شارك

نظرات في ديوان أبي حيان الغرناطي -1-

  دعوة الحق

97 العدد

منذ مدة، زرت مكتبة وزان، الحافلة بالاعلاق والنفائس هذه المكتبة التاريخية التي أنفق في تأسيسها المولى عبد الله الشريف، كل غال ونفيس، والتي سلخ بين أحضانها الشيخ الرهوني، شطرا كبيرا من حياته، فطلع على الناس بمؤلفات، بعد العهد بمثلها في التحرير والتحقيق، وإرجاع النصوص إلى أصولها.. وكان الشاعر الرقيق أبو حامد المساري يتردد إليها ويكرع من مناهلها، وله فيها قصائد رائعة:
قال يصف بعض ذخائرها:
رأت مقلتي أبهى الحلى والقلائد
ووسم نهوود في غوان خرائد
وأزهى رياض واختلاف صنوفه
وكل كمال في جميع المشاهد
ولا مثل قاموس ونسخة متنه
بوزان...

هذه المكتبة التي تعيش اليوم في غربة ووحشة، وقد تراكم الغبار عليها، وعملت الرطوبة فيها عملها، وهي عبارة عن مستودع، لا نوافذ ولا هواء، ولا إنارة ولا مناضد، ولا رفوف منتظمة ولا مقاعد، ولا ولا...
ومع ذلك فلا أنسى ما غمرني به مدنة هذا البيت من لطف، وما قدموه إلي من عون ومساعدة، مما كان يخفف علي كثيرا من العناء، وكم شاركوني الأسى والحسرة، على الحالة التي تعيشها مكتباتنا في المساجد والزوايا!.. وأرجو أن تتاح لي الفرصة للحديث عن الأصول والنوادر التي توجد مبعثرة بين زوايا هذه المكتبة: «وفي الزوايا خبايا»
ومن هذه النوادر ـ ديوان أبي حيان الغرناطي، وهي نسخة فريدة، لا نعلم لها ثانية في مكتبات العالم. سجلت تحت عدد 492، وهي مكتوبة بخط شرقي واضح، كثير التصحيف والتحريف، تقع في 180 صفحة من القطع المتوسط.
ويضم هذا الديوان نحو ألفين وستمائة وخمسة وثلاثين بيتا، في موضوعات شتى، ما بين وصف ومدح، وفخر وهجو، وغزل ورثاء، وأول ملاحظة نسجلها في مقدمة الحديث عن هذا الديوان ـ أن النسخة التي بين أيدينا الآن لا تضم من شعر أبي حيان، إلا ما نظمه وهو في بلاد الشرق، إذا استثنينا قصيدة أو قصيدتين. وأكثر هذا الشعر لا يرتفع إلى درجة الجيد.
على أن جامع هذا الديوان ـ وهو بعض تلاميذ أبي حيان ـ قد فاته الكثير من الشعر الذي قاله أبو حيان وهو بالمشرق، ومن ذلك موشحته التي عارض بها موشح ابن التلمساني، على ما سنذكره بعد.
وأبو حيان ـ كما نعلم ـ ولد بغرناطة(1)، وبها نشأ وترعرع. سلخ شطرا من حياته في ربوع الأندلس ـ وهو في شبابه الغض ـ يتنقل بين بساتينها الفيحاء، وجناتها الغناء، وينعم بقصورها الشماء، وكان لطبيعة الأندلس، الزاخرة بمفاتن الحياة ـ أثر واضح في طبع أبنائها على حب الأدب، والتغني بأهازيج الشعر، حتى أنك لا تكاد تجد أديبا منهم لم يقل شعرا.
وأبو حيان إلى كونه عالما موسوعيا: نحويا لغويا مفسرا محدثا، مقرئا مؤرخا ـ أديب مقتدر، وشاعر مكثر. قال الشعر منذ الحداثة، وشعره فيه الجيد وغير الجيد، ولعل ذلك يرجع إلى اختلاف الظروف والمناسبات، التي عاشها أبو حيان، وعالج فيها القريض فالشعر الذي قاله زمن الصبا وأيام الفتوة، غير الذي قاله أيام الكهولة والشيخوخة.
ولذلك نستطيع أن نجعل حياته حسب شعره ـ ثلاثة أطوار: أحدها طور الصبا، وينتهي سنة 677هـ ـ وهي السنة التي غادر فيها الأندلس إلى المشرق.
والثاني طور الشبيبة، وينتهي في حدود سنة 691هـ. وفي هذا الطور زار الحبشة، وبعض أقطار العجم، وأكثر البلاد العربية، وانتهى به المطاف إلى القاهرة.
والثالث طور الكهولة والشيخوخة، وينتهي بموته سنة (745هـ) قضى هذا الطور، أو جله في مصر.
أما شعره في الطور الأول فأكثره قد ضاع، ولعل من أوائل شعره قوله:
لأكل الشعير واقتناء المعارف
ألذ من السلوى ولبس المطارف
وإني لمستغن بعلم جمعته
وهيهات ما يغني تليد وطارف

