islamaumaroc

نحن والشعر

  دعوة الحق

103 العدد

الشعر هو أحد تلك الفنون الجميلة التي نسلمها قيادة انفسنا، ونخلي بينها وبين هذه الأنفس لنفعل بها ما نشاء، فإذا بلغت الكلمات الشعرية من الحر ساوا بعيدا كنا على استعداد لتنازل عن جزء كبير من مقاييسنا التي تكونت عندنا من قبل، حيث يتمكن الشاعر من نقلنا معه إلى جوه الخاص، الذي قد لا نرضاه لأنفسنا إلا في اللحظات التي نهب خلالها قلوبنا للقصيد قدرما نستطيع.
فنحن ننقاد للشاعر المبدع معصوبي الأعيون، مكتوفي الأيدي – ولو إلى حين- لياخدنا معه غلى دنيا مفتونة، مفمورين في روائعه من فرع الرأس إلى اخمص القدم، ومع ذلك فليس الشاعر ماردا من مردة الجن، ولا ابليسا من ابالسة الشياطين التي تمتلئ بهم الخرفات والأساطير، اذ يتسلطون على الناس بقوتهم الخارقة للعادة، ويضربون البحر لينشق نصفين، أو يمدون سبابتهم إلى الجبال فتندك وتنهار، أو يرسلون من افواههم لهبا من نار يلتهم كل شيء. كلا ليس الشاعر واحدا من هؤلاء، وانما هو انسان مثلي ومثلك ومثل الآخرين، إلا أنه يملك شيئا صغيرا وجميلا رشيقا قد يهزا بقوة كل جن ومارد، يملك الكلمة !! فهو بها لا يشق البحر ولا يدك الجبل ويحرق الكائنات، كما يفعل المرد والشياطين – وهم من خلقه- فحسب، ولكنه يستطيع أن يذهب بهذا العالم كله وياتي بعوالم أخرى أجمل وأروع، الهاما من خالق الذي فطره على قوة الخلق والتكوين.
كل هذا والشاعر قابع تحت ظل شجرة، أو منزوي في ركن، أو مستلق على قفاه لا يفعل شيئا إلا انه يحلم، فينجسم حلمه في كلمات... فأنت لا تشعر بالارض ماذا تحت قدميك، ولا بالسماوات تنهار فوق رأسك، ولا بالحرائق تلتهب من حولك، في الوقت الذي تكون فيه الدنيا من حولك قد تغيرت، وذهبت معالم وجاءت معالم اخرى، بفعل شيء بسيط، يداعب ويناجي ويهمس، إنه الكلمة !! ولا تحسبنا ان هذا الذي نقوله ضرب من الخيال المحض، فلو كان ذلك ما شعرنا بهولا استقر في اعماقنا وقلب مفاهيمنا راسا على عقب، وجعلنا ننظر إلى الدنيا وهي في شكل جديد، فلا حقيقة أشد ظهور من نفس الإنسان في صلتها بالعالم الخارجي، ولا حقيقة لهذا العالم إلا من خلال الزاوية التي ينظر منها الإنسان إليه. والحرارة والبرودة، والضوء والظلام، والارتفاع والإنخفاض، والقرب والبعد، والجمال والقبح، والخير والشر، والحلال والحرام، كلها كامنة في المنظار إلى ينظر به الإنسان إلى الظواهر التي تحيط به، وكل ما خطر ببال الإنسان او خياله، إما انه كان أو هو كائن، أو سيكون (1). وعلى هذا الأساس نفسر جميع الخرقات والأساطير والمعتقدات التي آمنة بها جميع شعوب الأرض. 
والشعر ليس إلا الوجه الجميل للحقيقة، أو هو الحقيقة كما تلوح لخيال الشاعر وتمتزج بعواطفه. فعندما يضع العالم الجغرافي – مثلا- خارطة للارض، تتحد فيها معالمها بدقةيجيء الشاعر ليتغنى بجمال الأرض، ويحول جداولها وجبالها ومروجها قطعا من البيان الساحر. نعم يبيح الشاعر لنفسه أن يغير من نظام الكائنات فيخلق للحقيقة ابعاد جديدة، وحينئذ فهو لا يعمل شيئا لا نعلمه نحن بمعنى من المعاني، وإنما ينطلق من التجارب الإنسانية، التي لا تخلو منها الحياة كا واحد منا، في كثير من لحظات حياته بل في مرات من كل يوم من ايامه، فكثيرا ما ينظر الواحد منا إلى بقعة جميلة من الأرض  أمامه فيحاور نفسه قائلا مثلا: حبذا لو شق مجرى نهر في ذلك الموضع، وغرست انواع من الزهر في الموضع آخر، ونهضت ربوة هنا، وانخفض منحدر هناك، واصطفت أشجار باسقات وارفة الظلال في ذلكم الممر. أو هو يتخيل أنه أصبح  في رمشة عين من ذوي الثراء العريض، فظفر بغادة مشرقة القوام، صبوحة الوجه، يسعى بين يديها الخدم، وتحفها الوصائف، واسكنها قصرا عالي الشرفات، مترع الجنبات بالأفراح والمسرات، أو هو ينظر إلى زوجته الجميلة والفقيرة فيتخيل ذلك القد مزدانا بابهى الحلل، وذلك الجيد مطوقا باروع القلائد، وتلك المعاصم محاطة باثمن الأساور، والشعر احتفلت به الماشطات، والأناميل رطبها النعيم، والشفتين نداهما الترف، ثم إذا هو يفيق من حلمه الجميل، ليعود إلى الواقع القاصي والصادم. أحلام كهذه كثيرا ما تشغلنا عما حولنان وكم منا من استطع أن يحيل الحلم إلى الواقع، فخلق جنات من الأرض، والفى نفسه وقد ظفر بالغادة الحسناء، والمغاني الفيحاء، أو رأى زوجته الجميلة الفقيرة تلك، وقد اصابت حظا من عز، ونالت قسطا من نخوة وبسطة ومناع، ولكن أين الحلم الجميل؟ لقد مات عندما استحال الى واقع، فأصبح ذكرى تعاود صاحبها مقرونة بالحرات !! فأجمل أمانينا وأحلامنا ما بقي ممتنعا عن التحقيق، فسبحا لك يا إلهي، وما اعجب ما صنعته بخلقك!!
