islamaumaroc

لمحات من دنيا الفكر الديني في عهد العلويين

  دعوة الحق

106 العدد

تقوم الثقافة الدينية- في أساسها- على معرفة القرآن الكريم نصا وفهما، والإلمام بالحديث رواية ودراية، ثم يأتي بعد ذلك العلم بالفروع على مناحيها الكثيرة كما هي في كتب الفروع. والواقع أنه يرتبط بموضوع الثقافة الدينية هذه، أسس فكرية عميقة الجذور في كل تاريخ الفكر عند المسلمين، وتنبني عليها في المجتمعات الإسلامية قيم ومواضعات فكرية وثقافية وحضارية، هي من أخص خصائص الفكر الإسلامي في كل العصور وأبرز مقوماته.
وقد عرف عن المغرب، عرافته في هذا المجال، وأصالة الفكر الديني في المجتمع المغربي بقدر أصالة مناح كثيرة من مناحي العلم في هذا المجتمع.
وللدولة العلوية في هذا المجال، سجل حافل، سجل ينطوي على فصول طويلة يبدو من خلالها الكثير مما عرفته الثقافة الدينية القرآنية من توسع وثغور خلال عهد الأشراف العلويين، وما تحقق في مضمار الفكر الديني خلال القرون الأخيرة من تبلورات إصلاحية مهمة.
وفي هذه العجالة، لا نطمع في الإتيان بلوحة مفصلة، ووافية التعبير، وإنما هي لمحات من هذه الدنيا، لمحات من دنيا الفكر الديني- القرآني عند عهد العلويين، نسوقها في هذا الإطار المحدود الذي يتسع له العدد وبطبيعة الحال، فالمجال المتوافر الآن لا يسمح بالتبسيط كثيرا في الموضوع بقدر ما يجب.

قيام الدولة العلوية كان بطبيعة  الحال، تطورا فكريا أساسيا في تاريخ المغرب، بقدر ما كان ذلك أيضا تطورا سياسيا له انعكاساته الداخلية والخارجية؛ والملابسات السياسية، أو الجوانب السياسية التي تتمثل من خلال هذا الموضوع، لا تدخل- بالضرورة- في إطار المسائل التي نتناولها في هذه العجالة؛ إلا أن ذلك لا يمنع من الإقرار بالصلة الحقيقة بين الفكر والثقافة والسياسة، والتواصل أو التفاعل الموجود في العادة بين هذا أو ذاك في كل ظرف من ظروف التاريخ هنا أو هناك؛ وقد قامت الدولة العلوية- في ظرف تاريخي فريد من تاريخ المغرب، اجتاحت فيه النفسية المغربية احساسات عميقة بالمخاطر الجذرية التي تهدد المعاني العربية والإسلامية المتمثلة في الكيان الدولي المغربي، والتي كانت تواجه أقسى تحد واجهته  من قبل، تحد موجه إليها من قبل التوسعية البرتغالية؛ وما يرتبط بهذه المواجهة من ملابسات شعورية دينية، إلى جانب الملابسات الأخرى  ذات الصبغة السياسية والاقتصادية الصرفة؛ وكان من أولى النتائج المترتبة عن ذلك، سيادة عقلية الحفاظ على الكيان الديني والحضاري للمسلمين المغاربة، وقد اكتست الحرب الدائرة آنئذ صبغة جهاد ديني كان يشارك فيه علماء الوقت وقراؤه بما يرجى من ذلك من ثواب عظيم !
وفي هذا الظرف من تبلورات الحماس الديني عند سكان هذه البلاد، كان قيام الدولة العلوية كعامل حاسم في هذا المجال، عامل مستقطب لمجموع المشاعر الجهادية عند المجاهدين، ومبلور للإدارة القائمة على المحافظة على الكيان الإسلامي في هذه البلاد !
