islamaumaroc

احتفالات المغرب بمرور 1400 عام على نزول القرآن

  دعوة الحق

106 العدد

كان جلالة الملك الحسن الثاني ملك المغرب قد قام خلال شهر رمضان المبارك بمبادرة إسلامية رفيعة عند احتفاء بلاده بمرور أربعة عشر قرنا على نزول القرءان الكريم لتكون هذه المبادرة الرفيعة أنجح السبل إلى تعزيز لقاءات إسلامية يتعزز فيها الخلق الإسلامي باعتزازه للقرآن العظيم وتتزود فيها الشعوب الناطقة بالضاد بعملة خلقية رفيعة لا تدانيها أية عملة في العالم عندما كان المسلمون يتعاملون في الماضي هذه المعاملة التي جعلت منهم خير أمة أخرجت للناس ومكنتهم من أن يكونوا أعظم مثل انتصر به العدل رسما به السلم في العالم حتى جاءت عهود الانحطاط والتخلف الذي منى به العالم الإسلامي زمنا طويلا.
ولقاء هذا التجديد الذي قام به المغرب من مبادرة إسلامية لها أثرها وجه جلالة الملك الحسن الثاني الدعوة إلى أكثر من خمسمائة شخصية إسلامية بين كاتب ومفكر محدث ومحاضر ومؤلف وباحث للمساهمة في هذا الاحتفال التاريخي حضروا كلهم من ماليزيا وإيران وأفغانستان وتركيا وباكستان والهند والعربية والسعودية والكويت والعراق ومصر والأردن ولبنان وليبيا وتونس، ومن داكار وساحل العاج وسيراليون والنيجر ونيجيريا والتشاد والسودان. ولم نشاهد في هذا المجمع أحدا من الجزائر ولا من سوريا، ولم يجزني الفضول للسؤال عن عدم حضور ممثلين عن القطرين الشقيقين.
وقد نزلت هذه الوفود كلها على ضيافة جلالة الحسن الثاني، وقد ترأس جلالته هذا الاحتفال بليلة القدر المباركة فصلى مع المدعوين ومع كبار الشخصيات المغربية صلاة العشاء في جامع القصر الملكي الذي يحكي مسجده عهود الإسلام المتتابعة فيه منذ عهد المرابطين إلى عهد الأسرة العلوية.
وبعد صلاة العشاء نوجه المحتفلون بهذه المناسبة العظيمة إلى جامع أهل فاس وهو من المساجد الإسلامية التي تعتبر مفخرة للفن الإسلامي العريق والجهد الإسلامي الأصيل، وجامع أهل فاس يبعد عن القصر الملكي حوالي نصف كيلو متر حيث افتتح الملك في صحته الاحتفال المعني بخطاب بليغ ارتجله جلالته وربط فيه أحداث العالم الإسلامي منذ عهد الدولة الإسلامية الكبرى ومراحل الفتح الإسلامي الرفيع وانبعاث الحضارة الإسلامية ومقومات السلم التي حافظ عليها المسلمون طوال حكمهم الأصيل في جو سادت فيه الحرية والمحبة والإخاء كل من وقع في دائرة حكمهم سواء من كان منهم مسلما أو نصرانيا أو يهوديا حتى ظل العهد الإسلامي مثالا للعدل والمساواة والإخاء وعنوانا للسلم والتسامح.
وقال جلالته أن العرب والمسلمين وهم في غمرة هذه اليقظة العظيمة أصيبوا  بحروب صليبية ونكسات ومؤامرات كثيرة، ولكنهم كانوا في خلالها أدعى إلى التسامح وأقرب إلى الوئام من أي شيء آخر حتى منوا بعهود التخلف والانحطاط، كما منوا بالغزو الاستعماري الذي شتت مجتمعاتهم وقضى على كياناهم، وفرق جموعهم، وأتى على وحدتهم، فأكل كل جهد، وطمس العلم والمعالم، وقسم المغانم، وجعل بين الأمة الواحدة أكثر من حد من الحدود المسدودة، والأماكن المغلوقة حتى يتسنى له