islamaumaroc

دولة في خدمة العلم

  دعوة الحق

106 العدد

يصدر هذا العدد من « دعوة الحق» والشعب المغربي النبيل يحتفل بذكرى عزيزة عليه، أثيرة لديه، وهي الذكرى السابعة لتبوئ سيد البلاد، وعاهلها المفدى عرش أسلافه الأمجاد.
وأن من بواعث الغبطة والسرور، ومشاعر البهجة والحبور، أن تقترن هذه الذكرى المجيدة، بذكرى جليلة خالدة، لها مكانها في التاريخ، وتقديرها في القلوب، وعبرتها في الأجيال الماضية والحاضرة وما يستقبل منها، وهي ذكرى مرور أربعة عشر قرنا على نزول القرآن الكريم ...
ومساهمة منا في إحياء هذه الذكرى العطرة الوطنية الغالية، وفي ظلال احتفال المغرب والعالم الإسلامي في هذه السنة بذكرى نزول القرآن الكريم، ولاسيما في هذا البلد الأمين الذي أصبح مثابة للناس وأمنا، ومهوى أفئدة المسلمين، ومعقد رجاء الإسلام، فاحتل مكانة من صدر الوجود في عهد العاهل الكريم صاحب الجلالة الحسن الثاني نصره الله وأيده، رأينا أن نصدر هذا العدد الخاص من مجلتنا يكون موضوعه منبعثا من صميم هذه الذكرى، ومصدره أولئك الإقبال ملوكنا العلويين الذين اعتمدوا في تأثيل ملكهم، وإنهاض شعبهم على الحرص الموصول، والجد النزيه، والإخلاص لله، والعمل على إعلان مجده بإعزاز دينه، وبث فنون العلم والمعرفة والثقافة في ربوع هذه المملكة السعيدة بما يوائم فطرة الله، يلائم طبيعة التقدم، ويساير مقتضى الحياة .. فسطروا بذلك صفحات مشرقة خالدة في تاريخ هذه البلاد العزيزة.
لقد وجه ملوك هذه الدولة العلوية قافلة الحياة في طريقها القاصد، وجمعوا حولهم القلوب النافرة الشاردة على هوى واحد، ومهدوا لهذا البلد المسلم، منذ قبضهم الله ملوكا على هذه الأمة، سبيل الاستقلال الخالص الصريح الذي حفظ الكرامة، وأعان على النهوض، فعاشت بلادهم حرة كريمة غنية، عالية الرأس بين الشعوب والأمم في ظلال عرش علوي منيف، ثابت الأس، رفيع الذرى، وطيد الأركان.
ومما يدعو إلى الاعتزاز والفخر، ويبقى مخلدا في جبين الدهر، إن دولة ملوكنا العلويين غنيت بملوك كانوا غرة المجد، وهامة الشرف، وعنوان النجابة والشهامة والنجدة، فقد عملوا، في وقت جمدت فيه القرائح، وخارت العزائم، على إنشاء حضارة مغربية أصيلة، ونهضة فكرية رشيدة متحررة من ربقة التقاليد، وأسار العادات بلغت في عهد جلالة الحسن الثاني غايتها المرجوة، وشاوها البعيد، وأمدها المرسوم ...
لقد أدى ملوك هذه الدولة المجيدة واجبهم، وخدموا كتاب الله وسنة رسوله في تفان وإخلاص، وقاموا بما عهد إليهم نحو رسالة المغرب الحضارة والثقافية والاجتماعية والسياسية.
