islamaumaroc

ما حققه المغرب في عهد الحسن الثاني من منجزات في مجال الإسلاميات

  دعوة الحق

106 العدد

لقد كان الإسلام هو غذاؤنا الروحي في سنوات الكفاح الطويلة، ولولاه ما صمدنا في وجه الاستعمار.. وهذا الدرس فقد تلقيناه عملا لا قولا، فلا حياة ولا مستقبل لنا إلا بالإسلام، وإن انتصارنا على الاستعمار كان انتصارا للقرآن على خصومه، ولولا هذا الكتاب الذي جمع قلوب مواطنينا على اختلاف عناصرهم وقومياتهم لانتهت أمة المغرب والشمال الإفريقي من زمن طويل، ولأصبحت هذه الديار قطعة أوربية حقيقة لا مجازا.
حقا : لقد كان القرآن رائدنا في معركة التحرر، وسيظل كذلك بالنسبة لنا في معركة الوحدة والبناء.
ذلكم بالنص هو ما كان أب المغرب الحديث جلالة المغفور له محمد الخامس قدس الله روحه، قد صرح به للسيد كامل الشريف نائب الأمين العام للمؤتمر الإسلامي بالقدس، وهو يعبر أصدق تعبير عن المذهب الرسمي للدولة المغربية ألا وهو يعبر أصدق تعبير عن المذهب الرسمي للدولة المغربية ألا وهو الإسلام الذي منه استمدت الأمة المغربية قبل الإستقلال جدوة المقاومة والنضال، والفدائية والكفاح، وتستمد في عهد بناء الإستقلال الأسس الحكيمة والقواعد السليمة لهذا البناء، كي يكون قويا متينا مباركا كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
وذلكم أيضا من حيث المبدأ العام... أما بالنسبة للتطبيق، ولتحويل هذا المبدأ السامي إلى حقيقة معاشة، وواقع ملموس، فها هو ذا جلالة محمد الخامس- طيب الله ثراه، وجعل الفردوس مأواه- يبتدئ أول ما يبتدئ بفلذة كيده، ولي عهده، وخليفته من بعده، جلالة الحسن الثاني، أطال الله بقاءه، وأعز دوما لواءه، فيوجه إليه خطابا توجيهيا، كان مما ورد فيه :
« يا بني : لقد اخترت لك من السماء «الحسن» لأربط بين حاضر البلاد وماضيها القريب والبعيد، وليكون لك في جدك المولى «الحسن» خير أسوة، وأعظم قدوة. فلك تكد تطل على السادسة من عمرك حتى قدمتك للمعلم ليلقنك آيات القرآن، وليغرس في قلبك الطاهر الفتي حب الدين وعزة العروبة والإسلام. ولما ترعرعت يا بني اخترت بقاءك تحت سماء المغرب ليتم تكوينك الثقافي في بيئة مغربية .. فأعددتك مواطنا مغربيا قبل إعدادك أميرا، فقد كنت أقص عليك تاريخ بلادكم، ومواقف أجدادك، كما كنت ألقنك معنى المواطنة حتى تؤدي ولاية العهد التي أنطتها بك، وأحرص على أن تومن بالواجب الوطني والصالح العام...
وكنت أدفعك لتتعمق في فهم معنى قيم الشعب لتخدمه الخدمة الصادقة .. وإياك أن تحيد عن صراط الإسلام القويم، أو تتبع غير سبيل المؤمنين، فإنه لا عدة في الشدائد كالإيمان، ولا حيلة في المحامل كالتقوى.
واعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وتقرب منه بالأعمال الصالحة ذراعا يتقرب منك توفيقه باعا. واجعل القرآن المصباح الذي تستضيء به إذا أدلهمت الدباجي، واشتبهت عليك السبل، وليكن لك في رسول الله وصالحي الخلفاء أسوة حسنة، أولئك الذين هدى الله، فبهداهم اقتده.»
« من هذه الوصايا الكريمة- يقول جلالة الحسن الثاني- استمددت العون، واستلهمت الرشد، واستعدت العزم .. وإذا كانت البنوة تفرض طاعة الآباء بتنفيذ أوامرهم وهم أحياء، فهي كذلك تفرض تنفيذ وصاياهم وهم أموات».
