islamaumaroc

لو أبصرت ثلاثة أيام (تر.ع.ه.التازي)

  دعوة الحق

100 العدد

تعرضت هيلين كيلير وهي في الشهر الخامس من عمرها لمرض حرمها من بصرها وسمعها ومنعها أيضا من الكلام، بيد أنها بفضل العون الذي قدمته لها أستاذتها المز آن صاليفان ماسي- استطاعت أن تتعلم النطق وهي في السن العاشر، وبمرور الأعوام عرفت كيف تتخلص من عالم البؤس والصمت إلى عالم السعادة والكلام، وبعد تخرجها بتفوق من كلية راد كليف( ولاية ماساشوستس) سنة 1904 أتصرفت للقراءة والتأليف. وقد مكنتها شهرتها من التنقل عبر كثير من بلاد الدنيا حيث لقيت الترحيب والتكريم من سائر رجال الفكر، وقد كان في جملة البلاد التي زارتها مصر سنة 1952 صحبة سكرتيرتها الآنسة بولى كمسون، وقد كان كتابها«قصة حياتي»«The story of my life» أول ما الفت ولكنه ليس آخرها فلها«The word i live in the song of the stone wall» ولها:«The practice if optimism» وغير هذا من عشرات الكلمات والمقالات التي توحي بالشكر على نعمة الحواس وتدعو إلى استعمالها فيما خلقت من اجله...
وقد نقل كتابها« قصة حياتي» إلى اللغة العربية الأستاذ أمين موسى قنديل. كما عرب كتابها حول معلمتها الدكتور حسن فوزي النجار، هذا إلى تعريبات أخرى قام بها بعض الأدباء لجملة من نتاجها.
وقد حبب إلى أن أقوم بنقل إحدى مقالاتها المختارة إلى اللغة العربية، وفضلت هذه المقالة بالذات لأنها في نظري أفضل نصح وأصدقه يمكن أن يقدم إلى أولئك الذين تحتف بهم النعم من كل الجهات ثم هم يكفرون بها ويستسلمون للأوهام واليأس والقنوط. فالمقال إذن«دعوة» لناس أن يلتفوا فيما حواليهم من كنوز وثروات حقيقية.
ولهذا فأنني اقترح عليك أيها القارئ أن تستوعبه مهما كانت مشاغلك، وكيفما كان مركزك، وحيثما كان مقامك، وسواء أكنت من الذين يدركون حقائق الأشياء فهم يجدون الراحة فيما يحيط بهم من مباهج، أم من أولئك الذين أضنتهم مباهج، أم كنت من أولئك الذين اضنتم متاعب الحياة فهم من مبادلها سرمدا يضحكون ويشكون..».
كل واحد منا قرأ أساطير رائعة عاش أبطالها لحظات معينة تطول أحيانا حتى ليخل إلينا أنها بلغت السنة كاملة، وتقصر أحيانا حتى لا تتعدى في اعتبارنا أربعة وعشرين ساعة، بيد أننا نهتم دائما بمعرفة الرغبات التي اختارها هذا البطل أو ذاك ليقضي معها أواخر أيامه أو أواخر ساعاته. أتحدث طبعا عن أولئك الذين لهم نوع من الاختيار وليس عن الآخرين من الذين حكم عليهم أو من الذين ضاقت أمامهم الآفاق..
إن مثل تلك الأساطير تجعلنا نفكر ماذا يجب علينا أن نفعل لو عشنا نفس تلك الظروف، ما هي الأشياء ؟ ما هي التجارب ؟ ما هي الأعمال التي نختار القيام بها في هذه الساعات الأخيرة من حياتنا ؟ ما هو نوع السرور الذي سننعم به ونحن نعيش هذه الفترات ؟ وما نوع الأسى والأسف الذي سنحسه ؟
لقد فكرت في بعض الأحيان بان أفضل طريق وأحسنها هي أن تعيش كل يوم كما لو إننا سنموت غدا. وان مثل هذا الشعور منا سيقوي من قيمة الحياة ومتعتها في نظرنا، يجب علينا أن نعيش كل يوم ونحن نقدر تمام التقدير وندرك تمام الإدراك النعم التي تحيط بنا، والتي غالبا ما تفقد قدسيتها عندما يمر أأمنا الزمان في هذا المشهد العام الدائم الذي يمضي بأيامه وشهوره وعوامه...أولئك طبعا هو الذين يعيشون دوامة ابيقور المتخلصة في «كل واشرب وامرح» بيد أن اغلب الناس يريدون أن يعيشوا في عذاب وهم يشعرون بحقيقة الفناء الوشيك.
أن البطل المحكوم عليه في مختلف الأساطير كثيرا ما نراه ينجو في آخر لحظة عن طريق اسعافة من حظ سعيد، لكن الملاحظ إننا في اغلب الأحيان نرى إحساسه بقيم الحياة كثيرا ما يتغير، انه يمسي أكثر تقديرا لمعاني الكون ولإسراره لروحية الدائمة...وفي جل الحالات نرى أن أولئك الذين يعيشون أو عاشوا في ظلال الموت، وعلى مقربة من شبحه هو الذين يتذوقون لذائد الظروف التي يحيونها.
