islamaumaroc

سلطان عالم شاعر

  دعوة الحق

106 العدد

نعني بالسلطان العالم الشاعر مولاي عبد الحفيظ ابن مولاي الحسن (الأول) الذي تولى السلطنة واعتزلها في فترة قصيرة حاسمة من تاريخ المغرب الحديث. وان هذه الفترة القصيرة التي لا تتعدى خمس سنوات من حياته الطويلة التي استغرقت ثلاثة أرباع القرن (1)، كانت حافلة بالأعمال والحوادث لدرجة قد تغري المرء بوضع صفر أمام الخمسة فتصير خمسين، أجل، إن التاريخ أحيانا ليسرع الخطى حتى يفرغ ما في جعبته من أحداث جسام في بضع سنين، مما لا يكاد يفعله في بضعة أجيال.
ولعل قلة من القراء هي التي تعرف- زيادة على ما تقدم- ما كان يحظى به مولاي عبد الحفيظ من خصائص علمية، فقد كرس جزءا من حياته الحافلة لخدمة علوم القرءان، ولمديح نبي القرءان محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام. وبهذه الأعمال التي سنتحدث عنها- فيما بعد- استحق عن جدارة لقب عالم السلاطين وسلطان العلماء في عصره ... ولعل قلة من القراء- أيضا- هي التي تعرف لمولاي عبد الحفيظ صفته الشاعرية التي تفتح لها ذهنه، وتفتقت عنها عبقريته؛ فترك لنا ثورة هامة من الشعر، والتعليمي منه بوجه خاص، فنظم لنا علوما مختلفة في سلك من الوزن الشعري اللطيف الذي اعتادت كثرة الشعراء التعليميين أن تنظم فيه، وتنسخ على منواله لتقرب للإفهام وتسهل للحفظ معارف منوعة وعلوما جمة.

نبــدة حيــاة :
وقبل الشروع في فتح الصفحة العلمية من حياة مولاي عبد الحفيظ الحافلة التي طواها الزمن منذ أكثر من ثلاثين عاما ... وقبل التحدث عن آثاره العلمية يجدر بنا أن نقول كلمة عابرة عن حياته مما يلقي بصيصا من نور على اتجاهه العلمي وشغفه بالثقافة القرءانية.
ولد مولاي عبد الحفيظ بفاس- عاصمة المغرب السياسية آنذاك- وشاءت عناية والده أن ينشئه في إحدى قبائل الجنوب المغربي : قبيلة بني عامر الواقعة جنوب غربي مراكش، حيث استمتع الأمير هناك بجو صحي بعيد عن ضوضاء المدينة ووخمها. وقد تربى مولاي عبد الحفيظ تربية الأمراء، ومهدت له جميع السبل لتلقي العلم ومخالطة العلماء، وبذلك أشبع نهمه الروحي ملبيا رغبته النفسية في تقلي العلم، وحذق المعارف الجمة التي كانت منتشرة في عهده، فاستوعبها.
يقول عن نفسه : « ... فإني منذ الشباب وقلبي مشتاق للعلم وأهله من ذوي الألباب، حتى جمعني الله مع كثير من العلماء والأولياء، ذوي العقول واللطائف... فازداد قلبي لهم حبا، وتيموني (2) فما ملكت معهم عقلا ولا لبا؛ ولا سيما علماء شنقيط ... (وبعد أن عدد بعضا منهم أضاف قائلا:) ولي فيهم عدة أشياخ سامرتهم ومارستهم في قراءتهم وعبادتهم :
(هكـذا، هكـذا، وإلا فـلا، لا
                       طـرق الجـد غيـر طرق المـزاج)
حتـى تعلمت ما شاء الله أن أتعلم (3)».
وبعد حياة التعليم والإستيعاب هذه، يدخل أميرنا في طور الإنتاج العلمي والأدبي وفرض الشعر، ولا ريب أن مثل هذا العمل كان يقتضي منه هدوء بال واطمئنان فكر، وهذا ما توفر له في مدينة مراكش الجميلة الهادئة، فهناك قبل أن يصبح خليفة عن أخيه السلطان مولاي عبد العزيز وبعد أن أصبح خليفته، وجد الجو مناسبا للتفكير والإنتاج، فقام بجل أعماله العلمية- إن لم نقل كلها- ونظم أراجيزه في مختلف الفنون.
أما فترة توليه السلطنة فلم تكن بطبيعتها وكثرة مشكلاتها السياسية والمالية وغيرها لتسمح له بمزيد من الإنتاج العلمي أو التأليف؛ غير أنها سمحت له بنشر كتبه ومؤلفاته على الملأ، ومكنته من طبع عدة كتب خدمة للثقافة العامة ونشرا لعلوم القرءان بين الأجيال الصاعدة.

