islamaumaroc

تأملات حول الفترة التي سبقت تأسيس الدولة العلوية

  دعوة الحق

96 العدد

تعتبر الفترة العصيبة التي سبقت تأسيس الدولة العلوية من أخطر الفترات التاريخية لبلادنا، سواء لطول مدتها ـ نحو 68 سنة ـ أو للمضاعفات السيئة التي توالت فيها وعانى منها المواطنون الأمرين، وتفككت أوصال البلاد أكثر من أي وقت مضى حتى كادت الوحدة الوطنية تصبح أثرا بعد عين. وبالرغم مما لهذه الفترة من الأهمية التاريخية، سواء من الناحية السياسية أو الاجتماعية، فإن أحدا لم يتصد لدراستها بما يجب من الاستقراء والتعليل والاستيعاب، شأن ما هو واقع في تاريخ بلادنا كله للأسف. ونحن إذا بحثنا فيما كتب الكتاب الذين عاشوا في ذلك العهد عنه لم نجد سوى لمحات خاطفة وردت عرضا في بعض كتبهم، (كالاصليت) لأحمد بن أبي محلي و(مرءاة المحاسن) للعربي الفاسي، و(المحاضرات) للحسن اليوسي، و(مباحث الأنوار) لأحمد الولالي... وفي الأجيال التالية سجل المؤرخون بعض أحداث فترة ما قبل العلويين بطرق متباينة لا تعدو في الغالب سرد الأحداث السياسية، والإشارة إلى الحوادث الطبيعية دون أي تعليل أو ربط وتتم كلها بطابع الاختصار المخل، كأن هؤلاء المؤرخين لم يكونوا يرون قمينا بالأطناب في الحديث غير الدول المزدهرة والعصور النيرة، أما الفترات المظلمة، ولو طالت وقاسى الناس منها الأهوال فلا أحسن من غض الطرف عنها لتصبح نسيا منسيا وكأنهم لم يدركوا أن فهم التاريخ لا يتم بدونها وأن تعليل الأحداث السابقة واللاحقة يتوقف عليها هكذا نجد طائفة من أخبار عهد ما قبل العلويين عند المؤلف المجهول في (تاريخ الدولة السعدية التكمادرتية) ومحمد الافراني في (نزهة الحادي)، وعبد القاهر إملاق في (الخبر عن ظهور الفقيه العياشي بهذه البلاد وذكر سبب قيامه بوظيفة الجهاد). وحتى أبو القاسم الزياني ومحمد اكنسوس المتخصصان في كتابة تاريخ الدولة العلوية، لم يوليا الفترة التي سبقتها ما تستحق من اهتمام فلم يكتب عنها الزياني سوى بضع صفحات في (البستان الظريف)، وذيل (الترجمان المعرب) و(بغية الناظر والسامع) ولم يفعل أكثر من ذلك اكنسوس في (الجيش العرمرم الخماسي) ولعل أجمع وأحسن ما كتب في الموضوع ما أتى به أحمد الناصري في (الاستقصا) حيث نجد الجزء السادس ـ من طبعة الدار البيضاء ـ كله في موضوعنا. وحاول المختار السوسي أن يسلط بعض الأضواء على إمارة إيليغ الجنوبية في (ايليغ قديما وحديثا)، كما حاولت التعريف بإمارة الدلائيين في الأطلس والسهول الغربية في (الزاوية الدلائية) وتتكدس الوثائق المغربية ـ الأوروبية لهذه الفترة في المجموعة الضخمة (وثائق غير منشورة) التي ابتدأ إصدارها الكونت هنري دو كاستر منذ 62 سنة، وأعني منها سلسلات فرنسا وانجلترا والبلاد الواطئة وينتظر صدور وثائق عهد ما قبل العلويين في سلسلتي إسبانيا والبرتغال. إذ وصل الجزء الأخير من سلسلة اسبانيا. وهو السادس والعشورن الذي صدر سنة 1961 إلى معركة الملوك الثلاثة.
وإذا كنا لا نزعم لأنفسنا حق البحث في موضوع متسع الجوانب كهذا. في لمحة موجزة كمقالنا، فلا أقل
من أن نقف وقفة تأمل هادئة نتلمس فيها الخطوط الرئيسية والقسمات البارزة على أن نثير بذلك اهتمام الباحثين من طلابنا المتحمسين للكشف عن مكنون ماضي بلادهم، سواء في الميادين التاريخية أو الاجتماعية.