عن احترامنا لمبادئ القرآن- بقول جلالته- وتشبثنا بتعاليمه ليس بالشيء الغريب، حيث إن أبانا «محمد الخامس» رحمة الله عليه كان أول ما وضعه في يدنا قلما، وضعه لا لنخط الأحرف ولا لنرسم الرسوم رغم حداثة سننا، وإنما وضعه في يدنا لأول مرة لنكتب بسم الله الرحمن الرحيم. ولم ندخل المدرسة الابتدائية ولا الثانوية حتى قضينا في الكتاتيب القرآنية ما يزيد على أربع سنوات، هذا الشيء هو الذي طبعنا به وجبلنا عليه، وجبل عليه آباؤنا وأجدادنا والأجيال التي سبقتنا في هذا البلد...
وإننا لنجد ونجتهد لا لنعيد لهذا الكتاب العزيز مجده والتعامل به، فالله سبحانه وتعالى قد تكفل بذلك، فالله خير حافظ للقرآن، وهو أرحم الراحمين، ولكن جهادنا واجتهادنا هو العمل اليومي على أن يصير كتاب الله عملة خلقية وانسانية وقانونية، ليتعامل به جميع بني الإنسان مسلمين كانوا أو عربا، وأملنا في الله سبحانه وتعالى أن يحقق رجاءنا وأملنا، حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما اجتمعت أمتي على ضلال»، فأي هدى أهدى وأحلى وأفضل من هدى القرآن! وأي حق أحق من كتاب الله؟ فإذن من باب أولى وأحرى أن يجتمع المسلمون على كتاب الله.
ويضيف جلالة الحسن الثاني قائلا : « إن الله سبحانه وتعالى قد تعهد لنا وقد ترابط معنا نحن معشر المسلمين في كتابه العزيز حيث قال :
«إن تنصروا الله ينصركم» ونصرة الله تختلف باختلاف الأزمنة والأماكن والأجيال والملابسات، ونصرة الله اليوم غير بالأمس، وهي ليست نصرة الحرب ولا نصرة السيف، ولكن هي نصرة الدين الإسلامي بنصرة كتاب الله، ذلك الإشعاع الذي لا يقف في وجهه مصفحات ولا ديانات ولا طائرات، والذي من شأنه أن يقهر كل عدو، وكل قوة مادية أو عسكرية كيفما كان نوعها، وكيفما كانت كثرتها وشوكتها ! ..»
وإذن فقد وقع إجماع المغرب- ملكا وشعبا- منذ أيام الكفاح الأولى على الإسلام باعتباره دستورا للحكم، ومبدأ للتشريع، ومنطلقا للحيوية في جميع مرافق النشاط بالمغرب، فضلا عن كونه عقيدة مقدسة يعيش بها ولها، ويضحي بأعز الغوالي تمسكا بها ودفاعا عنها ...
وما أن يتولى جلالة الحسن الثاني المعظم عرش المغرب المجيد حتى يكون منذ الوهلة الأولى امتدادا لجلالة والده المنعم :
يقول حفظه الله في أول خطاب وجهه إلى الشعب إثر توليه العرش :
... أعلن لك شعبي العزيز أنني أمسكت معتمدا على الله مقاليد الملك، وتربعت على عرش أسلافي المنعمين تلبية للإرادة الإجماعية التي تمثلت في بيعتك لي، وتنفيذا لعهد جلالة ملكنا المرحوم، وإرضاء للواجب الوطني المقدس.
وإنني أعاهد الله وأعاهدكم على أن اضطلع بمسؤولياتي، وأودي واجبي طبق مبادئ الإسلام وقيمه السامية، وتقاليدنا القومية العريقة، ومقتضيات مصلحة الوطن العليا. كما أعاهد الله وأعاهدكم على أن أدافع عن حوزة الوطن واستقلاله وسيادته، وأحرص على وحدته وإعلاء شانه بين الدول ...
والحق أن تباشير فجر إسلامي صادق بهذا الوطن العريق في الإسلام والعروبة قد بدت واضحة للعيان على يد جلالة الحسن الثاني، وإن بعثا جديدا لتعاليم القرآن الكريم، وسنة رسول الله العظيم الحكيم، قد أخذ يشق طريقه نحو القلوب والعقول بفضل قيادة جلالته الحكيمة ومساهتمه العظيمة ..
