islamaumaroc

عبرة السويس

  المهدي البرجالي

14 العدد

منذ سنتين، وفي مثل هذا الشهر، وفي الساعات الأخيرة من أكتوبر 1956  وبينما كان العالم لا يزال مشدوها من حادث القرصنة الجوية المشنة من طرف السلطات الفرنسية على الطائرة المغربية المقلة للزعماء الجزائريين، انقضت القوات الإسرائيلية في هجوم مباغت وسريع على المراكز المصرية في إقليم غزة.
وبينما كانت قيادة «موشي ديان» تنفذ خططها الهجومية الغادرة على شبه جزيرة سيناء، كان الفرنسيون والبريطانيون يترقبون الرد المصري على الإنذار الذي كانوا قد وجهوه إلى حكومة القاهرة، والقاضي بضرورة إيقاف إطلاق النار لكي تتمكن من تحقيق مزيد من التقدم يخولها  إمكانية الإشراف على القناة المؤممة !!.
ثم تلا كله هجوم عام مشترك شنته القوات المتحالفة من قبرص على تراب الجمهورية المصرية، بعد أن قصفت أجزاء هامة من القطر قفصا مدمرا.
وانتكست ساعة قضية الحرية في العالم انتكاسا مريعا، وضج الأحرار في كافة أرجاء المعمور من هول الموقف ومن شناعة الظروف التي اكتنفت هذا العمل العسكري الغريب.
وفيما كان الشعب العربي بمصر، يستبسل في الدفاع عن سواحل البلاد الشمالية ويتهيأ لمواجهة الموقف على الحدود الشرقية، كانت أفئدة الملايين من البيض والصفر والسود والسمر، تخفق للرابضين وراء المتاريس في بور سعيد وتبارك لهم نضالهم البطولي الرائع، وتتغنى بأهازيج جهادهم الكبير.
وانقلب يومها التوازن الدولي لصالح الحرية التي كانت تتجسد في مواقف المناضلين عن القناة، وذلك على نحو مثير لم يعد معه من الميسور للإستراتيجية الحليفة النفاذ إلى نقطتها النهائية، أي إصابة الطاقة الحربية المصرية، واصطناع أسباب الانقلاب السياسي ـ الحكمي في القاهرة.
لقد كان المسؤولون عن تحضير التخطيطات السياسية والعسكرية لحملة السويس، يدركون سلفا أن دقة إخراج المسرحية، التي كم جهدوا في ابتداع أسسها وأحكام فصولها وحبك أطرافها، لا يغني عنهم كثيرا أمام قوة الوعي الذي أضحى الرأي العام العالمي يتوفر عليه، والذي ليس للأساليب الميكيافليلية المباشرة ـ من نحو تلك التي تم اللجوء إليها في الغزو الثلاثي ـ إن نصيب منه مكامن الإهداء، أو مظن التقدير، ولكنهم لم يكونوا في الواقع على درجة من عمق الإدراك وحسن التخمين إلى القدر الذي يمكنهم من استشراف ما قد ينبثق عن تحضيراتهم الهجومية، مما يتساوق ومقدار النضج الفكري والإنساني، الذي بلغته الجماهير في مختلف أجزاء المسكونة. لم يكونوا يحذرون أنهم سيواجهون بكل هذه الموجه الطاغية من الامتعاض والاستهجان، بعد أن طوحت بهم الحوادث في تلك المتاهة المريعة التي أضحوا معها يعيشون في عزلة دولية رهيبة، لم يسلف لواحد منهم أن عرف عديلا لها منذ أمد بعيد.
ولعلهم أيضا لم يكونوا يتصورون أن تفاعلات الأتون الذي أوقدوا شرارته الأولى، سيكون لها كل هذه الانعكاسات القوية على سير الحياة العامة في البلاد المهاجمة نفسها، حيث عادت القوانين التقتيرية لتعدل منسوب الاستهلاك عند الجماهير في الغرب، ولتذكر الملأ أيضا بصور الحياة القائمة للحرب العالمية الثانية.
أقوى الظن أنهم لم يكونوا يقدرون أن ذيول الحملة ستكون من هذا الصنف، وإلا فلم يكن من المستساغ مطلقا أن تجد خططهم حدا نهائيا لها على أبواب بور سعيد، فيما كان مبتغاهم الرئيسي في قصر الجمهورية بالقاهرة المعزية !!