آثــاره العلمــية :
تلك نبذة موجزة عن حياة مولاي عبد الحفيظ؛ أما أثاره العلمية فوافرة، حدث عن البحر ولا حرج-كما يقال-، وأن متناول الحديث عن تلك الآثار لا يسعه إلا أن يقسمها قسمين رئيسيين: في خدمة علوم القرءان، وفي مديح نبي القرءان، وسنتحدث عن كل قسم فيما يلي :

أولا – في خدمة علوم القرءان : وتشمل آثاره في هذا القسم ما يأتي :
أ- مؤلفات نشرها : وأنفق على طبعها ليسهل تناولها، وليوفر المصادر والمراجع لطلبة العلم وشيوخه بجامع القرويين بفاس وبجامع ابن يوسف بمراكش وبغيرهما من مراكز العلم بالمغرب، بل والمشرق أيضا، لأن كثيرا من هذه الكتب طبعت بالقاهرة، فجاءت فائدتها عامة شاملة. ومن هذه المؤلفات التي نشرتها :
1- حواشي الشيخ التاودي على صحيح البخاري
2- المشارق للقاضي عياض.
3- حاشية سيدي المهدي الوزاني العمراني في الانتصار للسدل.
4- بداية المجتهد للحفيد ابن رشد.
5- فتح الودود للولاتي على مراقي السعود للشنقيطي.
6- الإصابة لابن حجر.
7- تفسير ابن حيان المعروف بالبحر.
8- شرحا الأبي والسنوسي على صحيح مسلم.
9- المنتقي للباجي.
10- شرحا الحطاب والمواق على مختصر خليل
11- الاحكام الكبرى لابن العربي المعافري.
12- تحفة الملك العزيز في الرحلة إلى باريز للوزير ابن إدريس العمراوي.
ب- مؤلفاته النثرية : وأهمها ذلك المرجع الذي أشرنا إليه منذ قليل وهو :
1- العذب السلسبيل في حل ألفاظ خليل: وهو عبارة عن شرح لغوي أدبي لخطبة « مختصر» الشيخ خليل ابن اسحق الجندي (4). وقد أبان مولاي عبد الحفيظ في كتابه هذا عن مقدرة علمية وإطلاع واسع. يقع الكتاب في 118 صفحة من القطع الكبير؛ وقد صدره بأبيات شعرية :
كتاب « السلسبيل» شفــــا عليلي
                  ونيل المرتجي يشفــي غليلـي
وكنـز الفضـل من درر احتسـابي
                  ومفتــاح المواهب من « خليل»
فبالنفـس النفسية خذه ذخــــرا
                  ونــورا فـي الهـداية عن دليل

2- ومن ومؤلفاته النثرية كتاب : كشف القناع عن اعتقاد طوائف الإبتداع. وهو مطبوع أيضا، لكني لم أقف عليه، فلا أدري حجمه. وقد ألفه السلطان الراحل في الرد على بعض المبتدعة من متصوفة زمانه.
جـ- أراجيزة : ونظم مولاي عبد الحفيظ عدة منظومات وأراجيزة في فروغ من المعرفة مختلفة، وفي فنون من القول جميلة، وهي حسب الحجم وعدد الأبيات كما يلي :

اسم الأرجوزة

عدد صفحاتها

مجموع أبياتها

التعليق

ياقوتة الحكام في مسائل القضا والاحكام

123

2.438

جليلة الفائدة تهم طلاب الشريعة ورجال القضاء والقانون

الجواهر اللوامع في نظم جمع الجوامع

108

2.111

جليلة الفائدة تهم طلاب الشريعة وأصول الدين

نظم مصطلح الحديث :

109

2.074

ينم عن ثقافة واسعة في علوم الحديث، وبهم طلاب الحديث وعلماءه

نيل النجاح والفلاح، في علم ما به القرءان لاح

102

2.035

منظومة في علوم البلاغة تهم طلاب اللغة وآدابها والمشتغلين بالنقد الأدبي.

