islamaumaroc

الشخص في الإسلام -2-

  دعوة الحق

العددان 101 و102

3 ـ البيئة الأخلاقية المجتمعية:
تعتبر «خطبة الجبل» للنبي عيسى، أصدق تعبير عن الأخلاقية المسيحية، ولا نجد لها في الإسلام مقابلا، لا آية قرآنية، ولا حديثا، ولا مجموعة من الخطب النبوية، ولو «خطبة الوداع».
فعلى من يريد أن يكون فكرة عن الأخلاقية الإسلامية أن يقوم بجمع عدد وافر من الآيات القرآنية، وتوضيحها، وتعزيزها بكثير من أحاديث الرسول. ان عملا إحصائيا كهذا جد واسع، يتجاوز إطار موضوعنا، فلنكتف بنظرة موجزة.
رأينا ما للشهادة من أهمية في الإسلام (ونعطي للشهادة هنا معناها الأعم)، أنها تبدو، في آن واحد، أساسا أونطولوجيا ومبدءا أخلاقيا. إلا أن لـ «اخلاق» مفهوما خاصا في الإسلام، مغايرا لما يدل عليه في الطقس المسيحي. جرت العادة أن يفرق النصارى بين الكنيسة كمجموع من المؤمنين وبين الكنيسة كسلطة كهنوتية، كما يفرقون الدين المسيحي والعالم المسيحي. هكذا تتخذ الأخلاقية أوجها مختلفة:
يجب الخضوع لأوامر الاكليروس، وللأخلاق الدينية، ولروح المواطنة. أما في الإسلام، فتأخذ الأخلاقية امتدادا يجهله الغرب: لا كهنوت، ولا تمييز بين ما هو ديني وما علماني، وتتسع روح المواطنة فتتعدى «الوطن» لتبلغ مستوى الشمول العالمي (الأمة الإنسانية)(1).
يوحد الإسلام توحيدا متكاملا بين الإيمان، والعبادات، والمعاملات المجتمعية، أي أنه لا يفرق مطلقا بين الروحيات والماديات: فبقدر ما يتدخل في الشؤون العامة يتدخل في الشؤون الخاصة؛ إنه دين «كلي» يهتم القرآن والسنة بالسلوك المجتمعي الأخلاقي، والحياة القضائية والسياسية والاقتصادية، كما يهتمان بالحياة الدينية، بله العلم الوجداني: يهيمن الإسلام على الحياة اليومية، بكل معانيها ومجالاتها. فبالنسبة لوجود أي فرد، يحصل الجمع بين تلك الأنماط بواسطة التحام طبيعي يعتر جزءا من الكيان الإسلامي نفسه. كل شيء يحدث على مرأى من الله، و«رأس الحكمة مخافة الله» (حديث). ان تلك المخافة تذكي ضمير المؤمن، مما يجعل وعيه دائم اليقظة. فالله، كما جاء في القرآن: «معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير» (57: 4). بفضل ما للضمير الأخلاقي من حيوية وصفاء، يعكس الحضور الكلي الإلهي، هادفا باستمرار إلى التجاوز، وإلى التطلع الدائم نحو «نهضة جديدة». لذا يرفض الإسلام استمرار فكرة «الخطيئة الأصلية» وعواقبها في العالم، فالجحيم والجنة، لما «قدمت أيديكم، وأن الله ليس بظلام للعبيد» (8: 51).
يؤمن الإسلام بالصيرورة: العالم والإنسانية يتطوران نحو نضج يتجلى في التغيرات والاختلافات. ان التطور الإنساني، كما يتصور الإسلام، ليس فحسب استعادة تكيف مطلق، كما يرى أصحاب التحليل النفساني إذ يسعون إلى إدماج جديد للمصابين بالعصاب في البيئة السوية، بل هو تحرر وتجاوز الإنسان لذاته.
إن كل سيكولوجياتهم بالعلاج لابد من أن تتساءل: ماذا يجب أن نغير؟
هل العالم الخارجي (العادات، والدساتير، والأعراف، والوسط)، أم العالم الداخلي، أي الإنسان؟
على هذه الأسئلة أجاب القرآن:
«إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» (13: 11). ويضيف: «ذلك بأن الله لم يكن مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» (8: 53).
فلن يعترف المرء بصدق أية حقيقة إلا إذا عانها، شخصيا، أو على الأقل إلا إذا نزع إلى تجسيدها في حياته. أليس الإنسان «على نفسه بصيرة» (75: 14).
ذلك هو الدور الهام الذي يلعبه الضمير الأخلاقي بالنسبة لمجموع التصرفات الإنسانية. وحسب حديث رواه مسلم: «البر حسن الخلق، والإثم ما حالك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس».
فتلك القوة الفعالة التي تقود النية، وبالتالي أفعال المسؤول الأخلاقي، وتضيء علاقاته بالآخرين، وعلاقات جميع الناس بالله، هي ما يسمى في الإسلام بالقلب: انه، في نفس الوقت مقر الحياة الباطنية، ومقر الإلزامية الأخلاقية. (2)يتجلى هذا المظهر المزدوج، بكل وضوح، في حديث أورده الإمامان، أحمد بن حنبل والدارمي، أن الصحابي رابعة بن معيد الأسدي أتى النبي يسأله عن البر، فأجابه الرسول: استفت قلبك! البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب. والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك».