البقاء على أنقاض هذا التراث الذي خسرناه بعد أن شيدناه وبنيناه. واسترسل جلالته وهو يتحدث بصوت فيه نبرات من الإحساس بالمسؤولية وألم بواقع الأحداث المتتابعة يقول: ومع تراكم هذه المتاعب كلها لم يفقد العرب والمسلمون أملهم في استرداد مقوماتهم وبناء كياناتهم حيث قام نفر هنا وهناك يدعون الناس إلى الجهاد والنضال والخروج من عتمة التخلف عندما غزت أوربا عالمنا الإسلامي بالآلة والمدافع وقد أثمرت هذه الدعوة منذ مطلع القرن التاسع عشر وأتت أكلها في كثير من الأوطان بعد جهد جهيد، وبعد نضال مرير من المد والجزر إلا أن الكيل فيه قد طفح بفضل اليقظة التي بدأت تغمر من جديد أرجاء عالمنا الإسلامي.
ولكن اسمحوا لي أيها السادة أن أقول لكم أن هذه اليقظة التي انطلقنا على ضوئها لترسم طريق الخلاص ولترسم على هديها طرق النجاح والصلاح لم تكن لها أية فائدة تذكر إذا لم يكن شعارنا وعملنا في جميع مراحلها نستمده من ثمرة القرءان العظيم وعملنا في جميع مراحلها نستمده من ثمرة القرآن العظيم الذي بدونه لا نستطيع أن نبني أية نهضة ولا نتمكن بدونه أن نتبث أية عقيدة أمام هذه التيارات الجارفة التي بدأت تغزو عالمنا بشعارات من الانحلال والإلحاد، إلا إذا تمسكنا بمنهج القرءان العظيم، وجعلنا منه خير مادة، وأحسن عملة، وأعظم وسيلة، لها من الإنفاق والمنهج والغاية والهدف، ما يناسب أي تطور في الدنيا ويصاحب أية نهضة في العالم ..
وقال الملك: ولقد درست بنفسي كثيرا من البحوث التي ألفها المستشرقون عن القرآن وأجمعوا فيها كلهم على انه أعظم مادة روحية ومعنوية تساير مقتضيات التطور وتنسق معالم الحضارة الإنسانية في كل زمان ومكان. وقال جلالته أننا خلال المراحل الماضية حضرنا عدة مؤتمرات سياسية واجتماعية على مختلف مستوياتها، وكانت جميع القرارات التي تؤخذ فيها لا تعدوا مع- الأسف- أن تكون كلها قرارات نظرية لا يوجد فيها أي أثر للتطبيق، ولو كنا خلال هذه الاجتماعات وما سواها عملنا على مستوى تدعيم نهضتنا الزمنية وطرائق معيشتنا وتقدمنا وارتباطنا بعضنا على نحو من التقيد والالتزام بحدود تشريعات  القرءان لكنا قد أوجدنا في نفوسنا وحدة متحدة، لها مفهومها في مجال الوحدة الكاملة، ولكنا بهذه الوحدة وذلك التقيد أكبر قوة، لها مناعتها في هذا العالم الذي لا يعرف أي منطق سوى منطق القوة.
ونحن إذ نحتفل بهذه المناسبة التي نرجوا ألا يكون أمرها مقتصرا في المدة المقبلة على بلادنا وحدها بل نريد من العالم الإسلامي كله أن يترسم من هذا الاحتفال ضرورة التقيد والالتزام بمناهج القرءان الكريم وتشريعاته الرفيعة في علاقات الفرد بالمجتمع والمجتمع بالدولة حتى تكون الغاية قد أثمرت إلى ما يهدف إليه المسلمون من تعزيز مجتمعهم وتدعيم مراكزهم. نقول أن احتفالنا هذا لم يكون المراد منه حماية القرءان لأن الله هو الذي حفظه ومكنه لقوله تعالى : « إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» ولكننا في مثل هذه المناسبة وغيرها قد نستفيد منه بما يبعث الطمأنينة في نفوسنا ويزيل الأحقاد من قلوبنا.