لكن معظمنا مع كل ذلك يأخذ الحياة على أنها ممنوحة له مخولة. فنحن نفهم انه لابد من يوم آت لا محالة نسلم فيه الروح بيد أننا غالبا ما نتصور أن هذا اليوم بعيد وبعيد جدا ! ! ! ! وعندما نكون في حالة صحية جيدة فان الموت عندئذ يمسي أمرا غير وارد بتاتا بل انه لا يخطر على بالنا إلا عابرا، وهكذا أيضا نسير في زحمة أشغالنا الطفيفة الزهيدة عالمين- ولكن بصعوبة- بموقفنا إزاء هذه الحياة...
وان هذا السبات نفسه هو الذي يقدر نعمة السمع، وان الكفيف وحده هو الذي يقدر ضروب السعادة التي تكمن في نعمة البصر. أن هذه الملاحظة تنطبق عمليا على أولئك الذين فقدوا حاسة النظر أو حاسة السمع في حياتهم المبكرة. لكن الذين لم يسبق لهم أن اشتكوا من الحرمان، لم يسبق لهم أن فقدوا بصرا أو سمعا، أولئك قليلا ما يحسون بعظمة النعمة في الاستفادة من هذه الحاسة المقدسة..أن أبصار هؤلاء تقع على كثير من لمناظر كما أن إسماعهم تتلقى مختلف الأصوات ولكن دون اكثرات ودون إمعان بل وبقليل من التقدير ! أنها نفس الكلمة التي تردد: لا يعرف الإنسان بمقدار عافيته أي عندما يكون طريح الفراش! كثيرا ما فكرت في أن هذا الإنسان أي إنسان لو أصيب بفقد بصره أو فقد سمعه لبضعة أيام من بداية حياته الأولى لظل يشعر سرمدا بأريج السعادة الذي يحف به. أن الظلام سيجعله لا محالة أكثر تقديرا للور الذي يراه صباح ومساء، وان الصمم المطبق سيعلمه دون شك متعة وقع الصوت على مسمعه!
لقد كان يلذ لي أحيانا أن اسأل رفاقي الذين يبصرون لا عرف عن بعض ما كانوا يرون، وقد تقبلت في هذه الأيام زيارة صديقة من اعز صديقاتي كانت قد رجعت منذ قليل من جولة لها طويلة في إحدى الغابات المجاورة، سألتها ما إذا رأت وماذا لاحظت ؟ فكان جوابها بالحرف:«لا شيء يستحق الذكر !» ولو أنني لم أكن معتادة مثل هذا الجواب لداخلني الشك فيما سمعت. لقد اقتنعت منذ زمن بعيد أن هؤلاء الذين يبصرون لا يرون في الواقع إلا قليلا !
قلت في نفسي: كيف يكون من الممكن أن يتحول المرء لمدة ساعة من الزمن بين منعطفات الغاب ولا يرى شيئا يستحق الذكر! أنا التي لا استطيع أن أبصر شيئا اكتشفت مئات الأشياء التي تهيمن من خلال اللمس العابر...اشعر- وأنا المس- بالتناسق اللطيف الذي أجده بين أوراق الشجر، أر بيدي أتحسس هذا الأديم الناعم الذي يلف بعض الأشجار الفتية بل وحتى هذا اللحاء الاشعت الخشن الذي يكسو الصنوبر...وفي فصل الربيع أتلمس الغصون وفروع الشجر وكلي أم في البحث عن البراعيم، عن الطلائع الأولى لطبيعة اليقظة بعد سباتها العميق في فصل الخريف. أحس بالبهجة والنعومة وأنا ارتب الزهور واكتشف ما في طيات هذه الورود من جمال، هناك تظهر لي معجزة الطبيعة في أجلى مظاهرها.. ومن وقت لآخر- إذا ما أسعفني الحظ- أضع يدي بلطف وتوادة على شجرة صغيرة لا تحسس الرعشات المنعشة التي تنبعث من طائر وهو في أوج سروره، سأكون سعيدة عندما اشعر- من خلال أصابعي المتفتحة- ببرودة المياه المتدفقة في الجداول بالنسبة إلي فان فراشا ناعما من أوراق الصنوبر المتناثرة، أو من الربيع الأسفنجي أحب إلي من أروع زريبة حتى ولو كانت فارسية !! وبالنسبة إلي فان مشاهد رواية تمثيلية أخاذة غير ذات نهاية انعم بها عن خلا تلمس أناملي...
يصرخ قلبي من أعماقه في بعض الأحيان وفي شوق متزايد ليشاهد هذه الأشياء، وإذا استطعت أن احصل على متعة مثل هذه: مجرد لمس عابر فأي جمال وأي بهاء اشعر به وأنا أرى ذلك رؤيا عين. أن أولئك الذين يتوفرون على عيون، يبصرون فعلا كما يجب، أن المنظر الشامل لمختلف الألوان ومختلف الحركات التي يزدان بها هذا الكون كذلك يلاحظه معظم الناس دون أدنى تفكير...قد يكون من الإنسانية أن نقدر قليلا الأشياء التي تحت تصرفنا وان نتوق إلى الأشياء التي ليست في متناول، بيد انه مما يدعو إلى الإشفاق الكبير أننا في عالم النور نلاحظ أن حاسة البصر تعتبر لدينا على أنها أداة زهيدة فقط قبل أن تعتبر على أنها وسيلة تضفي على الحياة الكمال والجمال.
لو كنت رئيسة جامعة لكان علي أن افرض مادة إجبارية حول موضوع:«كيف تستفيد من عيوبك» يكون على الأستاذ في هذه المادة أن يحاول إفهام طلبته الوسائل التي تمكنهم من أن يضاعفوا المتع التي تزدان بها حياتهم عن طريق الرؤية الحقيقية للأشياء التي تمر أمامهم دون أن يعيرونها أدنى اهتمام، نعم يكون عليه أن يحاول إيقاظ طاقة طلابه وبعثها من نومها وفتورها...
