islamaumaroc

عبقرية الإسلام في المغرب.-5-

  دعوة الحق

103 العدد

لقد نسج تاريخ المغرب الحديث من لحمة العروبة والإسلام، ولا تكاد تلوح في الأفق الدولي أحداث ألا ويظهر المغرب مدى استجابته لفكرة العروبة والإسلام، وليس معنى هذا أن المغرب لا يعرف التيارات الغربية أو لا يتأثر بها مطلقا، ولكنه كشعب أصيل لا يقتبس منها إلا ما يوافق أسس ثقافيه اسلامية ويخضعها لمقاييس دقيقة من النقد دون ان يسير وراء الشعارات المزيفة، وللمغربي قدرة خارقة على النقد الفطري الذي يميز به ما يساير اصالته أو يبعده عنها.
وقد رحل المغربي منذ قرون إلى ارض الرجل الغربي، وكتب الرحالون مآت التأليف عن ارتساماتهم وآرائهم في الحضارة الغربية، وكادوا أن يتفقوا على مادية الغرب ومطامعه، ويحسدونه في نفس الوقت على نشاطه وتنظيمه... وحملوا منذ قرون تقارير إلى بلادهم عن حضارة الغرب ومزايا تمدنه وادركوا منذ قرون أن قوة الرجل الغربي في تنظيمه وتقنيته، وضعفه تكاليه المادي ومطامعه غير المشروعة وانحرافات الكنيسة.
ولذلك بادروا بدعوة المغرب إلى أن يعبئ قواه لمقاومة المتطلعين إلى ارضه وخبرانه، ووقفت الدبلوماسية المغربية تراوغ الرجل الغربي وتلقي في الماء الكدر فتاتا ليتضارع الطامعون، واعترف الغرب بدهاء الدبلوماسية المغربية فلم يجدوا غير القوة بديلا، وهذا ما كان ينقص المغرب أو ما لم يستطع أن يعاجل بتنظيمه.
وتحرك تاريخ المغرب الحديث بفعالية الإسلام ونشاط وعيه في النفوس وكانت الحركات الوطنية تعتمد على البعث الإسلامي باعتباره طريق الخلاص وموقد جذوة الشخصية المغربية الأصيلة، لأن المغربي لا يعمل إلا في إطار إسلامي سليم.
ولا يجحد تطور المفهوم الإسلام في الأحزاب الوطنية التي اقتبست عن الحركة السلفية اساليبها الوعظية ومناهجها الدراسية وكانت هذه الحركة القربة تعبر عن النشاط الإسلامي الخلاق وتشحن النفوس بعزة الشخصية الإسلامية وتتحدى الاستعمار الفكري، كما كان زعماء الفكر الإسلامي يلوحون بذلك اليوم الذي يتاح للمغرب أن يقود نفسه ليرجع إلى أسس حضارته غير منحرف عنها إلى حضارة الغرب، وكان الاستقلال فرصة لهذه التجربة الجديدة. وإذا كان المغرب متمسكا باسلامه فغن حاجته أكيدة إلى إعطاء مفهوم للإسلام السلفي حتى نتغلب عن المتناقضات الفكرية بين الواقع والأمل وحتى لا يتعدى بعضنا عن الواقع لينتظر اليوم الذي لا نعمل له اليوم ولا ينسلخ آخرون عن الامل ليسلموا بالواقع دون ان يكافحوا ليوم انتصار الإسلام.
إن تيار الفكر الماركسي يغزو العالم الإسلامي لتحويل بناء الغد عن الأسس الروحية الإسلامية إلى الأسس الماركسية وبعوض على العالم الإسلامي أوضاع التاريخ الغربي الذي تولد عن صراع الطبقات بل يذهب بعيدا حين يقارن بين الإسلام والكنيسة التي ساندت الطبقية وحاربت التقدم العلمي باعتباره دينا يؤخر الشعوب.
كما تنقارب الكنيسة من اليهودية ذلك التقارب الذي يبريء اليهود من دم المسيح لمواجهة كل قوة جديدة روحية او مادية، كل هذه الأحداث تؤثر على الثقافة الإسلامية في المغرب بوسائلها الدعائية.
والواقع أن المكاسب الإسلامية تفرضها مرونة الإسلام وقوته على تخطي الجزئيات إلى وعي الحقيقة ذاتها.
