islamaumaroc

مفرج الهموم

  دعوة الحق

106 العدد

تفرض الحياة على الإنسان أن يعمل، لكن قلبه أو مزاجه يميل به إلى التسلي، وهكذا يقضي ساعات في ضمان حاجات الجسد، ثم ساعات أخرى لقضاء حاجات ومتع الروح والقلب ... كل حسب مزاجه، وكل حسبما يروق له، فالسيد التهامي مثل عامة الناس رجل عامل، أكسبه عمله متانة في الجسد، ومرونة في العضلات، وصفاء في الذهن، واتزانا في الطبع، فهو من المحترفين الذين استفادوا من حرفتهم رزقا وصحة وفتوة دائمة، إلا أن تسليته ولهوه وحاجات قلبه وروحه ليست كحاجات كثير من المحترفين من أبناء بلدته سلا.
لشد ما يعيب على بعض الناس تلك الهواية المستحوذة على العقول (لعبة الورق)، فهذه اللعبة من وجهة نظره بمثابة ساحر خبيث يملك على اللاعب عقله ورشده، ويحرم البيوت أنسها واستقرارها ويحرم الزوجات قرب أزواجهم، والأطفال رعاية آبائهم المستمرة، بل هي وسيلة لتعكير المزاج أكثر مما هي وسيلة لترويقه والترويح عنه، ثم -ويا للفظاعة!- هواية أولئك الذين يتعاطون الحشيش تدخينا وابتلاعا، دون أن تلفت أنظارهم قواهم الخائرة ووجوههم الذابلة، وأيضا أصحاب الهوايات الأخرى ... ... لا، لا، عفا الله عن الجميع!
هواية السيد التهامي تملك عليه عقله إلا أنها هواية رفيعة ...
قبل أن يتعاطى حرفة (خرط الخشب والنقش عليه) قضى أعواما بكتاب (الفقيه النجار)، حيث حفظ القرآن في ظرف اثنتي عشرة سنة! حقا لقد كان ضعيف الحافظة بشكل غريب رغم الجهود التي بذلها. ولولا أنه منحرف الصحة يومئذ لما أفلت من وثاق (الفلقة) ولا من ضربات قضيب (السفرجل) الدقيق المتين الذي يشبه الحديد في متانته، ولكن الله سلم.
وتقطن والده عندئذ إلى أن ولده ليس بحافظ، فهو لذلك لا يرجى منه تفوق في مجالس العلم، ولا يؤمل له أن يلتحق بجامعة القرويين، ولذلك سلمه إلى تعلم الحرفة (الذوقية): حرفة خرط الخشب والنقش عليه، على خشب العرعار وخشب الليمون، فهذه الصناعة الرفيعة تجعل محترفها يبدع أيما إبداع في تركيب موائد مزخرفة قائمة على ثلاثة أو أربعة أرجل مخروطة بإحكام وذوق سليم، كما يبدع في صناعة الرفوف والصناديق الكبرى والصغرى والخزائن وأسرة النوم الفخمة التي تعلوها قباب من الخشب نفسه ... وهذه الأعمال الفنية وأمثالها لا يرغب فيها إلا ذوو الذوق الممتاز والراغبون في حياة مرفهة سعيدة، وأيضا أصحاب الوجاهة الذين يأبون إلا المحافظة على المستوى الطيب، سواء في حياتهم هم، أو حياة أفراد أسرهم.
حذق السيد التهامي المهنة في ظرف قصير لم يتعد بضع سنوات، وصار بذلك صانعا ماهرا يحظى بتقدير وإعجاب وتنويه المعلمين الماهرين، الذين كانت  تكفيهم نظرة خاطفة إلى إنتاج السيد التهامي، أو إنتاج غيره، ليحكموا بجودة أو تفاهة العمل المنجز، وبذلك يمنحون ثقتهم باستمرار، ويفخرون بوجود هذا الصانع أو ذاك في صفوفهم، أو يرفضونه ويسلقونه بالسنة حداد.