وأول نصر حققه المغرب في هذا المجال أثناء الإستقلال هو ما نص عليه دستورنا المغربي من أن «الإسلام دين الدولة» وأن «الدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية».
إن الدستور معناه القانون الأساسي للدولة، أي القانون الذي يحدد شكل  الدولة وتكوينها، ووظائف السلطات الحكومية فيها، والحقوق الأساسية للمواطنين بها .. ثم إن سائر القوانين الفرعية الأخرى إنما تستمد روحها من روحه، ومبادئها من مبادئه، بحيث لو تعارض أي قانون من قوانين الدولة أو قرار من قراراتها في أي مجال من مجالات حياتها السياسية أو الإقتصادية أو الاجتماعية مع الدستور مادة أو روحا، حكم في الحال ببطلان ذلك القانون أو القرار، لتعارضه مع الدستور الذي هو القانون الأساسي للدولة.
وعندما نص دستورنا المغربي على أن «الإسلام دين الدولة» كان معنى ذلك أن الدين الإسلامي هو دين الدولة المغربية ملكا وحكومة وشعبا، وأن الإسلام دين ودولة، أي عقيدة ونظام، ومعنى هذا أن سائر مظاهر الحياة في المغرب، وكل القوانين الفرعية التنظيمية التي تضبط أموره وتسير شؤونه إنما يجب أن تستمد روحها ومادتها من الإسلام، لأنه طبقا لنص الدستور بالنسبة للمغرب هو الدين، وهو الشريعة وهو النظام.
وبذلك قطع الدستور المغربي- بفضل المعية جلالة الحسن الثاني وبعد نظره، وتشبثه بالإسلام وصدق إيمانه- السنة أي من المنحرفين الضالين، كالداعين إلى فصل الدين عن الدولة من العلمانيين اللادينيين، أو المنادين بمناواة الدين أساسا ومحاربته رسميا من طرف الدولة بدعوى أنه أفيون الشعوب ومخدر الأمم، كالماركسيين الماديين ..كبرت كلمة تخرج من أفواههم، أن يقولون إلا كذبا»
وجلالة الحسن الثاني وهو المثقف الحصيف خير من يعلم أنه لكي تتحول هاتيكم المادة من الدستور المغربي إلى حقيقة معاشية تنطق بها كل مظاهر الحياة في المغرب المسلم لابد أولا من تعليمه الشعور بالقيم الإسلامية الحقيقية، وبمثله السامية العملية لدى كل فرد من أفراد الشعب حتى يكون على علم ويقين من أهمية دينه العظيم وفعاليته التي لا تسامى في مجالات الحياة جميعا، فأخذ جلالته يقيم خلال شهر رمضان المعظم سنويا ذلكم المهرجان العظيم بضريح مولاي الحسن الأول قدس الله روحه، حيث تلقى تحت إشراف جلالته.. وأيضا بمشاركته- تلكم الدروس القرآنية الحديثية التي يتلقفها الشعب عن طريق الإذاعة والتلفزة بكل إقبال واحتفال، لأنها تلبي نداء غريزيا فيه نحو الثقافة الإسلامية والتعاليم القرآنية والحديثية فتغذي روحه وإحساسه، وتصقل مشاعره ووجدانه، وتضيف عنده إلى لذتي : الصيام والقيام لذات، إذ تجعل الشعب كله مستشعرا روحانية الحديث الشريف «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وأن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع» فضلا عما يجنيه الشعب بواسطة هاتيكم الدروس من الفوائد التي تعود عليه بالنفع العظيم والخير العميم ...