فالتطور الفكري في الكنيسة يلتقي دائما مع الأهداف الإسلامية مما يدل على قوة الإسلام وصلاحيته وفهمه العميق لمشاكل الإنسان وشمولية ربطه في قوة بين مختلف مظاهر الحياة ومركزتها في اساس كوني عام. وهذا سر قوته رغم ركود العالم الإسلامي وتقاعس المفكرين عن اداء رسالتهم التوجيهية.
والمغرب كقطر مسلم يتصدى لأداء رسالته الإسلامية في تحليل الإسلام وشرحه أو في تبليغه لدعوته في انحاء القارة الإفريقية والأسيوية والأوربية بتجاربه الحديثة التي لم يسند عودها بعد.
ولم يكن المغرب بعيدا عن موقفه من صراع فكرتي العروبة والغسلامية بعد الإستقلال. فالعروبة لم تفهم طيلة تاريخه إلا على أساس حركتها الإسلامية، ولم يكن مفهوم العروبة ذا صبغة جنسية أو سلالية، وإنما كان مفهومها يمتزج دائما بالإسلام، فلم يعرف المغاربة إلا العرب الذين حملوا إلى ارضهم الإسلام ولذلك بقي الفكر المغربي لا يستطيع أن يفصل بين العروبة والإسلام، وهو يدخل عامل اللغة وحده في مفهوم العروبة معتمدا على ما جاء في تعاليم الإسلام من أن من تكلم العربية فهو عربي، وإذا كانت المصالح الإقتصادية والتاريخ المشترك والاهداف المشتركة كذلك عناصر تدخل في تدعيم الفكرة فإن المغرب ليزداد اتصالا بالعروبة والإسلامية كما فهمها طيلة تاريخه.
كما أن سكان المغرب ينتمون جميعا إلى أرومة من جزيرة العرب وردت الاولى من اليمين في التاريخ العريق وتتكلم اللغة البربرية ذات الأصل العربي القديم ثم وردت الثانية بعد ظهور الإسلام تحمل الدين الجديد، وعاشا معا في المغرب يخدمان الفكر والثقافة ويناضلان من اجل وحدة البلاد، وتبدو وحدتهما أقوى ما تكون كلما تكتلا لصد المغير والمستعمر، فالإسلام دينهما والمالكية مذهبهما واللغة العربية وسيلة التعبير عندهما معا.
ويبدو نشاط المغرب في حركة النشر والدعوات المبدئية في المجلات والصحف اليومية، ومن الحق أن نذكر أن مجلة دعوة الحق حملت أمانة تبليغ الدعوة الإسلامية وتحليل الإسلام وقوة المغرب على اداء رسالته في جراة وتفهم واقتحام للميدان، كما أن مجلة البيئة رغم قصر عمرها ادت رسالتها فأحسنت الاداء، أما على الصعيد التربوي فالتعليم المغربي بصفة عامة وجامعة القرويين بصفة خاصة وما اسفر عنه الاستقلال من تطور عميق في مناهجها الدراسية لدليل على القوة التي يتزود بها المغربي المسلم ليؤدي رسالته الإسلامية التي هي رسالة انسانية سليمة، كما لا يمكن ان نتجاهل دور التلفزيون والإذاعة وأثرهما في تبسيط المفاهيم الاسلامية وتلقين الجماعة المسلمة المبادئ الإسلامية القادرة وحدها على نوعية عقليتنا المغربية، والسمو بوجداننا الصادق لتحقيق عالم الإسلام الذي نصبو إليه.
وليس من شك أن شخصية جلالة الملك الحسن الثاني لما تتصف به من عمق فكري والتزام ديني واطلاع واسع على فلسفة الإسلام وفلسفة الغرب مما يجعل المغرب يحتل قيادة الفكر الإسلامي المعاصر، ويجعل علماء الإسلام المغاربة يعملون بثقة ومسؤولية لأداء الرسالة الإسلامية وتحقيق العالم الإسلامي المنتظر.

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here