islamaumaroc

في أجواء التربية

  دعوة الحق

103 العدد

الأمة برجالها. ولكن الرجال الذين تقوم بهم الأمة لا ينبتون كالفقاع، بالرغم من أن ولادتهم في غالب الاحيان، تخضع لقريب من ظروف الفقاع. الرجال الذين تقوم بهم الأمة، ثمرة تربية حية، ترسم أهدافا، وتسعى لتحقيقها. ولن استعرض هنا نظريات تربوية، ففي بلدنا نهضة متجهة نحو "استيعاب" تاريخ النظريات التربوية، وقد يبلغ الامر ببعض الأفراد، خاصة ممن يحيون في خضم حياة التدريس، أن يحفظوا تلك النظريات وتاريخها، عن ظهر قلب ! وفي معاهدنا التربوية، ومناهجها، لا تزال الأهمية تعطى للنظري في الميدان التربوي أكثر مما تعطى للجانب العملي. فالطالب المنجيب في معهد تربوي، والمعلم والأستاذ الناجحان في عملهما؛ هم الأفراد "المثقفون" في ميدان النظريات التربوي، والذين يستطيعون أن يكتبوا عدة ساعات مقالات، يقتبسون فيها من أقوال المربين ويلائمون بينها، ويستنتجون في أحسن الأحوال، وليس من النادر أن تكون عمليات الملاءمة تلك، والاستنتاجات، يعامل المهارة اللغوية، والذكاء المنظم، منطقية مقبولة ومستساغة، ولكن ليس من النادر أن ذلك الرواء الزائف، إذا ما عرض على العمل، والتجربة، لا يبقى منه سوى تناقض واستحالة، ولعمري بأي منطق تنقاب "عملية" التربية إلى ثقافة نظرية لفظية؟ واين الاصالة والإبتكار في التربية، إذا اعتمدنا دائما الفصل بين النظري والعملي. ان أكبر المتحمسين للجانب العملي في التربية، قد يعطونه مرتبة مساوية للجانب النظري. ولكن، فيما يبدو، ليس هناك من نظري في "عملية" هي التربية. وماذا لو تصفحنا وثائق بعض المربين المعاصرين، ومن  مذكراتهم على الخصوص؟ فذلك كفيل بأن يزيد في توضيح هذا الجانب الهام في التربية وهو الجانب العملي، وكفيل بأن يدفعنا، وحتى من هم على احتكاك دائم بميدان التربية، إلى أن نعيد النظر في مناهجنا، ونأخذ عملية التربية بمزيد من الجد، لخلق أجيال في مستوى القرن العشرين ونتجنت ما يقع في مدارسنا باستمرار من قبر المواهب، وقتل للعبقريات، والمبدأ الذي يجب أن نعتنقه، والكفيل بإعطاء أحسن النتائج، هو فتح المجال للتجارب التربوية، وترك هذا التقيد تلخيصا لمقال مطول بعنوان "ثورة في التربية" (1) ويتناول بالحديث الطريقة التربوية التي اتبعها في مدارسه Célestin Freinet الذي توفي أخيرا عن 75 سنة. وقد ظل "فريني" يسير المدرسة التي اشتهرت باسمه منذ 1935 وقد اعتمد المقال على أحاديث هذا المعلم المسجلة. وليس من أحد يحسن الكلام عن طريقة أو نظرية كصاحبها، خصوصا وأن طريقة هذا المربي، وما تعتمده من مبادئ قد أثرت في مدارس فرنسا الحالية إلى حد كبير، ومما جاء في أحاديث "فريني" هذه: "بعد الحرب العالمية الأولى، كنت معلما، وقد أصبحت في الجبهة، وأصبح من الصعب علي أن أتكلم طويلا. والمعلمون الذين يستطيعون أن يتكلموا طويلا، في العادة، يسيطرون بأصواتهم على الأطفال، ولكنهم يتعبون بسرعة. أما أنا فلم يكن ذلك باستطاعتي حتى كان علي أن أختار: إما أن أترك هذه الحرفة، وإما أن أبحث عن وسائل تقنية، لا أكون بحاجة معها إلى أن  أصرخ. وحينئذ تخيلت بعض الطرق، ففكرت مثلا بأن لا دروس بعد الآن، ولم أعط بعدها درسا قط"
