islamaumaroc

العلَم والشعار في الجاهلية والإسلام

  دعوة الحق

العددان 101 و102

تعاريـــف
الشعار هو الصبغة أو الشارة التي يتفق عليها القوم أو الفريق ليعرفوا بعضهم بها.واللواء من اللوى لأنه يلوى لكبره وهو الكبير المستطيل، والراية هي المربعة التي تنشر ولا تلوى، والمتفق عليه انه دون اللواء، أما العلم فهو الاصطلاح الأخير الشامل للواء والرابة.

قيمـة الشعـار والعلــم
وللشعار وما يتصل به من ألوية ورايات وإعلام قيمة كبيرة، كان يتوقف عليها النصر، وقد ورد في كتب السيرة: أن أبا سفيان يوم احد قال يحمس بني عبد الدار:«يأبني عبد الدار إنكم وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيهم، وإنما يوتى الناس من قبل راياتهم إذا زالوا زالت، فأما أن تكفونا لواءنا وأما أن تخلوا بيننا وبينه فستكفيكموه». فهموا به وتواعدوه، فقالوا له بعنف:«نحن نسلم إليك لواءنا، ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع». وقد قتل منهم ثلاثة عشر رجلا دون اللواء.
وجاء في تاريخ الوزير العثماني جودت باشا نقلا عن تاريخ المؤرخ العثماني واصف أفندي:«إذا اجتمع قوم تحت لواء واحد يحصل بينهم الاتحاد، بمعنى أن هذا اللواء يكون علامة على اجتماع كلمتهم ودلالة على اتحاد قلوبهم فيكونون كالجسد الواحد، ويألف بعضهم بعضا اشد من ألتلاف ذوي الأرحام، وإذا كانوا في معركة القتال لا يباسون من الظفر ما دام لواؤهم منشورا، بل تقوى همتهم ويشتد عزمهم، فإذا سقط لواؤهم اخذوا من جانب الوهم وباتوا موضوعا للخوف والرهبة فينهزم بعضهم ويتبدد البعض الأخر بخلاف ما إذا كان عليهم مرفوعا خافقا مزدهيا، تبتهج به نفوسهم فتأخذهم نشأة الفرح والبسالة وتتسلط على أعدائهم هزة الرعب فتأخذ بمجامع قلوبهم. وكما إن الموسيقى العسكرية تنعش أرواحهم وتحنهم على الإقدام والشجاعة كذلك مناظر الألوية وتموجها، فإنها تحدث فيهم دواعي الغيرة وتجلب لأعدائهم الدهشة والفتور».
بعض مواقف الفداء دون اللواء واثر ذلك:
في يوم الكلاب الثاني بين مذحج حملة صادقة، فانهزم وعلة بن عبد الله صاحب لوائهم، فتتابعت عليهم الهزائم.
ويوم الفجار الثاني قتل تحت راية بني الحارث ابن عبد مناف بن كنانة، مائة رجل، وهم صابرون، فكان ذلك سبب ظفر كنانة وقريش على قيس فانهزمت.
ويوم احد توالي القتل في بني عبد الدار فقتل دونه ثلاثة عشر، آخرهم غلام حبشي فقاتل حتى قطعت يداه ثم برك عليه فاخذ اللواء بصدره وعنقه حتى قتل وهو يقول: اللهم هل أعذرت، ثم إنهم تركوا اللواء مطروحا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فلاذت به قريش فعبرهم بذلك حسان بن ثابت حيث قال:
فلولا لواء الحارثية أصبحوا
               يباعون في الأسواق بيع الجلائب
ويوم القادسية قتل تحت لواء فارس العظيم عشرة آلاف فارس، ويوم مؤته قتل القواد الثلاثة وهم: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن أبي رواحة، ثم انفرط الجيش إلى أن لم خالد شعته وكانوا يعتزون باللواء ويحيطون به حتى يعودون منتصرين، وفي ذلك يقول عمرو بن الاحوط:
ورحنا تخفق الرايات فينا
                وأبناء والملوك لهم احاح(1)

سلطـة أصحـاب اللـواء:
ويتسلط أصحاب اللواء إذ يكون عليهم المعول، وقد ورد في الأغاني انه لما كان لواء ربيعة في بكر بن وائل اتخذوا فرخ طائر كانوا يوثقونه بقارعة طريق فلا يجسر احد على أن يسلك من تلك الطريق بل يسلك عن يمينه أو عن يساره. ولما صار إلى تغلب اتخذوا جروا كان وائل يلقيه في أية بقعة شاء فلا يستطيع احد أن يرعى فيها أو يسقي إبله إلا بإذنه، فلقب وائل به أي كليب، ولما انتقل إلى النمر بن قاسط ظل رئيسهم عامر بن سعد لا يخرج للقضاء بين الناس إلا في الضحى فلقبوه بالصحيان.
وقد حرص بنو عبد الدار على بقاء اللواء فيهم فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح إبقاء اللواء فيهم، فقال لهم:«الإسلام أوسع من ذلك». وهذا دليل بعد نظره صلى الله عليه وسلم.
اللون الأبيض هو الأصل:
كان لواء دول اليمن وقبائلها (ومنهم الأوس والخزرج) ابيض، فأيد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمتفق عليه في كتب السيرة والتواريخ الإسلامية أن ألويته في السرايا والغزوات بيضاء، أما قول اليعقوبي أن اللواء يوم خيبر كان اسود، فقد رفض كأقواله الكثيرة التي خلف بها المؤرخون. وظل لواء الراشدين والأمويين ابيض.

