islamaumaroc

كتاب محمد أو إلى دار الأرقم

  دعوة الحق

106 العدد

- رواية تمثيلية ... في أربعة فصول ...
- زمانها ما بين الجاهلية وظهور الإسلام ...
- مكانها بادية العرب ومكة المكرمة ...

هذه رواية تمثيلية عن تحرير القرآن الكريم للمرأة المسلمة .. تتقدم بها كاتبتها المحترمة على صفحات هذا العدد المخصص لأمجاد الدولة العلوية المالكة في خدمة القرآن وعلومه ..راجية أن تعود متوبتها على روح المجدد الأعظم فقيد العروبة والإسلام الملك الأفخم مولانا محمد الخامس محرر المرأة المغربية في القرن العشرين ومعيد نشاطها ونهضتها .. رضي الله عنه في العالمين وأعلى مقامه في العليين ...

أشخــاص الروايـة 
الفصل الأول
أم سلمــى                            ظمياء
أبو سلمــى                           ميــة
أم أوفـــى                           بنات صغيرات
خولــــة                             سلمى وسليمى وسمية


(يرفع الستار عن أم سلمى وهي جالسة أمام خيمة وحولها بناتها الصغيرات واحدة منهن في حجرها تناغيها وترقصها .. وتداعب الأخريات وتغني بما تغني به الأمهات عادة لأطفالهن .. وهي في لباس عربي ذي ألوان في هيئة تدل على القناعة وضعف الحال ..)
أم سلمــى : (تغنـي في حنـان ) :
بنتـــي ! بنتـــي!               بيــن البنــــات
أنـــي بهـــــا                  طـــول الحيــاة
أزهـــى بهــــا                إلـــى الممــات
بنتــي! بنتــــي!                بنـــت الحـــب
بنـت العــــــلا                بنـــت العــرب
فخـــري بهــــا               ولا عجــــــب
(ثم يدخل زوجها أبو سلمى في حالة نافرة، وهو يزمجر .. وتقوم إليه إحدى بناته لتحييه، فيدفعها عنه في خشونة، فتلوذ بأمها) :
أبو سلمى : ( يخاطب امرأته في غضب) – آه : أنت ما زلت تدللين هذه المخلوقات، وتوهمينهن أنهن شيء يستحق الاهتمام، الم أنهك غير ما مرة عن ذلك، أليس لك في الشاه والإبل وصغار المعزى والخرفان خير دليل عمن لا يفني شيئا، لا في السلم ولا في الحرب.! (ولما رآها لا تجيب ضرب الأرض برجله .. فذهب يكلم نفسه) – ولكنها أنثى بنت أنثى، وهي لا تلد إلا الإناث، عقمت عن ولادة الذكور، وملأت بيتي بأسماء النساء ربات المغزل، هذه سلمى، وتلك سليمى، وأخرى سمية .. وا أسفاه ..! لقد ألحقت هذه المرأة بي العار، فصرت استحي أن أعدو أو أروح على مجامع القوم، طالما تواريت عنهم .. يبشرون بالذكور والرجال، وأنا لا أبشر إلا بذوات الحجال، من لا يغني في قتال ولا نزال، ومن لا يقوم لي يوم الفخار، إلا مقام العار والشنار!
