شارك

ابن عبد البر القرطبي (بالاشتراك مع مصطفىالعلوي)

  دعوة الحق

العددان 101 و102

مازالت وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية توالي نشاطها واهتمامها ببعث التراث الإسلامي، وتمهد السبيل لخدمة اللغة العربية، والحضارة الإسلامية، والسنة النبوية لإغناء المكتبة المغربية، وطبع أهم المخطوطات الإسلامية القديمة المخبوءة النادرة التي عز وجودها فكادت أن تصبح في حكم المعدوم فننشرها إتماما للفائدة وخدمة للشريعة الإسلامية الخالدة.
ولقد أضافت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ضمن ذخائرها وأعلافها تحفة رائعة أخرى وهي طبع الجزء الأول من كتاب (التمهيد، لما في الموطأ من المعاني والأسانيد) الذي يعتبر ذخيرة عظمى في علم الحديث وفقهه ورجاله تأليف الإمام الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد الله ابن محمد بن عبد البر النمري الأندلسي المتوفى عام 463 هجرية.
وقدم للكتاب العظيم، الذي طبع بأمر من صاحب الجلالة أمير المؤمنين الحسن الثاني نصره الله، معالي وزير عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية الأستاذ الحاج أحمد بركاش بمقدمة بين فيها الجهود التي بذلت لإنجاز هذا الكتاب القيم.
ويسر مجلتنا أن تقدم لقرائها الأماثل ترجمة الإمام الحافظ ابن عبد البر بقلم الأستاذين مولاي مصطفى بن أحمد العلوي مدير دار الحديث الحسنية ومحمد عبد الكبير البكري الموظف بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية اللذين قاما بتحقيق الجزء الأول وتصحيحه والتعليق على حواشيه...

ترجمة المؤلف:
هو يوسف بن عب الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي كنيته أبو عمرو يلقب بجمال الدين ينتهي نسبه إلى النمر بن قاسط ابن هنب بن اغصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار فهو من بني عدنان نسبه عربي صريح أصيل. وقد نزلت بطون ربيعة بإقليم وادي آش من بلاد الأندلس واشتهر هذا المكان باسمهم كما اشتهرت عدة أماكن بأسماء القبائل العربية الأخرى التي نزل بها إبان الفتح الإسلامي وبعده.

