شارك

خطاب 20 غشت

  دعوة الحق

العددان 101 و102

احتفل الشعب المغربي الوفي في يوم 20 غشت بذكرى ثورة الملك والشعب، تلك الثورة التي غيرت وجه التاريخ المغربي والإفريقي وفجرت طاقات المستضعفين في الأرض، الذين أرهقهم الجزع، وأقلقهم الخوف وتخطفهم الناس ففتحت لهم آفاق الحرية والمجد والكرامة.
ففي الساعة الثانية بعد زوال ذلك اليوم الرائع الأغر المشهود وجه صاحب الجلالة مولانا الحسن الثاني نصره الله وحفظه من قاعة العرش خطابا ساميا بهذه المناسبة الميمونة على أمواج الإذاعة وشاشة التلفزة بحضور أعضاء الأسرة الملكية الماجدة، وأعضاء الحكومة، وبعض الضباط السامين.
ثم توجه إثر ذلك -حفظه الله- إلى ضريح مولاي الحسن مرفوقا بصاحب السمو الملكي الأمير مولاي عبد الله وأعضاء الهيئة الوزارية ومديري الدواوين الملكية، وكبار ضباط القيادة العليا حيث أدى جلالته صلاة الظهر، وترحم على روح فقيد العروبة والإسلام مولانا محمد الخامس قدس الله روحه، ونور ضريحه.
وفيما يلي نص خطاب صاحب الجلالة بمناسبة هذه الذكرى المجيدة الخالدة.


