islamaumaroc

هذه سبيلنا

  دعوة الحق

106 العدد

إننا نعيش في جو قرءاني هذه السنة، جو يعيق بشذى النفحات الإلهية، ويفيض على القلب والنفس باقباس من المعاني الربانية، فالأرواح منه في خشوع، والقلوب في نشوة من قداسة الذكرى وجلال الحدث.
وإنها لخطوة مباركة مثمرة هذه التي تخطوها الدولة المغربية، في دعوتها إلى إحياء هذه الذكرى المجيدة، وحث العاملين في الحقل الإسلامي في الداخل والخارج، على المساهمة فيها بالبحث والدرس.
وإنه لمن غريب الصدف، أن يكون هذا البلد المسلم، الذي لم يصل الإسلام إليه إلا بعد مشقة وجهد، وبعد أن انتشر في بقاع ثانية عنا من الأرض، وحتى عندما وصلنا لقى من المصاعب والمتاعب ما يفت في العضد، ويضعف من العزم، الأمر الذي كلف الفاتحين المسلمين الأولين لهذه البلاد تضحيات جساما، بسبب الجهل والخرافة والروح القبلية الضيقة التي كانت مسيطرة على هذه البلاد، أقول من غريب الصدف أن يكون هذا البلد الموجود في أقصى بلاد المغرب العربي، هو الذي يدعو اليوم إلى الاحتفال بذكرى مرور أربعة عشر قرنا على بدء نزول القرءان الكريم.
ولكن لو تأملنا لوجدنا أن من وراء ذلك حكمة يشاؤها الله، فإن يلقى الإسلام تأييدا وإسنادا من بلد يبعد بكثير عن موطنه الأصلي، يظهر أن الإسلام قادر على أن يصنع المعجزات في أي شبر من الأرض وصل إليه، ولو بلغ المدى البعيد في المسافة والمنأى. وكلنا يعلم أن الإسلام ظهر في مكة، ولكنه لم يلق من التأييد بها مثل ما لقى في المدينة، وكلنا يعلم كذلك ما كان يتصف به فقهاء الحجاز في العصور الوسطى من تساهل ديني، إذا هو قورن بما عرف به فقهاء العراق من تشدد في الدين، يضل أحيانا حد التزمت، مع بعد المسافة بين الحجاز مهد الإسلام، وبين العراق الذي كان قريب عهد بالمجوسية الفارسية، بل كان لا زال لها فيه وجود وسلطان. وكلنا يعلم أيضا أن أجيالا من علماء الإسلام وزهاده ورجال التصوف فيه، كانت من عروق غير عربية، ومن الذين وصلتهم الدعوة متأخرة بالنسبة لغيرهم، وينتمون إلى أقطار تبعد عن مهد الإسلام بمئات الأميال. والمؤرخون يعللون هذه الظاهرة بعلل مختلفة، كشعور حديث العهد بالإسلام بالحاجة إلى الوقوف على قدم المساواة مع من بعد العهد باعتناقه الإسلام، وقد يؤدي به ذلك إلى التزمت، ويمكن أن نضيف إلى ذلك كون جماعة من الناس الداخلين في الإسلام مؤخرا أرادت التكفير عن ماضيها السيء، عن طريق التشدد في التقيد بمبادئ الإسلام وقواعده.
ولعل ما عرف به المغاربة من قديم، من إتباعهم لكتاب الله والتزامهم بجميع شرائعه، أن يكون راجعا إلى تلك العقدة التاريخية القديمة، عقدة كونهم يعتبرون من الموجات الإنسانية التي وصلتها دعوة الإسلام متأخرة، فإذا كان العراقي والمصري والسوري قد بلغته قبلنا، ومع ذلك يتشدد في الدين في تلك العصور، فماذا نفعل نحن وقد وصلتنا الدعوة بعده، وبعد سلسلة طويلة من الجهود والأعمال العسكرية الطويلة المدى، والتي استغرقت من الزمن نحو سبعين سنة، كلها نضال وكفاح؟.