مولده:
ولد أبو عمر يوسف بن عبد الله رحمه الله زوال يوم الجمعة والإمام يخطب فوق المنبر وهو اليوم الخامس والعشرون من ربيع الثاني سنة ثمان وستين وثلاثمائة هجرية الموافق للتاسع والعشرين نونبر من السنة الشمسية حدث بذلك عنه طاهر بن مفوز فقال: أرانيه أبو عمر مكتوبا بخط والده عبد الله رحمه الله، وقد كان والده من الشعراء البارعين، وأهل الترسل والأدب، ويقال انه لم يأخذ عن والده، لأن هذا مات قبل أن يشب أبو عمرو ويبلغ سن التعلم.
نشأته: نشأ أبو عمر في مدينة قرطبة وقد كانت يومئذ عاصمة الخلافة بالأندلس وسرير الملك، وومدينة العلم والفضل والحضارة، احتضنت فطاحل العلماء من كل فن، وكانت مستقر السنة والجماعة، نزلها جملة من التابعين وتابعي التابعين، وقيل أن بعض الصحابة نزلها والله أعلم، وقد سطع في أفقها نجوم المعرفة من كل فن، والذين لا شغل لهم إلا التبحر في شتى أنواع المعرفة، فازدهرت لذلك فنون الآداب والعلوم، وأصبحت مركز الحضارة الإسلامية في المغرب، وقبلة الأنام فيه، ولكثرة علمائها، واشتهار أهلها بالتمسك بالسنة، صار عملها حجة في بلاد المغرب، فكانوا يحكمون بها جرى به عمل أهل قرطبة، وكان الناس يشدون الرحال إليها لرواية الحديث، ودراسة الأدب والفقه والفلسفة ومختلف العلوم، كالطب والهندسة والفلك وغيرها، وقد امتاز الأندلسيون جميعا وبصفة أخص أهل قرطبة بالحرص على طلب العلم والتفاني في اقتناء الكتب، ومن ثم انتشرت المكتبات في سائر الأوساط، وكثر الوارقون والنساخ، وتنافس الناس في اقتناء نوادر المخطوطات، وتباهوا بامتلاك المخطوط الفلاني، والكتاب الفلاني، وصار ذلك عندهم من مفاخر الأسر وأمجادها.
وأصبح العلماء عند أهل قرطبة مكان التبجيل والتعظيم والتوقير والاحترام، يشار إليها بالبنان، ويحال عليهم عند أخذ الرأي، ويكال لهم الثناء باللسان، يكرم جوارهم، وتقضى حوائجهم، ويوخذ في المهمات رأيهم، وهم المرجع عند الحل والعقد.
في هذا الأفق العلمي الزكي شي ونشأ وترعرع مؤلفنا أبو عمر يوسف بن عبد البر رحمه الله، وفيه تفقه وأخذ عن كثب عن كثير من فطاحل العلماء وفحول السنة، وكتب بين أيديهم، ولازمهم ودأب في طلب العلم، لاسيما الفقه والحديث فقد تفنن فيه وبرع براعة فاق بها من تقدمه من رجال الأندلس، فأتقن علوم السنة والقراءة ضبطا وحفظا وفهما، حتى حاز لقب حافظ المغرب بدون منازع، وكان ناصرا للسنة، مستقل الفكر، بعيدا عن الجمود، ومن ثم كان يبغض التقليد، فهو مجدد بارع في الفقه والحديث، مجتهد في استنباط المسائل الفقهية والأحكام، ذو بسطة في الاستدلال والحجية على آرائه وفهمه، وهذا ما يدركه القارئ الكريم في كتابي «التمهيد» والاستذكار وغيرهما من مؤلفاته القيمة، فهو يمحص آراء الأئمة المجتهدين، فيبل، ويرفض، ويرجح، ويستدل لرأيه بالنسبة، ويقارع الحجة بالحجة، لا يرفض قولا إلا عن بينة، ولا يرجح رأيا إلا ببرهان، ومن ثم أصبح رأيه حجة عند الخاصة من أهل العلم، وأصبح علما بين المجتهدين من الفقهاء والمحدثين، ومفخرة من مفاخر المغرب على المشرق.
يروى أن رجلا حضر مجلسه وأعجب بحفظه وإتقانه، فخاطبه يا حافظ المغرب، فأجابه أبو عمر، لعلك تريد أن الخطيب البغدادي حافظ المشرق، فسكت، وصادف أن رحل الرجل إلى الشرق، وأدى فريضة الحج، وحضر مجلس الخطيب البغدادي وسمع منه، ثم عاد إلى الأندلس واستمع من ابن عبد البر مرة أخرى ووجد البون شاسعا، ولما انتهى المجلس، قال له: يا حافظ.. و.. يريد يا حافظ المغرب والمشرق، فحذف كلمة المغرب لأنها وردت في خطابه سابقا، وحذف كلمة المشرق لأنها وردت في كلام الشيخ ابن عبد البر، وكم كان الفرق بين الوقتين؟
وقد وصف أبو عمر بأنه حافظ عصره مطلقا، ونعته بعض العلماء بأنه بخاري المغرب.
رحلاته: لم يغادر أبو عمر بلاد الأندلس ولكنه تنقل في أرجائها. شرقا وغربا فسكن دانية وبلنسية وشاطبة وتولى قضاء اشبونة، التي هي عاصمة دولة البرتغال اليوم، وكذلك شنترين أيام ملكها ابن الأفطس، أما اشبيلية فقد نزلها، ولم يرقه المقام بها، نظرا لما قوبل به من أهلها من جفوة وتنكر، فارتحل منشدا:
تنكر من كنا نسر بقربه
وعاد زعاقا بعدما كان سلسلا
وحق لجار لم يوافقه جاره
ولا لامته الدار أن يتحولا
بليت بحمص والمقام ببلدة
طويلا لعمري مخلق يورث البلى
إذا هان حر عند قوم أتاهم
ولم ينأ عنهم كان أعمى وأجهلا
ولم تضرب الأمثال إلا لعالم
وما عوتب الإنسان إلا ليعقلا