فبعد ما قضى المولى على الرشيد على الخصم العنيد، والعدو الكاشح، بالعلاج النافع الحاسم الصواب، وحل النزاعات الإقليمية، ورد على المغرب وحدته، وجمع كلمته، وأهاب بشوارد الأنفس إلى سواء السبيل، اختط الخطة « الرشيدة» لرفع قواعد العمل المثمر، ونشر العلوم، وتنوير الأفكار،، وبث روح المعرفة بين أبناء شعبه، ضاربا المثل بنفسه حتى كان يحضر رحمه الله مجالس العلماء، ويغشى رحاب القرويين ولاسيما مجلس العلامة أبي علي اليوسي تحفيا له، وإكبارا للعلم، حتى قال فيه هذا الأخير في رسالته للمولى إسماعيل:
« ثم جاء المولى الرشيد بن الرشيد، فأعلى للعلم مناره، وأوضح نهاره، وأكرم العلماء إكراما لم يعهد، وأعطاهم ما لم يعد، ولاسيما بمدينة فاس، ففضح من قبله، وأتعب من بعده، ولو طالت مدته لجاءته علماء كل بلد ...»
وقد وجه المولى إسماعيل الذي امتاز عهده بالمضاء والعدل، عنايته إلى التربية والتوجيه، وبسط رعايته على كل عمل من أعمال الفكر، وإلى كل فن من فنون الثقافة فسلك سبيل أخيه في إحياء المعاهد، وإعلان شأن المدارس والمساجد، وجعل امتحان الطلبة أساسا لنيل أسمى المراتب، وتبوئ أسنى المناصب، حتى عم العلم، وانتشرت الثقافة، وخر الجهل الفاضح في عهده صريعا لليدين وللفم ..!
وكان رحمة الله عليه يأمر العلامة المجاطي بختم التفسير في قصره، ثم يقوم بخدمة العلماء الحضور لذلك، ويصب الماء على أيديهم إجلالا للعلم، وتكريما للعلماء.
وقد بلغ من تمسكه وخدمته للقرآن والسنة أن جمع ذات يوم جنوده، وأحضر نسخة من صحيح الإمام البخاري، وقال قولته الشهيرة في قوة المومن الملهم المخلص الملتزم :
« أنا وأنتم عبيد لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشرعه المجموع في هذا الكتاب، فكل ما أمر به نفعله، وكل ما نهى عنه نتركه، وعليه نقاتل».
وهذا محمد بن عبد الله الذي انفسح مدى نظره، واتسع أفق تفكيره، فترك أثرا ضخما، وتاريخا حافلا في ميدان الفكر والثقافة، فقد كان إماما من أئمة الدين، وعلما هاديا من أعلام المسلمين ترك تصانيف عديدة، وكتبا شهيرة تشهد لعقيلته العملية الفريدة، تقرأ بالمشرق والمغرب، فهو الإمام الموهوب لهذه الأمة على رأس المائة كما قال في حقه عبد السلام بن الخياط القادري رحمه الله.
وكان للمولى سليمان ولوع بزيارة القرويين، وتفقد علمائها، وحضور مجالسهم والإيعاز إليهم بالتصنيف والتأليف في مختلف الفنون والعلوم، وضروب المعرفة والثقافة والفكر.
وقد اهتم المولى عبد الرحمن بشأن العلم اهتماما زائدا، فألزم جميع قواد إيالته أن يؤسس كل واحد منهم بناحيته كتابا لتعليم الأطفال أمور دينهم، وعد من خالف ذلك أو تهاون به مجرما يعاقب أشد العقاب.
كما ربط ابنه المولى محمد أوثق الصلات بين المشرق والمغرب، فأوفد بعثته المشهورة إلى مصر لتعليم فن الطباعة وعلوم الطب والفلك والجغرافية، وكان له باع طويل، وقدم فارغة في العلوم العقلية كالحساب والتوقيت والتنجيم والموسيقى حيث درس تلك العلوم بالنقد والتحرير، وختم كتاب اقليدس في الهندسة.