اعتقد انه من الممكن أن ارسم على سبيل التخيل ماذا يكون علي أن أرى لو أنني وهبت نعمة البصر فقط لمدة ثلاثة أيام..فحاولوا أن تشاركوني في هذا الخيال كذلك..ركزوا تفكيرهم فيما أقول وأنا أحاول أن نجد استعمالا للزمن طيلة هذه الأيام الثلاثة التي سنبصر فيها بام عيوننا نحن...
عندما تشعر بان الليلة الثالثة ستحمل معها اقتراب عودة الظلمة الدائمة، وعندما تشعر بان الشمس سوف لا تعود أبدا للظهور مرة أخرى، كيف تقضي تلك الأيام الثلاثة الثمينة المحددة المزدحمة؟ ماذا ستختار أن يقع بصرك عليه؟
سأختار أنا طبعا أن أرى أكثر الأشياء التي أصبحت عزيزة علي طيلة السنوات المظلمة التي عشتها، وانتم كذلك ولا شك ستفضلون أن تتركوا لعيونكم الحرية الكاملة لتقع على الأشياء التي أمست محببة لديكم وذلك حتى تستطيعوا أن تحتفظوا لأنفسكم بذكراها في الليل إليهم الذي يعترض طريقكم.
نعم إذا ما منحت بقدرة قادر فرصة النظر لمدة ثلاثة أيام أكون بعدها مهددا بانتكاسة تسلمني إلى الظلام الدائم، آنذاك سأوزع هذه الفترة من حياتي على ثلاثة مراحل:
ففي اليوم الأول سيكون أول ما أقوم به هو رؤية هؤلاء الناس الذين جعلوا من حياتي شيئا يستحق  الذكر بفضل عطفهم ولطفهم وإخلاصهم. أولا سيكون علي أن انعم النظر طويلا في محيا عزيزتي وأستاذتي المسز صاليفان ماسي التي وردت علي ذات يوم وأنا ما أزال طفلة وفتحت أمامي هذا العالم الجديد.. لا أريد أن تكون رؤياي عابرة تقتصر على تلمح الخطوط البارزة لأسارير وجهها من اجل الاحتفاظ بذكراها في مخيلتي فقط، ولكني أريد أن ادرس ذلك الوجه درسا لأقرأ فيه الشاهد الجلي على ذلك العطف والود والصبر الذي كانت تتجلى به وهي تقوم بأداء مهمتها الشاقة من اجل تربيتي وتعليمي. أريد أن أرى عيونها المليئة بالعزم والقوة التي جعلتها تقف وقفة شهم حازم أمام سائر المصاعب..عيونها المليئة بالرحمة والشفقة بجميع أفراد الإنسان.

لا اعرف ماذا سأراه في أعماق قلب صديقة من خلال العين:«نافذة الإنسان» كنت استطيع أن اكشف الفرح والحزن وسائر الانفعالات الظاهرة..اعرف صديقاتي وأصدقاء عن طريق لمس وجوههم، لكني لا افرد حقيقة أن ارسم صورة لمس وجوههم، لكنني لا اقدر حقيقة أن ارسم صورة في مخيلتي لأشخاصهم عن طريق مجرد اللمس،أعرف شخصياتهم طبعا من خلال«الوسائل الأخرى» من خلال الأفكار التي يعبرون لي عنها، من خلال أعمالهم وتصرفاتهم مهما كانت..ومع ذلك فاني محرومة من النفوذ إلى أعماقهم ذلك النفوذ الذي يتم دون شك عن طريق النظر في وجوههم، عن طريق ملاحظة ردود الفعل التي يقابلون بها مختلف النظريات التي يسمعونها أو الظروف والملابسات التي تمر بهم عن طريق التفاعلات والإحساسات المباشرة والعابرة التي تتجلى من العيون وملامح الوجوه.