وما نفعله او يفعله الشعر أحيانا من إعادة ترتيب الكائنات، أو خلق كائنات جديدة مركبة من عناصر قديمة، أو تجسيم الآمال الحائرة العذاب، إن هو إلا تطور لما نفعله في حياتنا كل يوم، لا عن طريق الحلم فقط، وإنما حتى عن طريق تصرفاتنا العملية. تصور سيدة البيت عندما تمل من نظام بيتها فتقلبه رأسا على عقب، فتنقل هذه المنضدة إلى ذلك الركن، وتجيء بآلة التلفزة إلى هذه الزاوية، وتغير اتجاه سرير النوم، وتستبدل الستائير البيضاء بالستائير الأحمراء، أو تصورها وقد رمت بهذا الأثاث كله إلى الخارج، واقتنت أثاثا جديدا، مع أن الأول ليس به من عيب إلا أن العين اعتادت النظر إليه، فلابد من اجالة بد التغيير دفعا للرثابة، وجلبا للتنوع،  كذلك الذي يقتني مائة نوع من اربطة العنق، وخمسين صنفا من القمصان، مع انه لا يحتاج إلى كل هذا العدد، وإنما هو حب التجديد. ولو نحن ذهبنا نستقصي الأمثلة على هذا النحو، لوصلنا إلى حد الاملال، في الوقت الذي نتحدث فيه عن حب التجديد والتغيير... والشعر بفعل نفس الشيء الذي نفعله نحن في حياتنا الواقعية، مع تطويره ليناسب ما للشعر من طبيعة مجلوبة على الاشراق والسمو، فهو قد ينقل معنى الجريمة من حضيض الرذيلة الذي اعتاد الناس أن يضعوها فيه، إلى سماء الفضيلة التي يراها  لا ثقة به، تماما كما تفعل تلك المراة عندما تنقل المائدة من موضع إلى آخر، وهو يعمد إلى المنظر الطبيعي بصفه، فيجعل زهوره أشد بياضا مما هي ، واشجاره أشد خضرة مما هي، وقد يتفنن ويضيف إليه راعيا ينفخ في شبابته، وحسناء بدوية تحمل جرتها، ويشق الأرض ليطلع منها دوحة عظيمة يملؤها بالبلابل الصداحة الطروب. وكل هذه الإضافات إنما هي عملية نقل أشياء من مكان إلى آخر، فهو يجول بخياله بقاع الأرض، ليلتقط ما يروقه من معالم تتمم جمال  المنظر الذي يصفه، كما تجول تلك السيدة الأسواق لتلتقط أحسن الأثاث لمنزلها الجميل. وقد لا يلذ للسيد أن تؤنث بينها إلا بأفخم الأثاث، أو قد تكون اميل إلى البساطة فتكتفي بالأثاث البسيط الجميل، وكذلك الشاعر، اما أن يأثث قصيدته باسماء الذهب اللآليء والمرمر والقصور وما إلى ذلك، وإما أن يؤثثها بأسماء الشفق والفسق والظلال والنسمات وهلم جرا. وقد يلذ لهذه السيدة – كما قد يلذ لنا جميعا- أن تسمي اشياء بغير أسمائها الحقيقية، فهي – مثلا- قد تسمى آلة التلفزة (صندوق الضجيج) وحجرة زوجها التي ينفرد فيها بكتبه واوراقه (بيت الأعزب) على سبيل التعربض والمداعبة فقط، كما قد تطلق على خادمتها النشيطة الدؤوب (النحلة) وعلى زوجها اسما من أسماء التدليل، تماما كما يفعل الشاعر عندما يقول عن شجرة عامرة بالبلابل أنها جوقة من المطربين، وعن الجدول الرقراق أنه سيف ممدود، وعن الراعي النافخ في الناي أنه  شاعر الرياض. ولا يضنن أحد اني اجعل عمل الشاعر الذي الفنا أن نحيطه بهالة من القداسة، حتى لنرفعه أحيانا إلى مقام الأشياء الخارقة للعادة، قرين عمل تلك السيدة في تصرفاتها داخل بيتها ، واني اضع ترتيب الشاعر للأشياء إلى جانب ما تفعله تلك السيدة بآثاث بيتها، فأنا لم أرد بهذا المثال الذي ضربته إلا شيئل واحدا، وهو التدليل على أن من الخطأ نظرنا إلى الشاعر بكثير من الاستغراب، عندما يعمد إلى الأشياء فيغير من نظامها المالوف، او يضيف اليها ما من شانه أن يصل بها إلى صورتها المثالية، لأننا في حياتنا العادية نفعل نفس الشيء، دون ان يخطر ببال أي واحد منا أنه أنى عملا غريبا أو خرج عن العادة المألوفة. وها نحن راينا من خلال ذلك المثال أن الشاعر إذ يضعنا امام عمله الشعري يكون قد أخذ بعض عاداتنا المشتركة فتسامى بها وخلع عليها حلل الفن وشملها بالتهذيب، حتى لتبدو لنا من خلال نصوصه وكأنها من الأعمال المدهشة. فالشعر من هذه الناحية أن هو إلا أحد الاشياء الثمينة في حياتنا، والتي ترتد في اصلها إلى عناصر عادية بسيطة، قد لا نعيرها أدنى اهتمام.
