islamaumaroc

لماذا نريد الإسلام ؟ -2-

  دعوة الحق

العددان 101 و102

وكان من سوء حظ المسلمين ان احتلت بلادهم واستعمرت من طرف هذه القيادة الفاسدة، التي وضعت المخططات الدقيقة والشاملة لتسميم الأفكار، وشل الإرادات وتعويق كل انطلاق او تحرر، مما الدى بعالمنا الاسلامي إلى ان يتيه في مناهات مصنوعة للبحث عن أي سبيل يفضي به إلى استراداد كرامته، وتحرير اقتصاده، ورفع مستوى شعوبه، واللحاق بالأمم الراقية، وفي ظلام هذه المتاهات، وبدافع النزعة إلى السهولة ظن بعضهم ان مجرد التقليد، واستزاد الحلول، واقتراض الاراء، والاندفاع الاهوج لتطبيق مثل الآخرين ونظمهم كفيل بإنقاذ امته وجعلها في اعداد المتحضرين دون ان يشعر بالمتاهات التي طوق داخلها، وأريد له ان يشعر دائما بأنه حر فيها، ليظل الحل الحقيقي لمشكلته بعيدا مناله، ولتحتد الخلافات بين المسلمين حول الحلول، فتدفعهم على التدابير والتقاطع والتباغض والاقتتال. ولا تقتنع مؤامرات الاستعمار بهذا النصر بل تعمد إلى «تلقين» البعض مبادئ ومذاهب جاهزة مموهة ببريق شعارات مخدرة تستثير الحماس دون ان يكون لها أي رصيد من الاستجابة الحقيقية لمطامح الشعوب واهدافها. وبعد جيل اوجيلين يكون الانحراف قد تقعد وأصبح مناط الآمال واكتسب «القداسة» منزها عن كل عيب، وهكذا يحاط بسياج من المحافظة وهالة من الكبار. وهذا ما حاول أعداء الشعوب الاسلامية الوصول اليه بمؤتمرات المتلاحقة منذ احقاب..
ولكن تلك المناهات لم تستطيع ان تضم بين أسوارها وسراديبها طائفة واعية من المسلمين التي ادركت سر فشل العالم الإسلامي خلال قرن من الدعوة إلى التحرر وساعدت إلى التاريخ تستشيره وتستمد منه الحقائق، كما انكبت على دراسة المذاهب والأفكار المستوردة بكل عناية ودقة فاذا بها تجد ان الاسلام يكون تلك الشرارة الروحية التي اقتحمت على الجاهلية سدودها ففجرت في العرب طاقات روحية جبارة ووجهت هذه الطاقات لبناء اعظم حضارة عرفها التاريخ. وقد تطايرت هذه الشرارة المقدسة إلى اقصى المغرب واقصى المشرق لتصنع المفجرات الباهرة وليخرج شعوبا من الظلمات إلى النور ولتبعث فيها الحياة مفعمة بالاشعاع.
وإلى تلك الشرارة يرجع الفضل في البطولات الرائعة التي ابدتها الشعوب الاسلامية غداة احتوشها الاستعمار من كل جانب، ولم تعلن الاستسلام ابدا حتى تحقق لها النصر وطردته من بلاده شر طردة، وما تزال تتربص الدوائر بمن يحاول ان يحافظ على اعض مظاهره!
وقد وجدت هذه الطائفة المؤمنة انه كلما كانت صلات المسلمين بدينهم قويا كانوا اعزاء عظماء، وان أي تدهور يصيبهم ليس منشؤه سوى اضطراب في تلك الصلات، وضعف في علاقتهم به مما يجعل روح المسلمين معزولة عن «المحرك» الطبيعي الخالد لها، ويحول بينها وبين حركتها البناءة الهادفة.