هذه بداية القصة، التي اختتمت منذ شهور بوفاة فريني، وكان ختامها النجاح الكبير، نجاحا جعل المعلم البسيط، الذي انتصر على عجزه، وخرج منه بطريقة فذة في التربية، يترك العالم راضيا عن نفسه وعن مهنته. لقد بدأ "فريني" صراعه وجهاده، لإكتشاف طرق جديدة، حوالي 1920، ولكن الجهود المضنية للعثور على هذه الطرق، لم تكن إلا إحدى العراقيل، إما العراقيل الاخرى، فهي التي تقف في وجه كل جديد، وفي وجه كل اكتشاف. إنها القوى المتمسكة بالطرق التقليدية في التربية، وما كان أكثر هؤلاء، من رجال التعليم، والكنيسة، والهيئات المجتمعية، لاسيما حوالي 1932 في فرنسا، وبعد أن شق "فريني" بمساعدة زوجته التي كانت معلمة بجانبه: أشواطا في طرقه التربوية، فقد قامت في وجهه، قوى مختلفة تضم كبار الشخصيات، في ذلك الوقت، وهو يقول عما لاقاه في تلك الفترة: "... لقد انتقدوا طرقنا، وانتقدوا القطع التي كنا نقدمها للاطفال، وكان لكل ذلك ضجة كبيرة..." ولم يستطع "فريني" أمام الضغط المتزايد، والضجة العارمة، إلا أن يقدم استقالته، من التعليم "الحكومي"، وأسس مدرسته الخاصة، وقد بناها وبجانبه زوجته، شيئا فشيئا، بيتابيتا مدة ثلاث سنوات. وبذلك أمكن للمدرسة أن تحوز الإعتراف الرسمي، وتصبح من أكبر المؤسسات التعليمية في فرنسا، كما انضم إلى المدرسة أعضاء ظل عددهم يتزايد باستمرار، يقصدون المدرسة ويتأماون طرقها وموادها، ليعدوا إلى "مدارسهم العادية" يطبقون ما راوا.
ويتحدث "فريني" عن عيوب الطرق التي كانت متبعة – ولا تزال في البلاد المتخلفة- فيقول: "... إننا نجعل الطفل يجلس ، ويشبك يديه طوال الفترة التي نلقي عليه أثناءها خطابا، ونقصد من ذلك ان نجعله يحصل شيئا، والحقيقة أن الطفل لا يحصل من ذلك شيئا، ولكنه يقرأ كل يوم كتبا، وينسخ ما في هذه الكتب، ونظل نأمل النتيجة. إننا بهذا العمل، نعلمه كيف يكتب، بدون أخطاء تقريبا، وكيف يقرأ تقريبا بدون أخطاء، وكيف يحسب، أما في نطاق الثقافة الحقة، فهو صفر أو أقل من صفر !" ومقابل هذه الطرق التقليدية العقيمة، تبدو مبادئ طريقة "فريني"، إنها تهدف لا إلى "التحصيل" وحشو الدماغ، بل غلى التثقيف، ولا تعتنق النظري، بل تعتمد التجربة. ويقول "فريني" "في يوم من الأيام، خطر لي أن أضع المطبعة بين أيدي الأطفال، ولم أكن على علم سابق بما قد ينتج عن هذا، إذا ما أثار اهتمامهم. لكن، بدلا من أن نطبع قطعا للبالغين، قمنا بطبع قطع أتى بها الأطفال أنفسهم. وكانت النتائج باهرة. وبعد ذلك قمنا بتنظيم المراسلات مع مدارس أخرى، وكانت النتائج أفضل. وقد انطلقت من هذه النقطة، كل تقنياتنا الحالية." ولاشك في أن هذا يستدعي تغييرا جذريا في المدرسة التقليدية، وخاصة ما يعرف بالنظام. فبدلا من أن يأتي المعلم إلى الفصل ويأمر الأطفال، بفتح كتاب، واجراء تمرين أو عدة تمارين، فإن مدرسة فريني تقوم بحديث خاص مع الأطفال، ثم يقوم هؤلاء بالإشتغال في القطع الحرة، التي هيأوها بأنفسهم. وهذه الطريقة تتطلب أعدادا