وقد استقرت جذور الدولة على أساس متين، واستقرت معها « بطبيعة الحال» معاني العزة الدينية التي كانت في أساس الحركة الجهادية ضد البرتغال هذا إلى معاني المحافظة السياسة ضد ذلك الغزو الأجنبي الواسع؛ ومن المعلوم أن الحفاظ على المقوم الديني والمقوم السياسي- في مضمون الكيان المغربي- ما فتئا يتمازجان باستمرار في المفهوم الذي ساد عقلية المجتمع الإسلامي المغربي على امتداد العصور، ولا يعني هذا- طبعا- أن ظروف الغزو، والجهاد هي التي خلقت للشعور الديني مجالا، كان معتدما من قبل، فالشعور الديني والفكر الديني، كل ذلك كان حقيقة قائمة وأصيلة في كيان المجتمع الإسلامي المغربي؛ إلا أن الذي لا ينكر كذلك هو أن حالة الشعور بالتهديد ضد الوجود السياسي المغربي- بما يرتبط بهذا الوجود من ملابسات دينية وحضارية إسلامية، ثم ما دعا إليه الشعور بذلك التهديد من ظهور قوة فتية في الميدان، هي القوة العلوية، القائمة في أساسها على العمل من أجل إنقاذ التراث الروحي والحضاري للأمة المغربية الإسلامية. وبلورة أساس قوي لرد التحدي المضاد لهذا التراث، واستبقاء الكيان الروحي والحضاري محتفظا بأصالته ومناعته- لا ينكر أنه كان لكل هذه العوامل جميعا، أثر جذري في بعث روحي جديد بالمغرب، وتزويد الشرايين المغربية بدم فكري جديد، يتفق مع مبدأ المحافظة الدينية الذي هو أساسي في مزاج الشعب المغربي، ويستجيب للمقتضيات الثقافية والحضارية التي- وإن بقي جوهرها باستمرار- إلا أنها قابلة في العادة لعوامل التجديد الإيجابي المثمر!
وكان من المنتظر حينئذ أن يعيش المغرب حالة استمرار لأصالة الفكر الديني والحضاري عنده، كما كان من المنتظر أيضا أن يعيش حالة تبلور جديد في الروح والنهج الذي يقوم عليه هذا الفكر الديني والحضاري، وذلك في نطاق المعنى الأعم الذي قامت عليه الدولة، وهو معنى مستخلص من تجارب الأجيال المغربية المتعاقبة. ومن نتائج الاقتناعات المغربية بعيدة  الأمد، في مضمار الإحساس بالدين وتعقل روحه ومقتضياته واستمداداته، ومن ثم، كان لابد من انفتاح مزيد من الآفاق أمام الفكر الديني بالمغرب، وكان من اللازم أن تنطوي هذه الآفاق على معالم جديدة، يفرضها واقع الفكر العام الجديد الذي عاشه المغرب إثر قيام الدولة العلوية بين ربوعه؛ ومن هذه المعالم التي يمكن ملاحظتها :
1) انمحاء أثر التيارات المتعارضة هنا وهناك، وتبلور النزعات السياسية الدينية، في محور متمركز، يستقطب مختلف القوى والعوامل بهذا الصدد، ويستجمع بذلك صفة المحورية ما تقتضيه من تكثيل وتركيز، وما ينتج عن كل ذلك من توحيد المصادر والاتجاهات، التوحيد الذي هو ضروري لنمو كل طاقة قوية، واشتدادها واغتناء محتواها؛ أن الصلة بين قيام الدولة العلوية، والتوحيد من هذا القبيل، الذي حدث على نطاق واسع- هذه الصلة هي عبارة عن دقيقة بدهية قائمة، لا يحتاج اثباتها إلى استدلال، إلى أن الذي يجب لفت النظر إليه في مضمونها، هو الجانب الفكري الديني المتعلق بهذا التوحيد؛ وهو جانب من أهم الجوانب، أن لم يكن أخطر الجوانب على الإطلاق، وقد كان المجتمع المغربي من هذه الناحية، الناحية الدينية، معرضا لمحاذير «تعدد المحاور» وتضاربها، ومن هذا الباب دون غيره، كانت إمكانيات المغرب السياسية والاقتصادية وغيرها، معرضة على نحو آلي، وبصورة كاسحة لأمرد لها، معرضة لتوزع المحذور منه؛ ومن هذا الباب أيضا، انفتح أمام المغرب المجال الواسع، الذي أدى به إلى الاحتفاظ بكيانه الموحد في المجالات الأخرى من سياسة وغيرها؛ ومن ثم يستمد التطور الفكري الديني الذي وقع، أهميته التاريخية، وهي أهمية، تستمد وجودها من الظرف التاريخي الموجود حينئذ، ومن حقائق الشعب المغربي الروحية والمزاجية، ومن ضخامة العامل المستقطب لكل هذه العوامل، وهو العامل المتمثل في القوة العلوية التي برزت في الميدان.