المجموع الكلي :

442

8.658

مجهود أدبي ضخم بالنسبة لأمير مطوق بواجبات سياسية واجتماعية عديدة.


ولعل أهم الدوافع التي دفعت مولاي عبد الحفيظ إلى خوض غمار المعارف ونظمها بهذا الشكل ما يلي:
1- الموهبة الشعرية التي كان يتمتع بها. فإن صاحب الموهبة لا يمكن أن يخفيها « وإن خالها تخفى على الناس تعلم» لأنها لا تلبث أن تعلن عن نفسها بنفسها. قد يقال : إن هذا نظم لا شعر؛ والنظم قد لا يحتاج إلى موهبة كبيرة. والجواب : أن كلا من الناظم والشاعر يفترق من معين واحد، والذي ينظم الشعر يستطيع أن يقرضه، ويعجبني هنا بيتان أوردهما شاعرنا في أول صفحة من صفحات « نظم مصطلح الحديث»، قال يصف « النظم» :
ردت فصاحتـه ورقـــة لفظـه
                      وحـش الكـلام أو أنـا بخطـابه
كالنحـل يرعى المر من نبت الربى
                      فيصيـر شهـدا في طريق رضابه
أليس هـذا خيـال شـاعر أصيل ؟
2- ثقافته الواسعة : وخاصة في علوم الشريعة وأصول الدين، وفي علوم الحديث وعلم اللغة وآدابها.
3- ما أحسه في الطلبة وشيوخ العلم من حاجة ماسة إلى توفير مختلف المراجع في فنون معينة.
4- ما كان يحسه كثير من معاصريه- والمصلحين منهم خاصة- من أن العلم في طريقه إلى الإنقراض؛ ولذا عمد إلى عدة علوم فنظمها شعرا كي يسهل حفظها، ويسهل نطاق تداولها بين عشاق المعرفة من مواطنيه.
5- الرغبة في الإنتاج وإفادة الناس بعمله: فإن العالم الذي لا يعمل ولا يفيد، كالجاهل سواء بسواء؛ وأن العلم بلا عمل كالشجرة بلا ثمر... هذا وجمع هذه الأراجيز مطبوعة بالمطبعة بالمطبعة المولوية بفاس سنة 1327هـ.