وقد كانت اشبيلية تسمى حمصا تشبيها بأختها بالشام، وهكذا نرى أن الحافظ أبا عمر بن عبد البر رحمه الله كان أديبا شاعرا يجهد الفحول والبلغاء في النثر والشعر وقد ألف في ميدان الأدب كتابا يدل على مكانته السامية فيه سماه (بهجة المجالس وأنس المجالس) جمع فيه نوادر أدبية، وطرقا سنية، ومن شعره يباهي العلم ويحض على طلبه.
إذا فاخرت فافخر بالعلوم
ودع ما كان من عظم رميم
فكم أمسيت مطرحا بجهل
وعلمي حل بي بين النجوم
وكائن من وزير سار نحوي
فلازمني ملازمة الغريم
وكم أقبلت متئدا مهابا
فقام إلي من ملك عظيم
وركب سار في شرق وغرب
بذكرى مثل عرف في نسيم

وقال في وصية لولده يحضه على الاستقامة وتقوى الله ويهون من شأن الدنيا ومتاعبها:
تجاف عن الدنيا وهون لقدرها
ووف سبيل الدين بالعروة الوثقى
وسارع بتقوى الله سرا وجهرة
فلا ذمة أقوى هديت من التقوى
ولا تنس شكر الله في كل نعمة
يمن بها فالشكر مستجلب النعمى
فد عنك ما لاحظ فيه لعاقل
فإن طريق الحق أبلج لا يخفى
وشح بأيام بقين قلائل
وعمر قصير لا يدوم ولا يبقى
ألم تر أن العمر يمضي موليا
فجدته تبلى ومدته تفنى