2) استرداد المغرب قدرته على اتخاذ المبادرة في مجال التضامن مع البلدان الإسلامية، وبناء العلاقات الإيجابية معها؛ وقد كان تاريخ المغرب في عمومه- تاريخ تضامن مع القضية الإسلامية في الأندلس وفي غير الأندلس؛ ولما أصبح المغرب في غضون القرن التاسع، فاقدا لزمام المبادرة، ضاعت الأندلس الإسلامية بصورة حاسمة، ثم استرجع المغرب بعض القدرة على العمل ولكنه سرعان ما فقدها بعد ذلك، إلى أن تمت له القدرة التضامنية، بكل ما لها من فاعلية، وذلك إثر حدوث التطور، الذي أدى إلى قيام الدولة العلوية؛ وبطبيعة الحال، فإن صورة التضامن لم يكن من اللازم، أن تكتسي نفس الصورة التي كان عليها الأمر في خلال العهد العربي بالأندلس، وذلك لتغير الظروف والأوضاع العالمية على نحو حاسم. لكن التضامن الإسلامي الذي حصل- على نطاق واسع- بين المغرب العلوي والدول الإسلامية غيره، اصطبغ بصبغة فعالة وايجابية جدا، تتناسب مع ما أصبح له من إمكانيات واسعة كدولة إسلامية ذات تراء وقدرة وتنظيم؛ وقد تمثل التضامن المغربي الإسلامي من هذا القبيل في مظاهر عدة، كان من بينها : التفاوض مع الدول المسيحية في شأن إطلاق سراح الأسارى المسلمين، وتمويل عمليات الإطلاق هذه في كثير من الأحيان، وتزويد المجهود الحربي للدول الإسلامية الواقعة في حالة حرب مع الأجانب إلى غير ذلك مما في هذا المعنى؛ كما تمثلت العلاقات المغربية مع المسلمين أيضا في مجال الفكر والثقافة الدينية، كما في غير ذلك من مجالات الثقافة؛ والواقع أن هذا الجانب الأخير، جانب التفاعل بين المغرب العلوي وأقطار إسلامية غيره- الواقع أن هذا الجانب هو ذو قيمة كبيرة في سجلات التاريخ الفكري للمغرب، وإذا قارن المرء  بين سرعة وفاعلية الاستجابة المغربية لوقائع التطور الفكري الديني في العالم الإسلامي، وبين موقع المغرب، الواقع في الطرف الأقصى من العالم الإسلامي، والأدنى إلى أوروبا من كل أقطار المسلمين على الإطلاق- إذا ما قارن المرء بين هذا وذاك، تبين له مقدار الحيوية التي توافرت للمغرب في هذا المجال، وسعة المجال التاريخي الذي يتمكن من افتتاحه على أوسع نطاق.