ثانيا – في مديح نبي القرءان الكريم :
ويشمل هذا القسم من آثار مولاي عبد الحفيظ قصيدة طويلة عثرت عليها مؤخرا، وأود أن أتحدث عنها لقراء مجلة (دعوة الحق) القراء في هذا العدد الخاص؛ استجابة لرغبة كريمة اعتز بتلبيتها.
جو القصيدة: كتبت القصيدة بخط مغربي متوسط الجمال، لا تحمل عنوانا وإنما أولها : « لمولانا عبد الحفيظ بن الحسن نصره الله »، وآخرها : « تمت 20 قعدة عام 1326»، قد تكون القصيدة بخط يد السطان نفسه، لست متأكدا من هذا؛ على أنها ربما كانت بخط يد بعض الناسخين، لأني أجد فيها بعض الأغلاط التي سأشير إلى بعضها والتي قد ينزه عنها شاعرنا إن لم تكن من سبق قلمه.
والقصيدة طويلة النفس، فهي تتألف من واحد وسبعين ومائة بيت، والميزان الشعري الذي صب فيه الشاعر أفكاره ليس بحر الرجز الذي عودنا أن يطرقه في منظوماته، والذي يصلح كثيرا للشعر التعليمي والذي ينعته البعض بانه حمار الشعراء؛ وإنما القصيدة من بحر آخر هو « الطويل» وهي لأمية الروى.
يبدو الشاعر هنا اتباعيا « كلاسيكيا» وهذا شيء طبيعي في سلطان مغربي عاش في بيئة مغربية محافظة، وظل يعتز بمغربيته حتى في أحرج الظروف حين قال : « إنني أمثل شعبا لم يكن مستعمرا قط، لم يكن قط، جنسا خاضعا خنوعا بل شعبا صالحا نافعا؛ إنني أمثل مملكة ظلت مستقلة عبر قرون وأجيال(5)».
وعلى الرغم من كلاسيكية الشاعر فإنه لم يفتتح قصيدته بمقدمة طللية أو غزلية بالمعنى المتعارف لدى شعراء العرب القدامى؛ وإنما هجم على موضوعه أو أغراضه التي كان يهدف إلى طرقها هجوما خاطفا مباشرا، على أن من الممكن اعتبار ذلك الحوار الطويل بينه وبين من سماها « ربة الجهل» بمثابة مقدمة طويلة، تسودها روح الحجاج والجدال بالتي هي أحسن، وتشثم منها رائحة الغزل في مثل هذا البيت:
فلمـا بدت مني القوافي تواجدت
                وكان لها وجه أغر محجـل
كما يمكن اعتبار النبي غرضا رئيسا في القصيدة، وما عداه مقدمة له بما في ذلك مديح السلف الصالح، وفي هذه الحالة تكون المقدمة أطول.
ثم إننا نرى مولاي عبد الحفيظ يعمد في هذه القصيدة إلى جزالة اللفظ، واختيار مفردات عويصة- قد تكون بعيدة عن الإستعمال- ليبره للقارئ عن مدى ما يتمتع به من مقدرة لغوية فائقة، وتفنن في التعبير سليم: بيد أن الجري وراء الحوشي من الألفاظ، قد يشذه شذا إلى التفصح والتقعر والتعقيد أحيانا. كما قد يجره إلى الغموض وخفاء المعنى أو تفاهته أحيانا أخرى.
ولا يمكن أن نستوفي جو القصيدة حقه من الكلام ما لم نتطرق إلى تحليل القصيدة والبحث عن معانيها وأهدافها الأساسية التي يمكن إجمالها في الآتي:
1- الحوار Dinlogue طويل بينه وبين « ربة الجهل» التي تحثه على ترك العلم، والإهتمام بغيره من شؤون الحياة؛ بينما نراه يسمى جاهدا لإقناعها، فيدافع عن فكرته أو وجهة نظره في الاشتغال بالعلم، ووجوب العمل على ترويجه، وأخيرا يقنعها فتقتنع وتحثه على ممارسة العلم ودراسته في كل محفل.
ولا تدري من ربة الجهل هذه ؟ إنما الشاعر يخاطبها أحيانا بـ « ابنة العلم» وتارة يسميها بـ « مى» وتارة أخرى يدعوها « سلمى». ولسنا نعتقد ان هناك شخصية حقيقية معينة تحمل هذا الإسم أو ذاك؛ ولكن الشاعر- عن طريق التجريد والتمثيل- رسم لنا هذه الشخصية الخيالية لترمز إلى واحد أو واحدة من اولئك الذين يخالطون المشتغل بالعلم ويخالهم، ويلاحظون ما هو عليه من شقاء البحث، والبعد عن شؤون الحياة، فيلومونه- أنا- على طول الإهتمام والإستغراق في العم؛ وقد يغالون- أنا الآخر- في لومهم فيجرون مقارنة بين مخاطبهم وبين بعض ذوي الحظوة والجاه، فيذكرون له إقبال الدنيا على هؤلاء الجهلة المحظوظين رغم انصرافهم عن العلم ودرسه، وعدم الكد والجد والتعب والنصب، متلما يعانيه هو في الحياة.
ب- تمجيد العلم وتكريم العلماء، وحث طلاب العلم على تحمل المشاق في سبيل طلبه ... ولا شك أن شاعرنا هنا إنما يحاول أن يعطي درسا عمليا لشعبه الذي انحرف بعض أفراده عن طريق العلم، فحثهم بهذه الوسيلة على ممارسته ودراسته، مبينا أن مغريات الجهل قد تفوق المشجعات على العم. ولكن الحق والفضيلة والخير والجمال وسائر المثل العليا إنما تنتصر في النهاية، كما أن الرقي والتقدم والكمال الإنساني الممكن. خصائص ومميزات تكمن وراء النهل والعلل من ينابيع العلم الثرة.
جـ- نقد الحالة العلمية التي تردت فيها بلاده؛ فتصدى للتعليم من هو ليس أهلا له، وساد المغرب جهال
د- الفخر وهو تلك الصفة التي تجعل العالم يذكر خير ربه، حين يتحدث عن نعمته التي أنعم بها عليه؛ تحقيقا لقوله تعالى : « وأما بنعمة ربك فحدث»
هـ- ويتخلص الشاعر من كل ذلك بلطف إلى الحديث عن الأراضي المقدسة مهبط الوحي وموطن الهدى والرشاد، ومبعث الحضارة الإسلامية الخالدة، ويثني على السلف الصالح ثناء عاطرا.
و – وأخيرا يخلص إلى مدح النبي صلى الله عليه وسلم ذاكرا مميزاته الخلقية والخلقية، وفضله على سائر المرسلين، ومثيرا إلى وحيه المقدس وشريعته السمحة وسائر معجزاته الخالدة. كل ذلك في نفس طويل لا يحد منه كلال أو تعب. ويظهر من خاتمة القصيدة أن الباعث عليها ربما كان مرضا ألم بالشاعر، فنذر ان يمدح بها النبي (ص) لتقضي بها رغبته في الشفاء العاجل. ويظهر أن أمله قد تحقق فشفي من المرض، ونال السرور الذي يجعله دائم اللجوء إلى باب المصطفى الكريم، يطرقها ولا يتحول عنها أبدا الدهر، سواء في الصحة أم المرض، في السراء أم الضراء.