إن القصة الآن قد غدت من صميم الماضي، ولكن العبر التي يمكن أن توحيها للأجيال ليس لها من نهاية، فقد أمكن للتضامن بين الشعب المصري وبين شعوب العالم، إن صانعي المأساة ما لبثوا بعد قليل أن بدؤوا يواجهون مصيرهم السياسي المنتظر، فلا «أيدن» بعد الآن ولا «هايد» بل إن المحافظين ككتلة سياسية ما عتموا إن بدؤوا يفقدون ذلك التماسك الذي كانوا يستمدون منه هيبتهم السياسية والحزبية، أما الانتصارات التي أمكنهم تحقيقها للإمبراطورية في مدى سنين الحرب الأخيرة، فقد أضحت ألوانا باهتة أمام الهزيمة السياسية والدبلوماسية التي أصابوا بها إشعاع المملكة المتحدة التوسعي، لهذا فيبدو أن وجودهم في دست الحكم لم يعد إلا قضية اعتبارات زمنية ليس من شأنها أن تبيح لهم البقاء في «دوننج ستريت» أمد طويلا.
أما على الطرف الجنوبي من «المانش» فلم يكن مصير المسؤولين عن الحملة بأحسن كثيرا من ذلك الذي كان نصيب «الايدينية» في لندن، فعلى الرغم من أن وزارة «مولي» قد تسير لها أن تحتفظ بالبقاء بضعة أشهر أخرى بعد الانسحاب عن بورسعيد، فإنها ما لبثت بعد ذلك أن هوت تحت تأثير العواصف السياسية التي عفت عليها أخيرا في 21 مايو 1957 أي بما يناهز قليلا الستة أشهر من نشوب العراك في القنال
ولقد كان لسياسة «مولي» المالية وارتباطاتها بعمليات الإبادة في الجزائر، تأثير مباشر في فصم وحدة الأغلبية البرلمانية التي كانت تستند حكومته، ولكن يتبدى من استقراء الوقائع واستقصاء الظواهر السياسية العامة،أن اندحار القوات المتحالفة في السويس، كان له آثار بعيدة في نشوء كثير من الحالات النفسانية، وردود الفعل البرلمانية، التي كان لها اتصال وثيق بانهيار الحكومة الفرنسية ذات القيادة الاشتراكية في أواخر ربيع السنة المنصرمة، فالواقع أن غلاة السيطرة في باريس كانوا يضعون هناك دوما خطأ رابطا بين الوضع المتفجر في الجزائر، وبين التدفقات القومية العربية التي مصدرها القاهرة، فقد كانت (بعثة السويس) في اعتبار المنطق اليميني المغالي، جزءا متمما لعمليات «التهدئة» المنصب لهيبها على الشعب العربي في الجزائر، وكانت نتائجها المعكوسة بالتالي تشكل عند تقدير الكثيرين منهم اندحارا مريعا في الصراع مع الوحدات المقاتلة لجبهة التحرير.
ولكن المركبات النفسية، الكمالية منها والنقيصة، تلك التي تتحكم في تشكيل نوعية التفكير ومناهجه عند التوسعيين الفرنسيين، لم يكن من شأنها أن تبيح لهم الطفرة في الإجهاز على الجهاز الحكومي المتداعي الذي خلقته حوادث السويس مجسما في الحكومة الاشتراكية الدانية إلى الأفول. وكان يوم 21 مايو 1957 مناسبة عابرة فقط للإعفاء على ذلك الضرب الفريد من «المولية» بعد أن سجلت إخافتها الحتمي في بور سعيد وعلى ضفاف القنال.
ويطالعنا الآن نوفمبر مرة أخرى، فإذا المفاهيم الكريمة التي تنزلت حفاظا عليها دماء طلائع الكفاح العربي في بور سعيد، تزداد تركزا وتبلورا في أذهان القوات الشعبية العالمية، وتصبح أساسا لكثير من الحقائق التي غدت تحدد سير الأحداث في عالمنا الحاضر، وترسم اتجاهها الحتمي، فقد كان الأمر ـ منذ البداية ـ يتصل جوهريا بالمبادئ والقيم الخيرة التي تواضع الإنسان باعتباره إنسانا، على أن يحتفظ لها، إلا في الظروف الشاذة، بقسط واف من الاعتبار، وقد اقترف المسؤولون في «الفورين أوفيس وألكي دورسي» خطيئة المس بهذه المبادئ والقيم غداة الانطلاق من قبرص للانقضاض على الساحل العربي، وذلك بصورة فلما نجد لها معادلا تاما في عالم ما بعد الحرب.