خاصا للمعلمين، يجعلهم يقضون فترة تدريب من شهر إلى شهرين، قبل اخذ الفصل. وبالرغم من أن الدراسة عند فريني، تعتمد على هذه الطريقة الحرة، فإن الأطفال يتابعون برنامجا محددا، ويؤدون امتحانا كغيرهم من أطفال المدارس الأخرى. ويعطي فريني بعض الأمثلة، لزيادة إيضاح الفارق بين مدرسته والمدارس التقليدية. فيأخذ مثلا درسا في الجغرافيا "حسب الطريقة التقليدية، هناك الكتاب المدرسي الذي يقدم لنا أن: الجزيرة هي جزء من الأرض محاط بالماء من جميع الجهات..." ويرى فريني أن هذا لا فائدة منه، ويعرض طريقته الخاصة في مثل هذه الحال: "فقيل التعريف، ننطلق من القاعدة: فعندنا أقياس جيدة، تجمع الوثائق اللازمة. ولدى كل طفل مخطط للعمل. فإذا كنا ندرس "الرون" مثلا، فإن الأطفال لا يرددون جميعا نفس الدرس على هذا النهر، بل إننا نقتسم العمل. فواحد يدرس الرون إلى بحيرة "ليمان". (ولدينا أيضا كراسة، ماخوذة من مكتبتنا التي تضم أكثر من 600 جزء تتعلق بالبحيرة، ويقوم طفل آخر بدراسة "ليون"... الخ... وهكذا يقومون بالعمل بأنفسهم، بما بين أيديهم من الوثائق. فلا نسألهم، ولا نعطيهم ملخصات. وعندما ينتهي الأطفال على هذا النحو من دراسة "الرون" يقوم كل منهم بالقاء عرض حول الموضوع..." وبهذه الطريقة يهيأ الأطفال رغم العمل الحر، إلى الإمتحان المطلوب منهم، وبهذا تكون مدرسة فريني قد حققت هذفها المزدوج، وهو تربية الأطفال على البحث وعلى الإعتماد على أنفسهم من جهة، وتثقيفهم من جهة أخرى.
ومن جملة ما يقوم به الأطفال في مدرسة فريني أن عروضهم أو المحاضرات التي يلقونها، لا تقف عند حدود مدرستهم، وعلى أترابهم من تلاميذ الفصل بل إنهم يقومون بإلقاء محاضرات في مدارس أخرى، فيتجولون كأي محاضر من الكبار. ومما يذكره فريني في أحاديثه هذه، أن رئيس أكاديمية فرسوفيا قد زار مدرسته، واقام بضعة أيام، فطلب منه فريني أن يختبر أحد الأطفال، وكان رئيس الأكاديمية، مختصا في التاريخ، وقد حدث ذلك سنة 1960. ويذكر فريني أن هذا المختص الكبير، لم يخف دهشته من تصور صمود طفل، لاسئلته. وبما أن الطفل كان قد ألقى عرضا حول مصر، فقد رجا فريني من الرئيس أن تكون أسئلته في هذا الموضوع بالذات. وكانت النتيجة أن المناقشة بين الطفل ورئيس الاكاديمية دارت كما تدور بين ندين، وكان هذا الطفل قد توجه إلى "نيس" حيث ألقى عدة محاضرات في المدرسة العادية، وقد تحدث مدة ساعة، وأمامه عدد ضخم من الوثائق، كما أجاب على عدة أسئلة، وقد اقترح أن يستمر بعد ذلك في حديثه عن مصر، إذا كان المستمعون ما يزالون على استعداد لذلك. أما عمر هذا الطفل فهو 13 سنة، وكان قد نجح لتوه في الشهادة الإبتدائية.. وقد أدرك أبواه أهمية تعليمنا، ولم يريدا أن يضعوه في ثانوية للتعليم العام، في "فانس"، لأنهم عرفوا ما يحدث في تلك الثانوية، فسيشترون خمسة عشر دفترا، وكتبا، ويجب عليه أن ينسخ ما في تلك الكتب... فعمد أبواه إلى أن جعلاه يتلقى دروسا بالمراسلة، وبدأ الطفل يأتي إلى مدرستنا بين الحين والحين، ولم يكن هذا أحسن ما يمكن، ولكنه كان أفضل من ترك الطفل يضيع وقته.