 أيكون سبقنا اليوم في الدعوة إلى إحياء هذه الذكرى، راجعا إلى تلك العقدة القديمة، التي ربما كانت رواسبها ما زالت تعمل في أعماق نفوسنا إلى اليوم؟ فمن المعلوم أن عقد التاريخ لا تموت أبدا، و إنما تبقى حية عالقة بوجدان القوم، في جميع مراحل حياتهم، وكل ما هنالك أنها تكمن في اللاشعور أو في العقل الباطن، لتتحرك متى توفرت الظروف الملائمة لإثارتها من جديد.
قد نكون متأثرين بتلك العقدة، بيد أننا ينبغي ألا ننسى أن هناك عوامل أخرى لا تخفى على الباحث، كان من شأنها أن دفعتنا إلى هذا العمل، فنحن قوم لنا ظروفنا وأوضاعنا التاريخية والحضارية الخاصة ، الأمر الذي زادنا يقينا بأن الوسيلة الوحيدة للتقدم والنهوض، هي التشبث بقواعد الإسلام وتعاليم القرءان، التي أفادتنا بتجربتنا كأمة لها تاريخ حافل مجيد، إنها كانت وما تزال وستبقى دائما أساس عزنا، ودعامة سيادتنا، ومناط وحدثنا القومية. والعاقل من لا ينسى التاريخ، ولا يفوته أخذ العبرة من الحاضر، وقد أخذنا العبرة فعلا.
وعليه فالصوت الذي ارتفع هنا بوجوب الاحتفال بذكرى مرور أربعة عشر قرنا على بدء نزول القرءان، كان رد فعل ضد الضلال المذهبي الذي كان له سلطان على أنحاء عديدة من الأرض.
 والمغاربة عندما يحافظون على دينهم، ولا يريدون به بديلا، من عامتهم إلى خاصتهم، لا يصدرون عن تعصب، ولا عن جهل  بما يجري في العالم من أحداث وتطورات، وإنما هم يفعلون ذلك لأنه الأمر الطبيعي الذي ينسجم مع تاريخهم، ومع طبيعة تكوينهم الاجتماعي والسياسي والثقافي.
فالمغرب هو بلد الزوايا والربط، وهو ملجأ المالكية العتيدة، للمالكية في المغرب قصة طويلة، لها جانبها الفقهي، وجانبها الاجتماعي الاجتماعي، وجانبها السياسي أيضا. ومواقف رجال المالكية في تاريخ المغرب مسجلة بمداد الفخر على صفحات التاريخ. والمغرب هو البلد الذي قامت جميع دوله المتعاقبة على أساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي، على ضوء تعاليم القرءان. وهذا البلد الذي حمل راية الجهاد فيما يليه من البلاد شمالا وجنوبا، وقدم أرواح أبنائه امتثالا لأوامر القرءان في الدفاع عن حوزة الإسلام، ومجاهدة أعدائه من الخوارج الجدد، والمرتدين والمغيرين. فلا غرو إذا كان الوجدان الديني عند المغاربة قويا، لا تنال من قوته الأيام والأحداث.
ولسنا نزعم أن إسلامنا أقوى من إسلام غيرنا، ولا أن إيماننا أحسن من إيمانهم، فهذا يتجاوز ما تستطيع إلى ما نستطيع، وإنما نقول فقط : إننا مهما كانت أحوال العالم المحيط بنا، لابد أن نبقى مسلمين، ومسلمين فقط، لأن ذلك هو ما يقتضيه منطق تاريخنا وشخصيتنا وكياننا الاجتماعي والسياسي والثقافي، وعلى ذكر الكيان الثقافي ينبغي لنا أن نذكر جيدا أن الثقافة الإسلامية لها في هذا البلد وجود عريق، فالمغرب هو بلد الفقهاء منذ عصوره الإسلامية الأولى إلى اليوم، وهو الوارث الشرعي للفقه الأندلسي، وللسلفية في هذا البلد دعائم راسخة، وما زال لها فيه وجود يجمع بين التراث القديم، ومعطيات الثقافة الحديثة. ولا يخفى على أحد أن السلفية ليست تعصبا كما يزعم بعض البسطاء، وإنما هي كفاح وجهاد وعقيدة إلى الإصلاح، كذلك كانت، تستمر اليوم، لا في المغرب وحده، بل حتى في بعض البلاد العربية والإسلامية.