منتخبات من القصيدة :
ولا يمكنني هنا أن انشر القصيدة قضها وقضيضها لأسباب أهمها ضيق الوقت والمجال. وإنما اكتفى بنشر منتخبات منها تعبر عن نفسية سلطاننا الأسبق، وتجلو لنا بعضا من صفاته الشاعرية.
قال رحمــه الله :
أناخت ببالي ربة الجهل تسأل
             وأبدت امورا ربما العقل يقبل
وقالت : أرى ان تترك العلم معزلا
             فللجهل أقـوام تسيـر وتــدال(6)
أما انهـم سادوا، وشيدت حصونهم؟
                  إما انهم في حبها- الدهر- أوغلوا(7)؟
فمـن ذا رأيت للعلــوم مسارعــا ؟
                   بلـى ! كسبه من غير شك سيهمـل
أأنت خبيـر إن للعلــم غربــــة
                    تقطـع أكبـاد اللبيب وتـذهــل؟
لذلك رأيت أهلـه في ثلاثــــــة
                   ألا فبحـث تلك الرجال وقتـلــوا!:
سفيــه بأخــلاط الكـلام معانـد
                   إذا عظتـه بالحق، للوعـظ يهمــل
وشخصـان في حب الهـوان تمالأوا
                    على كسب نوع الفلس حتى تمولوا(8)
فقلت لها : هذا كــلام مهــذب
                    أريـد بـه علـم الشرائع يبطل (9)
فلولا وجود العلـم فينـا لشيـدوا
                    دعـائم من جهـل، وللجهـل دول
وأولاه كانت في الخـلائق أزمـــة
                  وتلـك مراد الجاهليـن ليجهلــوا(10)
وهـل تعلمين أنني فـي عصـابـة
                 تحـرف معنـى اللفظ قصـدا ليفضلوا؟
أجـادلها حينـا وحينـا أعـامـل
                يصفـح، ومــاذا بنفـع اللوم ميل(11)؟
إلى أن قال :
أأترك علمـا زاد قلبـي صبابــة
                  وأشغلـت فيـه الفكـر منذ كنت أعقل
وألهو (12) بفلس كسبه عن عجالة
                        إلــى غير من تهوى وتعلم يتقل؟
رضينا بذل العلم يأمي في الورى
                ولو أن ما في الجيب مزجى مقلل
إذا اجتمع الأقوام يــوما بمجلس
                  علا النور من قد كان للعلم يبـذل
إذا ما بـدا من مشكل القول معضل
                   يصول به فحل من القوم عبهل(13)
ويحرمه القدم(14) الضلول جهالة
            وقد حال دون الفهم جهل عقنقل(15)
بلى؛ كل علم من علوم كتابنـا
             تجاذبه م(16) الجهل من هو أجهل
يحار بها من كان بالعلم وصفه
             فكيف جهول ذو أضاليل أنول(17)؟
أسلمى؛ تولى النشر والطي محنة
من الناس في ذا الجيل من هو برعل (18) وبعد أن يمعن شاعرنا في وصف سوء الحالة التي وصلت إليها بلاده، نادبا حظ العلوم، والحديث، والبيان، وأصول الفقه، وفروعه، والقواعد، والتفسير، والمنطق، يقول:
ومن يدعي بالزور ما ليس عالما
              به، فإدعاء القول-يأمى- فهلل(19)
تولى ركاب العلم في كل منـزل
              من الناس يلهو بالمناصب حفل(20)
وهنا يفحم الشاعر « ربة الجهل» فتستسلم قائلة :
هنالك قالت : أن للعلم منـزلا
             وأن شؤون العلم في النـاس تفضل
إلا بئس مال كان وصف رجاله
             ذميما، وهم في الناس غوغاء جهل
عليك يدرس العلم في كل محفل
             وجاهد؛ فخير الخير خير معجــل
وهنا يحتفل الشاعر بانتصاره، ويفخر بقوة حجته، ويتعالى على محاججته فيهددها قائلا :
فقلت لها : لولا مقال مهذب
             ورجعى تبين الحق، والحــق أعدل
لكانت جنود القول مني بسلا
             يلاطمها جند لدى الحــرب عـزل
لها في الوغى يوم اللقاء شهامة
              ومن بأسها(21) يخشى اللبيب ويذهل
إذا ما أتت يوما لحي تراهــم
              عن النطق منها عاجزين وأجبلوا(22)
كان لسان القوم عن رد قولهـا
                         عديم، وما يرجو العديــم المؤمل؟
وبعد أن يسترسل في الفخر تقترح عليه سلمى أن يتوجه بشعره لتمجيد السلف الصالح فيقول :
فلما بدت منـي القوافي تواجدت
                 وكـان لها وجه اغر محجـل :
