذكرى، وما كانت تعج به المساجد والأندية من دروس ومحاضرات؛ وقد لا ينسى التاريخ الكلمات الارتجالية التي فاه بها الملك المعظم حفظه الله - كإجابة عن تهنئة علماء الإسلام له بمناسبة عيد الفطر السعيد التي كانت كلها توجيهات ناهضة محركة تفيض صدقا وإيمانا جاء فيها:
« جهادنا - هو العمل على أن يصير كتاب الله عملة خلقية وإنسانية وقانونية».
ولقد تفضل حضرة وزير التربية الوطنية أخونا الأستاذ السيد عبد الهادي بوطالب - فتحدث عن المهرجانات والذكريات التي أقيمت في رمضان (1387-1968) محللا ما احتوته من مفاهيم ومدلولات (بواسطة التلفزة) بما يشفي ويكفي.

1 ) على نحو ما كان في الشرق ومهبط الوحي.
2 ) رحل من مصر إلى المدينة سنة 155 وقرأ على نافع ختمات ورجع إلى مصر حيث انتهت إليه رياسة الإقراء بها.
3) نسبة إلى رباط تازا- عتبة المغرب، أحد كتاب الدولة المرينية.
4) توفي سنة 1135.
5) وهذه الظاهرة وحدها تدل القارئ على النهضة العلمية القرآنية التي كان يتوفر عليها المغرب في ناحية من نواحيه فكيف إلى آخره ؟.
6) تاريخ 1179هـ.
7) أخذ عنه الكاتب القرءان برواية ابن كثير، وأجازه بما أجيز به من طرف الأستاذ محمد المهدي متجنوش.
8) ولاحظ أثناء دروسه ملاحظات على وقفات الشيخ الهبطي المشار إليه في صلب الكلمة لا أطيل بذكرها.
9) يقول الله تعالى في سورة فاطر الآية 32: « ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا»، الآية.


 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here