شيوخه:
أخذ الحافظ أبو عمر بن عبد البر عن الجهابذة من كبار علماء الأندلس وقد كانت قرطبة كعبة القاصدين من أنحاء المعمورة شرقا وغربا ومن ثم كانت مقر الفطاحل من أئمة العصر في جميع الفنون.
ومن أكابر شيوخ الإمام ابن عبد البر رحمه الله:
1 ـ خلف بن القاسم بن سهل بن الدباغ الأندلسي المتوفى سنة 393هـ.
2 ـ عبد الوارث بن سفيان بن حبرون، لازم قاسم بن أصبغ بضع سنين، وسمع من القاضي بن زرب، وابن أبي دليم، وغيرهم، أثنى عليه المؤلف وقال انه حدث يعلم جم.
3 ـ عبد الله بن محمد بن عبد المومن، رحل إلى العراق وغيرها، وسمع من أكابر العلماء، وأصبح من أكابر المحدثين بالأندلس، توفي رحمة الله عليه سنة 390هـ.
4 ـ محمد بن عبد الملك بن صيفون الرصافي أبو عبد الله، أخذ عن أبي سعيد بن الأعرابي وغيره، كان من الأعلام المشهورين.
5 ـ أبو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمان بن أسد الجهني البزار، سمع بالأندلس، ورحل إلى الحجاز والشام ومصر، فسمع من أهلها، وصار من العلماء الأفذاذ.
6 ـ الحسين بن عبد الله بن يعقوب البيجاني أبو علي، روى عن سعيد بن مخلوف كتاب عبد الملك ابن حبيب وعنه أخذ ابن عبد البر، وأبو العباس أحمد ابن عمر العذري رحمهم الله.
7 ـ أبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد بن سعيد المعروف بابن الجسور، الأموي ولاء، محدث، مكثر، ثقة، سمع أبا علي الحسن بن سلمة، وأبا بكر احمد بن الفضل الدينوري، ووهب بن مسرة، ومحمد بن معاوية القرشي، وقاسم بن أصبغ، وسمع منه خلق كثير، من أجلهم أبو محمد علي بن أحمد، وابن عبد البر، كانت وفاته رحمه الله سنة 401هـ.
8 ـ أبو عثمان سعيد بن نصر بن عمر بن خلف الأندلسي الحافظ، رحل في طلب العلم، ودخل إلى خراسان، سمع من أبي سعيد بن الأعرابي، وإسماعيل الصفار، وبالأندلس من قاسم بن أصبغ، ووهب بن مسرة، وغيرهم، توفي رحمه الله ببخارى.
9 ـ أحمد بن قاسم بن عبد الرحمان التاهرتي البزار، يكنى أبا الفضل، ولد بتاهرت، وانتقل مع والده وهو طفل إلى الأندلس، فنشأ بها، وأخذ العلم عن رجالها، حتى صار علما من الأعلام، سمع من ابن أبي دليم، وقاسم بن أصبغ، ووهب بن مسرة، وعنه أخذ أبو عمران الفاسي، وأبو يوسف ابن عبد البر، كان ثقة فاضلا رحمه الله.
10 ـ أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي، وطلمنكة بلدة بالأندلس، نشأ بها أبو عمر هذا، وقد كان إماما في القراءات، رحل فسمع من أبي بكر محمد بن يحيى الدمياطي، روى عنه أبو محمد ابن حزم، وأبو عمر ابن عبد البر، رحمهم الله.
11 ـ أبو عمر أحمد بن عبد الملك الإشبيلي المعروف بابن المكوي، انتهت إليه رياسة الفتوى بقرطبة في عهده، وألف بالاشتراك مع أبي مروان المعيطي كتابا في أقوال الإمام مالك، بأمر من المنصور ابن أبي عامر، وقد لازمه ابن عبد البر وأخذ عنه كثيرا ومن حملة شيوخه غير هؤلاء من الأندلسيين، أبو مطرف القنازعي، والقاضي يونس بن عبد الله، وأبو الوليد بن الفرضي، وأحمد بن فتح الرسان، ويحيى بن وجه الجنة.
كما أجازه من مصر كتابة، أبو الفتح ابن سيبخت، والحافظ عبد الغني، ومن مكة أبو القاسم عبيد الله بن السقطي وأحمد بن نصر الدراوردي، وأبو ذر الهروي.
وأولئك بعض شيوخ ابن عبد البر الذين تلقى عنهم وعاصرهم وتأثر بهم وأخذ عنهم رسالة العلم ونشر سنة الرسول الأكرم، فأدى الأمانة وبلغ الرسالة رحمه الله ورضي عنه، وقد أخذ عنه خلق كثير من جلتهم.
1) أبو عبد الله الحميدي الحافظ الثبت الإمام واسمه محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح ابن حميد الازدي الأندلسي الميورقي، نسبة إلى جزيرة شرقي الأندلس، سمع بمصر والشام والعراق والحرمين، سكن بغداد وكان من كبار تلامذة ابن حزم، والقضاعي، وابن عبد البر، ولد سنة 420 وتوفي سنة 488 رحمه الله.
2) أبو علي الغساني، واسمه الحسين بن محمد بن أحمد الجياني، محدث الأندلس وحافظها الثبت، أخذ عن حكيم بن محمد الحداني، وحاتم بن محمد الطرابلسي، وأبي عمر بن عبد البر رحمهم الله، كانت وفاته سنة 498هـ.
3) أبو الحسن طاهر بن مفوز بن أحمد المعافري الشاطبي، الحافظ المجود الإمام، أخذ عن أبي عمر بن عبد البر فأكثر وكان من أثبت الناس عنه توفي سنة 484هـ.
4) أبو يحيى سفيان بن العاص المتوفى سنة 520هـ.