وقد راع المولى الحسن الأول رحمه الله حال المسلمين من قناعتهم بالدون، وقعودهم عن مسايرة التطور والتقدم والتمدن، فجرد من نفسه عزيمة ماضية، وهمة شماء، وأضاء دباجير الجهالة بوميض روحه، وجمع كلمة الأمة حول رأيه، ووحد وجهتها وراء خطاه، وانطلق بها نحو العز المرصود، والكمال المنشود، فبعث البعثات إلى الخارج، إلى ما وراء البحار وخلف السهوب، بعد أن رد سهام الأعداء الجارحة التي كانت تنوش البلاد من أطرافها.
فلا غرابة إذا اعتبرنا المولى الحسن الأول رحمه الله أبا للنهضة المغربية الحديثة ...
وقد أوصل المولى يوسف رحمه الله رسالة آبائه الكرام، وأجداده المنعمين، فاستيقظت في عهده روح الوطنية الصادقة لمحاربة المستعمر الذي شن على البلاد حربا في صراحة ووقاحة، وانبعثت في أيامه ثورات ملهبة للحماس للقضاء على الواغل المقتحم الكافر الذي سخره الشيطان الرجيم لإفساد العقول بمدينته الملحدة، وعلمه الشاك.
والحق أن المغرب مسح عن أجفائه في عهده فتور الوسن، ونفض على كاهله غبار الكسل والخمول!!
ففي عهد هذا الملك الصالح شيدت مدارس وأنشئت مؤسسات ومعاهد، في مختلف مدن المغرب وقرأه على النمط العصري الحديث، منها مثلا المدرسة اليوسفية بالرباط التي تخرج منها الجم الغفير من شباب المغرب وعيوفه وعلمائه كما هو معروف.
وقد امتاز عصر محمد الخامس طيب الله بالرحمة ثراه بالطموح والكفاح، والجلاد والنضال، والعمل على حفز الهمم الوانية، وإيقاظ الضمائر الغافية، وإعزاز القومية المغربية، وتحقيق الأماني الوطنية حتى نالت بلاده في عهده استقلالا مطلقا ناجزا، وحرية مهذبة الأطراف.
وقد عانى رحمه الله في سبيل ذلك رهقا شديدا، وكابد برحاء الهموم مع المستعمر الذي أراد للشعب المغربي أن يعيش، أبد الدهر، بين الحفر، متأخرا جاهلا مريضا .. لكن همته القعساء، وعزيمته الماضية، أبت عليه إلا أن يأخذ بيد شعبه ليسكنه بين السماكين، فعلمه، وفتح بصره وبصيرته، وقاده نحو رابية المجد، ورحاب السعادة الراضية والأمل المطمئن، فنشطت الحركة الفكرية في أيامه، وانتعشت النهضة الثقافة في عهده، وحظيت منه بعناية خاصة، واهتمام بالغ.
وكان رحمه الله يجعل من كتاب الله مصباحا يستضيء به إذا أدلهت الخطوب، واحلولكت الأحداث، واستبهمت السبل فيجد فيه الدواء الناجح، والبلسم النافع لمعضلات الحياة.
تلك لمسات خفيفة عن ملوكنا الأمجاد أتينا بها للتدليل على أن هذه الدولة قامت برسالتها الثقافية والاجتماعية والحضارية. وسيرى القارئ الكريم في هذا العدد الذي خصصناه لخدمة القرآن وعلومه في عهد هذه الدولة المجيدة تفصيل ما أجملناه ليقف بنفسه على المجهود العلمي الضخم الرائع الذي قام به ملوك هذه الدولة العلوية الشريفة.
وها هو جلالة الحسن الثاني، حفظه الله ونصره، وأطال عمره، وحفظه في صاحب السمو الملكي ولي العهد المحبوب، وأبنائه البررة الكرام، وشعبه الوفي، يتم صرح هذه الحضارة المغربية المتفتحة ويرعى حركة المغرب العصرية الرشيدة، بيد أمينة، وتبصر واع، وحكمة الاهية للوصول بهذا البلد الأمين إلى الكمال المنشود.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here