والسر في تماسك المجتمع المغربي، بواديه وحواضره، جباله وسهوله، هو عقيدة الإسلام المهيمنة على الجميع، منذ أن أصبح للإسلام دولة في هذه الديار إلى اليوم، والتاريخ يثبت أن الفاتحين العرب الأولين لهذه البلاد، لم يستطيعوا تثبيت أقدامهم فيها، إلا يوم تمكنوا من تحبيب الإسلام إلى سكانها الأصليين، ثم لم تكد تمر حقبة من الزمن، حتى كان الجميع عربا وبربرا متأهبين لمعركة الجهاد والفتح، فيما يلي المغرب من بلاد اسبانيا النصرانية، ترفرف فوق رؤوسهم ألوية الإسلام، ومن يومئذ والإسلام جامعة المغاربة العتيدة، والقرءان ملاذهم الأوحد، يرجعون إليه خاصة أموركم وعامتها، وكم قام عندهم مقام الجيوش المظفرة، والجحافل الجرارة، في إخضاع الثائر، وتأليف النافر، وإقرار النظام، فعند ما تطل الفتن يرأسها، وتكثر عن أثيابها، وتعصف النعرات بالرؤوس، والعصبيات بالنفوس، وتحتدم الأهواء، وتزمجر الأحقاد،  وتقع الكارثة، ويعظم الخطب، يذكر الجميع أخيرا أنهم مسلمون، ومسلمون لا غير، فإذا ذكر الإسلام يحل الإسلام محل الحرب، والوئام مكان الخصام، وينادي المنادي أن حتى على كلمة سواء، تجمع الشمل، وترتق الخرق، وتأسو الجراح. شهد التاريخ مرارا على ما للإسلام من تأثير بليغ في نفوس المغاربة، فهو روح وطنيتهم، وعمدة زعاماتهم، ومحور بطولاتهم، واس مجتمعهم، باسم الإسلام كونوا الدول وأسسوا الحكومات، وحملوا راية الجهاد، وكافحوا الاستعمار، وحرروا الوطن، وقاوموا الأباطيل، وردوا كيد الغادر، وحملة المغير، طيلة عصور المغرب الإسلامي.
وكما توحد المغاربة بالإسلام والقرءان في القديم، فهم يتوحدون بهما في الحديث، وفي المستقبل كذلك، ولعل حاجة المغاربة إلى تقوية هذه الرابطة اليوم، لا تقل عن حاجتهم إليها في أي وقت مضى. لأننا نعيش في عصر يعج بمختلف المذاهب والآراء والفلسفات، منها البناء ومنها الهدم، وبما أن الهدم أسهل من البناء، فقد لقيت الهدامة منها رواجا كبيرا في كل أنحاء العالم، نحن ككتلة بشرية تتأثر بمختلف التيارات التي يزدحم بها العصر، لابد أن يصلنا حظنا منها أحببنا أم كرهنا، خصوصا وأن وسائل الطباعة والإذاعة والتلفزة، قد ضربت الرقم القياسي في سرعة نقل الأخبار العلمية والأدبية والسياسية وغيرها.
قد يقول قائل : لماذا هذا الكلام الآن؟ إن الإسلام بخير في جميع الأقطار العربية، والمسلمون هنا لا يختلفون عنهم هناك، كلهم مسلمون، لا يماري في ذلك أحد، وقد يزيد قائلا : ومن يجحد إسلام المغاربة حتى نتصدى للدفاع عن إسلاميتهم وعراقتها في تاريخهم، ورسوخها في حاضرهم ؟.
