islamaumaroc

أنا فليهدأ بال الحيارى

  دعوة الحق

96 العدد

استمعت إلى الحديث الديني الجامع الذي ألقاه أمير المؤمنين مولاي الحسن الثاني ملك المغرب في ختام دروس شهر رمضان، فأيقنت أن الله قد أكرمني بالاستماع إلى ملك عالم، والتلمذة على عالم ملك، وكنت أتصور ابن رسول الله يشرح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصرت أقول: (والله يختص برحمته من يشاء. والله ذو الفضل العظيم).
واكتسبت همة، وازددت يقينا، بشرف الدعوة إلى الله عز وجل والتبليغ عن رسول الله (ص).
وصرت مع السامعين نلمس بأيدينا مواطن عزنا وأسباب مجدنا، ونصغي إلى تشخيص الداء ووصف الدواء، من عالم ماهر.
واسترشدت في فن الدعوة إلى الله إلى ما ينبغي أن يكون عليه الداعي: وقار العالم، والأسلوب السهل الممتنع، والسجية الطاهرة، والقلب التقي يملي على اللسان الفصيح، والعقل الذكي ينظم القضايا بمقدماتها الصحيحة ونتائجها الصادقة.
ثم بدأ الكلام ـ حفظه الله ـ ببيان مباني الحديث وألفاظه.
لنأخذ المعاني من نص ألفاظ الرسول المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى. وأفاض في شرح المادة اللغوية وأبدع في النطق الصحيح السليم حتى لم تفته شاذة ولا فاذة مما قد يخفى على كثيرين من أهل الفن.
فإذا جاء بمعنى جديد نسبه إلى نفسه بتواضع جم وأدب رفيع، يسأل نفسه ثم يجيب.. كأنه يطلع على ما يخطر ببال السامعين من شبهات فيلاحق الشبهة بالجواب السديد ثم يخطو إلى الناحية الإيجابية.. فتذكرت عمل القائد الماهر يحتاط بالصيانة والوقاية وحماية الظهر والجوانب ثم يكر إيجابيا ويسير إلى الأمام فأدخل فن الحرب في فن الدعوة إلى الله.. فكنت أبتسم إعجابا، وأنفعل استجابة ثم أقول: هذا من فضل الله.
ثم وضح ـ نصره الله ـ عمل القلب أوضح بيان بأرقى أسلوب فقال (فإن لم يستطع فبقلبه) حيث أرشدنا إلى أهمية إعمال القلوب فإن القلب هو مجمع المحركات النفسانية ومنه تنبعث الحركات... كما قال البوصيري رحمه الله:
وإذا حلت الهداية قلبا
نشطت للعبادة الأعضاء

فلا يكفي أن ينكر الإنسان بقلبه ويسكت، بل لابد من أن يظهر عمل القلب فيدفع صاحبه إلى أن يجعل من نفسه صورة حية للحق ونموذجا كريماى للصدق فيبدأ واحدا... ولن يعدم بعد ذلك زميلا موافقا ثم يتكاثر أهل الصدق.. وأقل الجمع اثنان.
ولقد مدح الله صاحب القلب السليم وذم من في قلوبهم مرض لأن القلب هو باعث الحركة إيجابا وأسلوبا فهي ملاحظة دقيقة ومعنى رفيع طالما أسهب فيه أهل التصوف الشرعي والتربية النقية والتهذيب السليم.
فراجعت بعد ذلك مادة (القلب) واستعرضت كتاب الله أتلوه فوجدت أن الله عز وجل كثيرا ما ربط الأعمال بالقلوب.
فالذين يحبون أن تشيع الفاحشة، والحاسدون، وأصحاب الظن السيء يعملون بقلوبهم ثم تسري أعمال القلوب إلى الجوارح بأعمال شنيعة.
والذين في قلوبهم مرض تحيروا ثم ضاعوا وساءت سمعتهم لما كان في قلوبهم.
والخاشعون في قلوبهم ظهر الخشوع على جوارحهم أعمالا صالحة.
والله عز وجل ينادي عباده المؤمنين بهذا الأسلوب الكريم فيقول: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق؟)
فمن أنكر بقلبه فلن يقف مكتوف اليدين حيادا يترك الشر يستفحل بل سيبدأ بنفسه ليصنع من نفسه النموذج الحي أولا.
فتستفيد المثل العليا بذلك واحدا يتلوه ثان وثالث، وأول الغيث قطر ثم ينهمر...
واستفدت واستفاد السامعون معي أن الرياضة البدنية تخدم الدين، وأن العلم يخدم قضايا الدين، وإن كل تهذيب نفسي وتحليل علمي إنما يمكن الاستفادة به لو وجد بصيرة نبرة وعالما ماهرا وقلبا مستعدا للخير.
وما أحسن ما شرحه مولانا أمير المؤمنين ـ أدام الله عزه ـ معنى ما بين الحلال والحرام من مشتبهات... وهي محل عمل القلب في إدراكها، ومحط الاجتهاد في الوصول إلى حكمها... وهنا ميدان كبير يعمل فيه المجتهدون ويصول فيه العالم ويدول ويسهر الليالي ليحقق ويدرك، حتى كتبت فيه موسوعات للتربية والتهذيب والورع وترك ما يريب إلى ما لا يريب وحتى نصل إلى قمة الورع كما قال الرسول (ص): لا يبلغ العبد درجة المتيقن حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس.
وضح ـ زاده الله يقينا ـ كل ذلك في عبارات سهلة موجزة تغني عن الأسفار وحمل الأسفار وتقرب البعيد وتأتي بعصي الصيد.
وأدهشني جدا وفرحت واطمأن قلب.. أن يتكلم مولاي أمير المؤمنين عن عمل الملك كمسؤول أمام الله وأمام الشعب كما تكلم عن القوة التنفيذية حتى عن سلطة الآباء للتنفيذ في الأسرة، وبذلك وضع السيف في يد بطل وبث في المؤمنين القوة في الحق، والشجاعة التي تتطلبها أعمال الإسلام بإقدام وحزم ويقين.

المناجاة:
وما أحسن ما شرحه مولانا أمير المؤمنين من حالات المصلين أمام الله، فمنهم من يدخل في الصلاة لينفذ أمرا ويطيع ربه.. ومنهم من يتدرج بعد ذلك إلى درجات المقربين، فيناجي مولاه وقد جعل له الرحمن ودا بعد عمل الصالحات كما قال تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) كحالات الموظفين الذين يقدمون التقارير إلى رئيسهم، فهم مختلفون في اللقاء على حسب الود السابق.
وكان القراران التاريخيان في نهاية الدرس تنفيذا عمليا لما قال:
1) إقامة الصلاة جماعة في المدارس ليتعود التلاميذ على الخير.
2) الاعتزاز باللغة العربية والتعاليم الدينية والثقافة الإسلامية.

ألا فليهدأ بال الحيارى.. فإن القائد ماهر.
ولتقر عين رسول الله صلى الله عليه وسلم في برزخه الشريف، فإن من أولاده ملكا عالما وحاكما عادلا.
ووراءه شعب يستجيب ويطيع يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب.


  
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here