أم سلمى : (تنهره في حدة) كفاك أيها الرجل كفاك، بئس ما تنطق به كل يوم، تغدو وتروح علينا وأنت ترغى وتزيد، ناقما على بناتك اللائي من صلبك، ساخطا على من ليس لي يد في إيجاده ولا في خلقه .. إذا كنت عقيما فأنت أعقم، وإذا كانت هذه الفلذات غما عليك وكمدا فإنهن لي رياحين وسلوى ونعيم ( تضمهن إليها).
أبو سلمى : ( بتهكم وضحك)
سلوى ونعيم ! سلوى ونعيم! لقد هممت أيتها المرأة أن آخذ منك هذه السلوى والنعمة!فأسدها في التراب..!
أم سلمى: لا تكفر أيها الرجل، فإن أمك كانت أنثى، وإن العزى ومناة الثالثة الأخرى هما أيضا أنثيان، فليكن قلبك لينا ..!
( هنا يحس بوخز ضميره فيطرق قليلا ثم ينسحب من البيت).
أم سلمى : (تناجي نفسها) أما من خلاص من هذا الهوان؟ إليك عني أيتها الآلهة أين أنت! وأين قدرتك! يا ما تضرعت إليك لتكشفي عنا هذا الظلم ...! أما يتجلى هذا الليل فيسفر عن صبح مشرق وضاح نطمئن فيه على أنفسنا وعلى بناتنا؟ ..
( وفي هذه اللحظة تدخل بعض نساء الحي زائرات ..)
أم سلمى: ( تقوم إليهن مستبشرة) – أهلا بالعقائل الكريمات، رحبت بكن الدار ...
أم أوفى : سلمت أم سلمى، وسعدت بك سلمى، وسليمى، وسمية!
أم سلمى: زاد بك بيتي أنا، ولقيت منكن عزاء وسلوى ( تظهر عليها كآبة)
خولة : مالك يا أم سلمى شاحبة كاسفة. ما للابتسامة قد غاضت من ثغرك؟
أم سلمى: حز في نفسي أيتها الأخوات ما نقاسيه نحن النساء من اضطهاد وما تقابل به البنات من كفر وهوان ..
ظمياء:  إنني سعيدة على أي حال، لقد رضيت بما قسم لنا، فنعمت بالا وسعدت حالا ..
أم سلمى: ولكن بئس ما اخترت لنفسك يا ظمياء
مية: ولكنها معذورة يا أم سلمى ( تقول ذلك في لهجة قوية) إنها تخشى أن يتحدث الحي عنها كما يتحدثون عنك ..
أم سلمى: ( في اهتمام) – بماذا يتحدثون ؟
مية :  يقولون أنك خالفت سنة العربيات وتحديث الآلهة، لذا فستتور عليك وينالك غضبها.
أم سلمى: فلتثر الآلهة،  ولتنقلب الأرض، ما دمت غير آمنة على بناتي وعلى نفسي، وما دمنا مغلولا مظلومات موءودات.
أم أوفى : (باندهاش) – إلى أين يذهب بك يا أم سلمى ..! أتريدين أن تكوني لبابة السلولية؟ ..
أم سلمى: نعم هي مثالي، وهي قدوتي وأسوتي! فلم تصرن أنتن مثلها؟ ولم لا تشعرن بهذا الذل الذي يخيم عليكن وعلى بناتكن؟ أنكن عربيات والعربية أبية، لا ترضى بالهوان، ولو في قصر من ذهب!
الزائرات : (بصوت واحد) – عاشت أم سلمى! عاشت أم سلمى!
              ( ستار )