فالاسلام في نظر كل مؤمن مخلص هو المنفذ الوحيد لما يتخبط فيه عالمنا الاسلامي الذي فقد سر دوافع حركته وفاعليتها، وضمرت فيه تلك الروح الوثابة المتحررة الفتي عرف بها في فترات عظيمة من حياته، وتبعا لذلك تمزقت شبكته الاجتماعية التي كانت تسلك الجميع في ضمير واحد، وهدف واحد، وارادة واحدة، وتجعله كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الاعضاء بالسهر والحمى يقول الفيلسوف مالك بن نبي:«ولقد اكدت الفكرة الاسلامية فيما مضى صلاحيتها في بناء مجتمع استطاع ان يؤدي نشاطه المشترك، بطريقة بالغة الدقة» ويرى انها قادرة على اعادة هذا البناء بنفس الدقة، ولا يصلح آخر هذه الامة الا بما صلح اولها، الا انه يجب العمل على تغيير جذري داخلي طبقا لقوله تعالى:«إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»
ومالك بن نبي ليس ممن يتطربهم الانشاء ويندفعون وراء الكلمات، ولكنه رجل علم يدرس الأفكار بصرامة وجدية ومنهاجية، ويخضع كل شيء لعقله الرياضي الدقيق ويستفيد من تجربته الشخصية في العالم الاسلامي والعالم الغربي، ولذلك كانت لفكرته قيمتها الكبرى التي يجب لن نستفيد منها قبل فوات الاران.
إذن فالإسلام هو مصدر حضارتنا في الماضي،وهو المعتمد في الإنقاذ في الحاضر والمستقبل؛ لانه نظام إنساني شامل عادل يستجيب لمطامح الإنسانية المادية والمعنوية، ويؤمن بالفرد إيمانه بالجماعة على نحو توازني رائع، يبث ذلك في كيان اتباعه بتوجيه الغرائز نحو المثل الاعلى عن طريق تنظيمها وتوازنها والتسامي بها من مستوى الانفرادية والنوعية ظغلى مستوى الشخصية التي ترتبط طبيعة، بالجماعية، وهذا هو الشرط الاساسي لكل نهضة او تقدم.
ومن مظاهر استجابة الإسلام محاجات الانسانية انه حفظ للانسان كرامته يوم اعلن ابطال عبادة غير الله من الأشخاص والأصنام والأشياء، لان في تلك العبادة امتهانا للعقل، وعصيانا للفطرة وقلبا للاوضاع، وكفرانا بالانسان نفسه. وقد دعا الاسلام اهل الكتاب لعقد ميثاق حفظ هذه الكرامة.
«قل يا اهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم الا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا ارباب من دون الله، فان تولوا فقولوا اشهدوا بان مسلمون».
وقد انتهر رسول الله (ص) رئيس وفد عامر بن صعصعة عند ما خاطبه:«يا رسول الله انت سيدنا وذو الطول علينا» قائلا له:
«السيد الله، لا يستهوينكم الشيطان»
ولتأكيد تكريم بني آدم استخلافهم في الأرض، وهذا الاستخلاف ليس محصورا في شخص واحد كالبابا أو طبقة معبنة كالاكليروس، وإنما هي مسؤولية وتكليف للإنسان جميعه، من اجل تعمير الأرض بإشاعة العدل وإقامة الحق ومحاربة الظلم، قال تعالى:«إن الله يأمركم ان تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، إن الله نعما يعظكم به أن الله كان سميعا بصيرا». يقول الشيخ ابن تيمية تعليقا على الآية«قال العلماء نزلت الآية في ولاة الأمور؛ عليهم أن يؤذوا الأمانات على أهلها، واذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، فهذان جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة»
وقد عرف سليمان الفارسي رضي الله عنه الخليفة: بانه لا ياخذ الا حقا ولا يضعه الا في حق»!!
والامة التي تحقق هذه الخلافة واهدافها هي التي يمتدحها الله بقوله:
«تلم الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا» وقد بعث الله موسى وعيسى والرسول صلوات الله عليهم لادانة انحراف الفراعنة والرومان والاكاسرة والعصبية المقيتة، وانتزاع القيادة من طفاتها لحفظ كرامة الانسان وصيانة نظام الله العادل.
ومن اسس هذا النظام العادل انه منبثق من الانسان نفسه وبارادته وباستشارته، وقد اثنى الله على الامة المتشاورة حيث يقول:
«وما عند الله خير وابقى للذين آمنوا... إلى ان يقول جل علاه: والذين استجابوا لربهم واقاموا الصلاة وامرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون».