هذا وقد اختصرنا بعض الجمل التي وردت خطاب الملك لأنه كان ضافيا ومسهيا  ومتسلسلا وكأنه يقرأ أحداث التاريخ من خلال أربعة عشر قرنا من لوحة مكتوبة أمامه، وقد يذهل المرء عند ما يعرف أن هذا الاستهلال كله إنما كان بطريقة الخطيب المرتجل على نحو من البلاغة الفائقة، والكيانة الرصينة، والتعبير السليم، والمعاني الرفيعة، مستشهدا بالأحاديث والآيات الشريفة، تنطلق من فيه انطلاق الماء من بين الأصابع، من غير تلعثم أو تفكير، ثم ختم الملك خطابه بالدعاء أن ينقذ الله العالم الإسلامي وأن يعيد إلى شعوبه وفادته طريق الصواب، مرددا في تأثر قوله : « اللهم أني أعوذ بك من نعمة يتلوها بطر ومن جاه أو حكم يتخلله بهتان أو ظلم أو كفر».
وبعد انتهاء الملك من افتتاح هذه الحفلة الكبيرة التي شهدها أكثر من ثلاثة آلاف من مختلف الطبقات الوطنية والمدعوين تقدم من جلالته شيخ جامعة القرويين وألقى كلمة بليغة شكر فيها جلالته عن هذه الباردة العظيمة، ودعا له بالتوفيق، ثم أذن الملك المدعوين للتعرف والسلام عليه.
وقد قام وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية بتقديم الضيوف إلى جلالته مبتدئا بالحروف الأبجدية لكل دولة من الدول، وجاء اسم ليبيا فتقدمت للسلام على جلالته. وقد كانت منه لفتة كريمة عندما شد على يدي بحرارة لحظات طويلة توقفت خلالها المقابلات وهو يسألني عن صحة حضرة مولانا الملك المفدى بمزيد من الحب والتقدير .. فقال جلالته بالحرف الواحد : «كيف صحة مولانا الملك إدريس، إن شاء الله يكون طيب وبخير، أرجوكم تبليغه تحياتي، وتحيات الشعب المغربي، إننا نتمنى لشعبنا الشقيق كل خير وسعادة في ظل ملكيه العظيم». ثم أذن لغيري بالمقابلة وقد استرعت هذه اللفتة السامية نظر جميع الصحفيين والمدعوين وكبار رجال المغاربة حيث أخذ كل منهم بدوره يسألني سؤالا خاصا، وانتهى الاحتفال في جو إسلامي رفيع.
ثم استمرت الاحتفالات بقية أيام رمضان المبارك في جامعة محمد الخامس والمسرح الوطني وفي المساجد بإلقاء مناظرات ومحاضرات دينية وتاريخية واجتماعية وسياسية واقتصادية، ولا أكتم سرا إذا ما قلت أن كيل شيوخ المغاربة في العلم والفقه والتاريخ قد طفح  على كيل شيوخ المشارقة الذين كان بعضهم يتلعثم والبعض الآخر يردد نفس المعنى عدة مرات في أقل من ثانية، ولعمري أن هذا الترديد هو نفس الافتقار إلى جوهر المادة، ولقد أيدني في هذه المقارنة مندوب السودان عندما استمعنا إلى محاضرة دينية ألقاها العلامة الشيخ عبد السلام الفاسي شيخ جامعة القرويين، وقد امتلأت ردهات وكليات جامعة محمد الخامس من المواطنين لسماعها، وقد كانت محاضرة فريدة من نوعها، والحقيقة التي لا غبار عليها، هي أن في المغرب العربي ذخيرة صافية متجانسة في الكتب وفي المتحدثين عنها وفي العلماء العاملين من اجلها، هذه الذخيرة هي مفخرة للعالم الإسلامي كله.
وإذا كان المغرب العربي يعتبر ذخيرة العالم الإسلامي للتراث الذي حافظ عليه والذي لا يوجد مثله في أية عاصمة أخرى فإن جامعة القرويين تعتبر تاج هذه الذخيرة ومعدنها الأصيل.