ولما تروح الشمس إلى مغربها ينفض المعلم التهامي يده من العمل وهو أشوق ما يكون إلى الاستمرار فيه، ولكن وقت ممارسة الهواية الرفيعة يكون قد حل، وبذلك يبادر إلى المسجد الأعظم من حيث يجدد وضوءه في النافورة العظمى التي تتوسط الصحن الغربي، ويستند إلى الجدار قليلا ليعب من النسمات الطيبة، الواصلة رأسا من البحر المحيط، ثم يدخل بعد ذلك إلى المسجد مع الداخلين. إنه لا يعرف من أسس، ومن وسع، ومن جدد، ولكنه يدرك أن رجالا عظاما هم الذين بنوا هذا المسجد عظيما هكذا، وما جعلوه متسعا إلى هذا الحد إلا لوفرة المتعبدين في زمنهم، إن المسجد الفسيح الأرجاء العامر بالجلال والمهابة، والذي مرت على منبره الكبير ومنابره الصغرى مآت الخطباء والوعاظ والمحدثين يمتلئ هذه الأيام بعناصر من الشباب الوطني التي اتخذت من المسجد معقلا حصينا للدفاع عن الديانة الإسلامية وبالطبع عن أهلها وأرضها، خصوصا وقد قدروا أن قوة المستعمر تتلاشى أمام صلابة العقيدة الإسلامية الخالدة الصامدة.
كان الشباب الوطني يتوافد على المسجد قبيل المغرب، وفور أداء الصلاة كانوا ينتظمون في صفين أمام المحراب أحدهما على اليمين والآخر على اليسار ويشرع في قراءة (الحزب) اليومي، لكن مع ترتيل جميل، ونغمة مقتبسة من نوبات الأمداح النبوية والطرب الأندلسي، وتتصاعد أصوات الشبان الجهيرة وأصوات الفتيان والصبيان الرقيقة في تناسق يبعث على الخشوع وتندى له أكثر المآفي جفافا، فتتغذى الأرواح، وترتوي الأذواق بدرجة بعيدة عن تدقيق الوصف.
في الواقع لم يكن السيد التهامي ينسلك في أي صف من الصفين، وإنما يلزم إحدى الأساطين القريبة من التجمع، ويتناول مصحفه الخاص ويروح مساهما في التلاوة، في الترتيل بل في الترنم الجميل، الذي يستغرق ما بين الساعة والساعة إلا ريع، ولكنها فترة رغم امتدادها تمر وكأنها لحظات قصار من تلك اللحظات التي يجود بها الزمان، بين الحين والحين، وهي بحمد الله في هذا المسجد، ومع هذا الكتاب الطاهر، ومع هؤلاء الشبان الوطنيين تتجدد كل يوم كل مساء.
وينقلب السيد التهامي إلى بيته ليتعشى وليبش في وجه أهله وأولاده ثم يعود لهوايته الممتعة، يعود يتلو ويترنم، وهو ذو الصوت الجميل، تحت سمع وبصر زوجته التي تجلس محاذية له، مستمعة بجوارحها وقلبها غير متضايقة من الدموع التي في عينيها، حتى الأطفال كانوا ينامون على ترنمات أبيهم القارئ الخاشع.
بالمناسبة كان يلفت نظر السيد التهامي وهو بالمسجد يشارك في القراءة أن الشبان الذين يعرفون بوجود بعض المتجسسين لصالح الإدارة الفرنسية الحاكمة والذين يجلسون متوارين في بعض الأركان المعتمة، كانوا يرفعون أصواتهم أكثر ليسمعوهم من أمثال هذه الآيات :
(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) [النساء: 145].
أو (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ... )[الممتحنة: 1].
أو (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْأَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [المائدة: 51]
أو (... وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [المنافقون: 8]... ...
ويلتفت السيد التهامي إلى تلك الجهات المعتمة فيلمح أن هؤلاء المتجسسين الأنذال يأخذون في التسلل هاربين، خوفا من أن تشير إليهم الأصابع (أنتم الذين نعنيهم، وإليكم إشارتنا) !