ولهذا فقد كان رد الفعل الإنساني حتميا وحاسما، ولم يكن ـ على التحديد ـ متجسدا في الوعيد السوفياني، أو متجسما في طبيعة الموقف الأمريكي غير التضامني، بل ولا في صرامة المبادرات الأممية داخل مجلس الأمن أو المنتظم العام لهيئة الأمم المتحدة، إلى غير ذلك من العوامل المفردة، لقد كان مظهره المبدع هو ذلك الاجتماع الشامل الذي ضم بين شعوب الأرض على استهجان ومناوأة روح التحكم المجرد، وتحكيم طرائف العنف، مما كان يتمثل جليا في مختلف مراحل الهجوم الثنائي المشترك على التراب المصري.
لم يكن على المتحالفين أن يواجهوا دولة بعينها أو تكتلا دوليا معينا، بل كان عليهم أن يجابهوا كل الإنسانية الواعية الصاحية المتحفزة، كان عليهم أن يقاوموا كل طاقات النضال المتركزة في الضمير الإنساني العام، كان عليهم أن يجابهوا تلك الحقيقة الكامنة في نفسية الإنسان، والتي لم تسهم فوادح الدهر إلا في بلورتها وتركيزها، تلك هي شعور الأفراد والجماعات بالعداء السافر غير المقيد لكل مظاهر الاغتصاب والسيطرة، وخاصة إذا كانت تتشح بالرداء الذي اكتست به غداة انهيال المظليين من قبرص على تراب الجمهورية المصرية. لم يكن أفراد المقاومة الشعبية في بور سعيد إذن إلا طلائع الكفاح الذي كان على الشعوب متجمعة أن تخوضه حفاظا على تراث الإنسانية الخلقي ورصيدها من القيم المعنوية العليا، لهذا فقد كان أساسيا أن يجد العراك حدا نهائيا له أبواب القناة، فقد كان لطبيعة الحملة التحكمية وصبغتها القسرية، أبعد الأثر في تحديد مصيرها وتوجيه نتائجها توجها معاكسا، فليس من العسير إذن التأكد بأنها كانت ـ منذ البداية ـ تحمل في ثناياها العناصر الكفيلة بتدميرها والحيلولة بينها وبين أن تستنفذ أغراضها الجهوية الأولى، وأهم هذه العناصر أنها كادت ـ لو تم النجاح المفروض لها ـ أن تخلق على الصعيد الدولي أوضاعا غريبة ناشزة، وسوابق خطيرة ليس للجو السياسي الدولي المترع بالإمكانيات الانفجارية المهولة، قبل بتحمل نتائجها ومغباتها.
فقد حدت العقلية التوسعية التي لا تزال لها جذور متأصلة في أذهان المهاجمين، إلى انتهاج خطة الاستيلاء بالقوة، وفرض الأوضاع المرغوب فيها بالوسائل المباشرة التي تستمد ديناميتها من أصول العسف والقسر وهذا النهج من العمل السياسي وإن كان مألوفا في الظروف السياسية المعاصرة بالنسبة للجماعات المغلوبة على أمرها، فإنه يكاد يكون شذوذا نابيا بالقياس للوحدات المستقلة في المجموعة الدولية، وهذا ما تم في الواقع نتيجة الهجوم المثلث على مصر، فقد روع الضمير العالمي أن تجرؤ الديمقراطيات الغربية على إعادة تمثيل المسرحيات المؤسية التي مهدت لقيام الحرب العالمية الثانية، حيث اندفع المتهوسون بسحر النظريات السلالية والجنسية، وذوو المر اغب التوسعية والإستراتيجية، وأصحاب الاحتكارات الاقتصادية الكبرى، في غمار خصم من المجازفات الدولية والمخاطرات المسرحية المباغتة، ثم بلغت سلسلة المآسي المروعة التي انبثقت عن نظريات الاستيلاء العنيف أوجها، عندما انتصبت «إسرائيل» لمساندة الوجود التوسعي الغربي في الشرق الأدنى، وصد التيارات السياسية والفكرية والاجتماعية، تلك التي تحول بينه وبين البقاء والاستمرار.
