islamaumaroc

حياة جورج صيدح

  دعوة الحق

العددان 101 و102

منذ كنت سكرتيرا لتحرير مجلة المعرفة الدمشقية، حتى رحيلي إلى بيروت والبقاء هناك زهاء عامين، ثم العودة إلى دمشق، حيث لا يستطيع الإنسان أن يفارق مرتع الصبا والأحلام، والرسائل تذهب وتجيء، بيني، وبين المغترب الكبير الأديب جورج صيدح.. في تلك الرسائل كان ثمة أسئلة كثيرة، وكان صيدح دائما أكثر كرما في الأجوبة، وكان لابد أن تتجمع لدي من خلال هذه الرسائل، حصيلة، غنية، ومدهشة، من حياة هذا الشاعر الكبير،  ومن مغامراته العديدة في سبيل الحياة الحرة الكريمة، وكان أغنى ما في حياة صيدح، ذكرياته، مع الأوائل من شعراء، وأدباء، وسياسيين.
يتحدث صيدح عن محاولاته الأولى في الشعر، يقول:
بدأت نشر شعري في جريدة الأخطل الصغير، نشر لي عام 1910 قصيدتين، الأولى «أذكريني» لحنت وغناها المطربون:
أذكريني واذكري الحب معي
            واذكري ما مر في تلك السنيــن
اذكريني واسألي قلبك كم
            تسحق الذكريات قلوب العاشقين

والثانية قصيدة غرام:
أصبحت من جور الصدود تخالني
            شبح إذا مر النسيم تألمــــــا
تشكو الغرام جوارحي فكأن لي
            في كل جارحة فؤادا مغرما

وكنت أنظم شعري على السجية، لا أتعمد تقليد أحد، ولكني تأثرت أولا بشعر شوقي، وثانيا بشعر إيليا أبي ماضي، وكنت في المدرسة أحفظ قصائد المتنبي دون أن أفهمها لمجرد شغفي بموسيقاها، ثم في مصر اتسعت مطالعاتي، وتركزت ميولي فانصرف إعجابي إلى شعراء الرقة والبساطة والعذوبة والمجون كأبي فراس والرومي من القدامى، وإسماعيل صبري وحفني ناصف من المعاصرين. هذا هو ذوقي، تحكم في إنتاجي منذ الحداثة، فكان ما لا ينشر من منظوماتي أكثر مما جاز لي نشره.
لما صرت في القاهرة، شرعت أنشر قصائدي في مجلة سركيس، ومنذ عام 1912 إلى 1924 لم تخل مجموعة من مجموعات المجلة من قصيدة لي، كنت منصرفا إلى تجاراتي بكل قواي، لا حبا بها، بل حفظا لكرامتي بين أهلي وعشيرتي.
وكنت (1912 ـ 1914) على اتصال دائم بجرجي الحداد، أعب من أدبه وشعره في المراسلات. كان مراسلا لجريدة «المقطم» في دمشق، فلما وقعت الحرب العالمية في خريف 1914 صار يحشو رسائله الموجهة إلي بمقالات أسلمها أنا للجريدة فتنشرها دون توقيع. ولم تنفضح الحيلة للرقابة في دمشق إلا عندما تسلم جمال باشا الأحكام ورواح يبطش برجال الرأي والفكر والعلم، فألقي القبض على جرجي الحداد، وحوكم، وعلق على المشنقة في ساحة البرج مع بقية الشهداء الأبرار.
رسائله كانت مجموعة من التحف الغالية عندي، فلما تخلو رسالة من قصيدة. أرسلت مرة واحدة منها إلى الشاعر المرحوم ندره حداد لينشرها في جريدة السائح، عنوانها «صبيحة العيد» فنشرها بعد مقدمة ثناء وإعجاب، واستزادني من أمثالها، فجمعت الرسائل وأضفت إليها ملحمة «الغرام الساذج» عن واقعة حالي وأرسلتها إلى الشاعر ندره الذي عاجله القدر قبل أن ينشرها فبقيت في إدارة «السائح» في حكم المفقودة.
رسالة واحدة بقيت عندي سهوا، اقرأ فيها كلمة شكر على رسم أهديته إليه:
أهلا بصورة من أحب وان تكن
            تركت عصي الدمع سهلا طيعـــا
بربيبة الأفلاك ناشئة السنا
            أو ما ترى البدر اصطفاها مطلعا
أودعتها بين الضلوع وشخصه
           أودعته من قبل فاجتمعا معــــــــا
ولثمتها ألفا وما أنا قانع
           والله يشهد أنني لن أقنعــــــــــــا
رحمه الله ما كان أوفاه. مات في الخامسة والعشرين من سنه ولو مد الله من عمره لكان من نوابغ سورية في الأدب والشعر.