طريقة الاحتفاء بعيد الفطر
ويحتفل شعب المغرب العربي بحلول عيد الفطر احتفالا إسلاميا عظيما ويذهب المصلون صلاة العيد جماعات غفيرة إلى الميادين العديدة والساحات الفسيحة فيصلون العيد في العراء بالطريقة التي كانت متبعة زمن الصحابة.

الصلاة في مسجد الملك
وعلى بعد كيلو متر وفي منطقة فسيحة الأرجاء يصلي الملك وكبار المدعوين من رجال الدولة والسلك السياسي ورجال العلم والقضاء والإدارة وكبار ضباط القوات المسلحة وغيرهم من وجهاء البلاد وأعيانها صلاة العيد حيث يتسابق المدعوون كلهم لأخذ أماكنهم في المسجد الذي هو عبارة عن حائط كبير من الخيام المربعة، وعند الساعة التاسعة يأتي الملك ممتطيا صهوة جواده مع سرية من حاشيته، وقد لبس الملك برنا أبيض تعلو رأسه عمامة بيضاء وبيده سبحة صغيرة،  وقد تسير السرية بين صفين من خيول الحرس الملكي المرتدي أفراده زيا مغربيا مختلفا عن بعضه، لأن كل سرية من هذه السرايا تشكل عهدا من العهود الملكية التي حكمت المغرب من عهد الإدارية وهم أول من أسس دولة المغرب العربي إلى عهد الدولة العلوية الحالية.
وقد يسهل على الناظر وكأنه ينظر لأول وهلة إلى هذه السرايا والنماذج المختلفة عهود الإسلام من عهد الدولة العباسية إلى يوم الناس، هذا في بساطة مؤثرة للغاية.
ويترجل الملك من صهوة جواده فيأخذ مكانه في المسجد وتقام الصلاة ثم يعود الموكب الكبير على طبيعته إلى القصر ويبدأ الملك في استقبال أولاده ثم أولاد شقيقه الأمير عبد الله، ثم بقية الذين صلوا معه صلاة العيد، وهكذا يستمر الاستقبال حتى منتصف النهار والحراس يقدمون للزوار التمر واللبن، وهذا هو الشيء المفضل في القصر الملكي طوال أيام العيد.
وفي اليوم الثاني أختتم الملك الاحتفالات حيث قدم للعلماء وسام الكفاءة الفكرية، وقدم للذين حازوا أوسمة ملكية سابقة مصاحف قرآنية مكتوبة بماء الذهب، وتمنى للجميع كل خير وتقدم.
والمغرب العربي الذي يحافظ على تقاليده وطرائقه الخاصة في الحياة والاعتزاز بمقوماته التاريخية يستحق كل تقدير واحترام.

