islamaumaroc

في عالم القصة

  دعوة الحق

العددان 101 و102

لا أحد اليوم يجهل الدور الذي يلعبه الفن القصصي في التعبير الأدبي، وإذا كان ثمة زمن ينظر فيه إلى هذا اللون الأدبي بمنظار الانتقاص والازدراء، فإن هذا الزمن قد ولى منذ أمد طويل بالنسبة للقصة القصيرة، ولنتصور ذلك يكفي أن نذكر ما قاله تشيخوف في سنواته الأخيرة لأحد الكتاب الشباب: إنكم أحسن وضعا في بدايتكم، منا في في بدايتنا، كنا نكتب ولا نجد من يقبل على قراءتنا، أما أنتم فقد تيسرت لكم السبل. بيد أن الفن القصصي مع كل ما يبدو من سهولة الاطلاع عليه ومطالعته، يحتاج إلى تكوين خاص لا من المؤلف بل من القارئ. وكما يقال: فإن القارئ مؤلف جديد، أو هو مؤلف بالقوة، إن لم يكن كذلك بالفعل. والقارئ الممتاز لابد أن يكون مؤلفا بالفعل مهما تباين تأليفه وهو ينتهي من القصة، لتأليف المؤلف الأول. وإذا كان القارئ يحتاج إلى تكوين خاص للإفادة من القصص، وتحويل المتعة الفكرية منها، فإن إنارة بعض جوانب العمل الأدبي ضرورية وبقدر ما هي كذلك بقدر ما يجب أن تكون هذه الإنارة أصيلة، وهذا ما يدعو إلى تتبع خيوطها في أحاديث كتاب القصة أنفسهم، لا النقاد فحسب. لأن الناقد في غالب الأمر يشرح العمل الأدبي من خارج، وليست معاناته أو تعاطفه، مهما يكونا عميقين إلا من الدرجة الثانية. وبالإضافة إلى ذلك فإن عمل الناقد في الغالب، يكون مشبعا بروح مدرسية، فلابد له من المقارنة والتحليل وتدعيم موقفه بما عنده من معارف أدبية، بينما حديث كاتب القصة، أقرب إلى البراءة والسذاجة لاعتماده على التعاطف بالدرجة الأولى. وقد اخترت هنا حديثين لكاتبين من مشاهير كتاب القصة في عصرنا، واخترت أيضا يكون أحدهما من كتاب القصة الطويلة أو الرواية، والآخر من أصحاب القصة القصيرة، كما ارتأيت أخيرا أن يكونا من بلدين متخالفين في المزاج والاتجاه الأدبي فيما هو متداول بين الناس. فالكاتب الأول هو: «كلود سيمون» الفرنسي والثاني هو: «يوري كازاكوف» السوفياتي من كتاب القصة القصيرة بل أحد كبارها في الاتحاد السوفياتي حاليا. وقد نشرت كلا من الحديثين الأسبوعية الفرنسية: « Les lettres françaises » على التتابع في عدديها المؤرخين بـ 13 أبريل 1967 و16 مارس 1967.
ويشرح كلود سيمون في حديثه هذا (الذي جاء بمناسبة نشره لإحدى قصصه أخيرا) علاقة الأدب القصصي بالواقع، وعلاقة الكاتب بشخصياته، ودور اللغة والتكنيك القصصي الحديث وعلاقته بالقواعد الكلاسيكية للقصة... وبالطبع فإن كل ما يعرضه قابل للنقاش، لأنه لا يعدو أن يكون انطباعا شخصيا، أو فهما خاصة لفن القصة. ولكنه على كل حال مدخل مباشر للتحليل القصصي.