ويضيف فريني "في مدرستنا، إذا ما أمكنك أن تسأل الأطفال فلن يكون لديهم ما يجيبون به كلمة كلمة، عن ظهر قلب، بل أنهم يجيبونك بطريقة تدل على الذكاء، لانهم يفكرون." والتساؤل الكبير هو: ما مصير هؤلاء الأطفال الذين يتكونون في مدرسة فريني، إنهم يغادرون هذه المدرسة في سن 14، وهو سن ما زال خطيرا عليهم، بالرغم مما يكونون قد اكتسبوه، من دراستهم الأولى، فهم قد أطلعوا على كثير من مشاكل الحياة، وتعلموا الإعتماد على انفسهم، وتمرنوا على جهود البحث، ومع ذلك فلا ندري كيف يمكنهم أن يتلاءموا مع المدارس (الثانويات)، التي سيدخلونها، وهي تتبع الطرق التقليدية، العقيمة في غالب الأحيان بالرغم من جهود المخلصين من المعلمين والمعلمات، ولكن فريني يرى أن مسؤولية العقم في هذه المدارس لا تقع على المعلمين والمعلمات بالذات، "بل إنهم صحايا" ذلك أن مناهج التعليم عندما تجعل من مهمة المعلمين والمعلمات، أن يدرسوا الأطفال، أشياء لا يرغبون فيها، وفي ظروف غير مساعدة، تعتمد الالزام والقهر، إنما يعرضونهم لا خطر عمل، ولا عوص دور.

دراساتنا العليا
توجت السنة الدراسية هذا العام بكلية الآداب بالرباط بظاهرة طيبة، لا يسمع كل غيور على الثقافة في هذا البلد، إلا أن يطرب لها، ويطلب المزيد منها. تلك هي مناقشة رسالتين لنيل دبلوم الدراسات العليا. تقدم بالرسالة الأولى، الأستاذ عابد الجابري، حول موضوع: التاريخ والتأريخ في المغرب (منذ الاستقلال) على ضوء منهج ابن خلدون. وموضوع الرسالة بهذا الاعتبار يتضمن جانبيين أحدهما فلسفي والآخر تاريخي. فالجانب التاريخي هو الذي يتناول فيه صاحب الرسالة المؤلفات التاريخية (التاريخ والتاريخ)، التي ظهرت في المغرب منذ استقلاله، ويحاول أن يقوم بدراسة نقدية عنها، وهذه العملية النقدية التي يمارسها المؤلف هي التي تدفعنا إلى الجانب الثاني، من الرسالة أعني الجانب الفلسفي. فالمؤلف يصطنع منهج ابن خلدون، او هو يسير على "ضوء المنهج". ومنهج ابن خلدون منهج نقدي، وهو منهج فيلسوف قبل كل شيء، كما ان صاحب الرسالة متخرج من قسم الفلسفة بالكلية، وقد قدم الأستاذ الجابري عرضا موجزا، لما جاء في رسالته، بين فيه محاولته، وشرح بعض الجوانب المنهجية في دراسته، ثم بدأت المناقشة. وقد شارك فيها كل من الدكاترة: العميد محمد عزيز الحبابي (المشرف على الرسالة)، والأستاذ نجيب بلدي، والأستاذ البير نصري نادر. وانتهت المناقشة بقبول
دراسة الأستاذ الجابري بميزة مستحسن أما الرسالة الجامعية الثانية، فهي التي تقدم بها الأستاذ أحمد اليابوري حول "فن القصة في المغرب". وقد تبين من عرض الأستاذ اليابوري، ومن مناقشة الأساتذة، أن الرسالة تتعرض للقصة المغربية منذ سنة 1914. وبعد ان تقدم، بعض المفاهيم المتعلقة بالفن القصصي، تقسم القصة المغربية إلى أنواع: كالقصة المقامية، والقصة (الإجتماعية)، والقصة القومية، والقصة الفلسفية، والأقصوصة... وقد اعتمد صاحب الرسالة كلا من المنهجين النقدي والتاريخي، ولكنه كما جاء في عرضه، اهتم بالمنهج النقدي أكثر مما اهتم بالمنهج التاريخي. ويفهم من هذا أن الأستاذ اليابوري يركز على الروابط والعلاقات التي يظهرها النقد بين نماذجه، اكثر مما يركز على تسلسلها التاريخي. وقد شارك في مناقشة هذه الرسالة الدكاترة: العميد محمد عزيز الحبابي (المشرف) والأستاذ امجد الطرابلسي، والأستاذ البهبيتي، والأستاذ صالح الأشتر، وانتهت المناقشة بقبول الرسالة بميزة حسن.