ألا فليؤم الشعر منـك- كرامة-
                 أناسا مضوا في السالفين وبجلوا
فيجيبهـا قـائـلا :
فقلت : أمهلني يا ابنة العم انني
                  إذا ذكروا نجدا فإني أفكل (23)
وأن يعد قوم عن هواهم فإن لي
                  بحبهم شاوا، وإني قتثل (24)
ففي حي هذا القوم نفسي تطارحت
                  ولا ابتغي غيرا، ولا أنا قردل (25)
ولا في خبابا الود مني تخالف
                  ولا لــي ـعأوى غيرهـم متغزل
ولا لي رهط غيرهم به قربتي
                 تطيب وغـير القوم عرفاء جيال (26)
ولا لي رهط غيرهم به غربتي
                 تطيب وغير القوم– بأمي– قصعل(27)
ولا تثن عزمي عنهم أم قسطل
                 بلى؛ إنني أهدى إذا ضـل قوقل (28)
ولا تثن عنهـــم أم قشعـم
                ولو أن جيشيها كماة و « قتيل» (29)
شغفت بهم طفلا وكهلا وإنني
                أدين بدا لو أن عمــري نهشل (30)
شغفت بهم طفلا وكهلا وإنـني
               كذلك، أو يستكمل العمرتهضل (31)
بهم ارتجى كل المنى ومآربي
             بهم ارتجى كل العلى، أني حنثل (32)
إذا رضيت عني كرام عشيرتي
              رضيت وما يرضيني–يا سلمى– عركل(33)
ثم يخلص الشاعر إلى مدح الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام فيقول :
محمد خير المرسلين وجاهة
                 لدى ربه يوم المواقف جحفل (34)
نبي أمين صادق ومصـدق
                 رءوف رحيم خاتم ومبجــــل
كريم عظيم شافـع ومشفع
                  ســـري وفـي فاضل متفضل
تكامل خلقا ثم خلقا وأنـــه
                  هو الليث والغيث الروى والهبركل (35)
تستر منه الحسن بالحسن فوقه
                   فلولاه سترا لم يسعهم تحـــــمل 
ولا علموا وحيا تقادم عهده
               ولا ما حوى ذاك الكتاب المنزل
علونا على الأقوام بالوحي إذ غدا
               بطيبة يعلو جبرئيل وينزل
طعمنا العلى حتى تعاظم قدرنا
               وكانت لنا عيشا، وأنه دغفل (36)
ويسترسل مولاي عبد الحفيظ في تمجيد الرسول الأعظم إلى أن يوجه إليه الخطاب قائلا :
تقنت بمدح القول فيك ربيعة
          فحنت، وغنتك الجنون وبجلوا
فأنت الذي عم الخليقة بعثه
          وقلبك ما عم البرية مرسل
وأنت الذي قد لاذ آدم باسمه
          ولولاك أضحى أمره وهو مشكل
وأنت الذي أوتيت خير شفاعة
          إذ الرسل من يوم القيامة هللوا
تركت لنا دين (37) الأمانين مرهما :
           بنوك الطهارى والكتاب المنزل
غرست لنا في الخير كل أرومة
            فأضحى لنا في الناس مجد مؤنل
وبينت فينا ما شرعت من الهدى
              فمــنه لدينا مجمل ومفصل:
حديث وآى محكمات وحنـــة
         فمن عنها يغدو عاديا فمضلل
فمبلغ علم المرء أنك خير ما
          نبي سـري، والإمام المفضل
ويطيل مولاي عبد الحفيظ في ذكر مغازي النبي (ص) ومآثره وأخلاقه الكريمة السمحة، ومقامه السامي بين الأنبياء والرسل عليهم السلام، ثم يتوجه إليه مادحا ومتوسلا إلى أن يختم قائلا :
مدحت جنابا شامخا به ارتجى
                مطالبنا تقضي، وبرءا يعجل
وإني أتاتي الظن بخبر أنها
               أتاها قبول واضح ليس بجهل
فنلنا شفاء الجسم من كل علة
                ونلنا سرورا دائما لا يزلزل
فأنت ملاذ المستجير وإنني
                ببابك – طول الدهر – لا أتحول
ونحن بدورنا، نلوذ – مع شاعرنا الراحل – بحمى الرب العظيم، ولجاه نبيه المصطفى الكريم، في هذه السنة المباركة سنة الاحتفال بمرور أربعة عشر قرنا على بدء نزول القرءان المجيد، معجزة الرسول الخالدة ودستور المسلمين وأمامهم في مشارق الأرض ومغاربها، مؤملين أن يرزقنا جميعا الصحة والعافية والهناء والسعادة وتحقيق الأماني، وحسن الخاتمة والسلام.