3) كان قيام الدولة العلوية، كما سلف لنا- حدثا فكريا وحضاريا، بقدر ما كان حدثا سياسيا كذلك، ويتجلى هذا، علاوة على ما تقدم- يتجلى في موضوع الإطار الذي يحتوي القيم العقائدية الدينية في المجتمع الإسلامي المغربي؛ والملحوظ في تاريخ المغرب الإسلامي. أنه تاريخ عقيدة واحدة مستمرة حقا، وهي الإسلام، لكن الإطار الذي تتحقق في مضماره العقيدة- وهو إطار لا يمس الجوهر في شيء- كانت تحدث فيه بعض التبلورات- على نحو أو آخر، خلال تتابع مراحل التاريخ المغربي، ومن ثم، فإن القضية العقائدية الدينية كان لها في مجال التاريخ المغربي شاو كبير، وقد صاحب النظر العقائدي بالفعل، تطورات السياسة المغربية منذ القرون الأولى، وبالأخص خلال القرنين الخامس والسادس الهجريين، حيث تأرجح المغرب بين تيار محافظ جدا، هو الذي ساده على عهد اللمتونيين، وبين تيار فكري ديني آخر، مضاد للأول في كثير من المناحي، وهو الذي شمل المغرب خلال عصر الموحدين، وكان كل من التيارين الفكريين اللمتوني والموحدي، مجرد مرحلة من مراحل التاريخ الفكري للمغرب، مثل ما مر من مثل هذه المراحل في تاريخ العرب الفكري بالشرق أيضا؛ وبظهور الدولة العلوية، كان المغرب على أبواب نحوله الفكري الجديد الذي كان لابد أن يسلمه إلى التطورات الفكرية المعاصرة التي نعيشها اليوم؛ وكانت بذور من ذلك أيضا في بلاد المشرق العربي تختمر وتنمو مع الأمد الطويل، لتتبلور في الصورة التي وقعت بها النهضة الفكرية ببلاد الشرق، وفي مضمونها فكرة مراجعة المفاهيم الدينية، التي تعقدت في المجتمعات الإسلامية، وتغلغت بما يتناقض أحيانا مع سلامة وفطريته وتلقائيته؛ وقد وقع التفتح المضاد لذلك الانغلاق، الانغلاق الذي استحطمت حلقاته مع القرون؛ واكتسى التفتح الجديد في الشرق، صورة الفكرة السلفية، فكرة الرجوع إلى عقائد السلف الصالح الذي لم تتغلف مفاهيمهم العقائدية بالتعقيدات التي فرضتها ظروف مختلفة عاشها المسلمون طوال القرون، فتكيفوا بكيفها، سواء في نظرتهم العلمية أو بعض مفاهيمهم العقائدية؛ وكما فرض التفتح ذاك ما فرضه في ميدان المفاهيم العقائدية؛ فقد كان من نتيجة ذلك التفتح أيضا أن خلق أفكارا مضادة للتقليد المطلق في فقه الأحكام والشعائر وغيرها؛ وفي ضمن هذا النوازع التطورية، ظهر القرآن والحديث- كما كانا دائما- مادتين حيويتين أساسيتين، وليس لهما من ثان في أهميتهما كوسيلتين لاغناء الفقه الإسلامي وتطويره، والتوفيق- في نطاقه- بين مقتضيات الالتزام بروح السلف الصالح، وروح التغيير المستمر الذي تفرضه ضرورة العصر وموجبات الحياة المتغيرة؛ وقد كان المغرب العلوي، مجال تبلورات فكرية رائدة من هذا القبيل؛ والملاحظ أن الحركة الفكرية هذه، قد وجدت سندها المباشر في ملوك علماء ومفكرين من طراز المولى محمد بن عبد الله والمولى سليمان حيث أن هذين الملكين، لم يكن عملهما في هذا المجال مجرد مسايرة لتيار إصلاحي راياه صالحا فآزراه، بل إنهما كانا رائدين كبيرين في مجال هذا التيار، وساهما فيه بالقدر الذي جعل منه حركة نهوض وتطور مهم جدا في تاريخ المغرب الفكري الحديث.