ومن تلاميذه غير هؤلاء أبو العباس الأنصاري الدلائي، وأبو محمد بن أبي قحافة، ومحمد بن فتوح الأنصاري، وأبو داوود سليمان بن أبي القاسم المقري، وأبو محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد ابن العربي، وأبو القاسم الحسن الهوزني وغيرهم
مكانته عند العلماء:
انتزع أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله الثناء من أقرانه ومن فحول العلماء من بعده بمكانته السامية في الفهم والحفظ والإتقان وبما خلفه من أثر كبير في مؤلفاته العديدة.
يقول أبو الوليد الباجي رحمه الله لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر بن عبد البر في الحديث.
وقال الإمام أبو محمد ابن حزم، التمهيد لصاحبنا أبي عمر بن عبد البر، لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلا فكيف أحسن منه.
وقال وممن أدركنا من أهل العلم على الصفة التي بلغها، واستحق الاعتداد به في الاختلاف، مسعود بن سليمان، ويوسف بن عبد الله بن محمد ابن عبد البر.
وقال الغساني، سمعت أبا عمر بن عبد البر يقول: لم يكن ببلدنا أحد مثل قاسم بن محمد، واحمد ابن خالد الحباب، قال الغساني: ولم يكن أبو عمر ابن عبد البر بدونهما، ولا متخلفا عنهما.
وقال الحميدي: أبو عمر فقيه حافظ مكثر، عالم بالقراءة وبالخلاف وبعلوم الحديث والرجال، قديم السماع، يميل في الفقه إلى أقوال الشافعي رحمة الله عليه.
وقال ابن فرحون، ابن عبد البر شيخ علماء الأندلس، وكبير محدثيها، واحفظ من كان فيها لسنة مأثورة، ساد أهل الزمان في الحفظ والإتقان.
وقال الفتح بن خاقان في (مطمح الأنفس): أبو عمر يوسف بن عبد الله ابن عبد البر إمام الأندلس وعالمها الذي التحت به بعالمها، صحح المتن والسند وميز المرسل من المسند، وفرق بين بين الموصول والمنقطع، وكسا الملة منه نور ساطع، حصر الرواة، وأحصى الضعفاء منهم والثقاة، جد في تصحيح السقيم، وجد منه ما كان كالكهف والرقيم، مع التنبيه والتوقيف، والإتقان والتثقيف، وشرح المقفل واستدراك المغفل، له فنون هي للشريعة رتاج، وفي مفرق الملة تاج، كان ثقة، والأنفس على تفضيله متفقة.
أما أدبه فلا تعبر لجته، ولا تدحض حجته، له من الصفات والمزايا ما يجعله أحد الأئمة الأعلام.
وقال ابن العماد في (الشذرات): ليس لأهل المغرب أحفظ منه مع الثقة والدين والنزاهة والتبحر في الفقه والعربية والأخبار.
وقال ابن خلكان: أبو عمر بن عبد البر إمام عصره في الحديث والأثر وما يتعلق بهما. وققال صاحب المعرب في حلي المغرب: الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري إمام الأندلس في علم الشريعة ورواية الحديث، وفاضلها الذي حاز قصب السبق، إلى أن قال: أنظر إلى آثاره تغنيك عن أخباره.
وقال ابن بشكوال: لم يكن في الأندلس مثله في الحديث.
وقال الحافظ الذهبي كان ابن عبد البر في أول أمره ظاهريا أثريا، ثم صارا مالكيا مع ميل كثير إلى فقه الشافعي في مسائل لا ينكر له ذلك.
فإنه ممن بلغ رتبة الاجتهاد ومن المسائل التي سار فيها على مذهب الشافعية، الجهر بالبسملة، فقد صنف في ذلك وانتصر له.
تلك أقوال بعض أساطين العلم في الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد البر النمري رحمه الله ورضي عنه وهي قليل من كثير.