وقد تطورت بعد كل ذلك الأجواء الدولية حول «العدوان» فأضحى الرأي العام العالمي في مجموعه على درجة من التحرر في التفكير، إلى القدر الذي أصبح معه الكيان الإسرائيلي وهو يكاد يبدو ـ في بعض الحدود ـ نشازا نابيا في الأعراف الدولية والمفاهيم الإنسانية العامة، وقد أتى على كل ذلك حين من الدهر بات الكثيرون يحسبون فيه مبدأ السيطرة عن طريق الإرغام قد أصبح من مختلفات الماضي، فساعد ذلك على تحسين مركز الشعوب الصغيرة في الحقل الدولي، كما حفز الدول الكبرى إلى تلمس أسباب أخرى غير الحرب، لتحقيق وجودها الإمبراطوري المتداعي، وخالها المفكرون سأعتمد خطوة لا بأس بها نحو القضاء على الحرب وأسبابها، وسبيلا إلى عالم أفضل يسوده مبدأ التحكيم في المنازعات، والفصل في القضايا المتضاربة بالوسائل السلمية، ولكن هذه الآمال ما لبثت أن تبخرت بصورة مسرحية غداة أن أقدم الحليفان الغربيان على إرسال النداء الغريب، بوجوب استسلام القوات المصرية المدافعة أمام جيش الغزو الإسرائيلي، وسأعتمد أمكن للكثيرين ممن كان يتوفر لديهم رصيد كبير من التفاؤل وحسن النية، أن يقتنعوا أخيرا بأن فكرة التعايش المسالم لم يتح لها أن تختمر بعد أذهان الدول الكبرى، وإنها لهذه العلة لا تعدو أن تكون حلما جميلا يداعب خيالات الشعوب الصغيرة التي ترغب أبدا في إحاطة نفسها بجو من الأمن والطمأنينة والاستقرار ومن هنا كان مبعث هذا العمق في التأثير الذي خلقه الحادث في مختلف الكتل الشعبية في العالم، وكان رد الفعل بالتالي ـ كما أمكن تسجيله ـ عنيفا وشديدا.
وثمة جانب آخر كان له أكبر الأثر في اصطناع ظروف تلك الانتفاضة الإنسانية الرائعة ضد «العدوان» المتجسم في الهجوم على مصر، ذلك هو الأمم المتحدة، فقد نشأت هذه المنظمة على اعتبار أنها ستكون أداة لمنع تكرار المأساة الإنسانية التي تتمثل في ملحمة سنة 1939 ورغم أنها كانت قد أصيبت بانتكاسات خطيرة في سبيلها إلى تحقيق هذه الأهداف الكريمة (فلسطين ـ جنوب إفريقيا مثلا) فإنها مع ذلك اقتدرت ـ في مدى السنين السابقة للعدوان ـ على أن تعيد كثيرا من الاعتبار لمركزها كسلطة دولية عليا، قد ساهمت كثير من الأحداث في إقامة هذا الاعتبار، وكان أبرزها نجاح  المنظمة الأممية في إقرار الحالة بأذربيجان (1946) واندونيسيا (1946) وكوريا والهند الصينية (1954)، وقد استطاع الأمين العام المستر هامر شولد ـ بما أوتيه من قوة في الشخصية ونزاهة في الخلق وموضوعية في التفكير وتجرد في السلوك ـ أن ينجح إلى حد ما، في تركيز ثقة شعوب العالم حول المنظمة، ويتوفق في إكسابها مزيدا من الهيبة والاحترام، وذلك ما كان من شأنه أن يسهم في تعزيز الرقابة الدولية على التيارات السياسية الموضعية، كما كان له أيضا أن يعين على التحديد من سعة الإمكانيات الهائلة التي تتوفر عليها القوات الكبرى للتأثير على سير العالم نحو الحرب أو السلم، وفي هذا الجو المفعم ببوارق الأمل اتقدت شرارة «العدوان» فكان ـ لو أتيح له أن يصيب