واضح أن الفن القصصي كغيره من الفنون، يتمرد على القوانين والقواعد، وحتى الذين يسلمون بضرورة هذه القواعد والقوانين فإنهم لا يرتضونها من حيث تصميم أساسي للعمل الفني، وإنما هي في نظرهم للاطلاع، أي أنها تدخل في ما يكون الثقافة الفنية للكاتب والقارئ أيضا. وأهم عناصر القصة (مهما تكن الرؤيات المختلفة في هذا المجال) هي: الحدث، والشخصية والزمان والمكان. واجتماع هذه العناصر هو ما يطبع العمل القصصي بطابع الواقعية. بيد أنها واقعية خاصة أو واقعية فنية قبل أن تكون واقعية موضوعية. فالزمن الروائي ينظم أحداث القصة نظما فريدا، لا توجد عليه هذا الأحداث في ما جريات الحياة المعتادة، التي نسوقها باستمرار. ويقول كلود سيمون بهذا الصدد: «ان الوقائع بالمعنى المألوف، بالمعنى الذي نفهمه في العادة، والذي يجعلها متعاقبة حسب ترتيب معين، يوازي إيقاع دقات الساعة؛ هذا المعنى ليس هو ما نعثر عليه في عمل الكاتب القصصي، بل إننا لنجد ترتيب الوقائع المعتاد قد انقلب رأسا على عقب» وهذا القلب للأحداق أو هذا الانقلاب، الذي يلمح إليه هنا، يرجع إلى القوى الخلاقة في الكاتب التي تعتمد في أسسها الذاكرة والخيال، أي استدعاء الماضي أو استحضاره من جهة، وخلق صور جديدة أو نظم الصور القديمة في صور جديدة من جهة أخرى. وبتكامل هاتين القوتين قوة الذكر (بالضم) وقوة التخيل، تبدو الأحداث الماضية، السعيدة وكأنها حدثت الساعة أو بالأمس القريب، وتلتحم هذه الأحداث الماضية البعيدة، بأحداث الزمن القريب، وتتداخل تداخلا عميقا، يعبر عن الخلق الفني الجديد الذي لا يشابه القديم ولا الجديد فهو لا واقع بالمعنى المعتاد، ولكنه واقع بالمعنى الفني، واقع ولا واقع يمتزج فيه التاريخ (بمعنى خاص) بالتنبؤ، وتلك خلاصة عملية الإبداع الناجحة، التي تنبع من معاناة الكاتب. وبين فعلي الذكر والتخيل، هناك فعل التداعي، تداعي الصور والفكر (بفتح الكاف) والأحداث، وهو القوة الجامعة التي تربط الأحداث. ويشير سيمون إلى دور التداعي هذا عندما يقول في حديثه. «أما ما يجمع بينهما (الأحداث) من ضروب التداعي فهو المشابهات المعطاة، من قبل الحساسية» ولسنا مضطرين لأن نقبل التداعي في هذا المعنى الضيق الذي يقتصر على المشابهات، فالتداعي من الوجهة السيكولوجية، لا ينشأ عن المشابهات، فالتداعي من الوجهة السيكولوجية، لا ينشأ عن المشابهات فحسب بل أيضا عن المفارقات، وضروب التباين، بل ما هو أكثر من ذلك فإن لنا أن نفترض أن التداعي في العمل الفني غير محدود بالصور المقارنة، أو المقترنة، سواء كانت تشابها أو تباينا، بل هو فعل خلاق، وبهذا يكون له سره الخاص، الذي هو سر جميع القوى المساهمة، في عملية الإبداع. أما الحساسية Sensibilité التي يذكرها سيمون، فهي أيضا ليست إحساسا معتادا، بل إحساسا مرهفا، أقرب ما يكون إلى الشاعرية، انفعال سامي، يتركز في اللقطة الفنية للكاتب، أو ما يعبر عنه بزاوية الرؤية.