فالعطر النفيس الذي نشتريه بأغلى الاثمان، يعود إلى تلك الزهرات التي ندوسها بالأقدام، أو نفركها بين الأصابع، والفنا أن نشاهدها بين حين وآخر. والثياب الثمينة الزاهية، مردها إلى بعض مواد الطبيعة، التي قد لا يخطر ببالنا ان نقف عندها لنتاملها مليا. وقل مثل هذا بالنسبة لكل الظواهر المحتلة مكان الصدارة في هذه الحياة، ويمكنك ان تضيف إليها أيضا ما يتمثل في الشعر من جمال رائع في تناوله للأشياء، فإن هو إلا بعض طبائع الناس بعد ان سما بها الطبع القوي، والخيال الخصب، والذوق السليم، والوجدان الحي. وبناء على هذا يمكن ان نساير الشعر في نصوصه الممتازة، إلى آفاقه المشرقة العالية، ثم نعود به إلى التجارب الحياتية البسيطة التي ينطلق منها، نرده إلى أحلام اليقظة التي تستغرق جانبا كبيرا من حياتنا، وإلى كثير من اساليب عيشنا المختلفة، وردود افعالنا جبال بواعث الحياة ومؤثراتها المتعددة، فنحن نحب فنحيط من نهوى بهالة من نور، ونتخيلها ملكة متوجة على عرش الجمال، أو حورية سابحة فوق السحب، وقد تحجبها عنا جدران سميكة من عتيق التقاليد، ولكننا نستطيع بمخيلتنا أن نفتح فيها كوة نلمحها من خلالها. ونحن قد نكره فتتخيل اعداءنا الالداء وقد نزل بهم الهم، أحاطهم الويل، وتخطفهم الشيطان. ونحن قد نتمنى مفرطين في التمني، فنتصور التراب ذهبا، والقرش الأبيض كنزا، والكوخ الحقير قصرا، إلا أن الشعر يمتاز – من بين ما يمتاز به – أن يعمد إلى أحلامنا تلك، مضافة إليها أحلام الشاعر المبدع، فيضع لها قالبا من اللفظ الجميل، ويهبها كيانا ويحيطها بسياج من الموسيقى والبيان، ليمكن الرجوع إليها مرات ومرات، ولولا ذلك لصارت إلى التلاشي والعدم، تماما كما يحدث لاحلامنا نحن الذين لسنا شعراء، إذ سرعان ما تتبدد وتتلاشى، بعد ان تكون قد اخذت منا اوقاتا تقصر أو تطول، ولكن دون جدوى. في حين ان الشاعر بما أوتي من مهارة وقدرة، يستطيع ان يستغلها ويكون منها شيئا رائعا لا سبيل إلى تلاشيه أو اضمحلاله. فنحن عندما نرسل آهاتنا واناتنا وصيحات فرحنا تضيع في الهواء، ولكنها بالنسبة إلى الشاعر تتجمع ذبذباتها في الفاظ حية معبرة، ونحن عندما نبكي تنزلق دموعنا ليدركها الجفاف حينا أو بعد حين، أما بالنسبة إلى الشاعر فهي تنعقد لآليء في ديباجة شعره الجميل. ونحن قد نصاب بمأساة تكوي منا القلوب وتمزق الأكباد، ثم لا شيء نستفيد منها إلا المرارة والآلم الممض، فإذا هي اصابت الشاعر أو أحب الناس إليه، حول الماساة إلى مهرجان شعري كبير، فيا له من ساحر ماكر لا يشق له غبار!! ونحن عندما نتملى شعره نعجب لصوره الشعرية البديعة القسمات، مع انها من بعض أحلامنا. الم يسبق لنا أن تخيلنا القول ذا الرؤوس السبعة، والسمكة التي نصفها الأعلى آدمي، كما تخيلنا الملائكة تطير بأجنحة عجيبة، والشيطان مخلوقا يشع الخلقة ذا قرنين منكرين، والمرأة حية رقطاء تنفث السم الزعاف، وغيرها من الصور الخيالية التي عملت فيها الأسطورة والتربية وما ملأ به الكبار اخيلتنا ونحن صغار؟ اليس لهذه الرؤى علاقة بالصور الممتازة التي يركبها خيال الشاعر؟ واخيرا ياتي مبدع الشعر ليصول علينا بشعره الذي هو بضعة منا، مزهوا كالطاووس، يسير بيننا الهويني تيها ودلالا، وقد ينظر الينا من برجه العاجي وكأنه يتفضل علينا بنظراته المتعالية، فيا له من لص محتال !! يتسلل غلى نفوسنا ليسرق مآتيها الكثيرة في غفلة منا، لاننا منهمكون في شؤون دنيانا المستبدة القاسية، ولكن يجب الإعتراف بأنه لص ظريف سريع الخطى، رشيق الحركات، بارع اللمسات، وهو لص شريف، ما يلبث أن يعيد الينا بضاعتنا بعد ان يكون قد قضى ليانته منها، ويعيدها بعد ان يكون قد باركها فاينعت وزكت، وكأنه يرشونا لنتجاوز عن فعلته تلك، وما دمنا لم نستطع ان نصنع منها شيئا فهو بها أولى، وكأنما الطبيعة حسبت حسابها لهذه الحقيقة، فاعطته مفاتيح نفوس الناس ليلجها متى شاء، دون ان نملك له ردا ولا دفعا، لأنه يتحول إلى طيف من نور عندما يمارس عمله الساحر. وبالرغم من المفاتيح التي يملكها ذلك اللص الظريف الشريف، او ذلك الشاعر فهو قد لا يستعملها بعنف، وفي كثير من الجلبة، بل هو يؤثر  التسلل الحذر، والانسياب الخفيف، لأنه تخلب لبه لذة المغامرة، أو لأن طبيعة عمله قد تقتضي ذلك. الا تراه كيف يغافل تلك الحسناء، ليسرق منها التفاتة جيد بارعة، أو رفة رمش ساحرة، أو رنة ضحكة ناعمة الا تراه كيف يلامس الجوانب الرقيقة الخفيفة من الاشياء، ويونر أن يعرض علينا اشباحها واطيافها حائما حولها، ينتظر منها حركة عفوية، أو اشارة تلقائية؟ انظر اليه كيف يصف الشمس خيوطا ارجوانية تزخرف صفحة الافق، والزهرة علاها الشحوب كعاشقة ولهى، والغناء رق وشف كانه المعنى الجميل في الخيال التائه، فاذا هو عبر عن الأشياء دون ان يتلطف في ملامستها ولا أن ياتيها من جوانبها الرقيقة الشفوفة، كان شعره غليظا سرعان ما تمجه الاذواق وتعرض عنه الاسماع.
إلى هذا الحد يقع الامتزاج بين ما هو للشاعر وما هو للناس، وعلاوة على ذلك فاللغة التي يعبر بها فيها من الناس الشيء الكثير، واصوات الحياة من حوله تحمل اليه اصداء هي من صميم هؤلاء الناس، واحتفاؤهم به واكبارهم اياه يمد  خيطا رفيعا بين نفسه ونفوسهم، فيوحي اليه ويفجر طاقته الروحية، وازورارهم عنه يثير فيه السخط والحنق فيجيىء رد فعله شيئا من آثارهم، بل أن مجرد رغبته في أن يقول شعرا لابد أن يتأثر بكونه شاعرا بوجود جماعة من البشر يمكن أن يساق اليها عذب الحديث، وان ترتل على مسامعها انغام القصيد. واخيرا فإن الشعر نفسه يجمل في تضاعيفه اصنافا من ردود الافعال، نثيرها تلك التحديات التي غالبا ما تواجه الشاعر من طرف الناس المحيطين به، كان يضعوا العراقيل في طريقه، ويبخلوا عليه بالثناء، ويقتصدوا  في شأنه بالتشجيع، ويسيئوا به الظن، فلا بستطيع انتزاع الاعجاب منهم الا بعد جهد مرير. وقد تكون اجمل اعمال الشاعر، هي تلك التي رافقت فترة النضال من اجل اثبات الشخصية.