اعرف جيدا الصديقات اللاتي يترددن علي لأنهن ظللن عبر الشهور والأعوام يشخصن أمامي في شتى المظاهر، بيد أن الزملاء العابرين ليس لي منهم إلا بعض الانطباعات الناقصة، انطباعات توفرت عليها عن طريق احتضان أو سلام، عن طريق بعض الكلمات التي التقطها من بين شفاههن، بمساعده أناملي أو بعض الكلمات التي ينقرن بها على راحة يدي. كم يكون سهلا وكم يكون من بواعث الارتياح بالنسبة إليكم انتم الذين تستطيعون أن تبصروا بعيونكم وان تدركوا بكل سرعة الصفة الأساسية للأشخاص الآخرين بمجرد رؤية الحركات التي تصحب التعبير عادة، بمجرد رؤية اهتزاز الأطراف، بمجرد أشارت اليد...ولكن هل خطر مرة ببالكم أن تستعملوا بصركم لتنفذوا به إلى الطباع الداخلية لصديق لكم أو رفيق ؟ أليس أن معظمكم –أيها الذين تبصرون-إنما يدركون عن طريق الصدفة فقط، معالم الوجوه وقسماتها ثم تتركون ذلك يمر كأنه لا يعني..؟
ولا ضرب مثلا أدق أسألكم هذا السؤال: هل تستطيعون أن تصفوا بدقة وجوه خمسة من الأصدقاء الذين تعرفونهم جيدا ؟ بعضكم ربما قدر على ذلك، لكن عددا منكم كثيرا لا يستطيع...وكتجربة خاصة تمت بها أنا اذكر أنني سالت بعض الأزواج ممن عاشروا زوجاتهم طويلا عن اللون الذي تمتاز به عيون أزواجهم..واعترفوا بأنهم لا يعرفون حقا ألوان عيون زوجاتهم! ولهذا أتذكر بهذه المناسبة أن كثيرا من الزوجات لا يفتأن رافعات عقيرتهن بالشكوى من أزواج لهن لا يولون اهتماما لما يطرأ على البيت من ترتيبات طارئة...أن عيون هؤلاء الذين يبصرون لا تلبث أن تعتاد رؤية الأشياء، ولا تلبث أن تصبح تلك الأشياء التي تجري من حواليهم رتيبة مبتذلة.. والناس لا يعيرون في العادة اهتمامهم إلا لبداية الأمور أو للغريب الغير العادي منها، على انه مع كل هذا، ففي اغلب الأمور التي تستحق المشاهدة نلاحظ أن العيون تمسي كسلانة لا تتحمل استجلاء الأشياء، وهناك حقيقة ينبغي أن تسترعي اهتمامنا هي أن مجالس القضاء والمحاكم تكشف كل يوم عن الخطأ الذين يتقدمون إليها على أنهم« شهود عيان»! فعلا هناك عدد من الحوادث يشاهد على عدة طرق تبعا للأداء المختلف لشاهدي العيان! احدهم تكون ملاحظته أقوى من الآخر لكن القليل من الناس هو الذي يرى كل شيء يدخل تحت مجال بصره..
آه ! ما أكثر الأشياء التي علي أن أراها لو توفرت لدي حاسة البصر لمدة ثلاثة أيام فقط !
نعم سيكون اليوم الأول من أكثرها ازدحاما في العمل..سيكون علي أن أدعو سائر أصدقائي وأعزائي لا تملي من النظر إلى وجوهم طويلا وذلك لا طبع على مخيلتي المشاهد الظاهرة للجمال الذي يعلونهم، سيكون علي أن اترك الفرصة لعيوني كما تأخذ رأتها في النظر العميق إلى وجه طفل من الأطفال وذلك لأخذ فكرة عن الجمال الصاعد البريء الذي يتقدم على مرحلة شعور الشخص بما ينتظره في الحياة من صراع ونزاع.
وكذلك فان مما سيطربني دون شك أن أحدق بإمعان في عيون كلابي الوديعة الأمينة (صكوتي) (ضاركي) الصغيران اللذان يمتازان بجديتهما وذكائهما..وكذلك (كوبط دان)و(هيلكا) الضلعين الحاذقين هاته الكلاب التي كانت لي نعم العزاء ونعم السلوى بملمسها الناعم، وصداقتهما الوفية.
في هذا اليوم الأول المليء بالشغال سيكون علي أن أرى هذه الأشياء البسيطة الصغيرة التي يضمها بيتي، أريد أن أرى هذه الألوان الدافئة التي تتوفر عليها هذه الزرابي التي أطأها بقدمي، هذه الصور التي تزدان بها الجدران، نعم هذه الأشياء الزهيدة والحببة في الوقت ذاته التي تحول البناء من مجرد بناء إلى حيث يمسي بيتا نأوي إليه ونشعر بالحنان نحوه. أن عيوني ستتركز بإجلال على هذه الكتب بحروفها البارزة التي مرت بها قراءة منذ زمن، ستكون عندي أكثر حظوة واعتناء من تلك الكتب المطبوعة التي اعتادها المبصرون، أن جميع تلك الكتب، سواء منها التي قرأت بنفسي أو التي تليت علي، أقامت أمام مخيلتي طيلة الليل البهيم الذي صحبتي في حياتي، أقامت للذين ألفوها مثارة شاهقة مشرقة نكشف أمامي الفجوات العميقة للحياة الإنسانية، للفكر الإنساني.
وفيما بعد ظهر اليوم الأول من هذه الأيام المبصرة الثلاثة سيكون من برنامدجي أن أقوم بجولة طويلة داخل الغاب لأني أريد لعيوني أن تسكر، أن تغيب في جمال الطبيعة في محاولة من اجل أن استوعب- في أوقات قليلة- هذا البهاء العظيم الذي يعرض نفسه باستمرار على أولئك الآخرين الذين يتوفرون على حاسة النظر..وفي طريقي إلى بيتي من جولتي في ذلك الأيك الجميل سأعرج قليلا على بعض الضيعات حتى يتسنى لي أن أشاهد بعيني هاته الجياد الكادحة التي تشق الأرض بمجراتها أو أشاهد فقط جرارا من تلك الجرارات واقف بعين رأسي على أولئك الرجال الذين يفترشون الغبراء في هدوء وإيمان وقناعة، هناك سأقوم بأداء صلاة الشكر أمام هذا الرواء الذي يتجلى في ألوان الشمس عند مغربها!
وعندما يخيم الظلام هناك أيضا سيكون في متناولي أن استمتع بالمتعة المزدوجة عندما يكون في استطاعتي أن أرى أيضا عن طريق النور الصناعي الذي شاءت عبقرية الإنسان أن تبتكره حتى يمدد في أمد الضوء، في لوقت الذي تحكم الطبيعة فيه على الناس بالظلام! !