وليست الذاكرة بدورها عند الكاتب القصصي محصورة في الطابع الذي نصبغه عليها كقوة نفسية لاستحضار الماضي فحسب، وهذا ما لم يغفل عنه سيمون في حديثه، إذ يقول: «ان ذاكرة الكاتب في العمل الروائي ليسن إيقاعية (أو توقيعية) Mélodiqur بل هي تنسيقية Harmonique ومعنى هذا أن وظيفتها لا تقف عند استرجاع الأحداث، حسب إيقاعها الطبيعية، بل هي تنسق بين هذه الأحداث تنسيقا خاصا، وتربط بينها ربطا لا عهد للاحداث به وحدتها واستنقطا بها لهدف واحد وأهداف محددة معينة هي التي يعمل الكاتب القصصي لبلوغها، وهذا التأليف بين الأحداث في وحدة فنية، هو ما يجعل الكاتب القصصي يتجاوز أحداثه الخاصة، إلى أحداث الغير، فهو لا يصور ذكرياته بالضرورة، ولا ينبغي له ذلك، بل أن مادته الأساسية عند الغير وفي الغير. وهنا دور الخيال مرة أخرى ولكن «تخيل تاريخ الآخرين إنما هو تذكر الكاتب، وبراعة الكاتب هي في هذه القدرة على استيعاب واقع الآخرين، والتعاطف معه، إلى درجة يصعب معها التمييز بين ذكرياته وذكرياتهم، أو وضع حد فاصل بينهما. فالنتاج القصصي تركيب فني لاحداث عالمية، تنعكس على صفحة الأنا، بشتى الكيفيات.
ومن المشاكل التي تثار بصدد العمل القصصي، دور الرمز الكامن وراء الحدث. فهل يجب أن يكون ثمة رمز بالضرورة؟ وهل من حق القارئ أن يكتشف بوسائله الخاصة هذا الرمز؟ وإلى أي حد يكون الكاتب مسؤولا (من الوجهة الفنية الخالصة) عما يكتشفه القارئ؟ هذه كلها أسئلة في هذا المجال، وكثيرا ما يسأل الكاتب ماذا تعني بهذه الشخصية أو تلك؟ والأجوبة متعددة، حسب طريقة كل في الكتابة أو في المطالعة. ويجب أن نثبت هنا أن الكاتب الروائي لا يعرف أو يتظاهر بأنه لا يعرف ما ترمز إليه شخصياته، وفي ذلك طبعا إعناء لعمله، لأنه يستمر بذلك محط تأليفات جديدة من جانب الغير، قد تكون أعمق بكثير مما رمى إليه. وبهذا الصدد يقول كلود سيمون: «هذا ما لا أعرفه (أي دلالة شخصيته عما وراءها) ويجب ألا يبحث القارئ عن رموز فيما أكتب ولا عن دلالات، فليس هناك إلا ما أكتب، فأنا أظهر الأشياء كما أحس بها»، وهذا موقف مألوف من كتاب القصص إذ المفروض أن كاتب القصة، لا يخرجها إلى القراء، إلا وقد اكتملت، أي أن يكون قد عبر فيها عن كل ما يريد التعبير عنه، فليس من المقبول ـ فنيا ـ أن يضيف بعد ذلك شيئا على طريقة تقريرية. ولقد عبر «أوسكار وايلد» عن ذلك عندما قرر في مقدمته لقصة «لوحة دوريان جراي» أن من يحاطر وراء استكشاف الرمز إنما يخاطر على حسابه الخاص.
ونأتي إلى دور اللغة في القصة أو على الأصح الحوار، لأنه مشكلة أساسية، وهي تتخذ طابعها حسب كل لغة. والجانب الذي يهمنا من حيث أننا متكلمون بالعربية، لا يكشف عنه هذا الحديث، وان كنا نلاحظ أن مشكلة الحوار لم تعد حادة بالشكل المفتعل الذي كانت عليه في بداية الأدب القصصي في العربية في العصر الحديث، ويمكن أن نقول أن مشكلة الحوار قد وجدت حلها ويتلخص في أن مهارة الكاتب ليست فقط (ولعلها لم تكن ولن تكون أبدا) في فتح أفواه الشخصيات بما يمكن أن تنفتح به في الحياة المعتادة، بل في جعلها تنفتح بما ينسجم مع السياق القصصي الذي تحوم فيه، أي أن النظرة هنا نية قبل أن تكون موضوعية. بيد أن كلود سيمون يتحدث عن جانب محدد في الحوار، عن نقطة معينة، هي هذه التي تتعلق بالحوار المتقطع الذي يعمد إليه بعض الكتاب ـ وهو منهم ـ فذلك قد يوحي بالعجز عن التواصل وربما أوحى بتقطع الحياة النفسية للشخصية، ورأي سيمون بهذا الصدد أن الحديث الروائي أو الحوار يدل على ضرب من التواصل « Infra langage » لا تعبر عنه اللغة المعتادة، ولهذا يعمد الكاتب إلى الإيحاءات التي من شأنها أن تأتي بالكلمات ملونة تكملها المقاطع. وكأنما يهدف الكاتب بهذه العملية إلى خلق بديل عما يواكب المحادثة العادية ويكملها من حركات عضوية، ومقاطع صورية ونظرات متبادلة.