الصور التي عرضنا لها في غضون الفقرة السالفة، تصلح كإطار لإدراك بعض الملابسات التي تحيط بموضوع القرءان، وموقف للاهتمام الكبير الذي كان  يتخذه الملوك العلويين إزاء الكتاب الكريم، عاملين على نشره والتشجيع على الإقبال عليه، ومقبلين في ذات الوقت على مدارسته، ومجالسة علمائه، والأخذ عنهم، والإعطاء لهم أيضا، بل وإعطاء العموم من ذلك نصيبا غير يسير؛ لقد عرف عن الملوك العلويين الكثير من هذا القبيل، ويمكننا أن نسوق العديد من الأمثلة والشواهد على ذلك؛ وفي المراجع المغربية كالإتحاف لابن زيدان صور كثيرة من هذا المعنى تشير في عمومها إلى ما كان هناك في حظيرة الدولة العلوية من عناية بأمر القرآن الكريم، وبروز هذه العناية في مظاهر شتى تتمثل تارة في إجراء الأوقاف على قراءته، وطورا آخر في تبجيل حملته وإكرامهم، إلى غير ذلك مما في هذا المعنى.
ونورد على سبيل التذكرة، بعض النماذج السريعة التي ساقها صاحب الإتحاف في هذا المجال؛ ومن ذلك وصفه لإجراء الشعائر التي يتلى فيها القرآن كصلاة التراويح مثلا، وكيف كان يقع الاحتفال بها من طرف المولى الحسن الأول، في جو من الحفاوة البالغة عظيم؛ ومن الصور أيضا، الظهير الذي كان أصدره المولى محمد بن عبد الرحمن تكريما وتوقيرا لشيخه في القرآن، الشيخ محمد بن عبد الواحد الزجلي، وجاء في ضمن ذلك الظهير كما ساقه صاحب الإتحاف، وكان صدوره لفائدة أحفاد الشيخ « وجعلناهم على كاهل المبرة والأنعام،» والرعي الجميل المستدام، وأسقطنا عنهم التكاليف المخزنية، والوظائف السلطانية، لما لجدهم علينا من الحق بتعليم كتاب الله العزيز ...» وهذه العبارة الأخيرة هي المراد من سوق هذه الفقرات، وذلك لما تشير إليه من تقدير كبير لحامل الكتاب الشريف، وهو تقدير يعكس صورة عن الروح السائدة بهذا الصدد، في حظيرة المغرب العلوي؛ وهذا التقدير هو جانب من جوانب الصورة التي تعرض لها بصدد ما نتناوله في إطار هذا الموضوع. أما الجانب الآخر، فهو الذي نود التوسع فيه نسبيا، أكثر من غيره من الجوانب، وهو يرتبط بمجموع قضية الفكر والثقافة في هذه البلاد، ويشير بصورة أخص إلى سابقية الوعي العلمي في المغرب وأصالة حركة الإصلاح والتطور الفكري بالوطن المغربي؛ ونلمس كل ذلك- كما يحدده موضوعنا- نلمسه من زاوية الثقافة الدينية- القرآنية بالأخص، ولذلك ارتباط بما أشرنا إليه من أمر الفكرة السلفية؛ والفكرة السلفية- كما نعلم- لها إطار واسع، يستوعب في مضمونه معطيات متمازجة من الدين والعلم والفكر؛ ومن ثم، فهي- في صورتها المألوفة- حركة دينية وعلمية وفكرية في نفس الوقت؛ وفي هذا المجال تتخذ قضية العناية بالقرآن في المغرب العلوي مدلولها العرفاني، مثل ما تتخذ من مدلول روحي صرف.