وعند الليلة الأولى من هذا اليوم الأول من أيامي الناظرة سوف لا يجد النوم سبيلا إلى عيوني لان ذكريات الساعات الماضية ستزدحم على مخيلتي...وفي اليوم الموالي، اعني اليوم الثاني من أيام النور سأستيقظ مع الفجر لأرى تلك المعجزة الهائلة: معجزة انسلاخ الليل عن النهار وتحول الطبيعة من عالم مطبق إلى عالم مشرق ! سأقف بإجلال وخشوع أمام هذا المنظر البديع الرائع للشمس وهي تنتشر على الأرض توقظ الناس من سبات المنام.
وأخصص هذا اليوم لشيء آخر...أني أريد أن آخذ لمحة سريعة عن هذا العالم، ماضيه وحاضره، سيكون علي أن أقف على مظاهر تقدم الإنسان، وعلى الآثار التي تعبر عن مختلف العصور..لكن كيف استطيع أن اضغط كل هذا في يوم واحد ؟ من خلال المتاحف طبعا..لقد سبق لي إن زرت في أكثر الأحيان متحف نيويورك للتاريخ الطبيعي لألمس بيدي كثيرا من الأشياء المعروضة هناك بيد أني كنت أتوق لأرى هذا بعيوني أنا، تاريخ الدنيا المتشابك المتكاتف بما فيه من أولئك الذين كانوا يعيشون هاتيك العصور: أجناس بشرية، حيوانات نحتت أو صورت في بيئتها الأولى وشكلها الأصلي، سأرى الجث الهائلة لحيوانات زاحفة انقرضت الآن: دينوصور، ومستوردون التي جابت هذه الارضين قبل أن يظهر الإنسان بقوامه الصغير وعقله الكبير ليفتح مملكة الحيوان تلك معارض واقعية لمظاهر التدرج والارتقاء بالنسبة للحيوانات وبالنسبة للإنسان، وبالنسبة كذلك للأدوات والعدد التي استخدمها الإنسان من اجل أن يجد لنفسه حياة آمنة على ظهر هذا الكوكب... وألف مظهر ومظهر للتاريخ الطبيعي...
كم يا ترى عدد قراء هذه الأشياء من الذين تنبهوا لضرورة مشاهدة هذه المعالم المرسومة للأشياء الحية في ذلك المتحف الملهم بكل معاني الحياة...كثير من أولئك الذين سنحت لهم الفرصة لم يستعملوا أبصارهم كما يجب. هناك في تلك المتاحف يوجد بكل تأكيد المكان الذي يستحق من المرء أن يستعمل بصره...أنت الذي ترى يمكنك انتقضي أياما منتجة هناك، أما أنا في هذه الرحلة الخيالية التي لا تتجاوز ثلاثة أيام من عمري فلن استطيع أن أحظى بأكثر من لمحة عابرة ثم أغدو إلى ليلي الحالك.
وستكون وقفتي التالية في متحف العاصمة للفن، وكما كشف المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي عن مختلف المظاهر المادية لهذا العالم فان متحف العاصمة يكشف لنا عن العدد العديد من حقائق الفكر الإنساني، فمن خلال تاريخ الإنسانية نرى أن الحاجة لي التعبير الفني كانت من الضرورة بحيث تضاهي الحاجة إلى الطعام، إلى المأوى، إلى الأولاد...هناك في تلك الغرف الفسيحة الأرجاء من متحف العاصمة تنتصب أمامي حياة مصر واليونان ورومة متجلية في فنونها... كنت اعرف جيدا عن طريق لمس الهياكل المنحوتة – آلهة ارض النيل القديم- وقد أخذت صورة عن هيكل بارثينون(Parthenon)، وأدركت الجمال البديع الذي كان طابع المحاربين اليونانيين الأمناء...ابولو الاه الجمال، وفينيس ربة العشق، وتمثال النصر المجنح في سامو ثراس، كل هذه كانت صديقة لاناملي، كانت قسمات وجه الشاعر اليوناني هوميروس بلحيته وأساريره، كانت عزيزة على ملمسي، انه هو كذلك كان أعمى ! ! كانت يدي تجد راحتها وهي تلمس الرخام الروماني المنقوش تماما كما المس نحت الأجيال المتأخرة...وقد مررت بيدي على لوحة جبسية من صنع النحات الايطالي ميشانجيلو للبطل الملهم موسى، وأدركت عبقرية النحات الفرنسي رودان. لقد ظلت معجبة بإبداع الفكر المتجلي في النحث الخشبي الغوطي. أن هذه الفنون التي يمكن لمسها لها معاني خاصة بالنسبة إلي بيد أن معانيها وهي مرئية أفضل منها وهي ملموسة. استطيع أن ابدي إعجابي بالخطوط البارزة التي تزين زهرية من الزهريات الإغريقية بيد أن الزخارف المرسومة تظل بالنسبة إلي مفقودة.
نعم هكذا سأقضي ثاني يوم من أيام نوري، سيكون علي أن أنفذ إلى أعماق الروح الإنساني من خلال ما خلفه ذلك الإنسان من فنون. أن الأشياء التي اعرفها عن طريق اللمس، يجب علي اليوم أن أراها رؤيا عين...هذه الروعة الكاملة التي يتوفر عليها عالم الرسم، ينبغي أن تفتح أمامي في أبهى مظاهرها من العهود الايطالية الأولى بنسكها الديني الهادئ إلى العصور الحاضرة بمظاهرها المحمومة المضطربة...سيكون علي أن انظر بإمعان إلى الصور المرسومة على القماش والتي هي من عمل رفابيل، وليوناردودافتشي تينيان ريمبراندت..سأقيم لعيوني عيدا عندما اسمح لها بان تقف قليلا أمام اللون الدافئ لفيرونير Veronese وبأن تدرس أسرار الكركو. وبان تكتسب نظرة جديدة للطبيعة من طروطCorot .آه، هناك كثير من المعاني الثرية، ومن الجمال البديع في شتى الفنون التي تمثل مختلف العصور بالنسبة إليك أنت الذي تنعم بعيونك تستطيع أن ترى بها كلما أردت ذلك !