وانطلاقا من هذه الحقيقة، حقيقة الاتصال العميق بين مشاعر الشاعر ومشاعر الجماعة التي يعيش فيها، اجدنا احيانا كثيرة نصاحبه في بعض اعماله، فياخذنا معه إلى دنيا من السحر والفتنة، ولكننا اذ نفتح ابصارنا وبصائرنا على روائعها نحدث انفسنا قائلين: متى سبق لنا ان شاهدنا هذه الصورة، وان لمحنا ذلك الطيف، وان عانقنا تلك الخاطرة، واحتضنا ذلك المعنى؟ ان نغم هذا البيت ليس غريبا علينا، وان تقابل تلك البدائع ليس اجنبيا عنا، وإن تلك الأخبلة البديعة ليست بعيدة عن بعض ما نجد بين اضلعنا، كيف امكن ان تقضي فترة ليست بالقصيرة من اعمارنا دون ان نفطن الى هذه الحقيقة، حقيقة انطواء قلوبنا واخيلتنا على كثير من معاني الشعر، الى ان جاء هذا الشاعر فنبهنا إليها؟ والغريب في الامر، ان هذه الاشياء التي نلقيها في عمله الشعري قد تكون لم يسبق لنا ان وجدناها في عمل شاعر آخر، فكيف وجدنا شيئا منها في انفسنا مع ذلك؟ هل دخل بيننا وبين انفسنا فمع نجوى ضمائرنا، والنقط هواجس قلوبنا، وتلا من صفحات قلوبنا؟ ثم نحن نعمد اخيرا إلى هذه القاعدة المقررة في الكتب لنقول: انه توارد الخوطر. ولكن هل نستربح عندما تصل إلى هذا الحد من التأمل؟ الجواب بالنفي، فما ان يشتمل علينا سلطان عمل شعري آخر من النوع الرائع، حتى تبدا شكوكنا من جديد، وهكذا دوالبك.  قد تكون تلك الخواطر والتجارب التي عالجها الشاعر، ووجدنا لها شبيها في نفوسنا، راجعة إلى بعض تجاربنا في الحياة، أو إلى قراءات او مشاهدات مضى عليها زمن ليس بالقصير، ولكن آثارها بقيت راسبة في اعمالنا، الى ان حركها عمل شعري يمت اليها بصلة ما، وقد لا تكون شيئا من ذلك مطلقا، وانما هي ارث تسرب الينا من تجارب اسلافنا الاقدمين، وهذا امر اقره العلم الحديث، فكل واحد منا يحمل خصائص الجنس الذي ينتمي اليه، وتتمثل فيها جميع مراحل التطور التي عرفها هذا الجنس في تاريخه الطويل، ولا ينطبق هذا على الانسان فقط، بل على جميع خلايا الكائنات الحية. وعلى هذا  الاساس فقد تكون الخاطرة التي تهز وجداني قد تسربت الي من احد اجدادي القدماء، وقد تكون الفكرة التي ساورتني هي احدى بقايا عقل موغل في القدم، وهذه قضية كثر الحديث عنها في كتب الباحثين.
ولكن بالرغم من هذا، فليس مما يحط من قدر الشاعر في نظرنا ان نجد عنده شيئا ليس غريبا عنا، فلم يخطر ببالنا قط، ان نستهين بالوجه الجميل لأنه يحتوي على عينين وانف وفم ووجنتين كوجوهنا، ولا ان نهزا بالبحيرة لأن بها ماء كماء الأنابيب التي تمتد داخل بيوتنا، ولا ان نسخر بالموسيقى لأنها تمت بصلة إلى بعض ما لترلم به في لحظات انبساطنا، لم بخطر لنا ذلك ببال ابدا، ذلك لأننا نتعشق الاتقان في كل شيء، والشعر الرائع شيء متقن، كله نظام وتناسق، على حين ان تجاربنا وعواطفنا نحن مشوشة مضطربة. ويمكننا ان نزيد المسألة وضوحا بنظرنا إلى وجوه الناس، فالوجوه الدميمة لم تكن على هذه الصفة لافتقارها غالبا الى اية شية شيات الجمال، فقد تجد العينين الجذابتين اللتين تذهب جاذبيتهما لانهما تحت جبهة بشعة، أو فوق انف ذميم، بينما  وجه آخر به انف جميل، ولكن يذهب جماله لانه تحت عينين منكرتين، ولو انك خالفت بين هذه الملامح، فنقلت كلا منها إلى ما يناسبه في وجه من الوجوه، لزالت البشاعة وحل محلها الجمال والوسامة، وهذا بالفعل ما تفعله الطبيعة عندما تراعي التناسق بين ملامح الوجوه الجميلة. نفس الشيء يحدث بالنسبة للشعر، من حيث قياسه الى ما هو مشاع بين الناس من خامات  شعرية كالكلمات والعواطف والتجارب الروحية، فنحن عندما لا نكون شعراء، لا نقدر على وصل كلماتنا بذلك السلك الذهبي الذي يسمونه الأسلوب، وانما نضم بعضها إلى بعض كيفما اتفق، واحيانا عن طريق القسر والتعسف، تمام كما يحدث عندما توضع عينان جميلتان تحت جبهة بشعة، او يوضع فم عذب الثنايا وسط عارضين منكرين. اما عواطفنا وتجاربنا الروحية – متى لم نكن شعراء ايضا- فهي هابطة صاعدة، ممتزجة بطحالب نفوسنا ونفاياتها، ولو اننا جسمناها لكانت غرفة تجاورت فيها هذه الاشياء: كتاب شعر، مكنسة، زجاجة عطر، علبة سردين صدئة، موسى لحلاقة، منفضة مليئة باعقاب السجائر. كذلك نفوسنا: احساس نبيل يختفي