وقد بينت من قبل أني لا أريد بهذا الحديث تزكية المغاربة كمسلمين، ولا إدعاء أن إسلامهم أحسن وأقوى، من إسلام غيرهم، ولكن الذي أريده والخ عليه، هو أننا يجب أن نتخذ من الإسلام والقرءان درعا يقينا شر المذاهب الهدامة التي وجدت لها مرتعا خصبا في بلاد أخرى، فالحق أن أصعب ما يواجهنا الآن، هو تحويل النظريات والمبادئ الإسلامية إلى واقع معاش، يطبع حياة الأسرة وحياة المجتمع، وليس معنى هذا أن الواقع الذي نعيشه الآن بعيد عن الإسلام من جميع نواحيه، فللدين تأثير على حياتنا كمسلمين مومنين بالله ورسوله، والوجدان الديني عندنا بخير، إلا أن الملاحظ هو كون طابع الخرافة ما زال مسيطرا على الأكثرية من المغاربة الذين ما زالت الأمية ضاربة أطنابها بينهم، على حين أن الأقلية المثقفة ثقافة إسلامية تعيش بعيدة عن تلك الأكثرية، قاصرة جهدها على معاهد الدرس، غير ملتفتة إلى السواد الأعظم الذي يقع فريسة الخرافة، اللهم إلا ما كان من بعض المبادرات الفردية لا تكفي في هذا الصدد.
فنحن مقبلون أو قل ما يجب أن نكون مقبلين على عدة أشياء : منها تصحيح الأوضاع الإسلامية في بلدنا، فالكثيرون منها يفهمون الإسلام على غير حقيقته، ويقعون تحت تأثير الخرافات والأوهام، فعندما لا يتمكنون من أخذ معلوماتهم الدينية الضرورية من مصدرها الرئيسي، يتجهون بعقولهم البسيطة إلى المشعوذين والدجالين الذين يسيئون إلى الإسلام عن عمد وعن غير عمد. والمغربي كمسلم يتصل بالدين اتصالا مباشرا، ويشعر بحاجته إلى اكتساب معلومات عنه في جل نواحي حياته، إن لم نقل في حياته كلها: في صلاته، وزكاته، وصيامه، وحجه، ومعاملته لزوجه وأولاده، وأبويه وأخواته، وفي حله لمشاكله العائلية والاجتماعية، وكذا في بيعه وشرائه، وسائر معاملاته المالية، فهو مضطر إذن لأن يعرف رأي دينه في كل هذا، وحينئذ إما أن يملأ ذهنه بالعلم الحق أن وجد إليه سبيلا، وإما أن يملأه بالخرافات إذا أعوزته الطرق المؤدية إلى العلم الصحيح. فلنكن على يقين من أنه لا يمكن أن يبقى خالي الذهن فارغ الرأي تماما. فهو إذا لم يملأ رأسه بالعلم، عششت فيه الخرافة، والخرافة التي تلبس لبوس الدين مسيطرة على السواد الأعظم من المغاربة.
ومن تلك الأمور التي نحن مقبلون عليها نشر العلم والذي هو أقوم سبيل للقضاء على الخرافة واستئصالها من جذورها. والعلم المراد نشره لابد أن يسير في اتجاهين يلتقيان في آخر الشوط. الاتجاه الأول هو اتصال العلماء بالطبقات الشعبية، لتصحيح أفكارها عن الإسلام وحقائقه وحدوده، وذلك بوضع خطط منظمة تكفل نجاح المهمة ولا تعرضها للفشل. فنحن لحد الآن نرى أن التصدي لهذا العمل يوجد اليوم في نطاق ضيق من جهة، وغالبا ما يوكل لاختيار الأفراد ومبادرتهم من جهة أخرى، وهذا لا يأتي بالنتائج المطلوبة، لكونه يفتقر إلى وضع تخطيط دقيق، يكون من شأنه أن يأتي بالنتائج المرجوة.