ويجب أن لا ننسى ـ ونحن نتحدث عن أبي حيان في طور صباه ـ نبوغه المبكر، الذي لفت نظر معاصريه، واضطر الشيوخ إلى الأخذ عنه على صغر سنه، وقد حاول بعض منافسيه النيل منه، وكأنهم استصغروا شأنه، فدخل معهم في حرب كلامية، بساعد أقوى، وسلاح أحد! قال يصور بعض جوانب هذه المعركة:
ما لليراعة لا ريعت بحادثة
استعجمت ولحبري الآن قد جما
وللقوافي قفت مالي فلا أدب
يملى ولا نشب يريح مبتثا
فصفحة الطرس من دري معطلة
ووسم جودي إذا قللت قد درسا
وقد ذوت زهرات الشعر وا أسفا
لما غدا ماء فكري غائرا يبسا
كأنني لم أعمر منتدى أدب
ولم أجل للصبا في حلبة فرسا

أعجب به من خطيب ماهر ندس
إن قست قسا به تخاله ودسا
بل العجاب مقامي بين ذي وحر
وحاسد يسوي الاعراض ما نبسا
قوم إذا غبت قالوا ما يليق بهم
وإن حضرت تراهم خشعا نكسا
ما كان ضرهم لو أنصفوا رجلا
ما قام وهنا على هجر ولا حجا
أما دروا أنني لو شئت أفضحهم
بمفضحات وإن أبصرتها خرسا
من كل شاذرة عذراء ناهدة
يكون إهداؤها لهم لها عرسا
وكل فاضحة للظهر قاصمة
ترد من كان جذلانا حليف أسى!

ومن أول شعره في الغزل قوله:
لا تعذلاه فما ذو الحب معذول
والعقل مختبل والقلب متبول
هزت له أسمرا من خوط قامتها
فما انثنى القلب إلا وهو مقتول
جميلة فصل الحسن البديع لها
فكم لها جمل منه وتفصيل
فالنحر مرمرة والنثر عنبرة
والثغر جوهرة والريق معسول
والطرف ذو غنج والعرف ذو ارج
والخصر مختطف والمتن مجدول...

وشعره في هذا الطور واضح التقليد، بادي التكلف، تنقصه متانة اللفظ، وصقالة الأسلوب، على أنه لا تخلو بعض قصائده من الجودة، كما نجد ذلك في القصيدة التي مدح بها صاحب غرناطة وطائفة من أشياخه، وقد استهلها بمدح النحو والخليل، وسيبويه.. يقول في مطلعها:
هو العلم لا كالعلم شيء تراوده
لقد فاز باغيه وانجح قاصده

أما شعره في الطور الثاني والثالث ـ فتبدو فيه الصنعة، وقد هذبته الدربة، وصقلته الحنكة والتجربة. وأكثر شعر أبي حيان في الطور الثاني ـ الغزل، وشاعرنا كان منذ صباه ميالا إلى أشعار الغزل، تستبد بعواطفه، وتملك عليه حواسه ومشاعره!. كما يقول هو عن نفسه.
إذن فلا عجب أن يقول أبو حيان في الغزل، أو يكثر من شعر الغزل، وربما شغل نحو النصف من ديوانه.
ومن أروع ما له في هذا الباب، موشح عارض به ابن التلمساني، وهذه صورته كما أوردها المقري في النفح(2):
عاذلي في الاهيف الآنس
لو رآه الآن قد عذرا
رشا قد زانه الحور
غصن من  فوقه قمر
قمر من سحبه الشعر
ثغر من من فيه ام درر