في مثل سرعة الطيف، ليحل محله تصميم للانتقام من عدو لدود، اعجاب بتلك الوردة الزاهية على فننها، يعقبه حينا التفكير في وسيلة نفوز عن طريقها بمغنم مادي، تملي من ابيات شعرية رائعة في ديوان شعر، نتخلص منه سريعا لنذهب بعيدا وراء شيء لا يمت إلى الشعر بصلة، وهكذا تستمر تجاربنا النفسية إلى ما لا نهاية. اما في الشعر فتلك التجارب تكون قد صفيت مما قد يكون عالقا من الاحساسات غير المرغوب فيها، فاحتفظ منها بالاعمق والسامي والامثل، ولا اقصد بالسامي والامثل معناهما الخلقي، وانما اقصد معناهما الفني الصرف. فمعدن الذهب اذا وجد عند قوم لا يعرفون للذهب قيمة، يمتزج في ارضهم بالحصى والتراب، ويجرف ويهرس بالفؤوس، ليكون اديما تطؤه الاقدام، او احجارا تقام فوقها البيوت، او وقودا يتوهج جمرات يستدفا بها في الشتاء، وبطبخ عليها الطعام، ام قطعا لامعة يعبث بها الصبية ويتقاذفونها في نشوة ومراح. ولول افترضنا ان انسانا متحضرا وفد على هذه الارض، فسيعرف كيف ينتفع بمنجم الذهب فيها، بفرزه عن المعادن المختصة به، وينفض عنه طبقات التراب، ليبدو مشرقا صافيا، وكم من احلام تساوره حينئذ وهو ينظر اليه مجلوا باخذ بريقه بالابصار، حلى تزين اطراف العذارى، ونفائس تبهرج اركان البيوت، ونقودا ثمينة تحقق غوالي الاماني وتصنع المعجزات !! وحالنا نحن مع الشاعر، كحال اولئك القوم مع ذلك الانسان الراقي، اذ يعمد إلى التجارب الانسانية واللغة المتداولة فيكيف عن معدنها النفيس وينفي عنها الطفيليات العالقة بها، فننظر فإذا باشياء كثيرة احسسناها، واجريناها على السنتنا، وازدانت بها اخيلتنا تتحول بمعجزة إلى شيء فاتن رائع. وكما ان أولئك القوم المتأخرين قد يتقدمون يوما ويدركون قيمة الذهب، فيشترون ذهبهم المصوغ باثمان باهظة، كذلك الشان فيما يتعلق بنا نحن، حيث ناخذ عواطفنا ونظراتنا من الشاعر مصوغة في شكلها الجميل، في مقابل ما ننقده اياه من ثمن !! وليس من الضروري أن يكون هذا الثمن ماديا، فهو قد يكون – مثلا- تصفيقا تلتهب به اكفنا، نقاطع به ما ينشدنا من روائعه، كما قد يكون اشتغالا بشعره دراسة وتحليلا، او جريا وراء آثاره، نهفو اليها في لهفة وشدة شوق.
لقد راينا حتى الآن ان الشعر يضم كثيرا من التجارب الانسانية العامة، إلى جانب التجارب الخاصة بالشاعر، والمتأثرة بالأولى الى حد بعيد، ولكن الشاعر اذ ينتهي من ابداع عمله الشعري، ويدفع به الينا، يخرج وعليه اسم صاحبه وحده، وكان كل ومضة من ومضاته، وكل خلجة من خلجاته، هي ملك له وحده، وكل النقاد والدارسين، لا يذكرون هذا العمل الشعري إلا مقرونا به فقط، على حين ان نسبة مائوية منه قد تقل وقد تكثر، هي من معطيات الكيان الانساني العام.
فجميع الناس يعانون التجارب النفسية، وتكلفهم احيانا كثيرة آلاما واحزانا، وتؤثر تأثيرا عميقا في مصائرهم واتجاهات حياتهم، فإذا ظهر بينهم شاعر استفاد من تلك التجارب التي عاناها الناس، عن طريق اتحادها بتجاربه الخاصة، هذه التي تكون عادة اعمق من الاولى، ومزج بين الجميع مزجا بارعا ذكيا، يصعب عليك معه ان تميز بين ما هو للجماعة وما هو للفرد، وان شئت مثالا محسوسا لهذه القضية، فعليك ان تنظر الى ذلك البناء الجاري امامك، الا ترى انه يتعاون على رفعه عشرات العمال، هذا يحمل الحجارة، وذاك يحمل التراب، والآخر يرفع الاخشاب، وآخرون يتولون وضع هذا كله في موضعه المناسب ليصعد البناء، بيد أن هؤلاء لا يذكرون ولا يشار اليهم عندما بنسب هذا البناء الى المهندس الذي وضع التصميم، او المقاول المشرف على عملية البناء، مع ان اثرهم موجود في كل شبر منه. ونحن لا ننازع الشاعر في هذا الأمر، لاننا نعلم مقدما انه لم يقع بعمل يخطر علينا ان نساهم فيه، فالمجال واسع ويمكن لكل من انس من نفسه الاستعداد ان يلجه، والشاعر نفسه يكون مستعدا للاخذ عنا والاستماع الينا اذا نحن استطعنا ان نجاريه في مضماره، والمشاعر الانسانية قدر مشاع بين الناس جميعا، اذ هي الناحية التي تمردت على ميل الانسان الى اقتسام مناطق النفوذ، فلم يكن في امكان أحد ان يعلن بقوة: هنا تبدا مشاعري!! كما يقول هنا تبدأ ارضي وممتلكاتي... ولعل شيوع هذه المشاعر بقية من شيوعية