إننا بهذه المناسبة نهنيء الأساتذين الجابري واليابوري، كما نهنيء الكلية والجامعة وكل غيور على الثقافة في هذا البلد، ونغتنم هذه الفرصة لنهمس بكلمة، في أذن كل من يتحمل مسؤولية ما في ميدان الجامعة او التعليم او الثقافة: أن ما نقدم حتى الآن من رسائل في حياتنا الأدبية قليل جدا، بل زهيد. لا يتناسب بتاتا، مع النقص الذي يعانيه بلد متخلف في مضمار الأطر العالية. وأن من السهل أن يقال أن حياة جامعتنا وكلياتنا قصيرة، وإن الإمكانيات محدودة. نعم إننا نعرف هذا ونردده جميعا. ولكن الإمكانيات تخلق سواء كانت معنوية تتعلق بجهود الطلبة والدارسين المرشحين لتقديم رسائل جامعية، أو كانت مادية تتعلق برجال الجامعة. وهنا نشير إلى ما اعلن في مقدمة مناقشة الرسالتين السابقتين، من رسائل لا تزال تحت الدرس، ومنها من طال بالمتتبعين لحياة الجامعة، انتظاره. أن رسالة جامعية واحدة في السنة، في مادة معينة ليست بالشيء الكثير. بل هي علة الأصح أقل القليل. ومع ذلك فلو أن كل قسم من أقسام الدراسات العليا، من أدب، وفلسفة، وتاريخ، وجغرافيا... أمكنه أن يقدم رسالة واحدة في السنة لامكن لمشكلة الأطر العليا أن تسير في طريق الحل، لأن رسالة الدبلوم ليست إلا عتبة، لتحضير الشهادات الأعلى، وهو ما نعاني منه كل النقص. قد يكون من الصعوبات التي تعترض هذا السبيل، تهاون او تراخي أصحاب الدراسات (الطلبة) عن إنجازها بمجرد ما يتسلمون موضوع رسائلهم. إذا كان هذا فإن واجب الغيورين، أن يقيدوا زمنيا مدة إنجاز الرسالة. وهنا قد يقوم اعتراض، وطالما قام هذا الإعتراض في امثال هذه المواقف. المعترض يقول: إننا نريد الجودة، ونريد رفع المستوى الثقافي. ويقو أيضا: إن المستوى العام للتعليم قد انحط كثيرا. نعم هذا صحيح، وكلنا نردده علنا وفي سرنا. ولكن علاج الموقف، وفي التعليم العالي خاصة، لن يكون أبدا، بإطالة سنوات الدراسة، لأن كل سنة تمضي، تفوت على بلدنا طاقات، أولى به ان يشرع في استغلالها. ليس علاج المستوى في التعليم العالي بإطالة سنوات الدراسة، ونحن جميعا نعرف، من تجارب بعض الأمم (الصغيرة في مظهرها، والتي أعطت مثالا واضحا، في العزم على نشر التراث وتكوين الأطر الصحيحة)، أن المنخرط في التعليم العالي، بمجرد دخول الكلية يسجل في قسمين للدراسة كالأدب واللغات الحية مثلا، وبذلك يهيء إجازتين بدلا من إجازة واحدة، أو على الأقل يتعين عليه عند إنهاء إجازة، أن يحصل على شهادات معينة في الإجازة الأخرى. إن كل الدول الناهضة تعاني من انخفاض المستوى، وحتى الراقية نسبيا. لكن العلاج بالنسبة لنا هو في تركيز الدراسة، لا في تمديد السنوات. وحري بالقسم إذا كان يشتغل عشر ساعات مثلا ويكلفه ذلك إضافة سنة إن يشتغل ضعف ذلك ! بالإضافة إلى الدراسات المركزة، والتوجيه الصحيح، طيلة السنة.