آثاره وكتبه:
تلك آثارنا تدل علينا
فانظروا بعدنا إلى الآثار

إن الآثار التي تركها أبو عمر رحمه الله تدل على مكانته السامية في الفقه، والحديث، واللغة، والأدب، وعلم الأنساب، والسير، فهو صاحب التآليف المفيدة الجامعة لأنواع الدراسة والرواية، لم يستطع أحد أن يشق غباره في التحقيق والتمحيص، فقد كان بحرا لا ساحل له في علم الأثر، حائزا قصب السبق في مضماره، متضلعا في علوم اللغة وأصول الشريعة، ومن ثم كان بصيرا بالفقه والرأي، ذو بسطة في الاحتجاج لما يختاره من الآثار، فكانت كتبه في كل فن مطبوعة بطابع الاستقلال في التفكير تظهر فيها شخصيته واضحة نزيهة، تنم عن اجتهاد مبني على تدبر وتمحيص، وقد نفع الله بتآليفه ومصنفاته الدارسين والطالبين لمختلف أنواع العلوم، إذ هي عديمة النظائر والأشباه، لكثرة فوائدها، وجم معلوماتها، وذلك سبب شهرتها وعزتها، فقد وفق الله مؤلفها وأعانه وسدده، فكان عالي السند مقتدرا على البحث بدقة وجلاء يقبل ويرفض عن بينة ومن ألقى نظرة فاحصة على مؤلفاته الكثيرة واطلع عليها عرف سر شهرته وعلم سبب خلود ذكره في مآثر، فقد علا سنده، واستقل رأيه، وأصبح علما بمفرده، ومرجعا في علوم السنة والفقه، ومن أجل مؤلفاته وأعظمها:
1) كتاب التمهيد، لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، وهو كتاب لم يتقدمه أحد إلى مثله وهو سبعون جزءا حسب تجزئة الأصل، رتبة المؤلف على أسماء شيوخ الإمام مالك الذين روى عنهم ما في الموطأ من الأحاديث.
2) كتاب الاستذكار، بمذهب علماء الأمصار، فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار، وموضوع الكتابين الجليلين هو شرح ما جاء في موطأ الإمام مالك من السنة والرأي والآثار وليس الاستذكار اختصارا للتمهيد كما قيل.
3) كتاب الاستيعاب جمع فيه أسماء الصحابة وقد ذيله أبو بكر بن فتحون ولهذا الذيل تكلمة لأحمد ابن السكن.
والكتاب مطبوع بهامش الإصابة على نفقة جلالة الملك المولى عبد الحفيظ رحمه الله.
4) كتاب جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله.
5) كتاب الدرر في اختصار المعاني والسير.
6) كتاب العقل والعقلاء وما جاء في أوصافهم.
7) كتاب القصد والأمم في أنساب العرب والعجم
8) كتاب الاكتفاء في قراءة نافع وأبي عمر بن العلا.
9) كتاب بهجة المجالس وأنس المجالس جمع فيه نوادر ودررا من الشعر والنثر.
10) كتاب الانباه، عن قبائل الرواه.
11) كتاب الانتقاء لمذاهب الثلاثة العلماء، مالك، وأبي حنيفة، والشافعي.
12) كتاب البيان في تلاوة القرآن.
13) كتاب الأجوبة الموعبة.
14) كتاب الكنى في سبعة أجزاء.
15) كتاب المغازي.
16) كتاب الانصاف فيما في بسم الله الرحمان الرحيم من الخلاف انتصر فيه بأدلة كثيرة للجهر بها في الصلاة وهو كتاب صغير في نحو كراستين.
17) كتاب الشواهد في إثبات خبر الواحد.
18) كتاب الاشراف في الفرائض.
19) كتاب اختصار التميز لمسلم.
20) كتاب اختصار احمد بن سعيد.
21) كتاب الكافي على مذهب مالك.
22) كتاب التقصي لحديث الموطأ وهو تجريد لما شرحه في التمهيد من أحاديث النبي عليه السلام مما رواه الإمام مالك في الموطأ.