شعبي العزيز...
من الذكريات العالقة بنفوسنا، المتمكنة من أفئدتنا، المتصلة بمشاعرنا أمتن اتصال وأقواه، هذه الذكرى التي نحتفل بها في يومنا هذا، والتي نحتفل بها كلما آن مثل هذا الأوان، تخليدا لما ترمز إليه وتشير، وتدل عليه من تحول كبير في مجرى التاريخ لم يلبث أن أفضى إلى إزهاق الباطل وإحقاق الحق وتقرير المصير، وسيبقى احتفالنا بهذه الذكرى على تراخي الأيام وتوالي الأعوام فرضا علينا مفروضا وواجبا يلزمنا لزاما وعادة متصلة يجري عليها الخلف بعد السلف وتتوارثها الأجيال تلو الأجيال.
فلقد أحسست شعبي العزيز منذ أربعة عشر عاما في مثل هذا اليوم إحساسا بليغا بأن يدا باغية معتدية امتدت إلى أعز ما نعتز به وتطاولت على مناط أسنى أمانيك ومعقد أسمى مطامحك وأراجيك، وأدركت إدراكا صحيحا بأن الباعث على البغي المقترف والحامل على العدوان المجترم مردهما إلى رغبة مبيتة أثيمة في تحطيم تلك القوة المكينة التي تضافر على خلقها تجاوب صادق عميق بينك وبين رمز سيادتك الجالس على عرش بلادك، وتبادل مستحكم عريق بين مشاعرك ومشاعر قائدك وراعيك، واتحاد جامع وثيق بين مطامحك ورغائبك وبين المقاصد والغايات التي تصبو إليها همة رائدك وعائدك فأبيت صولة العدوان بعد إباء من أسلمت إليه زمام أمرك واستنكرت جولة الطغيان كما استنكرها وامتعضت للحق امتعاضه مما أريد بك واستنكفت من الاستسلام بشيء كنت تعلم باطله، وقد آثرك إمام المجاهدين والدنا الهمام محمد الخامس رضي الله عنه وأرضاه على الدعة والطمأنينة والراحة، ولم يبتغ بك بديلا، ولم يختر عنه تحويلا، ولم يسلس القيادة لمن همهم التفريق والتبديد وسعيهم السعي الشديد في الإقناع بمنطق العتاد العتيد والإكراه على الرضا بالواقع المفروض والاستبداد السافر والتصرف الجائر.
فكانت تلك الثورة المباركة الميمونة ثورة الملك والشعب، وكانت تلك المعركة التي خضت غمارها أنفة وحمية وأخذا بالثأر، وانتقاما بعد إبعاد سيد البلاد وأفراد أسرته عن وطنهم المحبوب وتضحيتهم الكبرى من أجل إعلاء شأنه وإعزاز جانبه، خضت هذه المعركة بالإيمان الصادق الذي هو مصدر كل بطولة واستبسال ومنبع كل شجاعة وإقدام.
لا ترهبك العدة والعتاد، ولا ينال من عزيمتك التنكيل والعذاب، ولا يفت في عضدك القسوة والعقاب، ولا تقف في وجهك العراقيل والصعاب، وأعلنتها حربا ضروسا على السلطة المتحكمة التي سبلت الحقوق المشروعة واستهدفت إسكات الكلمة المسموعة وتقنعت بالتحريف والتزييف والبهتان لارتكاب الجريمة ومباشرة العدوان.
ووطنت نفسك شعبي العزيز على تحمل المكاره ومعاناة الشدائد وركوب المسلك الوعر، وصممت على الاسترسال في المقاومة والنضال إلى أن تبلغ الغاية المقصودة من جهادك وكفاحك، وذلك ليعلم الذين استهانوا بحقوقك واستخفوا بكرامتك غير مبالين بتلك الأواصر التي تجمع بينك وبين رمز سيادتك، لا مكترثين بحرصك على هذا الرمز وضنك به، ليعلموا أنك صادق الولاء والوفاء في الشدة والرخاء والعلانية والخفاء، وليدرك فوق ذلك أولئك الذين بيتوا لبلادك شرا وأرادوا لوطنك سوءا وقسرا أن للظلم وإن تفاحش حدا، وللعدوان وإن تواتر نهاية، وأن تضحية الملك بعرشه في سبيل حرية شعبه وصيانة كرامته وتحقيق سؤدده واسترجاع مجده تضحية مثلى، مفروض على شعب أبي موتور مجبول على شكر النعمة واليد البيضاء أن يوالي ذلك الشعب المساعي الكريمة ولو كانت أليمة ويجزل ذلك الشعب التضحيات ولو كانت جسيمة حتى يرتفع الظلم ويزول، ويتقلص العدوان ويحول، وتستقر الأمور في القرار الذي يثلج القلوب والصدور، ويرضي المشاعر والضمائر ويشيع في النفوس الطمأنينة والارتياح.
وكتب الله لثورة الملك والشعب ما كانت حرية به من نجاح مأمول وفوز مسؤول، فعاد الملك من منفاه السحيق مظفرا منصورا، يحمل لشعبه أنفس الهدايا وأغلى البشائر، ويزف إليه نبأ انتهاء عهد الحجر والحماية وخبر بزوغ فجر الحرية والاستقلال.
وما كانت هذه الأمنية الغالية لتتحقق لولا النضال المرير الذي التحمت فيه إرادة الملك وإرادة الشعب، ولولا الكفاح الطويل الذي اجتمعت فيه الكلمة، واتحدت خلاله الصفوف وتضافرت طواله الجهود، واستبان في أثنائه أنك شعبي العزيز لا تقبل الضيم ولا تقيم على الخسف ولا تغض الطرف عن الحيف، وأنك قادر على أن ترد كل عادية مهما كان مصدرها، وتصد كل غارة وإن اختلفت وجوهها وتباينت أصنافها، شملك مجموع، وبنيانك مرصوص، وحصنك حصين، وركنك مكين، وتصميمك عضب لا يفل، وحسام لا ينثني، فتغضب للحق كلما استهدفه بطش أو عدوان، وتنتفض لكرامتك كلما تعرضت لهوان انتفاضه آبائك وأسلافك الذين عطروا صفحات التاريخ بما أوتي عنهم في البأساء والضراء من إباء وتضحية وفداء، فإذا كان هذا اليوم، يوم ذكرى التضحية الكبرى وتخليد مواجهة الاعتداء ومكافحة الكيد والرياء ومنازلة الكبرياء والاستعلاء، يوم وعي وتدبر واستعراض لحقبة من تاريخنا المجيد واستخلاص للدروس والعبر وتوكيد لإخلاصنا للقيم الروحية وتعلقنا بالمبادئ السامية التي كفلت لنا التغلب على العقبات، وضمنت لنا بلوغ أجمل المقاصد والغايات، فإن مقاومة إخواننا وأشقائنا سكان فلسطين الذين يكافحون اليوم استنكافا من الظلم والهوان، ويجاهدون إباء واحتسابا واسترجاعا للحق الذي اغتصب اغتصابا، واعين بمعنى المعركة ومغزاها، لمقاومة جديرة بالتنويه والإكبار والدعاء لها بالفوز والانتصار.