الفصل الثاني
مسعار                                    هبنقة
عوف                                    سمرة
صخر                                    أبو سلمى
مرة                                      أم هاني

 ( يرفع الستار عن ثلة من الرجال في مصطية، يشربون ويتسامرون ومن حين لآخر يتردد عليهم الساقي بما يطلبون .. واللباس عربي والاثات بدوي والأواني من الفخار أو من الصفيح ..)
مسعار:  من منكم يخرج معي غدا إلى الصيد يا رجال! قد أتى موسم الصيد، وفرمت أسناني إلى لحم الظباء، ألا ترون أسراب القطا تغدو علينا وتروح؟
عوف : (في تهكم) عهدي بك يا مسعار، تدعونا لشن الغارات، واقتحام حومات القتال، فكيف غدوت اليوم تدعونا إلى مطاردة الوعول، وبقر الوحش .. !؟
صخر: إن مسعار مسطارا يجتزيء باللقمة الباردة عن اللقمة الحارة، صرف سهامه عن الهيجاء إلى الظباء  ..! (ضحك)
مسعار:  كفاكم مزاحا يا رفاق، كدتم بمزاحكم تثيرون حفيظتي، فأدعو أحدكم إلى المبارزة ( يقولها في حدة).
 مـرة: كلا يا مسعار، ليس في الحي كله من يشتط به الأمر إلى هذا الحد، فأنت ولا جدال مسعار الحروب وجذيلها المحكك. ( يرفع كأسه) اشربوا يا قوم نخب مسعار ..! (يهزون كؤوسهم).
( هنا يدخل هبنقة صاحب الفكاهات والنوادر، وهو شخص قصير ذو حدبة، عليه امارات البله والدعابة، وفي عنقه عقد من الودعات .. )
صخر : تقدم يا هبنقة، فلقد ظمئنا إلى حديثك ( يقولها في فرح)
عوف : ( وهو يضحك) إن أبا الودعات يحمل إلينا اليوم في حديثه فكاهات مستطابة ..
هنبقة : ( يجلس على الأرض، ويدعو الساقي ولا يجيب ..) هات يا ساقي هات! (يصفق ويبالغ في التصفيق، والساقي واقف لا يجيب) ما لساقيكم هذا يا قوم لا يجيب، هو أعمى، أصم، لا يبصر و لا يسمع! ولكن هكذا يكون ساقي اللثام حقا! (يضحك القوم).
مسعار : يا ساقي، إسق أبا الودعات كأسا مزة ( يأتيه بها) قص علينا يا أبا الودعات كيف اصطدت أرنبك بالأمس؟
هبنقة : ( وهو يتضاحك) إني يا فتيان، لا أصطاد الوحشي كما تصطادونها أنتم، إنما أخرج إلى الصحراء فتقع الطيور من حولي، فآخذ منها ما أشاء ( يضحكون)
صخر: وإذا نفر منك وحش، فما تفعل به؟
هنبقة: أفعل به ما فعلت بالأرنب الحمقاء.
سمرة: وما فعلت بالأرنب الحمقاء؟
هبنقة :  خرجت يوما إلى الصحراء، فدعوت الأرانب، فاجتمعت حولي إلا واحدة أبت أن تقترب مني لشدة حمقها، فعدوت وراءها، لكنها زادت نفورا، فرميتها بسهم من نشابتي، فلما رأت السهم يجري وراءها راغت عنه إلى بعض الدروب، فعارضها والله سهمي في الدرب، فما زالت تروغ ويروغ معها إلى أن نفذ في كليتيها (يضحكون)
مسعار : وقل لهم يا أبا الودعات لماذا تجعل هذه الودعات في عنقك ..
هبنقة : إجعلها في عنقي علامة لي لئلا أضيع (يضحكون)
صخر : وإذا خرجت بالإبل ترعاها، فكيف ترعاها؟
هبنقة : اجعل الإبل السمان في خير المراعي، والحي عنها الإبل الهزيلة.
صخر : ولماذا تفعل هكذا ؟