ويحتاج هذا العمل إلى تخصيص مبالغ مالية لهذا الغرض، وإلى تأليف لجان للسهر عليه، على أن  يختار أعضاؤها من الناس المقتنعين بقيمة هذا العمل الذي يناط بهم، المؤمنين بأهميته وجدواه ونجاحه في آخر الأمر، ثم لابد من التفكير في اختيار العناصر الصالحة لأداء هذه المهمة، من ذوي الثقافة الإسلامية، وبلادنا غاصة بهم والحمد لله. فإذا تهيأ لنا أن نجد ذوي الاستعداد الحسن للقيام بهذه المهمة، كان من اللازم أن يمروا بتدريب يستغرق سنة أو سنتين، يكتسبون خلاله قدرة على تبسيط نظريات الإسلام للعامة بطرق جدابة سهلة وميسرة. ومن الضروري حينئذ أن توضع كتب دينية قريبة المثال، سهلة المأتى، لتكون في متناول من يظهر استعدادا للقراءة الأولية من عامة الشعب، أما الأبنية التي ينبغي أن تخصص لهذا الغرض، فأعتقد أنها موجودة عندنا، فهناك المساجد، وهناك قاعات المحاضرات، وهناك المدارس التي تفرغ من تلاميذها يومين في الأسبوع، زيادة على العطل القصيرة وعطلة الصيف الطويلة، بحيث يمكن شغلها بهذا الأمر خلالها.
وأما الاتجاه الثاني، فهو الزيادة في نشر التعليم، ونحن نذكر لدولتنا العلوية أنها جادة في نشر العلم، بين طبقات الأمة، وأن عدد الأطفال الذين يلتحقون بمدارس الحكومة يزداد ارتفاعا سنة بعد أخرى، من الاستقلال إلى اليوم، بالرغم من المصاعب الموجودة في الإمكانيات المادية والأدبية، ولكن كم نود أن تقوى هذه الحملة ضد الجهل وتشتد، لتصبح شغلنا الشاغل في هذه المرحلة من تاريخنا.
ومن تلك الأمور التي نحن مقبلون عليها أو يجب أن تكون مقبلين عليها تنقية حياتنا الاجتماعية من الأشياء والمظاهر المتنافية مع مبادئ ديننا الحنيف، ليحل محلها واقع إسلامي تتجند سائر القوى الخيرة العاملة، للسهر على جعله حقيقة مائلة للعيان. فالرأي عندي إلا سبيل إلى تكوين واقع إسلامي إلا بعد المرور بعملية التنقية. فأنت إذا أردت أن تبذر بذورا في تربة، لابد لك من أن تنقيها مما قد يشوبها من طفيليات وأشواك وأحجار ومواد غير صالحة، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالواقع الاجتماعي الذي نعيشه، لابد من المسارعة إلى تنقيته من الموبقات أولا، قبل الشروع في تشكيل واقع إسلامي صحيح، وهذه التنقية يجب أن تشمل ناحيتين : يجب أن تشمل النفس، والواقع الاجتماعي، وإذا كانت تنقية النفوس عملا صعبا نظرا لتوقفه على ضرب من الشجاعة الأدبية الفردية تعتمد على الضمير والعقيدة، فإن تنقية الواقع الاجتماعي ميسورة نسبيا، نظرا لكونه ملموسا ومشهورا، وخاضعا للمراقبة والرأي العام.
وهذا هو النهج الذي بدأ به الإسلام، وهو النهج الذي يجب أن نبدأ به اليوم، الإسلام وجه عنايته أولا إلى تنقية النفس العربية من أدرانها، والمجتمع العربي من خرافاته وأوساخه، ولذلك كانت سور القرءان المتعلقة بتصحيح المعتقد من أوائل ما نزل من القرءان، فلما رسخت عقيدة التوحيد وانكشفت الخرافة على أنها خرافة، ونسفت قواعد المجتمع الجاهلي، وأزيلت الألغام من طريق الإسلام الواضحة، وضعت في المدينة أسس المجتمع الإسلامي الجديد، ليحل محل ذلك المجتمع الجاهلي الزائل. التنقية أولا، ثم البناء ثانيا. وبغير هذا النهج، نبقى غير قادرين على تحقيق الغرض المنشود.