في مصر
في مصر، فتحت مجلة سركيس صدرها لقصائدي ووصلتني بطائفة من الأدباء: مطران، انطوان الحميل، بركات، الدكتور محمود ثابت،  واحمد زكي باشا سكرتير مجلس الوزراء يومئذ. وكان بوسعي إغناء ثقافتي العربي بمجالستهم مساء بعد الفراغ من عملي التجاري كما كان متاحا لي التأدب بالمطالعة ساعات الليل لأن ذلك العهد كان العهد الذهبي للأدب العربي في مصر، وفيه بلغ الشعر أوج مجده وراجت سوق عكاظ رواجا فريدا بهمة سليم سركيس، فكنت أحضر مهرجانات الشعر وحفلات تكريم لشوقي وحافظ والريحاني ومطران. ومرة دعيت إلى إلقاء قصيدة في إحدى الحفلات، وشعرت بأني لو عقلت، لأوجدت لنفسي حيثية أدبية في ذلك المجتمع الراقي، ومع الأسف كان طيش الصبا مسيطرا علي، وكان إغراء اللذات أشد وأقوى من تلك الحوافز الأدبية. فصرفني عن مجالس الأدب، فأخفقت شاعرا كما أخفقت تاجرا.

في فنزويلا
اختلف الوضع في فنزويلا بل انقلب إلى عكسه، وجدت نفسي في دنيا عجيبة موحشة أنا فيها الصوت العربي الوحيد بين مهاجرين عرب يترطنون بالإسبانية المستعربة، لا أثر لشيء عربي، كتاب، جريدة، ناد، جمعية، قنصلية، أو أي معلم آخر من معالم العروبة، بلاد شاسعة، واسعة، رديئة المناخ، قليلة السكان، فقيرة في الثقافة وفي العمران، تعيش على زراعة البن ورعاية البقر، لم تنصب عليها سيول النعمة من آبار البترول بعد. كان ذلك حينما دخلتها عام 1927، أما اليوم فهي في طليعة الجمهوريات الأمريكية ثراء وعمرانا وترقيا ومكانا دوليا، ومهاجرونا فيها تكاثروا فأصبحوا هيئة اجتماعية عزيزة الجانب، ترعاها سفارات عربية تمركزت في كراكس عاصمة البلاد منذ أعوام.
كان انتقالي من مصر وأوروبا إلى هذا المحيط حدثا مفجعا في حياتي، وزادني غما حال إخواني المهاجرين، أضاعوا لغتهم ونسبهم واعتنقوا الجنسية الفنزويلية لحماية كيانهم ومصالحهم حيث لا حكومة ترعاهم ولا راية تحميهم. ونظرا لقلة عددهم ولتفرقهم في أنحاء البلاد لم تتجاوز مساكنهم ومتاجرهم في حي واحد كما في بقية المهاجر الأمريكية حتى يتعارفوا ويتعاونوا. بل تشتتوا فرادى في أحياء الشعب الفنزويلي واندمجوا فيما بينهم كانت اللغة الإسبانية لغة الحديث.
هذه الظاهرة صدمتني في عاطفتي وفي آمالي. شعرت بقساوة الغربة وفداحة التضحية التي فرضت علي. لن أتقرب من إخواني المتأمركين ولن يطيب لي العيش معهم إن لم أنس لغتي وعروبتي وأخاطبهم بلغتهم الجديدة التي هي لي اليوم ـ كما كانت في مطلع هجرتهم ـ لغة العمل ولغة الأمل. إن لم أتعلمها فلا سبيل إلى الرزق.
كان في جيبي ما يقارب ثلاثمائة دولار تكفي معاشا لشهر واحد في الفندق، ونصب عيني أفق أربد سوف يكتنف حياتي ابتداء من الشهر التالي، ان رزقي موقوف على العمل، والعمل موقوف على اللغة، واللغة الإسبانية لا تكتسب في شهر واحد.
عندي قصائد وعندي حكايات
                     من يبيعني بها كلمات