ويذكر المؤلف رحمه الله أنه تلقى ما في الموطأ من أحاديث وآثار عن شيوخه بالسند المتصل، فقد رواه عن أبي عثمان سعيد بن نصر، لفظا منه، قراءة على المؤلف من كتابه قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، ووهب بن مسره، قالا: حدثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا يحيى بن يحيى عن مالك.
كما يرويه بسند آخر عن أبي الفضل بن قاسم البزار، قراءة من المؤلف عليه، حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي دليم، ووهب بن مسرة، قالا: حدثنا ابن وضاح قال حدثنا يحيى بن يحيى عن مالك، وبسند آخر، عن أبي عمر احمد بن محمد بن أحمد، قراءة من المؤلف عليه، قال: حدثنا وهب بن مسرة الخ السند.
كما يرويه أبو عمر أحمد بن محمد بن احمد هذا قائلا: حدثنا أبو عمر احمد بن مطرف واحمد ابن سعيد، قالا: حدثنا عبيد الله بن يحيى بن يحيى قال: حدثني أبي عن مالك رضي الله عنهم.
وهذا السند كما ترى ثنائي في أصله فهو مروي عن طريق محمد بن وضاح عن يحيى بن يحيى ومن طريق عبيد الله بن يحيى عن أبيه عن مالك. وفيما بعد ذلك يتفرع. فيرويه قاسم بن اصبغ ووهب بن مسرة ومحمد بن عبد الله بن أبي دليم ويتلقاه سعيد ابن نصر عن قاسم ووهب بن مسرة وعنه المؤلف، كما يتلقاه عن محمد بن عبد الله بن أبي دليم ووهب ابن مسرة احمد بن قاسم البزار وعنه المؤلف، أما طريق عبيد الله بن يحيى فعنه أخذه الاحمدان، ابن مطرف، وابن سعيد، وعنهما أخذ أبو عمر احمد بن محمد بن احمد، وعنه المؤلف.
وقد أشار المؤلف إلى سبب اعتماده على رواية يحيى كما أشار إلى أنه سيذكر ما هو خارج عن رايته عنه من أمهات أحاديث الأحكام لأنه روى موطأ الإمام مالك من عدة طرق غير طريق يحيى بن يحيى الليثي وسنوجز تراجم هؤلاء الرجال فيما يلي باستثناء من مر ذكره من شيوخ ابن عبد البر.
1 ـ يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس، يكنى أبا محمد ويكنى أبوه يحيى بأبي عيسى وهو من مصمودة طنجة أسلم جده وسلاس على يد يزيد بن أبي عامر الليثي الكناني، فكان ولاؤه فيهم، فهو ليثي ولاء، رحل إلى الشرق وهو ابن 28 سنة، وسمع من الإمام مالك الموطأ غير أبواب من كتاب الاعتكاف حدث بها عن زياد، وأعجب مالك بسمت يحيى وعقله، فسماه العاقل، وأوصاه عند وداعه بطلب منه، فقال: عليك بالنصيحة لله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، ولم يغادر المدينة حتى توفي الإمام مالك، فحضر جنازته سنة 179هـ، كما سمع من ابن وهب، والليث ورحل مرة أخرى فسمع من ابن قاسم، وحمل معه علما كثيرا، كما سمع من أبي عيينة، ونافع ابن أبي نعيم القارئ، وعاد إلى الأندلس بعلم غزير، فكان من أكبر أسباب انتشار مذهب مالك بالمغرب والأندلس، توفي رحمه الله سنة 234هـ.
2 ـ عبيد الله بن يحيى بن يحيى الليثي فقيه قرطبة ومسند الأندلس بعد والده، يكنى أبا مروان روى عن والده موطأ الإمام مالك، ورواه عنه خلق كثير، من أجلهم أبو عمر أحمد بن مطرف وأحمد بن سعيد، كان محترما عند العامة والخاصة، مات سنة 298هـ.
3 ـ محمد بن وضاح بن بزيغ أبو عبد الله، مولى عبد الرحمان بن معاوية بن هشام، من الرواة المكثرين، والأئمة المشهورين، رحل إلى الشرق في طلب العلم، سمع آدم ابن أبي اياس، ويحيى بن معين، وابن أبي شيبة، وغيرهم كثير، وسمع بافريقية من سحنون بن سعيد التنوخي، وبالأندلس من يحيى بن يحيى الليثي، وحدث بالأندلس، وتلقى عنه العلم بها خلق كثير، من جلتهم وهب بن مسرة، وابن أبي دليم، وقاسم بن اصبغ، توفي سنة 286هـ.