وبعد هذه الزيارة القصيرة لمعبد الفن هذا سوف لا استطيع أن أعيد النظر إلى جانب واحد من هذا العالم العظيم من عالم الفن الذي يظل في متناولكم انتم كل وقت وحين...سأستطيع فقط أن احصل على بعض الارتسامات السطحية...عدد من الفنانين يذكرون لي أن يعمل على تربية حاسة النظر. أن المرء عن طريق تجربته يعرف كيف يقدر الكفاءات، يتعلم عن طريق التجربة وإمعان النظر كيف يزن الأمور ويتأمل الإمكانيات وإبعاد الخطوط وترتيبها وأشكالها وألوانها...لو كانت لي عيون كم أكون سعيدة  الحظ  اتعاطى دراسة جذابة من هذا النوع ! يحكي لي دائما عن عدد من الناس من بينكم- أيها الذين تبصرون- لا يهتم بعالم الفنون هذا، وانه بالنسبة إليكم يظل عالما مجهولا بل ليلا مظلما...فهو- أي ذلك العالم- لا يرى النور ولا يحظى بمن يحاول اكتشافه!
سأترك متحف العاصمة وأنا اشعر بمرارة ما عليها من مويد، فقد كنت أفضل أن أظل هنا بجانب المفتاح الذي يحتضن أنواع الجمال، الجمال الضائع المهمل..نعم أن هؤلاء الذين يبصرون لا أراهم في حاجة إلى متحف  من هذا النوع يبحثون فيه عن مفتاح الجمال ذلك. أن هذا الفتاح يظل منتظرا على الأبواب، فهناك متحاف صغيرة تتمثل في تلك الكتب التي تضمها رفوف المكاتب...لكني بطبيعة الحال، وفي هذا الوقت المحدد من أيام« رؤيتي الخيالية»ملزمة أن اختار المكان الذي يوجد فيه المفتاح الذي يكشف لي عن أعظم كنز وأثمنه وفي اقصر وقت كذلك!
وفي مساء اليوم الثاني من« أيام النور» سيكون علي أن اقضيه في مسرح أو سينما...لقد حضرت إلى الآن طائفة من التعليمات المسرحية من كل نوع وشكل بيد أن حركة الممثلين إنما كانت تهجى لي من طرف رفيقتي. لهذا فكم أكون سعيدة أن أرى اليوم عن طريق عيوني أنا ودون حاجة إلى ترجمان شخص (هامليت) الفاتن، و(فالسطاف) العاصف بين الزخارف الملونة لاليزابيث، وكم أكون سعيدة أن أتتبع سائر حركات(هامليت) الرشيق القد، وسائر أطراف (فالسفاط) القوي الجسم، سأشاهد فقط تمثيلية واحدة، وسيكون علي أن أجابه عددا من المفاجآت بما في ذلك الإشارات الفنية التي ارغب أن أراها بعيني..انتم الذين لكم عيون يكون في متناولكم أن تروا أي شيء يروقكم مهما تريدون، فكم كمنك يا ترى عندما يقع بصره على تمثيلية في مسرح أو رواية في سينما أو أي ألعوبة، كم منكم يدرك بل كم منكم يزجي آيات شكره وتقديره لمعجزة البصر التي ينعم به والتي تجعله قادرا على أن يستمتع بلونها وحسنها وحركتها ؟
لا استطيع أن أتمتع بجمال الحركات الإيقاعية، وكل ما كنت أستطيعه في دائرتي الضيقة هو أن المس بيدي...كل ما كان في مقدوري هوان أتخيل، ولكن في خوض فقط، جمال(يافلوفا) ومتع ذلك اعرف بعض الأشياء البهيجة في إيقاعها، وفي اغلب الأحيان استطيع أن اشعر بذبذبة الميزان الموسيقي وهي تنساب من تحت قدمي على وجه الأرض، أتصور جيدا أن حركة إيقاع النغم يعتبر من أجمل المناظر في العالم، واستطيع كذلك أن أدرك بعض الأشياء عن طريق التحسس بأناملي على السطور المنقوشة، فإذا كان هذا الجمال الهادئ محببا لي الناس فكيف يمكن أن نتصور الابتهاج الذي يتملنا ونحن نرى هذا الجمال الصاخب أمام أبصارنا ؟!