أن ما نرجوه لجامعتنا هو الإزدهار، وأن تكون .السنة الدراسية القادمة سنة الرسائل الجامعية، لا سنة رسالة او رسالتين. وإن ما نقترحه لهو الإختيار بين ساعات مضاعفة في اليوم وجهد متواصل من جانب الطلبة والأساتذة، وربح سنوات تستغل فيها الطاقات، لخدمة البلاد، أو العكس الذي يؤدي إلى العجز سنوات، وترك كثير من الحرية للأستاذ والطالب على السواء. وإن هذا السير المتربث لا يسد حاجتنا إلى الأطر العليا.

الريالية في نصف قرن
بإكتمال سنة 1967 يكون نصف قرن بالضبط قد مضى منذ ظهرت إلى الوجود الحركة السريالية. وبهذه المناسبة ظهرت، عدة دراسات ومقالات عن هذه الحركة التي اثرت في القرن العشرين أبلغ التأثير، وطبعته بطابعها في كل مجالاته. ولا تقارن بالسريالية في هذا المضمار، إلا الحركة الرومانسية، عند ظهورها، والتي كانت قد تجاوزت في عصرها الميادين الإستنيقية  (الجمالية)، لتعم سائر مجالات النشاط البشري. والسريالية بدورها لم تقتصر على التأثير في طريقة التفكير، بل تعدته إلى التأثير المباشر، في طريقة الحياة اليومية. ونقدم هنا عرضا موجزا، لمقال (2) "جان روسلو Jean Rousselot " حول ملف السريالية في نصف قرن.
وإذا كانت الرومانسية يمكن أن تظهر كمثالية متطرفة لا اكثر فإن السريالية ما كنت لتكون اكثر من مثالية جديدة أيضا لو أنها لم تعمل بطريقة عملية على حل الثنائية اللازمة، التي تتضمنها كل مثالية. وهذا الرأي الذي يقدمه روسلو يجد مصداقه، في اعتبار السريالية أن الإنسان إنما هو حقيقة واحدة وحيدة. وإن ما يعرض في كل الإيديولوجيات، من رد الإنسان إلى عالمين إحدهما ظاهري، والآخر باطني، إنما هو تقسيم لما يجب الا ينقسم، لما هو وحدة في أصله. فالإنسان هو إلتحام حقيقته الباطنية والخارجية. هذه هي الوحدة التي ردتها السريالية إلى الإنسان وخرجت بذلك عن ثنائية محرجة.