العلم النبوي في القسطنطينية ومصر:
وتناقل الخلفاء لواء الرسول صلى الله عليه وسلم فكانوا يرهبون به من يخرج عليهم وقد استغله سلاطين آل عثمان في المواقف الحرجة ضد الانكشارية فأبادوهم به حين تمردوا. وهزموا به الاستعمار في الحرب العالمية الأولى.
وظهر في مصر علم ادعي انه العلم النبوي استغلوه ضد المماليك وضد الفرنسيين إلا أن الأستاذ احمد تيمور لم يؤكد انه لواء الرسول صلى الله عليه وسلم، قال في رسالته عن الآثار النبوية:«والظاهر ان بعض قادتهم اختلق لهم ذلك ليزيد في تحمهم فاعتقدوه.»

اللون الأحمر للتحدي:
كان أمراء كندة يحكمون العدنانيين فظلموهم فثاروا عليهم كما هو معلوم وقتلوهم وغسوا رايتهم البيضاء بالدم واتخذوا اللون الأحمر شعارا لهم يتحدون اليمنيين حيث قال شاعرهم:
 
وتبعكم كبيرا قد سلبنا
قتلناه ومن دمه صبغنا
ذخائره وكنا ألحاكمينا
على راياتنا علما مبينا
 
وقال عمرو بن كلثوم في معلقته:
 
أبا هند فلا تعجل علينا
بانا نورد الرايات بيضا
وانظرنا نخبرك اليقينا
ونصدرهن حمرا قد روينا
 
واتخذ العدنانيون الشعار الأحمر للسروج واللباس وخمر النساء والرايات والألوية تحديا، وكذا جعلوا في عمائمهم شريطا احمر، وكون الشعار الأحمر كان للتحدي، فقد حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يرد ذكر لواء راية أو لباس احمر صدر الإسلام، كما نص على ذلك الغزالي في الأحياء. واستعملت مضر وربيعة الشعار الأصفر والأسود والمختلط.
ولما أحيا الأميون الروح القبلية عاد الشعار الأحمر واستمر إلى عهد قريب، وقد عرف الفريقان بالقيس واليمن، وقد شاهدت العمائم القيسية ذات الشريط الأحمر بعيني وكذلك اليمنية ذات الشريط الأصفر يضعها القرويون في جبال نابلس والقدس والخليل على عهد قريب. وكانت خمر بنات القيس حمرا وبنات اليمن بيضا، وكن يطرحنها تحت سنابك خيل أميرهن إذا زار الديرة وإذا فاز على معتد غريب طرحت تحت سنابك خيله الخمر البيض والحمر. وانقسم المماليك إلى شعارين: ابيض واحمر.
أما الراية العثمانية التي أظلت بلاد العرب فإنما اتخذت بعد معركة قصوة حيث ظهرت صورة القمر في بركة الدم وأمام القمر نجمة فقرروا اتخاذ علمهم على هذه الصورة: احمر عليه هلال ونجمة خماسية.

اللــون الأســود:
يظهر أن حمس (2)اتخذوا اللون الأسود شعارا لهم للعداء القائم بينهم وبين قيس. وقد كانت راية هوازن يوم حنين سوداء فأرجح (3)أن لواء قريش كان اسود اسمه العقاب، وقد ثبت انه كان للرسول راية سوداء اسمها العقاب، وكان للمهاجرين في مقابلة اللواء الأبيض للأنصار.
أما سوى هذا فقد ثبت أن الشعار الأسود هو للثارات، فقد ثبت في أيام العرب أن امرأ القيس خرج على وقد بني أسد بعمامة سوداء، وقد جعل الهاشميون شعارهم السواد، وقد سموا السودة للثار من الأمويين، ولم يكن للحزن كما ظن بعض المؤرخين.
وظل السواد شعار العباسيين إلى أن انقرضت خلافتهم فقد ذكر المؤرخون أن المتوكل على الله لما خرج مع قونصوه الغوري كان عليه قباء اسود مطرزا.

اللـــون الأخضـــر:
لما ثار الطالبون ضد العباسيين اتخذوا الشعار الأخضر تيمنا بكتبة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الفتح.
وأصبحت العمامة الخضراء خاصة بهم والتحري عنها من وظائف نقيبهم. إلا أن أصحاب الطريقة الرفاعية أخيرا أربكوهم لان الشيخ احمد الرفاعي حسيني، وصار هو يعطي إتباعه ترخيصا بوضع العمامة الخضراء ويلحقهم بنسبة، وهكذا سار الأمر-على قاعدة المحسوب كالمنسوب- فاختلط الأمر، وكذا الدولة العثمانية عممت الشرف وامتيازاته لنسل الصحابة الكرام حتى عينت منهم نقباء إشراف، فزاد الأمر ارتباكا. وزورت انساب كثيرة عن هذا الطريق للحصول على الإعفاء من الجندية والضرائب والتوقيف في دار نقيب الإشراف بدلا من السجن، وهي امتيازات الإشراف في العهد العثماني.