القدر المفروض له من التوفيق ـ قاصما لظهر الهيئة الأممية، مبيدا للعناصر المعنوية الأولى التي تستمد منها القوة والنفوذ، منذرا بحلول عهد البعثات الاستكشافية والإرتيادية في أرجاء إفريقيا وآسيا، موعدا بإمكانية نشوء حالة من الواقع التوسعي تعود بذكرياتنا إلى عهود شباب الاستعمار! وعلى هذا فلم يكن أمام شعوب العالم سبيل آخر غير تلك التي سلكتها في شجب أعمال المهاجمين، وإلا فماذا كان يمكن أن يصير عليه التوازن الدولي في حالة ما لو فقدت الأمم المتحدة سلطانها على صناعي العدوان، وبالتالي على التيار السياسي الذي يوجه المجريات الدولية في العالم ؟
فإذا افترضنا أن ذلك لم يكن له أن يساعد على نشوب حرب عالمية ثالثة ـ وهذا افتراض جد لي فقط ـ فإننا حينئذ علة أقرب احتمال، كنا سنعود على الأقل، إلى عهد «المجالات الحيوية» و«مناطق النفوذ» وتسميات أخرى قد تبتدعها الظروف والملابسات في ذلك الوقت..!
وفي حالة ما لو تم كل هذا، فإنه لم يكن له إلا أن يخلق حالات سيئة للأوضاع التي تعيش فيها الدول الصغرى، التي تغدو كياناتها آنئذ وهي أكثر تعرضا للأنواء السياسية الإجتياحية، بما فيها ذات التأثير المباشر أو غير المباشر.
على أن ذلك كله لم يكن له ليشكل ملامح هذه الحتمية السياسية، لو لم يكن العدوان من ذلك الصنف الذي لا تغلو إذا نظرنا إليه باعتباره سابقة خطيرة نستطيع أن نؤكد بعد استيعاب جزئياتها وملابساتها وطبيعتها، إنه يعز أن يوجد لها مماثل في عالم ما بعد الحرب، مع استثناء بعض الحالات القليلة الأهمية.
والأمر هنا ليس مجاله السياسة البحتة، بل كذلك الأخلاق، فقد انصرف هم المسؤولين في الغرب إلى العمل على تحديد الأساليب التي يمكن أن تكون هادفة ومصيبة، أما صلة ذلك بالمستوى الدولي في نفسه الأعلى، وما قد يحمله من فعاليات مؤثرة على القيم الثابتة التي يتشكل منها ما ندعوه بالخلق الدولي، فذلك مما لم يكن له عند المهاجرين وزن كبير، فقد أقدموا دون تحرج على ممالأة «دولة» تبرهن الشواهد على أنها مصدر اضطراب وعدم استقرار دائم في منطقة المتوسط الشرقي، وهذا مما تنافر جوهريا مع المفاهيم والمسلمات العامة التي تخول «للدولتين الكبيرتين» احتلال المقعد الدائم في مجلس الأمن، وبعد أن تم شن الهجوم الإسرائيلي ببضع ساعات بادر الحليفان الغربيان إلى اتخاذ موقف حاسم لفائدة أحد الفرقاء على حساب الآخر، وذلك بالتناقض مع التصريح الغربي المشترك لسنة 1950، بيد أن مأتى الخطوة المركزي، هو في تدخل القوات الفرنسية ـ البريطانية، تحت ذريعة الحيلولة دون انتشار النزاع وعمومه، وهكذا أقدمت الحكومتان الغربيتان على انتهاج سبيل هذا الضرب من التكتيك السياسي، الذي يرمي إلى استغلال حالات خاصة لتحقيق أهداف التآمر الثلاثي، على عتبة وضع خطير ومريب جدا، فقد كان من المفروض بعدئذ أن تصبح الاضطرابات المحلية ومواطن النزاع الإقليمية، ذريعة قوية لتدخلات دولية على نطاق أوسع، ولو كان الأمر على حساب السلام العالمي.