جاء الفرج من كتاب توصية حملته إلى تاجر لبناني كبير اسمه الياس جرجورة، كان قبل هجرته مولعا بالأدب العربي تواقا إلى الشعر. ارتاح لحديثي وأحسن وفادتي ووعدني بعمل في متجره حالما أستطيع الكلام بالإسبانية. فلزمت غرفتي أدرس اللغة في كتاب، وكان الأصوب معاشرة الناس في الأسواق وتعود الكلام معهم تدريجا حتى أباشر عملي في متجر الحداد قبل أن ينقضي الشهر.
في منزل الياس حداد عرفت ابن أخيه نجيب حداد وهو شاب من مواليد مصر، كان قبل هجرته يشتغل في مكاتب السكك الحديدية في القاهرة، فصار معتمدا جوالا لشركة تجارية فر كراكس، ألفت بيننا محبة مصر وذكرياتها وأدت المعاشرة إلى ابتكار حل لمشكلي، كان من أغرب الحلول وأبعدها عن المعقول ولكن الضرورة حملتني على القبول.

في داخل البلاد
كان على نجيب حداد بحكم وظيفته أن يقوم كل عام برحلتين إلى داخل البلاد لاستيفاء ديون الشركة وعرض بضائعها على تجار القرى والدساكر، وذلك قبل فصل الأمطار الذي تنقطع فيه المواصلات بين المدن الساحلية والمدن الداخلية، ومعلوم أن مناخ فنزويلا استوائي لا يختلف فيه الصيف عن الشتاء إلا بأن الأول هو فصل الجفاف الطويل، والثاني هو فصل الأمطار القصير، ولم تكن في داخل البلاد طرق معبدة للسيارات، بل ممرات تتمهد من كثرة السير في أثناء الصيف وتغيب معالمها في أثناء الشتاء تحت السيول الجارفة والمياه الراكدة فتمتنع الأسفار إلا على ظهور الخيل والبغال في شهور حزيران وتموز وآب.
كنا في مطلع نيسان، ونجيب حداد على أهبة السفر منذ أول آذار وسيارة الشحن مهيأه تنتظر ابلال سائق الشركة من مرضه حتى تنتقل بنجيب وحقائبه وصناديق المساطر إلى محلات العملاء في أقاصي البلاد، فإن طال مرض السائق شهرا آخر استحال السفر وتعطلت مصالح الشركة، لذلك خطر لنجيب أن يسألني إن كنت أعمل بنصيحته وأحل محل السائق المريض في قيادة الكميون حتى نقوم بالجولة التجارية معا وبأسرع وقت، فقبلت بعد التفكير والتردد في ليلة أرق ونحيب.
إذا لم يكن غير الاسنة مرك
                        فما حيلة المضطر إلا ركوبها

وجدت ان للمشروع مزايا عديدة، أولا أتمرن على الحديث بالإسبانية مع أهل البلاد الذين لا أخالط غيرهم مدة ثلاثة شهور، ثانيا أدرس جغرافية البلاد والمراكز التجارية فيها، ثالثا أتعلم أساليب التجارة وأنواع البضاعة الرائجة، رابعا: أقبض راتبا عدا نفقات المعيشة وأعود من الرحلة رأسا إلى العمل المقرر لي في متجر الياس حداد. بهذا المشروع تنحل مشكلتي واشق طريقي إلى ميدان التجارة في فنزويلا لا بفضل عقلي وذكائي وأدبي وعلمي، ولا بفضل تمرسي السابق بالتجارة، بل بفضل المامي بقيادة السيارات، وكان يغربني أن أرى أمثالي من المهاجرين الجدد يفتتحون جهادهم بحمل الكشة على  أكتافهم والسفر على أقدامهم والتفاهم مع أهل البلاد بالإيماء والحركات، اقتضائي الاستعداد للسفر أسبوعين، أولا للحصول على رخصة القيادة من دائرة السير بعد امتحان عسير وفحوص طبية. وثانيا لشراء جهاز جديد من الملابس الملائمة للمهنة اسوة برفيقي نجيب، بدلا من ملابس الجوخ والحرير. وثالثا لتجديد شباب سيارة الشحن بمعالجة ميكانيكية لقلبها التعب. وفي اليوم العشرين من نيسان 1927 نفخنا في صدر السيارة وسرنا على بركات الله نضرب في مناكبها.
ويعاني الأستاذ صيدح في هذه الرحلة المصاعب والمتاعب والألم إلى أن يقول على هذه الوثيرة من الكفاح والعذاب قطعنا في ثلاثة أيام ثلث المستنقعات التي تفصلنا عن ساحل البلاد الشرقي، وفيه مدينة برسلونة الزاهرة، دخلناها حامدين الله تعالى الذي أبقى على رمق فينا، ولم نبال بالشحوب المرتسم على وجوهنا والسقم العالق بأجسامنا:
مشيناها خطى كتبت علينا
                        ومن كتبت عليه خطى مشاها