إن الدراسات القرآنية هي- بطبيعة الحال- ذات شأن رئيسي في كل دراسة دينية إسلامية، ومن مدلولات القرآن المعنوية والتعبيرية، تستخلص أهم القضايا الدالة على روح الإسلام وأحكامه ومقتضياته؛ وإذا كان هذا صحيحا بالنسبة إلى كل دراسة إسلامية مجردة، فإنه صحيح بالأولى والأخرى بالنسبة إلى الدراسات الدينية القائمة في نطاق الروح السلفية، والمستهدفة في الأساس إدراك الحقائق الدينية التي يستمدها الاتجاه السلفي من القرآن أكثر مما يستمدها من غيره؛ وعلى هذا، نجد أن الاتجاه للقرآن عند الملوك العلويين يدخل في نطاق أعم من مجرد الرغبة في التبرك بالكتاب المبين؛ والنطاق الأعم الذي نقصد هو النطاق العرفاني، بما كل ما يدعو إليه من اهتمامات علمية، ليس هناك غنى عنها بالنسبة لنزعة سلفية واعية، وكان لهذه الإهتمامت العلمية نتائجها اللازمة، ومن هذه النتائج :( أولا) امتزاج الإقبال على دراسة القرآن بالإقبال أيضا على الدراسات الحديثية، والقرآن والحديث هما قطبا الرحى في كل أساس علمي تقوم عليه النزعة السلفية أو تقتضيه الفكرة السلفية؛ إن معيار السلفية هو صحة المأخذ عن الرسول في الأحكام والعقائد سواء فيما أتى به وحيا من ربه، وهو القرآن أو ما نطق به من أحاديث ( والحديث- كما نعلم- مادة أساسية وواسعة لفهم الإسلام بعد القرآن، ولذلك كان لابد من التقاء الاهتمام بهما معا ليتم من ذلك مفهوم صحيح ومتكامل للفكرة الدينية من ينابيعها الأصلية، وهي ينابيع غنية ووافية بما يتطلب في هذا المجال (2) ظهور فكرة الإصلاح والتطوير على فكرة المتابعة والمسايرة؛ لقد عقمت أساليب التناقل العلمي وتجمدت عند حدود روتينية تفتقر أكثر ما تفتقر لله- تفتقر إلى تحقيق المقصود من صقل الملكات، واستشارة العقول وإكسابها القدرة على الإبداع؛ وقد أصيب تدريس العلوم الدينية بذلك، كما أصيب تدريس غيرها من العلوم؛ وكانت مظاهر ذلك بادية في مختلف الأقطار العربية؛ أما المغرب العلوي فقد عرف تطورا هاما جدا في هذا الشأن، إذ صاحب فكرة السلفية فيه، بما تقتضيه من إقبال على السنة والكتاب- صاحبتها أيضا فكرة تطوير الأساليب المنبعة في تدريس العلم الديني، بما في ذلك أساليب تدريس القرآن الكريم، الذي- كما نعلم- هو باب المسلم إلى ارتياد المجالات العرفانية الدينية الواسعة، لا أن يقتصر فيه على الحفظ المجرد، ولو أن الحفظ في حد ذاته شيئا مطلوبا، إلا أن الكتاب الكريم، أنزل للتدبر فيه، واستخلاص العبرة والفائدة منه، فيما ينفع الناس في دينهم ودنياهم؛ ولا شك أن الفكرة هذه، تبدوا الآن فكرة مألوفة ولا توجد تنبيها لها، لأنها من الباديهيات المسلم بها؛ غير أننا إذا وضعنا الأمر في إطاره الزمني المناسب، وأرجعنا الدعوة لهذه الفكرة إلى العصر الذي راجت فيه، لرأينا حينئذ أنها كانت فكرة ثورية رائدة، وأنها كانت من أجدى الفكر وأكثرها إنضواء على المعاني الإيجابية الخصبة، وذلك لما كانت تعانيه المجتمعات العربية حينئذ من عقم أساليب التعلم، وفشو ذلك فشوا شاملا لجميع قطاعات الحياة العلمية العربية، وتواضع الناس على أساليبهم تلك، وعجم استعدادهم بسهولة لتقبل تغييرات التطوير التي تقترح عليهم في ذلك. (3) إفادة الخزانة المغربية من هذه الحركة الفكرية المتطورة، وذلك بما أدت إليه الحركة من حمل روادها على توضيح مفاهيمهم وشرحها للناس، والإتيان بالنماذج والصور التي يجب أن تحتدى في هذا المجال؛ ومن ذلك كان العدد المهم من الكتب والرسائل التي صدرت بهذا المعنى، وبقيت في سجلات الخزانة المغربية، وثائق شاهدة على فترة عظيمة من فترات التاريخ العلمي المغربي.