هبنقة : إني لا أصلح ما أفسد الله (يضحكون) (هنا يدخل أبو سلمى وهو يلوح بيديه في حالة اضطراب)
أبو سلمى : اسمعوا يا رفاق، لقد تمردت علي المرأة، واستأسدت علي أنثى، لقد ملأت بيتي إناثا، وأنا فارس ابن فارس، أريد الفرسان للضرب والطعان، ومالي ولربات الحجال من لا يغني غناء الرجال .. قلت لها هذا فهاجت وتنمرت .. أي واللات والعزى، زعمت أن البنات كالبنين ... !
عـوف : بعـدا لها من كلمــة !
أبو سلمى : دلوني على حل يا رفاق، خير لي أن أواري وجهي عنكم من سوء ما ملكت يدي !
مـرة : احزم أمرك يا صاح، واقطع دابر هذه الرقطاء قبل أن يستفحل أمرها، وقبل أن يتحدث العرب فيقولون : إن امرأة من العرب خالفت سنة آبائها وسولت لها نفسها الخروج على عادات قومها ..
مسعار : لقد تهاونت يا أبا سلمى، فهنت عند المرأة، اعلم أن النار إذا اشتعلت أتت على كل ما حولها، فبادر وأقتل الفتنة في مهدها فكل عار ينالك ينالنا ..
أبو سلمى : قولكم الحق، ورأيكم الصواب، ستعلمون نبأها بعد حين، سأدس بناتها في الطين وأجعلها حديثا للغابرين ..
(هنا تدخل امرأة عجوز، في يدها ورقات .. تحييهم وتجلس)
مسعار : ما بيدك يا أن هاني ؟
أم هانيء : (في صوت متهدرج) وريقات أتت بها أم رومان من مكة، البلد الحرام، من عند الفتى القرشي.
عوف : ومن الفتى القرشي هذا ؟ (في استغراب)
أم هانيء : إنه محمد، ومن يجهل أمر محمد، وأمر كتاب محمد .. !
عـوف : وهل هذه الورقات من كتابه ؟
أم هانيء : لا أدري يا بني فأنا أمية لا أقرأ ولا أكتب، فانظروا من يقرؤها لكم.
مسعار : خذها يا سمرة، إنك كنت بالحيرة، وخالطت الأحبار والرهبان، ونظرت في الزبر.
سمرة : ( يأخذ الورقات من العجوز ويمضي في قراءاتها بتأثر والقوم في وجوم)
سمرة : « بسم الله الرحمن الرحيم، إذا الشمس كورت، وإذا النجوم انكدرت، وإذا الجبال سيرت، وإذا العشار عطلت، وإذا الوحوش حشرت، وإذا البحار سجرت، وإذا النفوس زوجت، وإذا الموءودة سئلت، بأي ذنب قتلت، وإذا الصحف نشرت، وإذا السماء كشطت، وإذا الجحيم سعرت، وإذا الجنة أزلفت، علمت نفس ما أحضرت، فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس، والليل إذا عسعس، والصبح إذا تنفس، إنه لقول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين، وما صاحبكم بمجنون، ولقد رآه بالأفق المبين، وما هو على الغيب بضنين، وما هو بقول شيطان رجيم، فأين تذهبون، إن هو إلا ذكر للعالمين، لمن شاء منكم أن يستقيم، وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين.»
(وجوم يسود القوم، ثم ينتبهون، فينتفضون ويضطربون ويتصايحون، وتأخذ العجوز أوراقها فتنسل.
أبو سلمى : أمر أمر ابن أبي كبشة، لقد أخذت آيات كتابه تسير بين أحياء العرب، يستنكر الوأد، ويجعل للنساء مقاما مذكورا، هذا لا يكون، ولن يكون!
مسعار : أسرعوا إلى بيوتكم أيها القوم، أسرعوا قبل أن يفسد عليكم كتاب محمد نساءكم، أسرعوا أسرعوا .. !
(يخفون للخــروج )
                    ســــتـــــــــار