ويقول ابو هريرة رضي الله عنه:«لم يكن احد اكثر مشورة لاصحابه من رسول الله (ص).
ولذا لم يشا الرسول صلى الله عليه وسلم ان يتدخل في ارادة اتباعه المؤمنين ويصرح بذلك في الحديث الشريف:
«لو كنت مؤمرا احدا دون شورى المسلمين لامرت (بتشديد الميم) ابن ام عبد (أي عبد الله بن مسعود)، وهذا حديث عظيم في بيان ديمقراطية الحكم الإسلامي. وقد تركز هذا المبدأ في ضمير هذه الأمة وأصبح مقدسا، وناضل دونه كثير من المسلمين، وعند ما تحولت الخلافة إلى ملك عضوض حافظ الأمويون والعباسيون ومن بينهم على شكلية البيعة التي هي صورة من الخضوع لإرادة المسلمين. فمبدأ شورى الحكم مقرر في الإسلام منذ فجره، والتفريط فيه تفريط في أهم دعائم الحكم الإسلامي، بل وفي الإسلام نفسه باعتبار ان الإسلام وحدة لا تتجزأ.
وكما جعل الاسلام المسلمين المرجع في الحكم ومصدرا للسلطة جعل الملل ملكا لهم وليس لاحد ان يتصرف فيه الا وفق مصالحهم وارادتهم، وهناك آيات وأحاديث في الموضوع يوردها البحاث وغيرهم على السواء لانها اصبحت مشتركة في العلم بها بين المثقفين كما كان يعرف هذا المبدا ويحافظ عليه الخلفاء الراشيدون ورعاياهم اقتداء برسول الله (ص) الذي توفى ولم يخلف شيئا من حطام الدنيا لاهله ومنع أن يورث، لأنه كان أبا للأمة جميعها، فالامة أولى بماله. وعندما قال الربيع بن زياد الحارثي لعمر بن الخطاب:«يا أمير المؤمنين أن احق الناس بطعام لين ومركب لين وملبس لين لانت» رفع عمر جريدة كانت معه فضرب بها راسه وقال:
«اما والله ما اردت بها الله، وما اردت بها الا مقاربي، هل تدري ما مثلي ومثل هؤلاء؟» قال:«وما مثلك ومثلهم»؟ قال:«مثل قوم سافروا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم فقالوا له: انفق علينا فهل يحل له ان يستاثر منها بشيء»، قال:«لا امير المؤمنين» قال:«فكذلك مثلي ومثلهم».
وكتب عمر رضي الله عنه لعامل له:«إن أعط الناس أعطيتهم وارزاقهم». فكتب إليه:«إنا قد فعلنا وبقى شيء كثير» فكتب إليه عمر:«انه فيؤهم الذي أفاء الله عليهم ليس هو لعمر ولا لآل عمر». وقد أبى الحكم بن عمرو بن مجدع عند غزوه خراسان أن يتصرف في الفئ حسبما أمره بذلك زياد بن أبيه وإنما رد عليه أن كتاب الله أحق من أن يتبع. وقال للناس:«اعدوا على فيئكم فاقسموه».
وفي الرسالة الرائعة التي كتبها سفيان الثوري رضي الله عنه لهرون الرشيد في شان عدم شرعية التصرف في بيت مال المسلمين إلا على أساس دستوري ووفق القرآن والسنة دليل على ان المال مال المسلمين، وهذا ما فهمه المسلمون على مر التاريخ.
ولم يعرف في تاريخ الإنسانية نظاما اهتم بالضمان الجماعي ووزع مال الأمة على الأمة مباشرة وبعدالة كنظام الإسلام، والأمثلة والشواهد التطبيقية كثيرة بحيث تصلح أن تكون موضوع رسالة جامعية، ولكن سنقتصر على ذكر بعض تلك الأمثلة؛ فلقد لبى عمر رضى الله عنه أن يقسم بعض الأراضي بين الفاتحين المسلمين بل جعلها ملكا للأمة المستمرة الدائمة، ورد على من اراد التقسيم قائلا:«إذن اترك من بعدكم من المسلمين لا شيء لهم، فقد اشرك الله المسلمين اولهم وآخرهم في هذا الفيء».