لا أنسى إحدى الذكريات العزيزة علي يوم إذن لي الممثل الأمريكي جوزيف جيوسون فسمح لي بلمس وجهه ويديه عندما كان يقوم ببعض الحركات ويلقي بعض الكلمات من قصته المحببة لدى الشعب الأمريكي:«ريب فان وينكل»Rip Van Winkle لقد استطعت فقط أن أدرك بعض الملامح عن عالم القصة، ولكنها كانت تافهة، وسوف لا أنسى أبدا تلك المتعة التي شعرت بها في تلك اللحظات ومع ذلك فكم هي الأشياء التي ضاعت مني! وكم هي المتعة الفائقة بالنسبة للذين يرون والذين يمكنهم أن يقتبسوا عن طريق أبصارهم ومسامعهم الكلمات والحركات المتبادلة بين الفنانين في تمثيلية ما ! لو استطعت أن أرى يوما واحدا فقط سأعرف كيف ارسم في ذاكرتي شاهد لآلاف التمثيليات من التي قرأتها أو التي نقلت إلي عن طريق الحروف الهجائية...وهكذا فانه في هذا المساء من يومي الثاني لرؤيتي الخيالية فان الرسوم، والخطوط العريضة للأدب الدراماتيكي ستزيح النوم عن بصري...وفي الصباح الموالي لابد لي أيضا أن استيقظ مع الفجر لأنني ارغب في أن أظل على موعد مع اكتشاف المتعة الرائعة التي تتجلى في مطلع الشمس...انه من الجدير بأولئك الذين لهم عيون تبصر حقيقة أن يتخذوا من أغنية الفجر ومشهد الفجر كل يوم وبكيفية دائمة ناسبة يحتفلون فيها باستقبال هذا الجمال المتجدد..
أن هذا اليوم سيكون في برنامج رأياي المتخيلة هو اليوم الثالث والأخير من أيامي...سوف لا يكون لدي وقت أضيعه في الأسف أو التمني..هناك كثير من الأشياء التي ما تزال تستحق الرؤية، لقد خصصت اليوم الأول لصديقاتي وأصدقائي سواء منهم الحيوانات والجمادات بينما كشف لي اليوم الثاني عن تاريخ الإنسان وتاريخ الطبيعة..أما هذا اليوم فسأفضيه في هذا العالم التحرك المشتغل، عالم الحاضر بين ديار الناس ومتاجرهم وهم يغدون ويروحون لمشاغلهم في الحياة، وأين يجد المرء هنا مكانا يحتوي على اكبر قسط من النشاط والحركة كما يجده في نيويورك ؟ ولهذا فاني اتجه شطر هذه المدينة في يومي هذا..
سأبدأ انطلاقتي من بيتي بالضاحية الهادئة الصغيرة(فوريست هيلس)-لوثك ايلاند، هنا حيث الحشيش الأخضر والأشجار والزهور وحيث تنصب بيوت أنيقة جميلة، حيث اشعر بالسعادة مع الأصوات والحركات التي تنبعث من جماعات السيدات والأطفال، حيث ينعم الرجال بالراحة المطلقة بعد رجوعهم من عنائهم المتتابع بالمدينة..سأخترق هذه المجموعة من الأبنية المتراصة من الفولاذ التي تكون جسر غرب الوادي وهناك سأشعر ببداية جديدة لمشاهد القوة، لمشاهد العبقرية اللتين يتوفر عليها هذا الإنسان. سيقع بصري على هذه المراكب الراسية هنا... وفيها ما ينهمك اصحبه في الشغل المتواصل، وفيها ما تنطلق منه أصوات مدوية...هناك سفن أخرى تزمجر في محاولة للقيام ببعض الحركات...لو كانت لدي أيام أخرى طويلة ما تزال تنتظرني لكنت اقضي منها نصيبا في تتبع هذا النشاط الرائع الذي يجري حوالي الوادي.
أرى أمامي ذات اليمين وذات الشمال تنتصب المنارات الغربية، ناطحات السحاب التي عرفت بها مدينة نيويورك، المدينة التي بظهرانها انحدرت من صفحات تاريخ مهول...ما أعظمه من مشهد مثير مرعب يتجلى في هذه البروج اللامعة، في هذه المصارف الرحبة الواسعة الأرجاء المشيدة بالصخر والفولاذ..بنايات يخيل إليك أنها من صنع آلهة بنوها من اجل أنفسهم هم! ! وهذه الصورة الحية هي جانب من جوانب حياة ملايين الأشخاص كل مطلع شمس...كم هو يا ترى عدد الذين يعطونها أكثر من نظرة ثانية..إنهم قليلون فيما أرى...أن عيونهم عمياء عن هذه المناظر الرائعة لأنها بالنسبة إليهم أمست أمرا عاديا لا يحتاج لإعادة نظر.
سأبادر الخطى لأصل إلى قمة إحدى هذه البنايات الشاهقة الضخمة، بناية امباير سطيط بيلدنيك_102 طبقة) لقد كنت في أوقات قصيرة خلت «رأيت» مدينة نيويورك ولكن من خلال عيون كاتبتي الخاصة! أما الآن فاني في اشد الشوق لا قارن ببين الخيال وبين الحقيقة الواقعة، إني متأكدة من أنني سوف لا اشعر باكتئاب مطلقا وأنا أمام هذه المباني التناثرة أمامي، سيكون هذا بالنسبة إلي مشهد من عالم آخر.
والآن سأشرع في تجولاتي عبر المدينة بعد أن أخذت فكرة عنها من فوق أعلى بناية وفي بادئ الأمر سأقف في زاوية جد مزدحمة من المدينة يقصدها على الخصوص جمهور الناس وذلك لأحاول عن طريق النظر إليهم معرفة بعض الأشياء عن حياتهم، أرى البسمات تعلو الوجوه وأنا جد مسرورة، وارى العزم والنشاط يشع من عيون الناس وأنا جد معتزة، وارى كذلك العذاب والعناء مشفقة.