الارض وشيوعية الجنس، التي سادت فجر الحياة البشرية. واذا كان الشاعر قد استحق ان يختم على عمله الشعري باسمه وحده، فلانه قد بذل جهدا (فنيا) لم نستطع نحن ام نبذله لافتقارنا إلى وسائل التي تيسرت له. واقيد الجهد بأنه فني، لاننا في الحقيقة قد نبذل جهودا في معاناة العواطف ثم التعبير عنها، ولكنها جهود فطرية أكثر منها مكتسبة، ومن ثم فهي ليست فنية. فنحن – مثلا- ننشد الاناشيد الحماسية في كثير من مواقفنا الوطنية، تلك التي وضعها لنا شاعر ما، وتصدر عنا كلمات العطف والشفقة إذا نحن مررنا ببتيم في اسمال بالية، ونسكب في آذان جبيباتنا ما نكنه لهن من شوق وحنين، ولكن كل هذا قد يكون من خادمات العمل الفني، دون ان يكون هو العمل الفني نفسه، فلا يرفعنا إلى مقام الفنانين، وانما يتركنا في المستوى العادي لاكثرية الناس. بينما الشاعر يفعل نفس ما نفعله نحن – مع وجود الفارق- أي أنه يقوم بردود افعال مختلفة امام شتى المؤثرات التي تحيط به، ويزيد علينا بقدرته على ان يستمد منها آثارا جميلة معبرة عن عمق في التجربة، وذلك هو سر هيمنة الشاعر على العمل الشعري، وقبولنا لهذه الهيمنة، بالرغم من مساهمتنا غير المباشرة في جزء مهم من محتويات عمله، بمقتضى كونه واحدا منا، ويحمل في نفسه كثيرا من طبائعنا، وياخذ مادته احيانا من نتائج معاناتنا، بل نحن لا نكتفي بذلك، وانما تحيطه بمظاهر التكريم والاعجاب، ونحله من انفسنا مكانا عاليا، ولا نذكره الا هفت نحوه قلوبنا، واكتحلت بطيفه مآفينا، ولا غرو، اليس  بلبلنا الفريد، وصفوة  ما زرقناه من استعداد لحب الفن والهيام بأسرار الجمال؟ الا تنساب أعماله في حياتنا العاطفية فتشبع فيها الانس، وتتوهج في خيالنا فتغمره بمونقات الاماني؟ الا يصبح شعره رسولا بين المحبين، وعزاء للمعذبين، وثراء للمحرومين، وضميرا للشعوب، واملا للاجيال؟ ها هنا تبدو لنا عظمة العاطفة الانسانية عندما تصادف انسانا بالكلمةن اخذة في صعود مرافق الفن، مرورا بالادباء والشعراء الصغار، الى كبارهم ونبغائهم، الى ان تتوهج على قمة الجهود البشرية، موصلة الاسباب باسرار الخلود، مضافة الى المعالم الكبرى في تاريخ الانسانية الطويل، مشرقة كالشمس على جغرافية الفكر الانساني على اختلاف العصور، حتى لتصبح دولة داخل الدول، وامبراطورية داخل الامبراطوريات، دائما تعود اليها الانسانية لنجد فيها مجالا لتجريب عبقريتها، وصدى لما يهزها من خطوب واحداث، وهنا الشعر رائدا عظيما بحث الخطى نحو مثل عليا وقيم خالده، فاين منه تلك المشاعر المشتركة بين الناس، والتي إليها يرجع ما للشعر من قوة عندما يتراجع عن مكانه الممتاز، وينحل الى العناصر الاولية التي يتركب منها، فيرتد إلى حياة الناس في مسراتهم واحزانهم، شانه شأن طائر خلق في مجتمع الطير، فيه كل ما في بني جنسه من خصائص ومميزات، ولكن الطبيعة لم تلبث ان اخذته بكثير من الاعداد الخاص، قوة في الجناحين، وصلابة في الجسم، وحدة في المخالب، وحصانة ضد عوارض الجو، فارتفع يحلق مع الطيور في مجالها المحدود، ولكنه استطاع التفوق عليها في الطيران، عرزجا غلى اعلى، صامدا أمام تقلبات الطبيعة الهوج، على حين انها تقوض اجنحتها، وتطاردها لتعود الى اوكارها تحتمي بها في وجل الضعيف واضطراب المهزوم. ولكن هذا الطائر الغلاب لوة تصورنا امتيازاته تولت عنه، لعاد القهقرى الى حيث يوجد غيره من الطيور، كما اننا لو تخيلنا امكان تمرد الكلمة على الشاعر واعتدال عواطفه وانطفاء ومضات فكره الحادة، لعاد إلى حيث يزحف ملايين الناس، غامسة اقدامها في الوحل، مضطربة في طريق الحياة السلطاني الطويل. وكما يحلق ذلك الطائر الجبار ما شاء له التحليق، وأخيرا يعود إلى جذع شجرة، او ثقب في جيل، كغيره من الطيور، يحلق الشاعر العظيم في آفاقه البعيدة المترامية الاطراف، فيصنع اعماله العظيمة الرائعة، ليعود بها أخيرا إلى بسطاء الناس ليعرضها عليهم، منتظرا اقبالهم عليها، معجبين بها، حتى ولو كانت اساسها من ابتكار خيالهم الشعبي كالاساطير والخرافات التي قد يجعلها الشعراء من وسائل بيانهم. وهو – أي الشاعر- لا يعود إلى الناس على هذا النحو فحسب، ولكنه يعود على نحو آخر، وهو التصاقه