الفصل الثالث

غــزالة                         أم هانيء
مرجــانة                        خــولة
ميمــــون                       أبو سلمـى
أم أوفــى                       مسعــار
أم سلمــى                      عســوف
العــرافة                        ساء الحــي

(يرفع الستار عن نفس المنظر بالفصل الأول، ويظهر بعض الخدم في بيت أم سلمى وبينهن (العبد ميمون)
غــزالة : إن سيدتنا تئن وتشكو هذه الأيام ولست أدري مما تشكو ..


مرجانة : إن مولاي من سادات العرب، وهي تريد أن تشاركه في السيادة، وبذلك تخرج عن تقاليد قومها.
ميمون: هل إذا تزوجت بك يا مرجانة، يا فتانة، تفرضين علي إرادتك أنت الأخرى؟ (ثم يقول في عبث) لا، لا، لا، أعيش أعزب ولا تسود علي امرأة.
مرجانة: دعنا من ثرثرتك يا ميمون، فليس لك بشأن النساء علم، اذهب عنا.
ميمون : (يخرج مهرولا وهو يقول ): أذهب آتيكم بالعرافة من هيكل الآلهة لتطرد شياطين الجن التي توسوس لسيدتي.
(وفي هذه اللحظة تدخل أم سلمى، ومعها نساء الحي، فيتمادين في الحديث قبل أن يجلسن)
أم أوفى: هوني عليك يا أم سلمى، لا تراعي، فلن تجلبي لنفسك إلا العار إذا تماديت في هذا.
أم سلمى: وهل إذا كنت أريد رفع العذاب عن نفسي وعن بناتي سمي ذلك عارا؟ هل علي جناح إن التمست لبناتي ولبنات جنسي حق الحياة الكريمة؟
(وفي هذه الأثناء يدخل العبد ميمون بالعرافة، وهي عجوز هرمة تلبس لباسا أسود، يغطي سائرها وتخطو بتؤدة على عصا ترتعش، وفي يدها بعض أشيائها..)
أم سلمى : (في اندهاش) من هذه يا عبد السوء؟
ميمون : (في اضطراب) الشفاء، الشفاء، العرافة الداهية كاهنة الحي.
(أم سلمى تنقبض مشمئزة)
أم أوفى : مرحى، مرحى، أحسنت يا ابن الأمة ..!
العرافة : (في صوت يشبه الصفير) جئت أبارككم باسم الكاهن الأكبر، والعراف الأشهر، عراف اليمامة، جئت أطرد من سمائكم الشيطان المارد .. باسم اللات والعزى، جئت أسوي الماء والهواء، والظل فوق البيداء. (تشرع في حركات غربية، وإشارات سحرية، وهي في صمت والكل في وجوم، لم تنشر أشياء أمامها وتنظر فيها وتقول).
إن لم يكذبني حدسي فأم سلمى قد حل بها غضب الآلهة واستنزلت لعنة يغوث ويعوق ونسرا .. لقد نطق لسانها بما فيه شك لآلهة العرب .. فأصرعوا بتقديم القرابين .. أجيبي يا علبة الأسرار، ويا جعبة الأنوار، قدموا القرابين، (تسكت قليلا) إنه الشفاء للسيدة أم سلمى، ربة السلمى، على أن تغري، وتقري، وتملأ يدي، بالسمن الزبدي، والدرهم المسجدي، المسجدي المسجدي (تكررها..)
أم سلمى : كفاك يا عجوز، انصرفي لحال سبيلك، وأعطها يا ميمون ما يرضيها، ولا تعد تدعوها (يأخذ بيدها، ويخرج بها)
(تم تدخل أم هانيء التي ظهرت في الفصل الثاني)
أم سلمى : رحبت بك الديار يا أم هانيء .. فهل من نبأ ؟
أم هانيء : جئتك بنبأ عظيم، هو الخلاص لما نحن فيه جميعا، وإذا صدق قائله فهو الصبح الأبلج الذي سيغير وجه حياتنا.
أم سلمى : تكلمي وأفصحي ..
أم هانيء : حدثني أم رومان القرشية أن محمد بن عبد الله القرشي الفتى الأمين نزل عليه كتاب كريم، فيه كلام يأسر القلوب، ويشرح النفوس، ويأمر بشريعة ما عرفتها العرب من قبل، تقضي برفع الضيم عن الضعفاء، والتسوية بين الرجال والنساء، وتحريم السبي، والوأد، والعضل، وإكراه الأماء على البقاء ..
أم سلمى : ومن هي أم رومان هذه التي أنبأتك ؟
أم هانيء : هي أم فتاة لها عندي، أرضعتها بباديتنا، فهي لذلك تزورني وأزورها وتحمل إلي الألطاف والهدايا، وكان مما حملت إلي هذه المرة، هذه الورقات (تخرجها من تلافيف ثوبها) وقالت إنها من كتاب الله وإنها مما أنزله الله في شأن تحرير المرأة ..
أم سلمى : وهل تحفظين منها شيئا ؟