وفي حديث سوادة بن ربيع الجرمي قال:«اتيت رسول الله (ص) بأمي فأمر لنا بشياه، وقال لها: مري بنيك أن يقلموا أظفارهم أن يوجعوا أو يغبطوا ضروع الغنم، ومري بنبك ان يحسنوا غذاء رباعهم».
والمبدأ الأساسي هو أن الزكاة تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء، وكان رسل النبي (ص) يقومون بنشر الدعوة الإسلامية وتبليغها، فإذا اسلم القوم وسلموا صدقاتهم ردها على فقرائهم.
وقد طبق مبدا التكافل والضمان الاجتماعي في عهود الخلفاء الراشدين، ومنهم عمر بن عبد العزيز. وان التاريخ ليحفظ لنا اخبارا رائعة عن تلك المظاهر التطبيقية. فعمر رضي الله عنه يقول:«والله الذي لا اله الا هو ما من الناس احد الا له في هذا المال حق اعطيه او منعه، وما احد باحق به من احد الا عبد مملوك، وما انا فيه الا كاحدهم... والله لئن بقيت لياتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو مكانه.
وكان عمر رضي الله عنه يفرض للمنفوس مائة درهم فاذا ترعرع بلغ به مائتي درهم، فاذا بلغ زاده، وكان اذا اتى باللقيط فرض له مائة درهم وفرض له رزقا ياخذه وليه كل شهر ما يصلحه، ثم ينقله من سنة إلى سنة، وكان يوصي بهم خيرا، ويجعل رضاعهم ونفقتهم من بيت المال.
وقصة عمر رضي الله عنه مشهورة مع الام المرضع التي كانت تحامل فطم رضيعها رغبة في عطائه من بيت المال لان عمر كان يفرض الا للفطم، فلما علم ذلك عمر، ذهب وصلى الفجر، وما يتبين الناس قراءته من غلبة البكاء، فلما سلم، قال: يا بؤسا لعمر كم قتل من أولاد المسلمين! ثم أمر مناديا فنادى: إلا لا تعجلوا صبيانكم عن الفطام فانا نفرض لكل مولود في الاستلام، وكتب بذلك إلى الآفاق..
وان هذا الضمان الاجتماعي يشمل حتى الذميين باعتبارهم مواطنين في المجتمع الإسلامي. وعندما تعاقد خالد بن الوليد مع نصارى الحيرة على أساس نادية الجزية أعفى الضعفاء منها بل تكفل باعانة العجزة منهم من بيت مال المسلمين إذا لم تكن لهم مساعدة من اخوانهم، بعد ما كانوا يشهرون السلاح في وجه الجيش الاسلامي!!!
وقد طبقت هذه المبادئ بشكل رائع على عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز، وفي سيرته المشرقة ما يضيف صفحات لامعة لعهد الخلفاء والنبي (ص)، ففي خلافته المباركة اختفى الفقر والعوز واصبح المسلمون يعيشون في بحبوحة من الرغد والكفاية، يقول يحي بن سعيد:«بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات افريقية فاقتضيتها وطلبت فقراء نعطيها لهم فلم نجد بها فقيرا، ولم نجد من ياخذها مني؛ قد اغنى عمر بن عبد العزيز الناس، فاشتربت بها رقابا فاعتقتهم وولاؤهم للمسلمين».
وكان هذا الخليفة كمن سبقه من الخلفاء الراشدين يعتبر بان المال ملك للمسلمين ولا حق له او لاولاده فيه لذلك ابى ان يسلم لهم شيئا منه، وقد رد على من نصحه بان يترك لهم ما يدفع عنه شبح الفقر بعده قائلا:«فو الله ما ظلمتهم حقا هو لهم، ولم اكن اعطيهم شيئا هو لغيرهم»، في حين نراه يوزع هذا المال على اصحابه بالعدل، فيصيب كل مواطن حظه حتى انه جعل لكل مقعدين وكل زمنين غلاما بخدمهما، ولكل اعمى غلاما يقوده.