اللــون الأصفـــر:
ثبت في كتب السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم اتخذ راية صفراء إلى جانب السوداء، وان راية أبي عبيدة يوم اليرموك كانت صفراء، وان الأيوبيين كانت رايتهم صفرا، وعمائم اليمنيين صفرا. قال أبو تمام:
مصفرة محمرة فكأنها
          عصب تيمن في الوغى وتمضر

الاتفاق والاختلاف في الشارات:
لم أقف على الشارات التي كان يتخذها العرب في الجاهلية ولم تكن الألوان مستمرة، فقد كانت القبائل تبدل وتغير. أما في الإسلام، فجميع الألوية والرايات كانت تحمل الشهادتين، وزاد أهل السنة أسماء الخلفاء الراشدين على الزوايا الأربعة.
وقد اتخذ الظاهر بيبرس صورة الأسد واتخذ من بعده غيرها واستعمل العثمانيون الهلال والنجمة والطغراء، فأهملت كتابة الشهادتين. وأصبحت إعلام الخلفاء للمنابر والطرق الصوفية. قال الوزير جودت باشا العثماني في تاريخه:«ولما تغلب بعض الأمراء والسلاطين على الخلفاء وتحكموا استكفوا عن استعمال تلك الألوية ووضعوا على ألويتهم وسناجقهم كرة مذهبة تشبه فلكة المغزل، وأقاموا على الألوية الكبيرة صفائح مذهبة منقوشة بالإشعار وزينوها بألوان سود وميناء منقوشة. وهذه الألوية والرايات ذات الهلال الأسود والأخضر التي كانت في القديم مخصوصة الخلفاء، قد انتقلت إلى مشايخ الطرق الصوفية وإلى الجوامع والتكايا، وكانت تنشر أمام جنائز الأكابر وترفع في أيام عاشوراء وما ماثلها من الأيام المشهورة. ولا غرو فان هذه عادة الدنيا في أهلها، فانه متى انقضت أيام دولة أو إمارة منها أهملت رسومها وآثارها، وما كان دليلا على شهرتها وطرحت في الزوايا النسيان».

اتخـاذ الهـلال رمـزا للإسـلام:
ثبت في كتب السيرة عامة أن لواء النبي صلى الله عليه وسلم كان على رأسه هلال بوسطه شكل شمس. وقد وضع الهلال على رؤوس المآذن وقباب المساجد لتعيين جهة القبلة.
واستعمل الهلال على مظلة الخليفة الفاطمي، وفي قلبه ثلاث كواكب.
أما الهلال العثماني فإنما وضع على قلب الراية الحمراء وبوسطه نجمة خماسية كما قرر السلطان مراد الأول الذي شاهد الهلال في بركة الدم بعد ظفره على الصليبين في معركة قوصوة. وأصبح الهلال على الرايات والإعلام في بلاد الإسلام يقف بوجه الصليب وأصبح يقال الصليب والهلال.

جمعيـة الهـلال الأحمــر:
أسس المسيو دونان السويسري جمعية إسعاف باسم الصليب الأحمر سنة 1859 بعد معركة كزينو، ولم تكن تعنى بجرحى المسلمين.
ففي سنة 1910 أثناء الحرب العثمانية الايطالية في ليبيا تأسست جمعية الهلال الأحمر في مصر لإسعاف جرحى المسلمين، قام بتأسيسها الأمير محمد علي توفيق المصري، والدكتور سليم الموصلي باشا، والدكتور علي إبراهيم، والدكتور محجوب ثابت. ثم عمت وأصبحت تقف إلى جانب جمعية الصليب الأحمر. وقد قامت وتقوم بأعمال جليلة.

العلم في العصر الحاضر:
لما تغيرت أصول الحرب وأصبحت في الخنادق لم يعد للإعلام مفعولها الماضي، على أن قدسية العلم لم يعد للإعلام مفعولها الماضي، على أن قدسية العلم باقية بأساليب سليمة، فهي ترفرف على دور الحكومة والجيوش، ويطلق على الجندية خدمة العلم. وتحيي العلم كل صباح ومساء حين رفعه وإنزاله.
وها هي إعلام الدول العربية متباينة بينها فروق نرجو أن تزول فتتوحد الراية بحيث لا تبعد عن شكلها الأول.

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) احاح: حقد.
(2) الحمس وهم الذين كانوا يتحمسون ويتشددون للدين وهم قريش وأحلافهم.
(3) لم أجد في الكتب شيئا عن لواء قريش وقد كلفت جهات مهمة لبحث ذلك، فلم بجدوا، ولهذا رجحت استنتاجا.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here