إن المعلم التهامي لم يشارك قط في الاجتماعات والحلقات الوطنية، ولكنه تفهم بعض المبادئ الوطنية من خلال تردده اليومي على المسجد ومن خلال تتبعه لأعمال وتصرفات الشبان الوطنيين... ولكم كان يحس بالانقباض والاستياء لما يعلم بطريق مباشرة أو غير مباشرة أن لفيفا من الشبان الوطنيين قد ألقي عليهم القبض وأودعوا السجن، وعندئذ يمعن في تلاوة القرآن طرفا من الليل أكثر من المعتاد، بل يستيقظ قبل الصبح ويقبل على القراءة تضرعا إلى الله في أن  يطلق سراح الوطنيين، حتى يعود إلى المسجد ازدهاره الكبير عند تلاوة القرآن، ويزيد إلحاحا على الرب الكريم بأن يطلب من زوجته الطيبة وأولاده الصغار أن يرفعوا بدورهم أكف الضراعة إلى الله، ولا يسعهم إلا أن يفعلوا بقلوب عامرة بالثقة والإيمان... ويستمر ذلك إلى أن يستجيب الله للأدعية الصادقة ويطلق سراح الوطنيين ويتحقق الرجاء ...
وذات مساء خطير، لم يجد المعلم التهامي مجالا للذهاب إلى المسجد فقد كانت حالة الطوارئ معلنة، ونظام منع التجوال مفروض، فحتى المساجد، بيوت الله، مغلقة يسودها ظلام دامس وسكون شامل، ولو أن الليلة ليلة عيد من أكبر أعياد الإسلام. لقد اختار الاستعمار هذه الليلة بالذات ليبث الكثير من لواعج الحزن العميق في نفوس المسلمين، وإن الأحزان التي فاتت السيد التهامي فيما سبق من الأحداث الوطنية جاءت اليوم كصخرة ضخمة عاتية ونزلت بكامل ثقلها على قلبه لتسحقه وتمحقه سحقا ومحقا شديدين.
تسلل من السطح إلى منزل جاره السيد الحسن الفيلالي لينصت إلى (صوت العرب)، يا أسفاه! إنه لا يملك جهاز راديو حتى اليوم!! وبدأت الموسيقى الحماسية (أمجاد يا عرب أمجاد ...) وتلاها صوت المذيع مجلجلا جهورا متدفقا متحمسا لينشر على الدنيا: دنيا المسلمين، دنيا الأحرار خبر نقل الملك الجليل محمد الخامس مع نجليه الأميرين الكريمين إلى المنفى البعيد ...
بكى السيد التهامي تأثرا وأخذ يردد مرارا ?..وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ? [البقرة: 155-156]، بينما اشتد التوتر بالسيد الحسن الفيلالي وأخذ يتوعد (والله لن تمر عليكم بسلام)،أما زوجة الفيلالي في فناء الدار فهي تفرغ في الفضاء العالي المشوب بقليل من نور القمر قذائف من الشتائم واللعنات في حق الجنرال (كيوم) وأنصاره من الخونة والمتجبرين، لم تتعب ولم يتوقف لسانها، لكأنها تتلو من ورقة واضحة الخطوط عامرة السطور، وتجاوب معها أبناؤها الصغار وبناتها فملأوا الجو صراخا، وأنى لهم بمن يأخذ بخاطرهم !
ضاقت الدنيا من حول الجميع، وهنا أسعف الموقف السيد التهامي بأن دعا جاره ومن معه بالتبعية للإنصات إلى مفرج الهموم: كتاب الله عز وجل، وافتتح التلاوة بسورة (سيدنا يوسف)، ولكأنه وضع مسكنا لطيفا على القلوب، لقد فهموا ضمنيا ومن خلال التمعن البسيط أن نبي الله يوسف سبق أن غدر به، وبيع بيع العبيد، وفتن في عرضه، وأدخل السجن، ولكنه خرج من هذه المحن كلها منتصرا مظفرا ... وتلك عافية الصابرين الأوفياء جميعا ...
أخذت عائلة الحسن الفيلالي بيد السيد التهامي تقبلها تبركا واعترافا بالجميل، جميل بعث الأمل في نفوسهم، فلم يبق عليه إذن إلا أن يبادر وينقلب إلى أهله ليقوم بنفس الدور، ولكنه وجد الزوجة قد نامت وصدرها مشحون غيظا، كما نام الأطفال أيضا وقد جفت على شفاههم الرقيقة ابتسامة العيد غير السعيد ..
                                                        

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here