وهكذا شعبي العزيز تحطم الشعوب، بمضاء عزائمها ورسوخ عقيدتها وإيمانها، قيود الاستبداد والاستغلال، وتتخلص من ربقة السيطرة والاحتلال، وليست هناك قوة تستطيع كبح جماح انطلاقها، والوقوف في وجه اندفاعها، متى توفر لديها ذلك الرصيد الذي لا معدى عنه ولا غنى، ألا وهو الإيمان بالحق المشروع، والإرادة والصرامة التي تعرف أهدافها ومقاصدها، ولا تنحرف عن هذه الأهداف والمقاصد، ولا تزيغ [...] ورسم الخطط وإحكام التدبير وإتقان التسيير والأخذ بأسباب اليقظة والحزم واسترخاص كل غال ونفيس في نطاق التضحية والفداء.
وإن ما باشرته بلادنا من جهاد رابح، وجلاء ناجح في مرحلة من مراحل حياتها لهو سابقة في تاريخ شعب في العروبة والإسلام عريق، قمينة بأن تشحذ الهمم وتبري أسنة النفوس عند ما تغتصب الحقوق المشروعة وتسلب أو تداس المقدسات وتهان الحرمات، ويكشف المعتدون القناع عن أخس الطوايا وأسوأ النيات.
شعبي العزيز، إنك لتعلم أننا بمجرد ما أتم الله على هذه البلاد نعمة الحرية والاستقلال انصرفت عنايتنا واتجه اهتمامنا إلى إعداد أنفسنا للاضطلاع بالمسؤوليات التي تفرضها السيادة الكاملة إلى دعم هذا الاستقلال وإقامة صرحه على أمتن القواعد وأرسخ الأسس.
وليس بخاف عنك أن هذه الغاية متعددة الجوانب شاملة لميادين مختلفة، كان علينا أن نواجه ما يعترضنا فيها من مشاكل ونعالجها بأنجع الحلول والوسائل، وقد سرنا بحول الله سيرا بعيدا وقطعنا أشواطا متلاحقة في سد الثغرات ورأب الصدع، والتشييد والترميم تنظيما وتجهيزا وإصلاحا.
وبالرغم عما أشاعه دعاة الاستعمار وما روجوه من أراجيف وأباطيل موهنات للعزائم، ومخدرات للهمم، فإننا والحمد لله استطعنا أن نبقى الدولة قائمة الكيان ثابتة الأركان راسخة البنيان عزيزة الجانب موفورة الكرامة ملحوظة بعين الإكبار والاحترام، وما ذلك إلا لأن المساعي التي قمنا بها، والجهود التي بذلناها، والأعمال التي حققناها أو نعتزم تحقيقها، كانت وما تزال تتسم بسيماء الجد والفعالية والتبصر والحكمة ورعاية الصالح العام.
وما كان نظرنا منذ أن ألقى الله إلينا زمام أمرك ومقاليد السهر على شؤونك مقصورا على ما يفرضه الحاضر الحافل بالمشاكل اليومية، ولا منقطعا إلى معالجتها والتخلص منها، وإنما يمتد إلى المستقبل مستهدفا ضمان حياة أفضل وأجمل وأرغد وأسعد لجيلنا وللأجيال الناشئة، وإن ما رسمناه من خطط واتخذناه من تدابير وشرعناه من قوانين لتحقيق الإصلاح الزراعي وتنمية المحاصيل وتقوية الاستثمار وبناء السدود وتصنيع البلاد وتوفير الشغل لليد العاملة، كل هذا تألف منه جملة من المنجزات والمشاريع كفيلة بمضاعفة إمكانياتنا وتكثير مواردنا وتزايد إنتاجنا، وبالتالي إيجاد ثروة شاملة لا تخص جهة دون أخرى ولا فئة من أفراد شعبنا دون سواها.
وبفضل هذا الثراء العميم والازدهار الضافي سنكتسب غنى يؤازر غنانا وقوة تعزز مالنا من قوة، فإذا كسبنا هذه المعركة الجديدة، معركة التنمية والإثراء، ولا شك أننا بعون الله لها كاسبون، فإن عائدة هذا الانتصار لن تعود علينا وحدنا، بل ستكون حظا مشاعا بيننا وبين إخواننا العرب والمسلمين تضم به شوكتهم ويستد به ساعدهم.
شعبي العزيز.. إذا كان احتفالنا اليوم بذكرى البطولة والإيثار والشهامة والاستشهاد احتفالا يخلد صفحة من صفحات تاريخنا المجيد وينوه ويشيد بتلك الغرة الغراء التي انطبعت على جبين هذا الوطن العزيز والتي ستبقى مدى الأحقاب والعصور مشرقة مضيئة وتراثا ادخره الآباء ليعتز به الأبناء، فإن على هؤلاء الأبناء أن يحافظوا على هذا التراث ويحرصوا على هذه الذخيرة محافظة وحرصا يتجدد معهما اليقين كلما أزف موعد الذكرى وحان وقت إحيائها بأنهم للجميل عارفون وللخير شاكرون وعلى العهد باقون، وللأمانة راعون.
شعبي العزيز.. في هذه الساعة التي يملأ قلوبنا الخشوع، ويغمرنا الشعور بجلال هذه الذكرى يهيمن علينا فيه جميعا روح سيد الأبطال وقائد المعركة والنضال والدنا المقدس طيب الله ثراه وجعل الجنة مثواه والفردوس مأواه، نتوجه إلى الله الكبير المتعال أن يثيبه الثواب الجميل والأجر الجزيل على ما أسلف لهذه البلاد وأسدى وخلف وأبقى، كما نبتهل إليه جل وعلا أن يغدق شآبيب رحمته ويشمل بواسع عفوه وغفرانه ويسكن جنات رضوانه شهداءنا الأبرار الذين صدقوا الله ووفوا بالعهد وأخلصوا لله والملك والوطن.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأيدهم بنصر من لدنك مبين، وثبت أقدامهم، وألف بين قلوبهم، واجمع كلمتهم على الحق والتقوى، وأقل عثارهم، وجنبهم المكاره والبلوى، (ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [آل عمران: 147]، صدق الله العظيم، والسلام عليكم ورحمة الله.

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here