ولا ننهي هذا الحديث الخصب قبل أن نقتطف ما ينير جانبين هامين من جوانب الكتابة القصصية أحدهما يخص القارئ، والثاني يتعلق بالكاتب. بالرغم من أن هذين الطريقين لا ينفصلان في الحياة الأدبية عامة، والقصصية بوجه خاص. أما الجانب الذي يتعلق بالقارئ، فهو إذا كان القارئ حرا في أن يفهم ما يشاء من أحداث القصة دون أن يتحمل الكاتب مسؤولية ذلك، فإلى أي حد من حق الكاتب أن يرد على ما يخرج به القراء من كتابته أو مايؤولون به كتابته خصوصا إذا لم يكن راضيا عن ذلك التأويل. ان هذا المشكل بالرغم من أهميته بسبط وربما كان زائفا. فمنطقيا نرى أن الكاتب لا يملك الحق في الانزعاج على ما يفهم من كتابته مادام يعتبر نفسه غير مسؤول عما يفهم منها، ويرى كلود سيمون بهذا الصدد: «ان كل قارئ يقع تحت تأثير مظهر واحد في الكتاب» ومعنى هذا أن عملية «إسقاط» تحدث أثناء المطالعة، ولهذا ينفعل القارئ بجانب واحد ـ غالبا ـ هو الذي يلائم جزءا من ذاته، فيصبح القارئ تحت هذا العامل، وكأنه يرى ذاته في الكتاب، ومع وفرة القراء تكثر هذه الجوانب «المسقطة» فتؤدي إلى اختلافات أو توافقات في فهم العمل القصصي، ولهذا يمكن للقارئ ـ أي قارئ ـ بإعادات متكررة لقصته، أن ينفعل كل مرة بجانب جديد في القصة، وخاصة إذا كانت فترات المطالعات متباعدة. وهذا معروف في حياة الكتاب أنفسهم عندما يقرأون لغيرهم.
الجانب الثاني الذي يتناوله كلود سيمون في هذا الحديث يتعلق بالدافع الذي يجعل الكاتب يكتب. وهذا المشكل موضوع منذ القديم والأجوبة عنه متعددة، وليس فيها قول فصل، أما رأي سيمون هنا فهو لا يختلف عن الرأي الكثيرين من الكتاب فالحاجة إلى الكتابة عنده حاجة إلى العمل، كما أن: «الرغبة في الكتابة تأتي كما تأتي الرغبة في التصوير للفنان الذي يعمد إلى رسم لوحة». ويستعير هنا جواب «نوفاليس » عن سؤال وجه إليه: ما هو المؤلف؟ فكان جواب «نوفاليس»: «أن الهدف الأساسي للمؤلف هو أن يكون مؤلفا!» وإذا كان سيمون ربما لم يوفق في قوله أن الحاجة إلى الكتابة هي حاجة إلى العمل، فإننا نرى أنها حاجة إلى التعبير، إلا إذا كان المقصود أن العمل كالبناء والحراثة هو أيضا تعبير.