سأتجول في شارع« فيفث افنيو» وسأسلط نظراتي على التقاط التي يجتمع فيها النور وذلك لا تمكن ليس فقط من رؤية الأشياء الخاصة ولكن فقط لمشاهدة الألوان الزاهية أني متأكدة من أن هذه الألوان التي تمتاز بها ملابس النساء اللاتي يسرن في هذه المواكب المتراصة..أن هذه الألوان تتمثل وحدها مشهدا بديعا لا أشكو منه التعب أبدا بيد انه من الممكن –إذا كان لي بصر- أن أكون مثل أولئك النساء الأخريات  متهمة أيضا بالأشكال والأزياء التي تثير انتباه العامة أكثر لجمالها وبهائها...واني مقتنعة كذلك بان علي أن أقف أمام إحدى واجهات المتاجر لأرى من خلال النوافذ..سأشعر بمتعة زائدة وعيوني تطوف بين آلاف الأصناف الجميلة المعروضة.
ومن شارع «فيفث افينيو» سأطوف على المدينة عبر«برك افينيو»عبر الأحياء الشعبية، عبر المعاقل، عبر الحدائق التي يقصدها الأطفال للتلهي، وسأقف قليلا لازور الأحياء الأجنبية...وفي كل هذه التحركات ستكون عيوني مفتوحة على مصراعيها كما يجب، وعلى كل المناظر التي تقع عليها عيوني، سواء منها الجميل والرديء وذلك لا تمكن من النظر بعمق لأضيف إلى معلوماتي شيئا حول الطريقة التي يعيش عليها الناس ويشتغلون...أن قلبي ملئ بالصور: صور الأشخاص، وصور الأشياء أيضا...وعيوني تمر دون ترو متغاضية عن الأمور الزهيدة، إنها تكد وتجاهد من اجل أن تلتقط معها وفي انتباه ويقظة كل شيء تقع عليه، عناك بعض المناظر مما يدخل السرور على القلب بل مما يملأ انشراحا وغبطة، لكن بعض المشاهد محزن فعلا..وبالنسبة إلى هذه أيضا فاني لا أغمض عيوني عنها أيضا لأنها في نظري تمثل جانبا من جوانب الحياة واعتقد أن صرف العيون عن مثل هذه المشاهد ولو أنها محزنة هو بالذات إغلاق للقلب وإغلاق للفكر.
أن يومي الثالث من أيام البصر يقترب من نهايته ومن الممكن أن يكون هناك عدد من الأشياء الجدية التي تقتضي مني تخصيص بعض الساعات الباقية لرؤيتها بيد أني اعتقد أن مساء هذا اليوم الأخير يجب علي أن اقصد فيه أيضا إلى المسرح حيث انعم برؤية تمثيلية هزلية مضحكة وذلك ليتسنى لي أن أخذ فكرة عن وقع الكوميدي في الفكر الإنساني
وعند منتصف الليل تكون الرخصة المؤقتة التي قضيتها بعيدا عن ظلمتي قد أخذت نهايتها، ويحل الليل إليهم الدائم من جديد ليخيم في ساحتي مرة أخرى، وبالطبع لمار في هذه الأيام الثلاثة القصيرة كل ما كنت أريد أن أراه، وعندما ينيخ الظلام بكلكله علي، هناك سأعرف كم هي الأشياء الكثيرة التي تركتها واغفلتها دون ما أتمكن من رؤيتها، بيد أن ذاكرتي ستزدحم بالذ1كريات المشوقة التي احتفظ بها منذ ذلك الوقت القصير الذي آسف على فراقه، ومنذ هذا  الوقت فان لمس أي شيء سيحمل معه ذكرى حية من حقيقة ذلك الشيء.
ربما يكون هذا العرض الوجيز عن استعمال الزمن طيلة هذه الأيام الثلاثة من أيامي المبصرة، أقول ربما لا يتفق مع المنهاج الذي قد تختارونه لنفسكم لو أنكم كنتم مكاني، ولكني مع ذلك متأكدة من أنكم إذا واجهتهم هذا القضاء فان عيونكم ستفتح أمام الأشياء التي لم تروها قبل مدخرين ذكرياتكم إلى الليل الطويل العريض الذي ينتظركم..كل شيء رأيتموه سابقا يمسي بالنسبة إليكم عزيزا..ينبغي أن ترى عيونكم كل شيء يدخل في دائرة عملكم..عليكم أن تبصروا حقيقة الأشياء، أنكم إذا فعلتم ستشعرون بان عالما جديدا من الجمال يكشف نفسه أماكم...
استطيع- أنا الكفيفة- أن أعطي إشارة فريدة لأولئك الذين يبصرون...أعطيهم عظة وتنبيها لأولئك الذين يرغبون في ا يستغلوا هذه النعمة: نعمة البصر...استفيدوا من عيونكم كما لو كنتم مهددين غدا بافتقاد هذه النعمة...وان نفس لنصح ينبغي تطبيقه على سائر الحواس الأخرى..استمعوا لي الصوت الجميل، إلى هزيج الطير، إلى نغمات الموسيقى كما لو كنتم غدا ستصابون بالصمم... المسوا كل ما يستحق منكم اللمس...تنسموا أريج الزهور وعبير العطور! تذوقوا بلذة كل طعام سائغ لذيذ تتناولونه كما لو أنكم ستفقدون غدا حاسة الشم والذوق...تمتعوا بكل حاسة من حواسكم...استمتعوا بكل اللذ1ائذ، وانعموا بكل مظاهر الجمال التي تتفتح أمامكم في هذه الدنيا على شتى الأشكال ومختلف الطرق..التي تتقدم إليكم بها الطبيعة الخلابة.
إن كل هذه الحواس هبة تستحق الشكر بيد أن نور البصر يعتبر من أجمل وأروع ما يدخل البهجة إلى النفوس.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here