لمحة موجزة عن تاريخ المغرب
إذا ما تحدث أي متحدث عن طبيعة أي بلد ومدى مكانته في التاريخ والمجتمع عبر العصور السحيقة فمن الطبيعي أن يكون الحديث عن المغرب العربي الذي كانت الانطلاقة الإسلامية على نهاية شواطئه تعتبر حدتا هاما في تاريخ بناء الإمبراطورية الإسلامية فإن التحدث عن هذا القطر الشقيق يستحق كل عناية واهتمام، وليس من السهل أن يجد الإنسان متسعا من الوقت لاستيعاب كل ما يكتب في مكان محدود على صفحات مثل هذه الجريدة حتى يوفي الواصف وصفه وانطباعاته إلا أننا نستطيع في إيجاز أن نقول أن المغرب بطبيعته الراهنة هو البلد العربي الوحيد الذي استطاع الحفاظ على جمال هذه الطبيعة وعلى مقوماته التاريخية وتراثه الرفيع من غير أن تطمسه الأحداث من خلال القرون العديدة التي مرت به وهو أقدم دولة في تاريخ الدول العربية.
وقد نشأت الملكية فيه على التوالي منذ عهد الأدارسة حتى يوم الناس، هذا في نظام متناسق.
ولقد شهد عهد الموحدين والمرابطين فيه ازدهارا امتدت أثاره إلى نجدة حكومات الأندلس إبان انهيارها وتقلص نفوذها.
وفي عهد الدولة العلوية شهد المغرب في مدة حكم الحسن الأول ازدهارا وتفتحا على العالم كله .. ودار الآثار المغربية حافلة بالوثائق التي تعبر عن احترام كبريات الدول الأوربية لدولة المغرب واللجوء إليها في أكثر من وساطة وصور من الرسائل التي أرسلها جورج واشنطن وأبراهام لنكولن إلى ملك المغرب لإيجاد وساطة بين الولايات المتحدة وحكومات أخرى عن طريق المغرب هي ضمن الوثائق التاريخية العديدة ولو لم يتعرض المغرب عام 1912 للانتداب الفرنسي عندما قسمت دول أوربا رقعة العالم العربي لأصبح من السهل أن يقال عنه أنه البلد الوحيد الذي لم تجتحه أية جيوش غازية وبالرغم مما استهدف له المغرب من احتلال وانتداب فإن رجالاته وزعمائه كان همهم الأول هو الحفاظ على هذه المقومات الأصلية.
فإذا ما لاحظ الزائر طبيعة البلاد الجغرافية من حيث سحرها وجمالها مضافا إلى هذا كله ما أدخل على القطر الشقيق من وسائل العمران والتخطيط والتنسيق فقد يصح القول بأنه أجمل بلد في العالم العربي لنضارته وجماله ورقة أهله، ومقياس الذوق الجميل عندهم في كل شيء من أشياء الحياة حتى أصبح الذوق في تنسيق القرية والمدينة والمزرعة والطرقات يتسم بجاذبية أخاذة ومنسقة.
وقد انطلقت بنا السيارة من مدينة وجدة وهي تجتاز شبكة عديدة من الطرق الحديثة عبر الأودية والسهول والجبال إلى مدينة الرباط في مسافة قدرها ستمائة كيلو مترا واحة خضراء، وكأنها حديقة منسقة بصنع بديع.
أما جمال المدن الرئيسية التي لا حد لها، مثل تطوان، طنجة، فاس، مكناس، مراكش، الرباط. والدار البيضاء وغيرها من المدن الكبيرة، فهي تعبر عن رسوخ حضارة أصيلة تتسم بطابع أندلسي وذوق مغربي علاوة على الفن الأوربي في ذوق منسق برزت فيه حضارة الشرق من غير أن تطمسها حضارة الغرب، كما هو الحال في البلاد العربية الأخرى.
ويتمسك المغاربة بذوقهم هذا في حياتهم اليومية وفي منازلهم وطبائعهم وعاداتهم الكثيرة حتى أصبح اعتزازهم بهذا الطابع الفريد أشبه بالكبرياء في كل شيء.
والمغرب بطبيعته القطرية جذاب في كل شيء، مع الصعوبة التي تلاحظ عليه إلى جانب بساطته، ولعل هذا أمر راجع إلى الاعتزاز والثقة بالنفس وبحضارة البلاد ومناخيها، وهم يغبطون على هذه الثقة الكبيرة التي حدث بهم إلى أن يجعلوا من وطنهم جنة فيحاء ومرجعا تاريخيا أصيلا.
وكل شيء في المغرب ينطق عن الأصالة العريقة، فالصناعة المهينة للنحاس والجلود والأصواف ومشتقات المعادن الأخرى تعبر عن أصالة هذه النهضة القديمة والنقوش على الجدران وتخطيط المنازل والمساجد وصبغها بصبغة الفن الإسلامي الذي نشأ في بغداد ودمشق ثم انتقل إلى الأندلس والمغرب يحكي عبر هذه العصور التي انطمس فيها هذا الفن في عواصم  المشرق الذي اجتاحها المغول والتتار، وحافظ عليها المغاربة حفاظا أصيلا يحكي عن عظمة المغاربة ومقدرتهم على دفع هذه الحضارة إلى الأمام دفعا له آثاره في هذه الوثبة الكبيرة حتى أصبح الإقبال من مختلف سياح أوربا وأمريكا على اقتناء صناعة المغرب شيئا له أهميته الكبرى.
ولقد نجحت السياحة فيه خلال السنوات القليلة الماضية نجاحا كبيرا.
ولا يوجد في العالم العربي بلدا قد يعتمد على نفسه من حيث الاكتفاء الذاتي أكثر من المغرب الذي تكاملت فيه ثروته الصناعية والزراعية والاقتصادية تكاملا يكاد أن يغطي جميع احتياجات شعبه مع ما يفيض من هذه الثروة وتصديرها للخارج.
ومع هذا الفائض الكبير من اللحوم والمواد الخام الكثيرة من الفوسفاط وغيرها، ومن الحبوب والخضروات والفواكه التي تغطي احتياجات أكثر من بلد أوربي في أوربا الغربية، مثال فرنسا وبلجيكا وألمانيا واسبانيا، فإن عددا كبيرا من المغاربة ما زالوا يناضلون لتحسين أوضاعهم، ولا توجد في المغرب بطالة بقدر ما يوجد بين سكانه احتياجات نقص في الدخل القومي عند عدد كبير من الفئات الوطنية.
ولكن المغاربة دأبوا على العمل وزاحموا العامل الأوربي في مصنعه وعرفوا كيف يسيرون حياتهم على مستوى من الرخاء. ومعيشة الفرد العادي فيه على مستوى يفوق أحسن المستويات في البلاد الأخرى.
والملك الذي تعهد تحسين هذه الأوضاع وقد تبناها بنفسه ما برح يبدل قصارى جهده عاملا ودؤبا على تذليل جميع المشاكل التي تواجه بلاده بهمة متتابعة وبنظرة ثاقبة حتى تحطمت على إرادته أكثر المتاعب، وهو ما زال يردد القول بين لحظة وأخرى أن الواجب يحثم علينا بناء المغرب الحديث بناء متكاملا في كل شيء حتى يستطيع الوطن مجابهة جميع الأحداث.
وشعب له مثل هذا التاريخ العريض والطموح الكبير لابد له أن يتبوأ منزلة رفيعة بين الأمم والشعوب على النحو الذي أطل به المغرب على العالم وهو يشيد هذه النهضة الكبيرة.
                                                                     

 


 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here