في برسلونة تركت رفيقي نجيب يعالج شؤونه التجارية وركبت الباخرة عائدا إلى العاصمة فبلغتها في آخر حزيران وفي جيبي 200 دولار جديد، وفي بدني ثلاثة أمراض وبيلة، فضلا عن خسارة عشرة كيلوات من اللحم والدم. لم أتسلم عملي في محل اليأس حداد إلا بعد شهر من الراحة والمعالجة وكان طبيبي مواطن دمشقي يعرنفي من مدرسة الاسية ويتوجع لمصيري، اسمه الدكتور جورج طحان (ابن عم البطريرك السابق) هو الذي عالجني وشفى ما يستطاع شفاؤه من علتي مجانا لوجه الله. فكافأته بأن أنعمت عليه طبيب جنابي الخاص، وبأن توسطت لدى فارس بك الخوري لكي ينعم عليه بمنصب قنصل فخري لسوريا في فنزويلا.
ومنذ ذلك الحين، أخذت أشق دربي إلى النجاح

الإنقاذ
شيئان أنقذاني من الموت الأدبي، الأول كانت الأسفار التي اقتضتها أشغالي إلى نيويورك وسان باولو وبونس أريس حيث الجوالي العربية كبيرة، والحياة الأدبية نشيطة، هناك مجالس للأدباء انتعشت فيها قريحتي وتغنيت بالشعر في عشر قصائد، ولا أذكر أسفار إلى كولومبيا لأن حال الأدب العربي فيها كان أسوأ من حاله في فنزويلا، والثاني كان انعتاقي من التجارة قبل أن أبارح كراكس بأربع سنين، فمنذ عام 1942 أخذت بتصفية أشغالي وجميع أموالي وتبذيرها، في هذه السنين نظمت لنفسي ولوطني ما يزيد على ثلاثين قصيدة تجدها في ديوان «النوافل».

كتبي الأخرى
وإضافة إلى «النوافل» الذي صدر عام 1947 هناك كتب أخرى وهي: حكاية مغارب (عام 1960) و: أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأمريكية (عام 1965) ومن ذكرياتي مع أدباء المهاجر: شخصيا لم أعرف جبران ولم أعرف نعيمة إلا في لبنان، ولم أعرف الريحاني إلا في مصر، ولكن اتصالي برفاقهم في الرابطة القلمية بنيويورك كانت شخصية، ومثلها كانت اتصالاتي بعشرة أدباء آخرين من خارج الرابطة، فكنا نلتقي في فترات قليلة متباعدة حينما أزور نيويورك ونتراسل عن بعد من حين إلى حين، ولما تواترت أسفاري إلى نيويورك ابتداء من عام 1929 كان جبران قد انتقل إلى رحمة الله، ونعيمة استقر في بسكنت، والريحاني في الفريكة، فلم تتوثق صلات المعاشرة والمراسلة إلا مع إيليا أبو ماضي من أدباء الشمال. أما أدباء الجنوب في البرازيل والأرجنتين بنوع خاص، فقد عشت بينهم وعاشرت كل فرد منهم تقريبا، وعرفت أحوالهم وسيرتهم على مدى السنين بطبيعة الحال، دون أن أتعمد البحث والاستطلاع، فجاءت دراساتي عنهم أوسع وأعمق، وقد أصاب نعيمة بقوله: إني كنت متعبا في كتابتي عن أدباء الشمال، ومستريحا في كتابتي عن أدباء الجنوب.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here