1 ) ولد سنة 1280 هـ وتوفي يوم الأحد 22 محرم 1356 هـ، أما السلطنة فتولاها حين بايعته مراكش في 6 رجب 1325، ثم فاس في 23 ذي القعدة 1625؛ ولكنه تنازل عنها في 28 شعبان 1330هـ.
2 ) في الأصل : تيهوني وهو تحريف مطبعي.
3) مولاي عبد الحفيظ : العذب السلسبيل، ص2 المطبعة المولوية بفاس 1326هـ

4) يفهم من كلام الأستاذ الزركلي (الإعلام جـ 4 ص 50) أن الكتاب في فقه المالكية، بينما الذي في فقه المالكية هو « مختصر» الشيخ خليل الذي لم يقم مولاي عبد الحفيظ إلا بتحليل مقدمته وشرحها كما ذكرنا.
5 ) Vincent Hontefl « Morocco» p. 39 (1964)              
6 ) تدال : تعدوا عدوا متقاربا، او تمشي مشيا نشيطا.
7) أوغلوا : وأبعدوا في الحب. في الأصل : أوغل بصيغة تفضيل من الثلاثي وغل بمعنى دخل في الحب؛ وليس مرادا.
8) تمالأوا : بضمير الجمع لا التثنيه على اعتبار أن كلا من الشخصين يمثل فوجا أو فريقا من الناس على حد قوله تعالى : « هذان خصمان اختصموا في ربهم». تمولوا : اقتنوا المال، أو كثر مالهم.
9) في الأصل تبطل.
10) ليجهلوا : ليعتنقوا، فلا يحلموا بالناس ولا يرفقوا بالعلماء.
11) الميل : المائلون عن جادة الصواب، ونصب الشاعر الفاعل هنا ورفع المفعول جريا على قاعدة تقارض اللفظين في الاحكام إذا أمن اللبس، في قولهم : خرق الثوب المسمار، وكسر الزجاج الحجر؛ مع ان المسمار هو الذي خرق، والحجر هو الذي كسر.
12) في الأصل ألهوا.