أم هانيء : نعم، أحفظ منها آيات، أعادتها أم رومان على مسامعي حتى حفظتها.
أم سلمى : اسمعينا إياها يا أم هانيء.
أم هانيء : (ترتل بصوت شجي) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، « ربنا، إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان، أن آمنوا بربكم فآمنا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سيآتنا وتوفنا مع الأبرار، ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك، ولا تخزنا يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد، فاستجاب لهم ربهم إني لا أضيع عمل عامل منكم، من ذكر أو أنثى، بعضكم من بعض، فالذين هاجروا، وأخرجوا من ديارهم، وأوذوا في سبيلي، وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيآتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ثوابا من عند الله، والله عنده حسن الثواب».
النساء : (بخشوع) صدق الله العظيم.
أم هانيء : ثم أسر إليكن أيتها الأخوات، إني مررت على مجمع القوم بالحي في طريقي إليكن فأظهرت لهم بعض هذه الأوراق ليعلموا من نبأ كتاب محمد ما يجهلون، ولأرى كيف يستقبلون هذه الدعوة الجديدة.
أم سلمى : وهل قرأواها ؟
أم هانيء : أجل، قرأوا بعضها، فثاروا وحاصروا حيصة حمر الوحش، وانفضوا وهم يتوعدون وينوون شرا بنا وبكتاب محمد، فجئت استحث الخطأ لأحذركن من سوء ما بيتوا، وأنبهكن قبل فوات الأوان، حتى تحتاط كل واحدة منكن لأمرها، والأجدر بنا أن ننصرف الآن وندبر أمرنا.
خولة : نعم ما ترين، هيا بنا يا أخوات، وهيا معنا يا أم سلمى ندبر أمرنا ونستعين عليه بالكتمان .. (يخرجن متسللات .. وبعد هنيهة يدخل أبو سلمى في انفعال شديد)
أبو سملى : أين أنت (في صوت عال) أين أنت؟ أم سلمى، (صوت أعلى) أم سلمى ألا تسمعي، أخرجي من مخبئك فسيدك يناديك !
مرجانة : (تتقدم في أدب) عفوا سيدي ! إن سيدتي ليست في البيت، خرجت منذ زمن، وركبت ناقتنا القصواء في صحبة بعض نساء الحي وما زلت أتبعها ببصري إلى أن غابت وراء هذه التلال.
أبو سلمى : (في هيجان شديد) تبا لك من أمة، وجه السوء والشؤم، لا تأتيني إلا بالأخبار السوداء مثالك، أغربي عن وجهي ..؟
مرجانة : (في ذعر) سمعا وطاعة يا مولاي.
(أبو سلمى يذرع البيت ذهابا وجيئة وهو ينتفض انتفاضة المحموم)
أبو سلمى : أي عار يضمه بيتي، لماذا لم يندب هذه المرأة؟ لماذا كانت في نصيبي، لتنصب عليها لعنة الآلهة، ولكني أعرف كيف أغسل هذا العار عني، إنها خرجت وانصرفت إلى بيت أبويها لتشكوني إلى قومها، ولم تعلم أني حزمت أمري وشكوتها إليهم قبل أن تشكوني، وفوضوا أمرها إلي. لا مفر لها مني ولو أوغلت في البيداء، ولا مناص لها من نقمتي ولو تعلقت بالنجوم ..!
(هنا يدخل زوج أم أوفى مسعار، وهو يتلفت يمنه ويسرة في حالة تأثر)
أبو سلمى : علام تبحث يا مسعار ؟
مسعار : أبحث عن أم أوفى، أين هي ؟
(ثم يدخل عوف زوج خولة)
عوف : أين خولة زوجتي ؟ أين هي ؟
(ثم يدخل آخر .. ثم آخر ... )
أبو سلمى: وأنا أيضا، افتقدت أم سلمى، وكنت أظن أنها انصرفت إلى أهلها، كما تفعل إذا غاضبتني، ولكني أيقنت الآن، أنها ذهبت إلى وجهة غير وجهة أهلها.. من يا ترى ينبئنا بما كادته لنا هذه النسوة ؟
(هنا يدخل ميمون في حالة الفزع)
ميمون : سيدي ! سيدي! إنني كنت أرعى الإبل، وراء هذه التلال فمرت بي سيدي هي ورفيقاتها يطوين الأرض طيا، وسمعتهن يتحدثن أنهن يقصدن دار الأرقم...
أبو سلمى : دار الأرقم ! دار الأرقم ! أين هي دار الأرقم ؟
(تظهر علامات التعجب والاندهاش على ملامح القوم ..)
 مسعار : هلموا بنا يا قوم، نقتفي الرهن، ونردهن إلى حظيرتهن ونستجلي أمرهن ..
             ستــــار