4 ـ قاسم بن اصبغ بن محمد بن يوسف بن ناصح البياني، أبو محمد، إمام من أئمة الحديث، حافظ مكثر، سمع من محمد بن وضاح، ومحمد بن عبد السلام الخشني، ورحل إلى الشرق، فسمع من محمد بن إسماعيل الترمذي وإسماعيل بن إسحاق القاضي وغيرهم، له كتاب المجتبى، على غرار المنتقى لابن الجارود، وكتاب في الناسخ والمنسوخ، وكتاب في فضائل قريش، وآخر في غرائب حديث مالك، وما ليس في الموطأ. روى عنه جماعة من أكابر العلماء أمثال عبد الوارث بن سفيان، وابن الجسور، وسعيد بن نصر، وغيرهم، مات بقرطبة سنة 340هـ رحمه الله.
5 ـ وهب بن مسرة بن مفرج بن حكيم التميمي، أبو الحزم، سمع من ابن وضاح، وعبيد الله بن يحيى، والاعناقي، وقاسم بن اصبغ، والخشني، وابن وهب، ومحمد بن غزرة وغيرهم، كان إماما، ثقة، حافظا، فقيها، ضابطا، مع ورع وفضل، استقدم إلى قرطبة، وسمع منه علم كثير، حدث عنه جماعة من الأئمة، منهم أبو عثمان سعيد بن نصر، واحمد بن قاسم البزار، تكلم في الحديث وعلله، له كتاب في السنة رحمه الله.
6 ـ محمد بن محمد بن عبد الله بن أبي دليم، يكنى أبا عبد الله، كان عالما فقيها زاهدا متبتلا، من أكابر علماء الأندلس وخيارهم، واسع العلم، جم الفضل، من النساك الصالحين المجتهدين، امتنع عن الجلوس للناس إلى أن توفي كثير من أصحابه، فجلس للحديث قبل وفاته بثلاث سنوات، قال عنه الباجي، من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى ابن أبي دليم، سمع من محمد بن وضاح وغيره، وسمع منه خلق كثير، منهم أحمد بن قاسم البزار، كان صرورة لا يطأ النساء لم يتداو قط ولا احتجم، عاش 84 سنة وكانت وفاته سنة 372هـ رحمه الله.
7 ـ أبو عمر أحمد بن مطرف بن عبد الرحمان، يعرف بابن المشاط، كان رجلا صالحا فاضلا معظما عند ولاة الأمر بالأندلس يستشيرونه في المهام، وقد كان صاحب الصلاة، روى عن سعيد بن عثمان الاعناقي، وأبي صالح أيوب بن سليمان، وعبيد الله بن يحيى بن يحيى الليثي، وغيرهم، روى عنه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المعروف بابن القراميدي، وأبو عمر أحمد بن محمد بن الجسور، وكانت وفاته سنة 352هـ رحمه الله.
8 ـ أحمد بن سعيد بن حزم الصدفي المنتجلي أبو عمر، كان عالما فقيها، سمع بالأندلس جماعة من الأئمة، مثل أبي عثمان سعيد بن عثمان الاعناقي، ومحمد بن قاسم، كما سمع من فطاحل الشرق في رحلته، أمثال إسحاق بن إبراهيم بن النعمان، وأبي جعفر محمد بن عمر بن موسى العقيلي، وابن أبي عجينة احمد بن عيسى المصري صاحب عبد الله بن أحمد بن حنبل، توفي الصدفي رحمه الله سنة 350هـ.
هؤلاء هم رجال السند الذي روى به المؤلف موطأ الإمام مالك عن يحيى ابن يحيى الليثي رحمهم الله ورضي عنهم وكلهم أقطاب ثقات أفاضل.

وفاته:
انتهى المطاف بأبي عمر بن عبد البر إلى مدينة شاطبة وبها أدركته منيته ليلة الجمعة آخر ربيع الثاني سنة ثلاث وستين وأربعمائة عن خمس وتسعين سنة وخمسة أيام رحمه الله رحمة واسعة وأجزل ثوابه ونفع بمعلوماته المسلمين آمين.

 

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here