بالارض التي يزحفون فوقها، ليلتقط مادته من صميم الحياة، ثم يحلق بها من جديد، كما يفعل ذلك الطائر عندما يترك الأجواء العليا ويهبط الى الأرض، باحثا عن غذائه الذي ما ان يتزود منه حتى يرتفع مرة اخرى الى فضائه الرحيب. وقد يكون من المفارقات العجيبة ان تلك الشاعر الممتاز على بقية الناس، صاحب المملكة السماوية الواسعة الارجاء، يتخلى عن عليائه ويحل بيننا نحن الناس العاديين، ليستمع إلى أغنية تترنم بها فتاة بدوية، او مطارحات نتبادلها في جلسة ودية، او ينظر مسحورا الى ننات غرسناه بايدينا، أو باقة ورد قطفناه بأصابعنا ولسقناه باذواقنا، او ما الى ذلك من عاديات حياتنا التي قد لا يخطر لنا على بال ان تكون مصدر الهام الشاعر المبتكر. وهناك عدد كبير من شؤون الحياة العادية، نتصل به من قريب أو بعيد، دون ان يدور بخلدنا أنه ذو خطر، الى ان يجيء الشاعر المبدع، فيجد فيه ينبوع فتنة وسحر. كيف ذلك؟ هل نحن ذوو قلوب غلف، واذان صم، وعيون عمي؟ لماذا سلخنا سنوات وسنوات من اعمارنا ننظر إلى تلك الشجرة، وذلك الجدار، وهاتيك المغاني، ونستمع الى ذلك الطائر ينقر شرفة بيتنا، والخرير صادرا عن غدير قريتنا، من غير ان نحسب ان لهذا علاقة بالشعر، وانه مادة صالحة للشعراء؟ اتكون مهابط الوحي الشعري على مقربة منا، وعن يميننا وشمالنا ونحن عنها غافلون، ثم ياتي اخيرا انسان فيزيل الغشاوة عن اعيننا لنرى اننا كنا شبه اموات قبل ان تمسنا عصاه السحرية؟ سيبقى سر ذلك عند الشاعر الذي ربما كان هو الآخر لا يدري من امر نفسه شيئا، سوى انه خلق هكذا، طرازا خاصا من الناس، يقترب منهم حتى ليشم رائحة عرقهم، ويبتعد عنهم حتى ليبعد مئات الفراسخ والاميال، خاضعا في ذلك لقوة لا يعرف لها مصدرا. ولامر ما شاءت الطبيعة الا تركيب العين الشعرية في وجوه جميع الناس، بمعنى ان تجعل منهم اناسى يعيشون للشعر، فماذا يحدث لو كنا جميعا ننظر الى مظاهر الحياة كشعراء؟ لنتصور وضعنا الاجتماعي مع هذه الحالة، لنتخذ من الاسرة الواحدة مجالا لتطبيق هذا الامر المفترض. هب – مثلا- ان جميع افراد اسرتي – بما فيهم انا وزوجتي واولادي- شعراء (1)، فكيف ينعكس ذلك على حياتنا المشتركة؟ الكل يعلم ان الشاعر الذي نذر نفسه لفنه واعطاه زمام أمره، كلف بالجمال في اسمى معانيه، شغوف بالكمال يطلبه بكل عصب من اعصابهن متبرم بكثير من الاوضاع المستقرة من حوله، وانه تصدر عنه احيانا تصرفات غريبة، وقد يعتاد عادات شاذة، وتستبد به نزوات حادة، متأثرا في ذلك كله بالطبيعة النفسية المفطور عليها، الامر الذي قد يضر بالناس المحيطين به، فلا يستطيعون التوفيق بينه وبين مقتضيات الحياة العائلية المشتركة، فاما ان يقطعوا الاسباب التي تصلهم به ان كان ذلك في الامكان، واما ان يتحملوه متاسين بكونهم يؤدون واجبا لامتهم، اذ يحيطون برعايتهم شاعرا من شعرائها الانذاذ. فاذا كان جميع افراد اسرتي شعراء، كان لكل واحد منا نزواته واحواله المتناقضة وحماقاته ايضا، وبذلك لا نستطيع ان نعيش مجتمعين تحت سقف واحد يوما واحدا، في جو هادئ جميل، اذ ان كل واحد منا سوف لا يحتمل الآخر، وهكذا نفهم انه لكي يكون انسان ما شاعرا  يهب حياته لهذا الفن الجميل، لابد من وجود اناس عاديين من حوله وعاديين جدا، يقدمون له الرعاية الكافية، لينصرف الىت آفاقه العلوية، ويعيش في ملكوت الشعر وادعا رضي الخاطر مطمئن البال. وقد لا يجد الشاعر ممن حوله رعاية على الاطلاق، فهم يحاربونه ويناصبونه العداء، ويفسدون عليه جوه الجميل، ولكن هذا كله قد يحتمل الا ان يكون الكل شاعرا. فاذا نحن خرجنا من محيط الاسرة الى المجتمع الكبير، لنجده بقدرة قادر، مكونا من الشعراء فقط، تصورنا مدى الحماقة التي ارتكبناها عندما ذهب بنا الخيال بعيدا فافترضنا هذا الافتراض الغريب !!
واذن يكون الخير كل الخير في الوضع الذي اقرته الطبيعة التي لا تخطئ ابدا، وهو ان تبقى القدرة الشعرية مقصورة على افراد معدودين في كل بيئة ومجتمع، على حين ان الآخرين ينصرفون الى شؤون دنياهم الكثيرة، دون ان يمنعهم ذلك من ان يحملوا احلاما شعرية جميلة في بعض لحظات حياتهم.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here