تحفظات وتساؤلات
إن الصورة التي أخذناها عن الشخصانية الإسلامية، في القسم الأول من هذه الدراسة لا تخلو من إبهامات وثغرات. فالعروض السابقة تثير مشاكل من الأهمية بحيث لا يستطيع الباحث أن يغض الطرف عنها. سيعمل هذا الفصل على إبراز ما منها يبعث على الاضطراب الأكثر، مع توجيه البحث نحو ما يمكن أن يوصلنا إلى بعض الحلول.

1 ـ التعالي
يعتبر الإسلام الشخص كائنا خلقه الله، قبل كل شيء، ليعبده: «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» (51: 52). لكن يجب أن نتساءل: ألا تحرم تلك الغائية الشخص من كل غاية ـ في ـ ذاته؟ وهل يترك هذا الاستلاب مجالا لـ «شخصيانية إسلامية»؟
لو أن أصحاب «علم الكلام» حاولوا أن يردوا على هذا الاعتراض لما وجدوا ـ على ما يظهر لنا ـ إلا جوابا واحدا، هو: أن الله هو التعالي المطلق، ومخلوقاته ليست جزءا منه، ولا فيضا عنه، ولا تجسدا لكينونته، الله خلق الإنسان، والكون، ولكن مفهوم «خلق» هنا يتجاوز الذهن الإنساني. أليس دور الوحي، في واقعه، إلا تعويضا عن نقص إدراكنا؟ ينير الوحي الطريق الذي يسير بنا إلى أن ندرك التعالي الإلهي. إنه يوقظ مشاعرنا، ويفتح وعينا على بشريتنا وطبيعتها المحدودة.
هذه الإجابة، كما نرى، عوضا عن أن تحل المشكل المطروح قد تثير مسألتين أخريين ليستا أقل إشكالا؛ الأولى خاصة بالتعالي، والثانية بالوحي.
فمن السهل على أصحاب الكلام، وعلى أصحاب اللاهوت بصفة عامة، أن يعترضوا بما يأتي:
ما الذي يجيز لكم أن تضعوا مشكل التعالي الإلهي طبقا لخطاطة من الأفكار والمقولات تكونت في ميدان غير ديني؟
بماذا تبررون موقفكم عندما تطبقون المنطق (الصوري، أو الديكارتي، أو أي منطق آخر) على ميدان المعتقدات؟
فللإيمان منطقه الخاص، كما للعواطف منطقها. وحتى في الفيزياء، ألا تتغير مقولات الفكر عندما ننتقل من العالم المتناهي في الكبر (مثلا: عالم الأفلاك) إلى العالم المتناهي في الصغر (مثلا: عالم الذرات والجراثيم)؟ لذا كان من الملح، بأن نفصل بين الحياة الذهنية الدينية، وبين الحياة الذهنية في الميادين الأخرى.
ربما كان رد المتكلمين، هذا، مقبولا. فليس هناك، لا مبدئيا ولا عمليا، شيء يتعارض وذلك التمييز بين الميدانين. بيد أن المتكلم لا يفسر سر التعالي، وبالتالي لا يحل المشكل المطروح. انه رد لا يفعل أكثر من وضع المشكل في منظار يختلف ومنطقنا المعتاد.
وأخيرا، فحتى لو فرضنا أن المنكرين للمعنويات على حق، واقتنعنا بدعواهم: ان كل ما ليس خاضعا للحس وللزمان والمكان يصبح موضع تساؤل وريب، حاز لنا أن نطالب أولئك المنكرين بأن يبرهنوا، مثلا: على وجود الزمان بنفس منهجهم.