ومن جهة أخرى فلكي يكون نص الدستور على أن «الإسلام دين الدولة» حقيقة ملموسة في شتى ألوان حياتنا المغربية من سياسية واقتصادية واجتماعية وتربوية ونحوها كان من الطبيعي بل من الضروري التفكير في إيجاد إطار عال من ذوي الثقافة الإسلامية الممتازة بجميع فروعها ليقوم بهاتيكم المهمة، ولذلكم أنشأ جلالة الحسن الثاني دار الحديث الحسنية، لتخريج حملة الدبلوم العالي والدكتوراه في العلوم القرآنية والحديثية، والدراسات الإسلامية العالمية، هذه الدار التي قطعت ثلاث سنوات دراسية من عمرها، والتي أسست على تقوى من الله ورضوان فهي توتي أكلها كل حين بإذن ربها، حيث أخرجت في السنة الدراسية المنصرمة الفوج الثاني من علمائها، أولئك الذين سيبرهنون عن جدارة وكفاءة على أنهم بعون الله وحسن توفيقه أهل للثقة الملكية الغالية، ولأداء ما سينيطه بهم جلالته من أمانة ويحملهم إياه من مسؤولية، وإنهم سيكونون لهذا الوطن الحبيب على الدوام : نورا يشع، وهدى يضيء، وسيفا للحق على الباطل يتلألأ مضاء وسناء، وحجة قائمة دائمة على أن الله حق، وأن الإسلام صدق، وأن العاقبة دوما وإلى الأبد للمتقين.
وتتوالى على وطننا العزيز في ظل الإستقلال نفحات الإسلام القدسية وأنواره، وتتفتح في مرابعه الميمونة أزهاره، وتعم خيراته وبركاته وتماره، فهذا جلالة الحسن الثاني يختتم سلسلة دروس شهر رمضان المعظم عام ست وثمانين وثلاثمائة وألف بذلك الدرس القيم والمحاضرة العلمية الممتازة، التي كان موضوعها شرح الحديث النبوي الشريف : « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطعه فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».
تلكم المحاضرة العلمية التي كانت خير مثال نموذجي لما يجب أن يكون عليه المتصدي للدراسات الإسلامية في هذا العصر من ثقافة واسعة متنوعة، وقدرة على الاستنباط والاستدلال، وتفتح وانعطاف مع المضامين الحقيقية والمثالية للشريعة الإسلامية في ثوبها الإنساني النقي، فضلا عن قدرته على الاجتهاد المنتج، وعلى الخلق والإبداع طبقا لمقتضيات الحياة وقوانين التطور، وفي حدود الأصول العامة للشريعة الإسلامية دونما زيغ أو تنطع، وبكل ايجابية وموضوعية.
وكذلكم كان الدرس الذي ألقاه جلالة الحسن الثاني في ختام سلسلة الدروس الدينية يوم رابع عشر رمضان المعظم من هذا العام، والذي كان موضوعه شرح الحديث النبوي الشريف، «كم من رجل لو أقسم على الله لأبره».
وهكذا انطبق على مغربنا العزيز قول الإمام البوصيري رحمه الله :
وإذا سخـر الإلــه أنـاسـا   
                     لسعيـد فإنهـم سعـداء
حيث رأينا روح جلالة الحسن الثاني الإسلامية تنعكس وتنشط شتى مرافق الحياة المغربية من حكومية وشعبية :
فهذه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تصدر بأمر من صاحب الجلالة :
- كتاب « الإسلام دين ودولة ونظام» للأستاذ عبد الحي حسن العمراني، وكتاب الإعلام بحدود الإسلام للقاضي عياض بتحقيق الأستاذ محمد بن تاويت الطنجي، و«أربعون حديثا في اصطناع المعروف «للمنذري بتحقيق الأستاذ ابن تاويت الطنجي.
- وكتاب ترتيب المدارك، وتقريب المسالك، لمعرفة أعلام مذهب مالك، للقاضي عياض، حقق الجزء الأول منه الأستاذ ابن تاويت الطنجي، ويحقق بقية الأجزاء الأستاذ عبد القادر الصحراوي الذي أنجز من هذا العمل إلهام الجزاين الثاني والثالث، وهو الآن في مرحلة مقابلة النصوص بالنسبة للجزء الرابع.
- وكتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد للإمام الحافظ يوسف بن عبد البر الأندلسي، صدر منه للأن الجزء الأول بتحقيق الأستاذ مولاي مصطفى العلوي مدير دار الحديث الحسنية والأستاذ محمد عبد البكري الملحق بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
- وأصدرت (هذا الوزارة أيضا) عددا خاصا من مجلتها «دعوة الحق» بمناسبة مرور أربعة عشر قرنا على نزول القرآن الكريم، هذه المجلة التي دخلت في السنة الحادية عشرة من عمرها المبارك، والتي تتلاقى على صفحاتها سواء من وطننا العزيز أو من الشرق العربي والعالم الإسلامي أخلص النيات وأكمل المواهب وأجمل الأقلام، غايتها خدمة الثقافة والفكر، ونشر الدراسات الخاصة بشؤون الإسلام، وهي تعتبر بحق من أقوى وألمع المجلات لا في المغرب وحده بل في العالم الإسلامي بالنسبة لمثيلاتها في موضوعها،
- كما تصدر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مجلة مبسطة ومشكولة هي مجلة « الإرشاد» الشهرية وغايتها التثقيف الشعبي والتوجيه الإسلامي.
وإن من يمن الطالع والفال الحسن أن تظهر مع الذكرى العظيمة، ذكرى مرور أربعة عشر قرنا على ابتداء نزول القرآن مفخرة جديدة لجلالة الحسن الثاني لها وثيق الصلة بها، بل ربما كانت من أجلها وبوحي منها، إلا وهي ظهور أول طبعة من المصحف الحسني الذي قامت بإعداده وإصداره بأمر من جلالته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية فجاء تحفة مغربية رائعة غنية، ولو حاولت تتبع نشاط وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في مجال الإسلاميات بجميع جزئياتها كالمدارس القرآنية التي تؤسسها- مدرسة سمو ولي العهد سيدي محمد للقراءات السبع بدار زهيرو بطنجة والمدرسة القرآنية بأرفود مثلا- بالإضافة إلى تأسيس المساجد ونحو ذلك لا تسع بنا المجال، ولهذا نكتفي من نشاطها بهذا القدر، نذكره لها ونشكره.
وفي ميدان وزارة التربية الوطنية أول ما يلاحظ إن مادة الدين الإسلامي وتفسير القرآن والحديث والتاريخ العربي والإسلامي قد أخذت مكانا مرموقا بمدرستنا المغربية خصوصا في مرحلة التعليم الثانوي بطوريه، وذلكم في رأيي من الأهمية بمكان، لأنه هو الذي سيطبع تلامذتنا بطوابع التربية الإسلامية الخلاقة خصوصا وقد توجه صاحب الجلالة الحسن الثاني بفرض الحشمة في اللباس على البنات، ويجعل الصلاة إجبارية بالمدارس المغربية في جميع الأوقات.
ولعل شهر رمضان المعظم هذا العام كان من المناسبات الإسلامية النادرة التي يجب أن تسجل على الحدق قبل الورق، وتكتب بحروف من نور على الصدور قبل السطور، ففيه احتفل المغرب ملكا وحكومة وشعبا بليلة القدر المباركة، وذكرى مرور أربعة عشر قرنا على بدء نزول القرآن الكريم، وقد حضر إلى المغرب بهذه المناسبة وقد يمثل خيرة علماء المسلمين في العالم باستدعاء من جلالة الملك، وقد أقيمت بهذه المناسبة احتفالات ومهرجانات، وألقيت  دروس ومحاضرات على مختلف المستويات، ولقد وجه جلالة الملك من مسجد أهل فاس حيث أقيم الاحتفال رسميا بهذه الذكرى الخالدة خطابا إلى جميع المسلمين- قادة وشعوبا- في جميع أنحاء العالم، تناول فيه النكبة التي حلت بنا أخيرا في فلسطين والأراضي العربية محللا أسبابها، داعيا إلى الإتحاد على كلمة الإسلام التي هي كلمة الله، للحصول على النصر الذي وعدنا به الله : (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون).
ويمكن تلخيص المكاسب التي حققناها في رمضان هذا العام باختصار في :
1) إجماع الملك والحكومة والشعب على كون الإسلام هو المذهب الرسمي للجميع عقيدة ونظاما، وأنه هو سبيل جميع المسلمين إلى الإنعتاق مما حل بهم من هوان وخذلان.