الفصل الرابع
العـــاص                 أبو سلمــى
 خبـــاب                  عــوف
عمـــار                    سمــرة
حمــالة الحطب            مسعـــار
 أم سلمـى                    رجــال... ونسـاء...
 أم هــانيء

يرفع الستار عن ساحة أمام دار المقداد بن الأسود، معقل النبي (ص) وأصحابه، واثنان من المسلمين يحرسانه من داخل، واثنان آخران من خارج ..)
العاص بن وائل : (يتقدم من الباب، وينظر إلى الحارسين شررا) ألا تزالان هنا يا أرذلان ؟ أليس لكما شغل عن هذا الباب الذي لازمتماه ملازمة الظل، لكني أعرف كيف أنحيكما عنه إذا عدت ووجدتكما هنا .. اسمعتما ؟ ..
الحرس خباب : فالله خير حفظا، وهو أرحم الراحمين !
العاص : ستريان ! ستريان !
(ينصرف وهو يرسل ضحكات استهزاء)
( ثم تتقدم امرأة إلى الباب، وعليها إمارات الشر، تتلفت هنا وهنا .. وأخيرا تلتقي قمامة على الباب من قفة تحملها وتنصرف).
الحارس عمار : من هذه يا خباب ؟..
خباب : إنها حمالة الحطب امرأة أبي لهب الملعونة في كتاب الله، شأنها ايذاء الرسول والمسلمين تلقي عليهم القمامات وتسبهم في المجالس.
عمار : ..! تذكرت، هذه التي ذمها أشنع ذم في كتابه الكريم تبت يدا أبي لهب ..
خباب : إن الحسد يا صاحبي هو الذي أوردها المهالك، وجعلها ملعونة على السنة الأولين والآخرين ..(يشير) أنظر يا صاح، هذا حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله (ص) يتقدم إلينا، لعله أتى ليسلم !
عمار : إنه هو، وإمارات الخير بادية عليه.
( يقف حمزة، ويشير إليهما أن يفتحا الباب)
حمزة : افتحا الباب (في لهجة حازمة).
خباب : وما تريد من فتح الباب؟
حمزة : أريد أن ألقى ابن أخي محمدا، فليس أحد أسبق إليه مني، أبايعه على أن الله واحد لا شريك له..
(يفتحان الباب ويدخل، ويغلقان عليه الباب)
خباب : الحمد لله، هذا نصر من الله للمسلمين، وتمكين لدينه في الأرض.
صوت من داخل : حمزة بن عبد المطلب أسلم ! الله أكبر! الله أكبر!
(أصوات تردد التكبير)
ثم يقف بالباب فوج من النساء البدويات وهن وفد أم سلمى ..)
أم سلمى : (تسأل رفيقاتها) هل هذه دار الأرقم ؟
أم هانيء : إنها دار الأرقم فأنا أعرفها
خباب : إنها هي يا أماء الله، الخير أقبلتن ؟
أم سلمى : افتح لنا الباب (في لهجة حازمة) افتح لنا الباب نلق رسول الله، ونبايعه على الدين السمح، ونسمع منه الكتاب الذي جاءنا به .. فهؤلاء عقائل العرب وكرائمها .. جئن يسابقن الرجال
إليه، ويرجون ما عند الله، هيا بنا يا أخوات، هذه هي دار النجاة، دار الأرقم .. معقل الإسلام ودار النبوة ومشرق النور .. افتحا لنا الباب يا حارسان .. !
(يفتح الباب ويدخلن، فيتعالى التكبير في جوانب الدار).
خباب : حمدا لك يا رب !