أ ـ هل للزمان وجود؟:
سؤال يضعه الفلاسفة والعلماء واللاهتيون، ولكن لا أحد استطاع، منذ غابر «الأزمان»، أن يعطي جوابا يريح قلق الفكر بخصوص هذا الموضوع. فعندما ننظر إلى القضية، نجد أن الماضي قد فات، والمستقبل لم يأت، ولا وسيلة لتثبيت الحاضر. أما «اللحظة»، أو «الفترة»، أو «للآن»، أو «الحين»، فلا يجوز لنا التحدث عن أيهما إلا إذا اتضح لنا، مسبقا، مفهوم «زمان». إني الآن أبحث في الزمان. ولكن: ما «الآن»؟ إنه «فترة» أو «لحظات»، وهذا ليس تعريفا، بل دورا وتسلسلا، لأننا دخلنا في حلقة مغلقة من المفاهيم، كلها مجهولة لدينا، ومع ذلك نحاول تحديد بعضها بالآخر.
ومن جهة أخرى، لنا عن «الآن» صورة غامضة، لأنه يدل على «شيء» موهوم بين ماض انتهى، ومستقبل لم يحصل بعد. ثم ان الزمان لا يقف لنثبت أقدام ومعالم «الحين» و«الآن»، إنه تعالى.
فهل نستنتج من هذا أن الزمان غير موجود؟
أنجعل لفظة «زمان» مرادفة لـ «عدم»؟
طبعا لا. ان الزمان موجود وجودا نحسه ونحياه. إننا نتحرك، والحركة تقتضي الزمان، ولنا ذاكرة، والتذكير يثبت «ماضينا»، ولنا مخيلة، والتخيل يفترض أنماطا: الزمان الحاضر (حاضر العملية) والماضي الذي يأوي إليه التخيل ليقتبس أطرا للانطلاقات التصورية وللمقارنات، والمستقبل الذي تريده المخيلة مأوى للمشاريع المتخيلة.
فوجود الزمان، وجود لاصق بوجودنا، ولا يقبل العد والكم إلا بعد أن نحياه، إنه لحمة التاريخ، ولكن لا تاريخ بدون تاريخ حي، صار، أو يصير(3).