2) تولي جلالة الحسن الثاني أمير المؤمنين، وحامي حمى الملة والدين، وصاحب السلطتين الدينية والزمنية بوطننا العزيز، تنظيم دروس الوعظ بالضريح الحسني والدرس الذي ختم جلالته به تلكم السلسلة، وخطاب جلالته الذي رد به على تهنئة علماء الإسلام بعيد الفطر، بالإضافة إلى نداء جلالته الذي تحدثنا عنه آنفا .. وجلالته في كل ذلكم دعا ويدعو إلى العودة إلى القرآن الكريم وسنة الرسول الحكيم، إذ بهما عز المسلمون في الماضي، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما يصلح به أولها.
3) قيام « كتابة الدولة في الشبيبة والرياضة» وهي المهيمنة على نشاط الشباب في المغرب بتنظيم سلسلة محاضرات وندوات تحت شعار إسلامي ذي مغزى نبيل، له أثر بالغ على عقلية شبابنا وتوجيه أفكارهم ومشاعرهم، إلا وهو : « التربية الإسلامية» وقد شارك فيها بنشاط ملحوظ السيدات والآنسات أمهات المستقبل ومربيات الجيل الناشيء، وأقبلن عليها إقبالا منقطع النظير، يبعث على الأمل فيهن ونوسم الخير الكثير.
4) تعقيب السيد وزير التربية الوطنية بواسطة الإذاعة والتلفزة والصحافة وهو المسؤول عن أكبر جهاز تربوي وأخطره في الدولة على تصريحات صاحب الجلالة في موضوع وجوب العودة إلى الإسلام، باعتباره العقيدة والشريعة والنظام، واستبشاره بها، وتهليله لها، وتبنيه إياها شكلا ومضمونا مذهبا تربويا رسميا للدولة المغربية الفتية.
وغني عن البيان أن جميع التكتلات والمنظمات الوطنية ذات الفعالية والماضي الوطني والرصيد الشعبي تسير في نفس هذا الاتجاه الطبيعي قبل الإستقلال وبعده، بحيث يأخذ هذا الاتجاه في المغرب الآن شكل الإجماع العام.
وأن من الواجب أن نتوه بالدور الإيجابي الفعال لكل من الإذاعة والتلفزة في هذا المجال، فهما لا يكادان يتركان مناسبة من تلكم المناسبات دون أن ينقلاها إلى الشعب المغربي، الأمر الذي يجعل النفع أهم، وأعم، فضلا عما تخصصانه من برامج إسلامية، كالقرآن والتفسير بكل منهما، وكبرامج : الدين والحياة، وفقه السيرة، والتمثيليات الإسلامية بالإذاعة، كما أن من الوفاء التنويه بالاستجابة الشعبية ومجهودات رابطة العلماء وخريجي دار الحديث الحسنية وعلمائها، وجمعية النهضة الإسلامية ومجلتها «الإيمان»، وجمعية المحافظة على القرآن الكريم بفاس، ونشاط فروع الإذاعة الوطنية بالمغرب ومساهمة السادة العلماء في هذا الميدان بها، إلى غير ذلكم مما لا يمكن حصره أو يستوفي ذكره، خصوصا وأننا لا نزال في بداية سنة القرآن، إذ المؤمل أن يكون النشاط مزدهرا ومتواصلا في هذا الميدان.
ويتوج صاحب الجلالة كل هذه الأعمال الجليلة فيبعث إلى موسم الحج هذا العام وفدا هائلا على حساب جلالته الخاص تمثل فيه كل الهيئات والمنظمات، وينتظم جميع مناطق المغرب الكبير بمناطقه المستقلة والتي لا تزال مغتصبة، وبذلكم يبرهن جلالته من جديد على عطفه الدائم على هذه الأمة بجميع مستوياتها، وسعيه الحثيث إلى ما يضمن لها السعادة في دينها ودنياها، ويشعرها بالالتحام والتآخي فيما بينها وبين ملكها، وذلكم من أجل خدمة هذا الوطن وإحلاله المكانة السامية اللائقة به بين الأوطان. وإعلان شأن الإسلام والبرهنة على أنه أسمى وأشرف الأديان، وبذلكم تحقق في ملكنا العظيم المؤمن قول الرسول عليه السلام : «يحمل هذا الدين من كل خلف عدو له، ينفون عنه تحريف الضالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» وقوله تعالى : «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون».

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here