وهكذا كان من الجائز أن يتزايد خطر الحرب الكونية بصورة واسعة نتيجة لتعدد مناطق الاحتكاك ومظان التوتر، التي تعين على خلق الأجواء الملائمة للتدخلات العسكرية المسلحة، وهكذا يمكننا أن ندرك على ضوء هذه الملاحظات، مقدار الخطورة التي كادت قد تصبح متمثلة في الوضع بسوريا، والبلقان، وجنوبي شرقي آسيا، وحوض بحر الصين، وغير ذلك من مواطن الاحتكاك الدولي في مدى الفترة التي أعقبت وقوع حملة السويس.
لقد انقضى الآن ما يوازي أربعة وعشرين شهرا على بداية الاعتداء، وقد دلت المجريات العالمية في مدى هذه الفترة القصيرة نسبيا، على أن الحادث كان من حيث النتائج التي تمخض عنها، ذا تأثير جذري في مصير القضية العربية بوجه خاص، وقضية الشعوب الصغيرة بوجه عام، فقد ارتفعت بعد انتهاء العدوان، أسهم التيار العربي المتحرر في المجال الدولي ارتفاعا يؤذن بقرب انبلاج فجر العروبة منذ كانت ولايات عثمانية تافهة الشأن.
ولنتناول قصة الوحدة بين مصر وسوريا ضمن الجمهورية العربية المتحدة كمثال، فعلى الرغم من أن إمكانات التقارب بين القطرين العربيين كانت قبل متوفرة ومتعددة، مما كان يسهم دائما في تحقيق الوحدة بين الشعبين الشقيقين في الوسائل والأهداف، فإن حوادث السويس وذيول هذه الحوادث كان لها مع ذلك تأثير حاسم في تنمية هذا التقارب، ومنحه صورا حية مشرقة جعلت الوحدة بين البلدين العربيين فيما بعد أكثر يسرا وسهولة، هذا بالإضافة إلى ما أعانت عليه الحملة العدوانية من تبديد الشبهات السياسية بلبنان، وتحديد المواقف الاتجاهية في القطر الشقيق، مما كان له تأثير على توجيه الأحداث في هذا البلد العربي الغالي، هذا التوجيه الذي سيفضي في الأخير ولا ريب، إلى ما فيه صالح عروبة الشعب اللبناني.
على أنه إذا كان هناك في حملة السويس، من عبرة كبرى، فإنها تكمن ولا ارتياب في قوة هذا التجاوب في الشعور، والتضامن في النضال، بين شعوب العالم التي استطاعت أن تعبر عن إرادة موحدة قوية متحررة كان لها تأثير فاصل، إلى جانب العوامل الأخرى، في وضع حد نهائي للبغي السافر على الجمهورية المصرية المناضلة، وقد أمكن بعد ذلك لرد الفعل الإنساني هذا أن ينمو ويتطور، إلى أن كاد يستحيل الآن إلى معارضة إنسانية جماعية لكل مظاهر العدوان وأساليبه وأسبابه، وقد كان النزول الأمريكي في لبنان، والبريطاني في الأردن، مناسبة هامة لتأكيد وجود هذا التجاوب الشعبي، واسمراره، ونموه، بصورة يبدو معها أنه قد يصبح ـ فيما لو توفرت له العوامل المساعدة ـ أساسا لتحديد السلوك السياسي الدولي في عالم الغد.
فإذا كانت الشعوب في مختلف أرجاء المعمور إذن، قد أمكنها أن تشد من أزر المناضلين في بور سعيد وتظاهرهم على دحر العدوان الذي شنته الرجعية الدولية على الشعب العربي المتحرر في مصر، فإن على هذه الشعوب نفسها أن تبقى يقظة حذرة مستعدة ـ والشعب العربي إلى جانبها ـ لإحباط مشاريع العدوان في جهات أخرى من المعمور، كما أن عليها أن تزداد تقاربا وتكاثفا وتآزرا حتى تستطيع بذلك فرض المثل العليا، التي قدم شهداء المدينة المصرية الخالدة أنفسهم قربانا على مذبحها المقدس.
فليكن إذن التضامن الشعبي العالمي، وتأثيره على قوات الرجعية الدولية، ونجاحه على صعيد بور سعيد في تحقيق الأفكار الإنسانية الخيرة، العبرة الخالدة التي نستخلصها من حملة السويس بعد أن دخلت في ذمة التاريخ.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here