مع القصة السوفياتية المعاصرة
تجد خير معبر عن الاتجاه القصصي السوفياتي الحديث، وخاصة عن القصة القصيرة، في الكاتب «يوري كازاكوف» وإن لم يكن وحيدا، بالطبع يوجد كثيرون نذكر منهم: باوستوفسكي وجوبارتوف، وبالنكو.. إلا أن لأدب كازاكوف ميزته الخاصة، وهي ما يكشف عنه هذا الحديث، الذي كتبه عنه جان كوجار1. وقبل أن نستعرض أهم جوانب هذا الحديث، يحسن أن نتعرف على هذا الأديب، الذي لا نعلم أن بعض أعماله قد نقل إلى العربية، بالرغم من أنه ترجم إلى كثير من اللغات الأوروبية. كازاكوف من مواليد 1927، من أسرة كادحة، وقد تخرج من إحدى مدارس الموسيقى سنة 1951، ومن هناك التحق بإحدى الفرق الموسيقية، وبدأ أعماله الأدبية سنة 1953 عندما قبل بالمعهد الأدبي (غوركي). وأثناء دراسته لم يكتب إلا قليلا، إلا أنه كان يقرأ كثيرا جدا. وهو يقوم بأسفار عدة في عطلاته، تغنيه بمادة الكتابة. بدأ كازاكوف ينشر إنتاجه منذ 1957 في المجلات الدورية، وبعد ذلك بحوالي سنة بدأ يطبع مجموعاته القصصية منها (المحطة الصغيرة، في الطريق، الأزرق والأخضر...) وجل قصصه مترجم إلى الفرنسية وغيرها. وقد زار فرنسا أخيرا، والحديث الذي نشره عنه جان كوجار كان بهذه المناسبة.
ومما جاء في تقديم كوجار لهذا الكاتب قوله: «ان قارئ كازاكوف يعرف بأي أحكام وبأية مهارة وحذق، يبعث مؤلف (المحطة الصغيرة وقصص أخرى) أعظم شيء من لا شيء وكيف يلتقط الدقائق الفرارة، بما لا يدرك بالحس، وكيف أن هذا العملاق الطيب اللين الجانب، يتوفر على أصابع لا تقهر. فليس هناك من يضارعه في قدرته على الإيحاء بالعلاقات الخفية التي تمتد وتنقطع وتتجدد بين الإنسان والطبيعة، وبين الاحياء جميعا. وبالوسع أن يتحدث المرء هنا، وهو يقرأ كازاموف ـ عن الرسم أو عن الموسيقى. فكل لمسة أو نغمة تضيف إلى المجموعة عديدا من العلاقات. أن نثر كازاكوف، الذي لا يمت إلى الأسلوب الخطابي بصلة، يرتعش تماما، بالطريقة التي يرتعش بها اللون على قماش المصور».
وقد تعرض كازاكوف إلى رأيه في القصة القصيرة، وهو الذي لم يكتب إلا في نطاقها، فجاء رأيه مؤيدا لآراء كثير من المهتمين، بهذا اللون الأدبي. فالقصة القصيرة ليست من السهولة بالقدر الذي يظنه كل من يحاول الكتابة فيها. والخطأ الكبير آت من أن الناس، يزنون القصة القصيرة وزنا كميا، فينظرون إلى مسافتها الصغيرة أمام الرواية مثلا أو أي كتاب تحليلي آخر، فيستهينون بشأنها، بينما هي في الحقيقة عمل تركيبي دقيق متعدد الصعوبات. والقصة القصيرة لكل ما تقدم لم تأخذ بعد مكانتها اللازمة عند الناس. وهذا الرأي في القصة القصيرة موجود في الوسط الأدبي الفرنسي أيضا، وقد أشار كازاكوف إلى هذا وقارنه بوضع القصة القصيرة في الاتحاد السوفياتي: «إني أعرف أن القصة القصيرة، لا تؤخذ بعين الجد في فرنسا، وهذا يماثل الوضع التي كانت عندنا قبل تشيخوف الذي اقتحم الطريق، واعتقد أن كتاب القصة القصيرة مدينون له بالشيء الكثير». أما عن الصعوبة الفنية في القصة القصيرة بالنسبة إلى الرواية فتلخص في أن «الموضوع فيها مكثف، بينما المجال الفني متسع في الرواية.» والمقارنة التي توضع في العادة بين القصة القصيرة والرواية تضع سؤالا رئيسيا يتجاوز الشكل أو النظرة الشكلية للموضوع من حيث أنه يطول أو يقصر، ويضع على بساط البحث القيمة الإنسانية، لكل من القصة القصيرة والرواية. فكاتب القصة القصيرة مدفوع إلى الاقتصار وإلى التركيز، إنه يقدم «شريحة طولانية» معمقة.. وغير ذلك كاتب الرواية الذي يكتسح كل الأبعاد. أفلا يقال هنا أن العمل القصصي القصير أقل شمولا، وبالتالي فهو يفتقد النظرة الإنسانية التي من أولى خصائصها الشمولية؟ يصعب جدا أن يجاري المرء هذه الخواطر لأن النظرة الإنسانية لا تربط باتساع المجال الفيزيائي أو الهندسي، بل الأفق المعنوي. وزاوية الرؤية التي يختارها الكاتب سواء في القصة القصيرة أو الرواية، هي نظرته الإنسانية. ولا ننسى أن عدة قصص قصيرة تكون نظرة متكاملة إنسانية، تعادل النظرة الروائية. وهذا ما ألبته كازاكوف مستشهدا بقصص تشيخوف، الذي لا يقل في نظرته وشموليته عن كتاب الرواية. وهذه المقارنة بين القصة القصيرة والطويلة تقودنا إلى محاولة تحديد أو تعريف كل منهما، وهي مشكلة صعبة خاض فيها الكثيرون. أما فيما يتعلق بالأقصوصة الروسية، فإن كازاكوف يعترف بأنه في الوقت الراهن يصعب وضع حد أو تمييز بين الأقصوصة الروسية والغربية، بالرغم من أهذا اللون الأدبي وجد طريقه
الأول في روسيا، ويجمل كازاكوف اتجاه القصة السوفياتية الحالية في أن قارئها غير مشدود ضرورة، إلى القصة بسير الأحداث ولا بالمفاجأة المنتظرة، بل ان قوة القصة القصيرة في روسيا هي في عوامل أخرى. إن ما تعرضه القصة السوفياتية لجد قليل وغير ذي أهمية: «الشمس تشرق... الشمس تغيب... رجل يسير في الطريق». بيد أن الأهمية كلها في العالم الداخلي للبطل، في توتره الداخلي.
إن كازاكوف فيما ذهب إليه من اعتماد القصة القصيرة السوفياتية على العالم الداخلي، لا يتحدث عن قصصه بالذات بل عن غيره من الكتاب. وهذا يبرز جانبين في هذه القصة فهي بهذه البساطة المتناهية تعد امتدادا لقصة تشيخوف، وتمتاز عنها عند كبار الكتاب بعمق التحليل للعالم الداخلي للشخصية. والحديث عن القصة السوفياتية حاليا بجعلنا نفكر في الأدب الروسي عامة. فقد طغى الالتزام أو على الأصح التوجيه على هذا الأدب في هذا القرن، والقصص السوفياتية على الجملة تهتم بقضايا المجتمع، كما يراها الاتجاه السياسي والاقتصادي العام. والواقع أن هذا الحكم لا يصح على كل الأدب الروسي وعلى كل الكتاب، وكازاكوف من هؤلاء الذين لا ينطبق عليهم ذلك، لا لأنه يقول ذلك، بل لأن ذلك ما تشهد به آثاره فهو يتناول في قصصه موضوعات الحب والسعادة والحزب... وهذه جملة من الموضوعات التي لا يرتاح لها المتعصبون، ويرون فيها خروجا عن الالتزام، ونكوصا إلى الذاتية الفارغة ويصف كازاكوف هذه المرحلة التي ظل الأدب السوفياتي فيها خاضعا للتوجيه الصارم فيقول أنها انتهت منذ سنوات، وأن الأدب السوفياتي في تلك المرحلة اكتسى طابع الابتذال، فالنداء الذي كان يتعالى حول الأديب باستمرار هو: «انك سوفياتي، فعليك أن ترسم الحقيقة السوفياتية لقرائك، عن طريق الأبطال الإيجابيين». هكذا كانت الأوامر تصدر إلى الكتاب، إلى أن تغييرا أساسيا قد وقع وأصبح بإمكان الأديب، أن يعبر عن إنسانيته على نطاق أوسع. ويتحدث كازاكوف عن الازدراء الذي تعرضت له قصصه أول الأمر، لخروجه عن المفاهيم الضيقة للالتزام، إلا أن كتبه ترجمت إلى لغات أجنبية، وتوطدت مكانته الأدبية، فأقبل عليه النقاد بعد اعراض، وأمكنهم بعد ذلك أن يولوه حقه من التقدير والاهتمام.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here