ولنتناول الآن بعض الأمثلة على النقط التي أوردنا، وقد كان المولى محمد بن عبد الله، الرائد الأول في هذا المجال؛ ويتمثل في هذا الملك العالم المفكر، ما تقدم أن ذكر، من تمازج الدراسة الحديثية بأمر القرآن، وذلك في نطاق الفكرة السلفية التي تقوم على هذين السندين العظيمين؛ وقد اشتهر المولى محمد بن عبد الله برواية الحديث وإدراك معانيه، ويورد الناصري في ذلك قوله : « ... وكانت له عناية كبيرة بذلك، وجلب من بلاد المشرق كتبا نفيسة من كتب الحديث لم تكن بالمغرب، مثل مسند الإمام أحمد ومسند الإمام أبي حنيفة وغيرهما ... » إلى أن قال بعد ذلك « ... ولما ولاه الله أمر المسلمين بعد وفاة أبيه، زهد في التاريخ والأدب بعد التضلع منهما، وأقبل على سرد كتب الحديث، والبحث عن غريبها، وجلبها من أماكنها؛ ومجالسة العلماء والمذاكرة معهم فيها ... » على أن الذي يبدو من استقراء الأمور أن المولى محمد بن عبد الله لم يكن شغوفا بالمعرفة الحديثية هكذا لمجرد المعرفة بالشيء وحب الإلمام به، وإنما كان ذلك مرتبطا عنده من جملة ما يرتبط به- كان مرتبطا عنده بموضوع العمل الإصلاحي الفكري الذي كان له به اهتمام واضح، ويندرج الاهتمام بالحديث لديه- ضمن ذلك- بالاهتمام بمجمل قضايا العلم الديني من قرآن وحديث، وفقه وغيره. يدخل كل هذا في دائرة مذهبة في هذه الأمور، وما كان قارا في نفسه من اتخاذ المبادرة العلمية على هذا المستوى؛ ويمكن استبانة لمحات من هذا الاتجاه العلمي في كتابه « مواهب المنان، بما يتأكد على المعلمين تعليمه للصبيان» فقد أورد فيه المولى محمد بن عبد الله ما يفاد منه أن الاتجاه الإصلاحي كان عنده شاملا جامعا، وأنه غير محصور في دائرة الحديث فقط، وقد جاء في ذلك، قول الملك العالم « ... كان غالب اعتناء طلبة الوقت بحفظ القرآن، والتفنن في قراءته بالروايات، وإهمالهم ما فرض الله على الأعيان مما يدان به من علم العبادات والاعتقادات، وإن كان فضل كتاب الله مأثورا، ومقام حفاظه بين أولياء الله مشهورا، ولكن لا مع الجهل بما يعبد الله به من ضروري الدين، فإنه على الموصوف بهذه الصفة حجة في كل حين، لأن المقصود الأهم من حفظ القرآن، هو تعلم أحكام الدين التي بها الله يدان، إذ مجرد حفظ مجموعه فرض كفاية، بلا ارتياب، ومعرفة ما تبرأ به الذمة فرض عين وإيجاب ... » « وكنت لقيت حال سفري من مكناسة إلى مراكش سنة 1203 ثلاث بعد المائتين والألف، من الأسانيذ، الجم الكثير، وألقيت كل من اختبرت منهم لا يتمسك من علم دينه بقطمير ...» (1) ولا أخال أن هناك أوضح من هذه العبارات في الدلالة على المفاهيم الإصلاحية التي كان يحمل لواءها المولى محمد بن عبد الله، وكان اهتمامه بالحديث مقرونا باهتمامه بالقرآن، كل ذلك يدخل في نطاق « الثورة التعليمية» التي كانت- بالنسبة لذلك العصر- كما في كل