حلا بين الدر واللعس
خمرة من ذاقها سكرا

رجة بالردف أم كسل
ريقة بالثغر أم عسل
وردة بالحد أم خجل
كحل بالعين أم كحل
يا لها من أعين نعس
جلبت للناظر السهرا
مذ نأى عن مقلتي سنن
ما أديقا لذة الوسن
طال ما ألقاه من شجن
عجبا ضدان في بدند
بفؤادي جذوة القبس
وبعيني الماء منفجرا
قد أتاني الله بالفرج
إذ دنا مني أبو الفرج
قمر قد حل في المهج
كيف لا يخشى من الوهج
غيره لو صابه نفسي
ظنه من حره شررا
نصب العينين لي شركا
فانثنى والقلب قد ملكا
قمر أضحى له فلكا
قال لي يوما وقد ضحكا:
اتجي من أرض أندلس
نحو مصر تعشق القمرا

وهذا القفل الأخير (الخرجة) ـ معرب بنفسه على أنه مما قاله أبو حيان وهو بمصر.
ومعلوم أن ما جاء من الموشحات على أوزان العرب، يعتبره أرباب الصنعة مرذولا وموشح شاعرنا من بحر الرمل، ولعل اختلاف قوافي قفله مما يشفع له. كما في قول ابن زهر:
أيها الساقي إليك المشتكى
قد دعوناك وإن لم تسمع

وقول ابن بقي القرطبي:
عبث الشوق بقلبي فاشتكى
ألم الوجد فلبت أدمعي

ومن هذا القبيل موشح ابن الخطيب المشهور:
جادك الغيث إذا الغيث همى
يا زمان الوصل بالأندلس
كما يستحسن عندهم اللحن في الخرجة، وليس هو شرطا كما زعم سنا الملك في كتابه «دار الطراز».
وأبو حيان الذي لا يعرف اللحن، وكان ـ كما قيل ـ لا يلحن أحدا ـ ربما اكتفى بكلمة غزلية خلابة، بينها وبين الصبابة قرابة، مثل قول القائل:
ليل طويل وما معين
يا قلب بعض الناس أما تلين؟

وكما في قول شاعرنا:
انجي من أرض أندلس
نحو مصر تعشق القمرا

وقد قيل: من أراد أن يقول هكذا فليعرب، وإلا فليغرب
وأبو حيان فنان مبدع في صناعة الموشحات، وله في ذلك شعر كثر.
والغريب أن الديوان الذي بين أيدينا خال بالمرة من شعر الموشحات ولذا أوردنا هذا الموشح كنموذج لهذا اللون من شعره الرفيع.
وبنظرة عابرة عن ديوان أبي حيان، نجد أن شاعرنا فتن بحب السود، وقد افتتن في وصف محاسنهن، وفضلهن على الغواني البيض، وله فلسفة غريبة في ذلك:
لنا غرام شديد في هوى السود
نختارهن على بيض الطلا الغيد
لون به أشرقت أبصارنا وحكى
في اللون والعرف نفح المسك والعود
لا شيء أحسن من عاج تركبه
في ابنوس ولا أشقى لمرود
لا تهو بيضاء واسم إلى
سوداء حسناء لون الأعين السود
في جيدها غيد في قدها ميد
في خدها صيد من سادة صيد
من ءال حام حمت قلبي بنار جوى
من هجرها وابتلت عيني بتسهيد!
علقته سبجي اللون فاحمه
ما ابيض منه سوى ثغر حكى الدررا
قد صاغه من سواد العين خالقه
فكل عين إليه تدمن النظرا
كأنما هو مرءاة تقابله
من الورى نفس قد أودعت صورا
تلك التي لو غدت في الحسن مشرفة
لفاقت النيرين الشمس والقمرا
تقسمت لونه الأبصار والهة
في حسنه فإذا إنسانها بصرا
لولا سواد بها منه لما نظرت
ولم يكن عاشق بالعين قد سحرا

جننت بها سوداء لون وناظر
ويا طالما كان الجنون بسوداء
وشاهدت معنى الحسن فيها مجسدا
فاعجب لمعنى صار جوهر أشياء
أطاعنة من قدها بمثقف
أصابت وما أغنى الفتى بر حصداء
لقد طغت والقلب ساء وما درى
ابا لقد منها ام بعمدة سمراء(3)