13 ) فحل عهيل : قوي يعترف الناس بفحولته وفضله.
14 ) في الأصل : الفدح، ولعلها تحريف عن الفدم وهي العبى عن الكلام في رخاوة وقلة فهم.
15) عقنقل : كبير واسع.
16) م الجهل : على لغة خثعم وزبيد في حذف نون (من ) الجارة
17) أتول : مجنون أحمق أو بطي النصرة والخير، في الأصل ورد الشطر هكذا : فكيف الجهول ذو الأفاضيل الأثول؟ وأصلحناه من اجل الوزن.
18) برعل (كقنفذ) ولد الضبع او ولد الوبر من ابن اوى، والمراد أم منصر في هذا الجيل أحط الناس قيمة.
19) فهلل (كجعفر) : من أسماء الباطل.
20) في الأصل ورد الشطر هكذا : من الناس يلهو من المناصب حصقل، ولعل الصواب ما أثبتناه؛ ونرى أن « حصقل» التي لم نعثر لها على معنى-، محرفة عن حسفل (كزبرج) بمعنى الردئ من كل شيء؛ أو محرفة عن حقل (كزبرج أيضا) : بمعنى الصغير من ولد كل شيء.
21) في الأصل : بؤسها : والصواب ما أثنبتناه.
22) أجبلوا : من أجبل الشاعر إذا صعب عليه القول.
23) أفكل : وردت في الأصل بضم الكاف ولعلها بمعنى افتكل: أي احتفل واعتنى. ومن معانيها : رعدة خوف أو برد. وهي لقب الافوه الاودي أيضا.
24) قنثل (وزن زبرج) : وردت في القاموس المحيط بمعنى رقبة الفيل أو المرأة القصيرة. وهكذا يتصيد الشاعر الغريب حتى لا نجد المعنى الملائم.
25) قردل : لا وجود لهذه المادة في المعاجم التي بين أيدينا. ولعلها محرفة عن (قرزل) أو (قذعل) بمعنى اللئيم الخسيس
26) جيال ( معرفة بغير أل وقد تدخل عليها): الضبع . وعرفاء : صفة بمعنى كثيرة شعر الرقبة. وتطلق أيضا على الضبع.
27) قصعل (كقنفذ): اللثيم، وتوجد فصصل (بالفاء وبنفس المعنى) فهما لغتان فصيحتان.
28) أم قسطل : الداهية، وقوقل (كجعفر): ذكر القطا. ويضرب المثل باهتداء القطا في المجاهل.
29) قنبل : جماعة الناس أو الخيل، ولعل المراد هنا مقابل اللفظ الأجنبي  في الأصل: « ولو أن جيشها » ولعل الصواب ما أثبتناه. وأم قشعم هنا بمعنى الحرب.
30) نهشل : مسن مضطرب كبرا.
31) نهضل : رجل مسن هرم.
32) حنثل : ضعيف.
33) عركل : العركل الدف والطبل، والمراد هنا اللهو واللعب، في الأصل: رضيت وما يرضين ...الخ والصواب ما أثبتناه.
34) جحفل : رجل جحفل عظيم القدر كريم.
35) الهبركل ( كسفرجل) : الشاب الحسن الجسم
36) دغفل ( كجعفر): وصف للعيش بمعنى الواسع المخصب.
37) في الأصل: (تلك). ولا تطابق حينئذ بينها وبين (الأمانين) بعدها. ولذا أصلحتها بكلمة (ذين) تثنية (ذا) اسم الإشارة، وبذا حصل التطابق واستقام الوزن والمعنى.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here