وعندما اجتمعت لدى عامله بالكوفة زيد بن عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب أموال بعد اعطية الجند امره بان يوزعها على من كان عليه دين في غير فساد، او من تزوج فلم يقدر على نقد، وكذلك على أهل الذمة لتقويتهم وإعانتهم على فلاحتهم.
وإنسانية الإسلام تنعكس ايضا على واقعيته وطريقة معالجته مشاكل الانسان، وواقعة الإسلام ليست انقيادا لمالوف ولا خضوعا لهوى ولا تملقا لعاطفة أو اعترافا بانحراف، وانما واقعيته تستمد عناصرها من النظرة العميقة لفطرة الكائن البشري، واستكناه طاقاتها وإمكاناتها، ومن ثم كان الاسلام انعكاسا لفطرة الانسان، وتقويما لسلوكه وتسديدا لانحرافه، ومعالم لسيره.
فالإنسان في نظر الإسلام هو ذلك الكائن المصوغ من مادة وروح، والمزود بالغرائز والعواطف والعقل، وفيه استعداد نحو الخير والشر معا، ولذلك كان خطاء بطبيعته، ولكن هذا الخطا قادر على التخلص من خطيئته والتحليق في أجواء الطهر وسماء الصفاء على أجنحة من التوبة والاستغفار، فيجد هنالك الله توابا رحيما. ولا تحوجه ارادة التوبة الركوع أمام بشر مثله، ذليل النفس منكسر الخاطر، يفضي إليه بإسراره، ويلتمس منه المغفرة بل يفتح الله له طريق التوبة مباشرة:
«وإذا سالك عبادي عني فاني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان».
وهكذا يشارك هذا الخطاء الملائكة في طهرها ويصبح اقرب إلى الله:
«كل بني آدم خطاء وخير الخاطئين التوابون»
هذه نظرة الانسان للاسلام باختصار، وعلى أساسها يعالج مشاكله. فالزواج مثلا، رباط مقدس، وعقد قيم تحوم في ظلاله على الزوجين أجنحة السكينة والأمن والسعادة «ومن آياته ان خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها»، فالزواج ليس سوى اعادة امتزاج نفسين في نفس واحدة، وفي هذا الامتزاج سكينة من ضجيج الحياة، وملاذ من أشباح القلق والاضطراب، ومن عناء العمل ومشاكله، ومن هذا الامتزاج تترعرع شجرة الحياة تمتد أغصانها المورقة افياء وظلالا، وغبطة وهناء في جزيرة السعادة الحالمة. ولكن هذا الرباط المقدس، ككل مظهر بشري، قد يتعرض على ما يزعجه ويوهنه، فينغص على النفسين سكينتها، وهناك تتحول الرغبة إلى اعراض، والرضا إلى سخط، والبسمة إلى عبوس، والأنفاس العاطرة إلى زفرات حزن وآهات شكوى، ويفرش العش الهنيء بالأشواك، ويتبدل الأس والياسمين إلى حنطل ودفلى. وهنا تعاند المثالية فترغم النفسين على استمرار الاتحاد في افتراق، والوفاق في شقاق، والسعادة في شقاء.
اما الاسلام فقد اباح الطلاق كحل ضروري وحاسم لوضع حد لحياة شقية بعد استعصاء غير انه ابعض الحلال إلى الله.
وها هي المثالية اليوم، تخضع وتبيح الطلاق في عدة جهات كما اصبحت تعترف بان الرهبانية خطا وتجيز زواج الرهبان مطلقا في بعض المذاهب وباذن في البعض الاخر!!
وتبدو واقعية الإسلام في إباحة التعدد، والتعدد كما هو معلوم مقيد، وللمجتهدين أن يستنبطوا من تقيد القرآن له ما يجعله يقوم بوظيفته الاجتماعية، أما هذا التعدد الذي نراه في بلاد المسلمين ففيه الكثير مما يجب منعه لما ينشا عنه من أضرار خطيرة، تزعزع كيان الأسرة، فالتعدد ليس ميدانا للعبث والتلاعب، وإنما هو استجابة لدرء مفسدة، تنشا حتما بدونه في بعض الأحوال، والفرق بين الإسلام والحضارة الغربية التي تدين هذا التعدد، هو أن التعدد في العالم الغربي يقع بشكل بارز وظاهرة شائعة، ولكن خارج القانون، وان الارقام المرتفعة للاولاد غير الشرعيين ليدل على ذلك.. اما في الاسلام فيقع التعدد داخل قانون. وهذا القانون في حد ذاته صارم.