ب ـ الوحي:
ذلك فيما يتصل بالتعالي، أما فيما يخص الوحي، فباستطاعة المتكلمين أن يجيبوا هكذا: إذا أخذنا الوحي في المعني الذي نجده بالقرآن، أصبحت المسألة أقل إشكالا. هدف الوحي هو أن يرشد إلى الصراط المستقيم: «فمن اتبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون» (2: 37). فالوحي، في أساسه، هداية وتوجيه، وبهاته الصفة يعين الشخص على أن يتحقق، أخلاقيا وروحيا، ويتفتح داخل عالم حيث الله يدبر النظام، ويهيمن على أسراره. ذلك أن سير الكون ومصير الإنسان لا يضعان لنا مشاكل محيرة ومقلقة فحسب، بل يلجان بنا عوالم الغموض والعماء. وأما هذا الوضع، يتجلى دور الوحي في أن يغمر المؤمنين باطمئنان ميتافيزيقي، وأن يمنحهم الأمل، فيجعلهم يتغلبون بالحياة الروحية على التمرد والعبث.
لا غرو أن الأنبياء المكلفين بتبليغ الوحي ليسوا سوى مرشدين، بالنسبة لمجموع الآخرين الذين هم أنداد لهم (أونطولوجيا) وإخوانهم (إنسانيا). لكن ميزة الأنبياء المرسلين الكبرى هي صلابتهم في الدفاع عن الحق والخير، بـ «الدعوة» المستديمة، وبالسلوك اليومي، في كل عمل: انهم هداة يجعلون من حياتهم نموذجا قويا يحمل معه شهادته على نفسه:
«وجعلناهم (الأنبياء) أئمة يهدون بأمرنا، وأوحينا إليهم فعل الخيرات، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. وكانوا لنا عابدين» (21: 73).
إن لفظة «عبادة»، الواردة في هذه الآية، لا تنحصر في القيام بالشعائر الدينية، وبترتيل سور من القرآن. فعبادة الله تكون، أيضا، عن طريق الشغل، كما يؤكد الحديث: «الخدمة على العيال عبادة». ولـ «عيال»، معنى ضيق، وآخر يدل على مجموع الإنسانية، كما يتضح ذلك في حديث آخر: «الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفهم لعياله»(4). ويعد «عبادة»، كذلك، احترام القيم الأخلاقية والروحية، على اختلاف المستويات. فالذي يعمل جاهدا على انفتاح شخصيته، أكثر وأحسن ما يمكن من الفتح، يعبد الله لأنه يصون رائعة من الروائع التي أبدعها تعالى: الإنسان. فالشخص، عندما يؤنس ذاته ويؤنس ما يحيط بها، يرمي إلى تحقيق الكمال والتعالي، ليجعل من العالم شيئا جميلا، و«الله جميل يحب الجمال». فالمخلوقات الجميلة (أي التي تنزع إلى اكتمال الحسن) تشهد لمبدعها بالقدرة والروعة. إن الوحي يسهل السير في المشي الموصل إلى هذا النوع من العبادة، كما يدلنا على الأنواع الأخرى، العفوي منها والمقنن. فالكون بمجموعه، مجال لا محدود لآيات الله: الصخرة، وينبوع الماء، والشجرة، والنجمة، والنملة، والفكرة الناضجة، كلها من آيات الله: «يسبح له ما في السماوات السبع والأرض، ومن فيهن. وإن من شيء إلا يسبح بحمده» (17: 44)(5).
الاعتراض الممكن توجيهه هنا، هو أن هذا لا يماشي المعطيات «العلمية» ولا يعتمد على أي منهج «علمي».
يجوز للمتكلمين أن يسألوا بصدد الاعتراض السابق:
أيكفي لصنف من أصناف العلوم أن يصل إلى حد كبير من الدقة والتطور، ليفرض طرقه، في البحث على الميادين الأخرى، وينتصب رائدا ومعيارا؟
فإذا كان لنوعين من المعرفة موضوعان مختلفان، لزم أن تتوفر كلاهما على منهج مغاير، بالضرورة، لمنهج الأخرى، مهما بلغت درجة تطور هذه أو تلك. فنمو منهج ما لا يعطى كمعيار خارج ميدانه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
(2) كلمة «ضمير»  (بمعنى الشعور الأخلاقي، الوازع) وكذلك لفظة «وجدان» (الشعور السيكولوجي) لم يظهرا ي اللغة العربية إلا في جو الإسلام.
(3) أنظر الفرق بين تاريخ، وتاريخ، في م. ف.
(4) يؤكد هذا رسول الإسلام، مرات ومرات، كما في قوله: «الناس كأسنان المشط...» انظر المرشد في الدين الإسلامي، ج 4، ص 22.
(5) أنظر كذلك، 24: 41 ـ 59: أو 24 – 61: 1.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here