وقد يتناقض الشاعر مع نفسه، فيذم السواد، ويهجو السود:
إذا مال الفتى للسود يوما
فلا رأي لديه ولا رشاد
أتهوى خنفساء كأن زفتا
كسا جلدا لها وهو السواد
وما البيضاء إلا الشمس لاحت
تنير العين منها والفؤاد
سبيكة فضة حشيت بورد
يلذ السهد معها والرقاد
وجنة المومنين بها ابيضاض
ووجه الكافرين به اسوداد

وذلك من تفننه وتلاعبه بالألفاظ، واقتداره على توليد المعاني والصور.
«مج وذم وعين الشيء واحدة»
كما نجد أن شاعرنا مغرم بجمال الترك، مأخوذ بمحاسنه ومفاتنه، وليس في الدنيا حسن يضاهيه أو يدانيه:
هو الحسن حسن الترك يسبي الورى لطفا
ويعطف سالي القلب نحو الهوى لطفا

كنت قدما عاشقا في عرب
وأنا اليوم محب في اسن

وصورة حسن لو تبدت لراهب
لانسته ما في هيكل ومصاحف
غريبة حسن بدعة في جمالها
لطيفة معنى منه كل اللطائف
وما كنت أدري أن للشمس ضرة
إلى أن رأيت الشمس ذات السوالف

وإذا كان من عيب في حسان الترك، فهو صغر أعينهن. ولكن شاعرنا يرى أن ذلك مما يزيد في جمالهن، ويرمز إلى تمنعهن وبخلهن:
بروحي التي زارت بليل وأقبلت
تجر على آثارها العصب والوشيا
هداها سناها نحة طاو ضلوعه
على سلوة ماتت ووجد بها حيا
تحلت بدر فوق لبات نحرها
فكان لذاك الدر لياتها حلبا
من الترك ضاقت العين منها لبخلها
وليست من العين التي تشبه الظبيا

قد سباني من بني الترك رشا
جوهري الثغر مسكي النفس
قد حكى غصنا وبدرا وثقا
في ارتجاج وانبلاج وميس
ضيق العينين تركيهما
واسع الوجنة جزي المجى

وقد تعجب إذ نراه تعاوده ذكريات هذا الحب، وهو في شيخوخته وهرمه، وقد شاب فؤده، ويبس عوده!
وبي من الترك ما لو كنت أذكره
لأصبح الدهر من ذكراه مختالا
كان هذا وريعان الشباب لنا
غض وطرف الصبا في حلبة جالا

يا صبوة قد ........ آخر العمر
تذكر القلب ما قد كان في الصغر!

ونجد لأبي حيان شعرا كثيرا في التغزل بالغلمان، وخصوصا ذوي الحرف منهم.
قال في نوتي:
كلفت بنوتي كأن قوامه
إذا ينثني خوط من الباب ناعم
مجاذفه في كل قلب مجاذب
وهزاته للعاشقين هزائم

وقال في نشابي:
فتنت بنشابي اختار شغله
بصنعته خوف العيون النواظر
نظرت إليه وهو ينحت اسمها
فخفت كأن قلبي له قلب طائر
وقد كنت لا أقوى لسهم لحاظه
فكيف لنشاب وسهم المحاجر.

والتغزل بالمذكر طريقة معروفة عند أهل الأندلس، ولكن ليس الغرض منها الميل إلى الغلمان، وإنما هي معرض للنقل والتصوير، واختراع المعاني والتعليل.. وإلا فأبو حيان، من الصيانة والدين بمكان، لا يرتقي إليه الشك والارتياب!
وأما شعره في الطور الثالث ـ فهو لون آخر من ألوان شعره، وصفحة جديدة من حياته، وباب مهم في ديوانه نترك الحديث عنه إلى عدد آخر بحول الله.


(1) كتبت بحثا عن حياة أبي حيان، نشر بمجلة البحث العلمي ص 241، العدد الثالث، السنة الأولى.
(2) ج 3 ص 310.
(3) وهذه القصيدة لا وجود لها في الديوان. أنظر النفح ج 3 ص 325.

 

 

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here