وعملية تنقية المجتمع من المساوئ المتعارضة مع قواعد الإسلام، ينبغي ألا يقتصر فيها على مقاومة المظاهر غير الخلقية، فهذا على ما له من قيمة، ليس من شأنه أن نحقق ما نصبو إليه من حياة إسلامية صحيحة، التنقية يجب أن تكون من الجذور، من الأساس، والأساس هو أساليب التربية المتبعة حتى اليوم، التربية بمعناها الخاص ومعناها العام، فأبناؤنا لا يربون في البيوت تربية إسلامية، ومجتمعنا لا يربي الفرد بعد أن يحتضنه تربية إسلامية، اللهم ما كان من تربية تقوم على أساس المصادفة أكثر مما تقوم على أساس القصد والتوجيه. والمجتمع يربي الفرد عن طريق الصحف والمجلات وسائر أجهزة الثقافة ووسائل الإعلام، وكذلك عن طريق القيم السائدة فيه وعن طريق ما يتمسك به من عادات وتقاليد وفنون ومعارف، وما هو من هذا القبيل. وكل هذه الوسائل التربوية يجب أن يعاد النظر فيها وأخذها بما يتلاءم مع وجهة الإسلام، وإلا فنحن غير قادرين على تنظيف النفس والمجتمع تنظيفا جذريا.
وإذا كان العالم العربي كله يعاني من أزمة القيم، فنحن نأخذ حظنا من هذه المعاناة، ولكنه حظ لم يصل إلى خطورة الحظوظ التي أخذت منها بلاد عربية أخرى، فصحافتنا الأدبية نظيفة، خالية من الأفكار الملحدة، التي ظهرت في بعض مجلات الشرق العربي وصحفه، والكتب المنشورة في بلادنا خالية من الزندقة الفكرية، على حين أن مطابع الشرق تطلع علينا بين حين وآخر بكتب كلها زندقة والحاد. ويمكن للباحث أن يطلع على كتاب (ثورة على الفكر العربي المعاصر) لمؤلفه :
محيي الدين محمد، كنموذج لهذا النوع من الكتب الهدامة المغرضة.
ولكن  بالرغم من أن حظنا من ذلك يسير، فأزمة القيم لا تخفى على الباحث في أوساط الشباب المغربي. فلئن لم يكن لها من وجود في الصحافة الأدبية المغربية، فلأن هذه توجد في أيدي أمينة مخلصة تقف حاجزا دون الأفكار المنافية للإسلام، أن تتسرب إلى حياتنا الأبية، وإن كان الأمر قد يجوز عليها أحيانا. فعندما تغشى أوساط الشباب وتبادلهم الرأي وتراقب سلوكهم في الحياة الاجتماعية، فإنك تلاحظ أزمة القيم التي يتخبطون فيها، ومما جعل من الآراء المسيطرة عليهم أزمة، كونهم يعيشون داخل مجتمع إسلامي متمسك بإسلاميته، وينتمون لدولة مسلمة ينص دستورها  على أنها دولة مسلمة، على حين أن أفكارهم تتنافى مع التزاماتهم كمواطنين مسلمين في وطن مسلم ودولة مسلمة.
هذا الشباب لا يمكن إصلاحه بالنصح والإرشاد، أو بالحيلولة بينه وبين الثقافات الآتية من هنا وهناك، أو بتقريعه ولومه، وإنما، وإنما يكون لإصلاح بوضعه في إطار حياة إسلامية يحميها القانون الإسلامي والرأي العام المسلم، وأنا ضامن لك أنه بعد مرور بضع عقود من السنين سيجد الجيل المغربي المقبل نفسه إسلاميا لا يعرف غير القرءان والإسلام له هدفا وغاية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here