عمار : شكرا لك يا رب العالمين ! أتممت نعمتك علينا، وجعلت أفئدة من الناس تهوي إلينا ! اللهم أهد الناس إلى الطريق المستقيم وأنر أمامهم سبل الرشاد ليدخلو في دين الله أفواجا  ! 
(إذا بفوج من الرجال البدو يتقدمون إلى الباب، هم وفد أبي سلمى)
أبو سلمى : (يخاطب الحارسين) أهذه هي دار الأرقم ؟
خباب : نعم ..
أبو سلمى: وهل جاءت نسوة إلى هذا المكان؟
خباب : ومن تكونون أنتم وما  شأنكم؟
أبو سلمى: إننا أزواجهن، لقد تركن ديارهن وأبناءهن، استهواهن الشيطان، وغواهن كتاب محمد، فانسللن إلى هنا خفية.. ونخشى أن يكفرن باللات والعزى، ويدخلن دينا غير دين آبائهن .. فإذا كن في الدار فأخرجوهن إلينا، ننقلب بهن إلى بيوتهن وأهليهن.
خباب : إن من يدخل هذه الدار أصبح في حمى الله ورسوله! فلا سبيل إلى ما تطلبون. (القوم ينظر بعضهم إلى بعض)
عمار : ولكن ، هل لكم فيما هو خير من ذلكم؟
أبو سلمى: ما هــو؟
عمار: أن تدخلوا فيما دخلت فيه نساؤكم ؟
مسعار : (يندفع نحو الحارس) لقد هممت أن أخبطك بسيفي هذا خبطا، وأن أريك أنه لا يقف شيء في وجهنا!
عوف : مهلا يا مسعار! أعلم أنك في البلد الحرام، وفي الشهر الحرام، فما لك أن تروع أحدا هنا.
خباب : اعلموا يا قوم، إنكم لستم أول من جاء يطلب مثل طلبكم، إن كثيرا من زعماء القبائل ورجالها أتوا يطلبون أن نسلم إليهم من هداهم الله للدخول في دينه، ولكنا ما سلمنا أحدا ..
أبو سلمى : (يخاطب أصحابه) لقد استفحل أمر محمد، أي سحر يملكه هذا الرجل .. وأية قوة يسخر ؟
سمرة : إن بين يديه كتابا، وقد سمعتم بعضه ..إن كان حقا ما يقولون فإن لهذا الرجل شأنا، وأي شان، لقد تبعه أكابرنا وأصاغرنا، ضعفاؤنا ونساؤنا، إنه أعطى النساء شيئا عجبا، وجعلن مثل الرجال في الأحكام .. (ثم رفع صوته) اسمعوا يا رفاق، فإن كان هذا الرجل على حق فلا يسيقنكم إليه أحد، إن نساءكم بين يديه أترضون أن يحال بينكم وبين محارمكم، كيف نتقلب إلى ديارنا وقد خلفنا وراءنا محارمنا؟ ..
مسعار : لقد نصحكم ابن عمكم .. لا ينبغي لنا أن نعود إلا ومعنا نساؤكم.
أبو سلمى : نصيحة ..! .. ولكن كيف نكفر بآلهتنا، باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى؟ كيف يكون هذا، إنني في حيرة، أجيبي يا آلهة، أأقترب أم أبتعد، ماذا أفعل يا يغوث ويا يعوق ونسرا؟
سمرة : أحزموا أمركم يا قوم، لا تترددوا أدخلوا فيما دخلت فيه نساؤكم فمن العار أن يكن أهدى منكن سبيلا ..!
مسعار : (في لهجة حازمة) افتحا الباب أيها الحارسان، افتحا !
(يفتح الباب، ويدخلون، ويتعالى التكبير في جوانب الدار، وبعد هنيهة، يخرجون، وقد تأبط كل واحد زوجته وهم يكبرون ..)
الوافدان : (يخرجان اثنين اثنين) الله أكبر! الله أكبر! ....
                   ستــــار

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here