عصر- الأساس الحيوي لكل نهضة اجتماعية واقتصادية وغيرها في أي بلد وفي أي مجتمع؛ وكما أوردناه في خلال النقطة الثانية من النقط التي أسلفنا، فإن مثل هذا التفكير الإصلاحي، كان بمثابة صدمة قوية لحالة التزمت والمتابعة التي سادت حياة العلم في كل أنحاء العالم العربي خلال القرون الأخيرة، حتى صارت أهم عامل في تخلف العلم العربي وتقوقع   محتوياته؛ ويسوق الناصري حول ذلك قوله « ... ومن عجيب سيرته رحمه الله، أنه- أي المولى محمد بن عبد الله- كان يرى اشتغال طلبة العلم بقراءة المختصرات في فن الفقه وغيره، وإعراضهم عن الأمهات المبسوطة الواضحة، تضييع للإعمار في غير طائل، وكان ينهى عن ذلك غاية، ولا يترك من يقرأ مختصر خليل ومختصر ابن عرفة وأمثالهما، ويبالغ في التشنيع على من يشتغل بشيء من ذلك حتى كاد الناس يتركون قراءة مختصر خليل، وإنما كان يحض على كتاب الرسالة والتهذيب وأمثالهما ... »
وقد صاحب بروز هذه النزعة الإصلاحية، التي كانت كرد فعل ضد عقلية علمية سادت طويلا دنيا العرب، وكانت- أي هذه العقلية- بمثابة ترسب غير قادر على مسايرة التيار النهري الدافق- صاحب بروز هذه النزعة، حالة نشاط علمي مهم، وجد معه علم التفسير وغيره من علوم القرآن، مجالا خصبا، كان أبرز آثاره ازدهار حلقات التفسير القرآني بالمساجد، كما بالبلاط المحمدي والسليماني وفي كثير من معاهد العلم هنا وهناك، وبروز عدد من كبار العلماء الذين عرفوا بمقدرتهم في الفروع العلمية الإسلامية المختلفة، بما فيها علم التفسير بطبيعة الحال، وقد كان المولى سليمان من هؤلاء المتضلعين في فن التفسير كما كان متبحرا في غيره؛ وجاء في عبارة صاحب الاستقصاء حول ذلك قوله : «وإذا تكلم- أي المولى سليمان- في علوم القرآن أنهل بما يغمر مورد الظمآن.» وكان من أعلام العصر السليماني أيضا في التفسير الشيخ محمد بن عمرو بن عبد الله الزروالي ويعد من شيوخ المولى سليمان في علم التفسير بالذات؛ ومن علماء التفسير القرآني في عهد المولى عبد الرحمن، الشيخ حمدون بن الحاج، وقد كان من المشاركين، إلا أن من أشهر حلقاته التدريسية، تلك التي كان يلقي خلالها دروسه في التفسير.
وكما برز مفسرون لامعون في عهود الدولة العلوية، لمع نجم عدد من المقرئين المجودين أيضا، ومن هؤلاء محمد الشريف السجلماسي شيخ الجماعة بمراكش في القراءات، وذلك في خلال عهد المولى عبد الرحمن بن هشام؛ ومن أعلام ذلك العصر أيضا في التجويد الشيخ محمد بن الطيب السجلماسي (وكان كما ذكر عنه صاحب (الأعلام) « ... مجودا لكتاب الله عز وجل يعطي مخارج الحروف حقها، ويحسن نطقها، قرأ القرآن بالروايات السبع ... »
وهذه مجرد نماذج فقط، ومثيلها كثير في خلال عهود الدولة العلوية باستمرار.

1 ) ابن زيدان : الإتحاف

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here