وهكذا كانت معالجة الاسلام للنواحي المدنية والجنائية والاقتصادية وغيرها.
وأحب هنا ان اشير إشارة عابرة إلى قضية تمس الحياة الاقتصادية وهي سعر الفائدة أو النظام الربوي. فالإسلام سبق النظريات التقدمية التي تدعو لالغاء النظام الربوي لما فيه من استغلال الإنسان للانسان، وان سلاح هذا الاستغلال هو رأس المال الذي يطغي صاحبه فيستبد بالضعيف ويتحكم فيه، ويعبر القرآن العظيم عن ذلك بقوله:«إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى»، وكان تحريم الربا ادانة لليهود الذين لا يقتاتون إلا في جو هذا الاستغلال.
وها نحن اليوم نقرا ونسمع صيحات ترتفع هنا وهناك داعية لالغاء سعر الفائدة وللحد من سيطرة راس المال الذي أصبح غولا يلتهم القيم والمعاني الإنسانية النبيلة. وقد ألغت بعض الدول هذا النظام الفاسد، كما حاولت الاخرى ولكن محاولاتها باءت بالفشل بسبب مؤامرات اليهود والمتحكمين في المقدرات الاقتصادية، يقول احد أساتذة الاقتصاد الجامعيين: الدكتور عيسى عبده إبراهيم:
«إن الرأسمالية تاثرت بتعاليم اليهود الذين نشطوا إلى تنظيم المعاملات الربوية وحذفوها، ولإسلافهم فيها تاريخ طويل، وأمكن لليهود ان يتحكموا في الاقتصاد كله لمجرد تخصصهم في حركة المال السائل، واهم أداة لهذا التحكم نظام الفائدة، هذا النظام الذي هاجمه علماء متخصصون في الفلسفة والاجتماع والاقتصاد ولأرائهم وزن كبير... وذلك في البلاد الرأسمالية فضلا عن الجمهوريات الاشتراكية التي سبقت إلى إلغاء المعاملات بالفائدة وان كانت أبقت عليها في بعض المعاملات الدولية» ويستشهد بآراء الاقتصادي الانجليزي الكبير اللورد كنز الذي وضع الألغام من تحت أسس المعاملات بالفائدة. ويقول:«أما الاسلام فقد جاء باحكام متزنة تعترف بالملكية الخاصة، وتهذبها بفرض الزكاة وتحريم الفائدة وأية صورة من صور الربا. ولقد فهم اللورد كنز طرفا من عظمة الإسلام»، وهكذا نرى أن الإسلام يقيم تشريعاته ونظرياته على اساس درء المفاسد وجلب المصالح بالنسبة للانسان جميعه، وعلى اساس فهم عميق شامل كامل للفطرة والطبيعة البشريتين، دون التاثر أو الرضوخ لأي انحراف واقع، بل نراه يرفض هذا الواقع فيقاوم الانحراف ويقومه.
أما التشريعات الوضعية فانها تخضع لمسايرة الإنسان وترجمة حياته الواقعية وعكسها إلى قانون، ولو كانت شديدة الانحراف، من ذلك عدم اعتبار الشذوذ الجنسي بين بالغين بإرادتها جريمة في بعض بلدان الغرب، وإحاطة النظام الربوي بسياج من القانون، واعتبار اللون أو الجنس اساسا للتفرقة، والغاء الملكية الخاصة أو اباحتها على نطاق واسع.
وتنظيم قانون الاستعمار، وتاريخه حافل بالمخازي. وغير ذلك من المظاهر التي اصبحت تكون الامراض الفتاكة بهذا الحضارة المنهارة.
اما الاسلام فلا استغلال ولا حيف، ولا انحراف، ولا تزكية لظلم أو متابعة لهوى:
«يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم، ويتوب عليكم والله عليم حكيم، والله يريد لن يتنوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما، يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا» صدق الله العظيم.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here