وغذا كان عمر السريالية إلى الآن، نصف قرن، فإن هذا الإسم ذاته بالرغم من انه مقارن للحركة، لا يعرف على وجه التحقيق واضعه الأول. وإن كانت دائرة الإختلاف لا تتعدى ثلة من رواد السريالية او ممن عرفوا بشدة الإتصال بها. ويعرض "موريس نادو" في تاريخه عن السريالية رسالة صادرة في شهر مارس 1917 ويبدو من صبغتها أنها جواب عن خاطرة أو إيحاء من المرسل إليه (بول ديرمي) جاء فيها:
"... اعتقد أن المستحست هو اتخاذ لفظ السريالية بدلا من Surnaturalisme (الفوق-طبيعية)، الذي سبق أن استعملته. والسريالية لا توجد إلى الآن في القواميس، بينما سبق استعمال (الفوق- طبيعية) الفلاسفة." على ان هذا اللفظ قد ينسب إلى آخرين (البير بيرو مثلا). وقد بدأت الإرهاصات الممهدة لظهور الحركة السريالية في جل بلاد أوربا" في فرنسا وإيطاليا وروسيا... وأعمال الفترة ما بين 1910-1916، سواء في الشعر أو في النثر امتازات جلها بطابع من القلق، والعمل على الانفلات من قضية الواقع، والإنغمار في التجريد. بيد أن الخطوة المباشرة، كانت في قيام حركة "الدادبة      Dadaïsme التي أسسها فس زوريخ عام 1916 الشاعر الروماني "ترتسيان تزارا" والذي جعل وضع بعض أهدافها يقوله: "لقد أدركنا أننا لا نستطيع إيقاف الحرب، إلا باستئصال جذورها..." وجذور الحرب في الحقيقة هي جذور الحضارة والمدنية، ومن هنا امتلأت نفوس الداديين بالمقت لكل حضارة أو على الأصح الحضارة أو المدنية الحديثة، ومن الأسس الحضارية التي كان ينبغي القضاء عليها كما يذكر تزارا: المنطق واللغة... وكان هذا الإنقلاب، الذي دعي إليه في الشعر أولا، يعني تغيرا أساسيا في النظرة الجمالية كلها، أي تغييرا للعالم من أساسه. وفي فرنسا إذ ذاك كانت النظرة التي ما تزال سائدة رغم كل شسء، هي نظرة "أبولنير"، الذي كان ما يزال "الرأس المفكر". ووجدت الدادية معارضة من بعض الهيئات والمجلات، وع ذلك امكنها أن تتسرب، فانضم إليها بعد ذلك اندري بروطن وايلوار. ونشر كل منهما تباعا أعمال الفترة الجديدة التي تشكل انقلابا في حياتهما الأدبية، وتقلب رؤياهما رأسا على عقب. وبينما ساهم بروطن بأعمال نثرية، فإن ايلوار نشر باقات شعرية، وكل ذلك يتميز بروح الثورة الأدبية الجديدة، وإن كانت معالمها لم تحدد بعد. وانضم إلى الجماعة فيليب سوبو وهو متأثر إلى حد بعيد باتجاه ابولنير، وكان هذا الأخير، هو الذي قام بتقديمه إلى الداديين إذ ذاك: اراجون وايلوار. وانضم آخرون إلى هذه المجموعة من كبار السرياليين، وأسسوا في سنة 1919 مجلة Littérature واصبحت المجلة، ميدان الإنتاج السريالي من شعر ونثر. وكان من اهم ما نشر بها في النثر Les champs   magnétiques التي حررها بروطن مع بعض من رفاقه، وكانت ضربا جديدا من الكتابة النثرية، يعتمد على الكتابة التلقائية، التي لا يراقيها عقل او منطق. ولم يلبث تزارا أن قدم إلى باريس، حاملا معه ضجته المعهودة، فساهم مع الآخرين في الطريق الذي سلكته السريالية إلى الآن، والذي إتضحت مبادئه واهدافه في "البيانات السريالية". وعمت هذه الحركة كما هو معروف ميادين النحت والتصوير، بل كما جاء في مقدمة هذا الحديث، عمت سائر مرافق الحياة، ولم يكن يشبهها في ذلك إلا حركة الرومانسية عند ظهورها.


  1- نشرته: les nouvelles littéraires بتاريخ 1 يونيو 1967
  2- les nouvelles litteraires  بتاريخ 22 يونيو1967


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here