إن تسلسل الأحداث يدعونا إلى تقسيم الفترة التي سبقت تأسيس الدولة العلوية إلى ثلاث مراحل. تمتد أولاها من وفاة احمد المنصور الذهبي (1012/1603) إلى موت ابنه زيدان (1037/1627). وفيها انهد صرح السعديين دفعة واحدة، كجلمود صخر حطه السيل من عل» فقد باتت دولة الزيدانيين في قمة مجدها محصنة الأركان، شامخة البنيان، مزهوة ببطلها المنصور الذي تمكن من القضاء على فتنة ولي العهد المأمون في مهدها، كما قضى قبل على كل بادرة من ذلك النوع، فتفقد أحوال البلاد الرافلة في حلل الأمن والاستقرار والازدهار، وهو على اتصال مستمر مع اليليزابيت ملكة انجلترا يضعان الترتيبات الأخيرة للقيام بعمل مشترك من أجل احتلال بلاد الهند، بعد أن كون داخل القارة الإفريقية امبراطورية عظيمة انتشرت في حوضي النيجر والسنيكال وامتدت من المحيط الأطلسي حتى بلاد النوبة في التخوم المصرية. باتت الدولة السعدية في هذه القمة، وأصبحت في الحضيض تبكي منصورها صريع الوباء في ظاهر فاس، وتندب حظها العاثر لتطاحن أبنائه على الملك من بعده، دون أن يعملوا الفكر والروية لا لصالح البلاد ولا لصالح أسرتهم التي ما كانت لتظل في الحكم وهم متنافرون متشاكسون. ويأبى الله إلا أن تطيش أحلام «أهل الحل والعقد» من العلماء والقواد والأعيان، فيبادر الفاسيون إلى مبايعة الأمير زيدان، وكان المنصور قد استدعاه من مقر عمالته في تادلا وولاه على فاس مكان المامون ولي العهد المعزول. ويرى المراكشيون في استبداد الفاسيين افتياتا عليهم واستخفافا بشأنهم، فيبايعون بدورهم أبا فارس خليفة المنصور في دار ملكه. وبدلا من أن يسعى ذوو المكانة والنفوذ في تلافي الأمر وحل المشكل ترع علماء فاس فأفتوا بوجوب قتال المراكشيين عملا بحديث «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» والتقى جيش الملكين الأخوين على ضفة نهر أم الربيع. وكان أبو فارس لم يحض القتال بنفسه، وإنما أناب عنه أخاه المامون بعد إخراجه من السجن، وأسفرت المعركة عن انهزام زيدان، ووجد المامون نفسه في عزة ومنعة بعد أن انضم إليه جند أخيه المهزوم، فقلب ظهر المجن لأبي فارس وأعلن نفسه ملكا على فاس. وظل إخوة الثلاثة يتنازعون الملك مدة طويلة دون أن يتم الأمر لواحد منهم، فعمت الاضطرابات أرجاء البلاد كلها، وانتهى أمر المامون بتسليمه مدينة العرائش إلى الإسبانيين (1019/1610) طمعا في مساعدتهم له، فغضب عليه الشعب وقتله في ضواحي تطوان، كما قتل أخوه أبو فارس خنقا قبله، وقبع زيدان أخيرا في مراكش صارفا نظره عما وراء نهر أمر الربيع، تاركا أمر فاس وغيرها لعبد الله بن المامون ومنافسيه من الثوار وقد انقرض أمر السعيديين في فاس بموت عبد الملك بن المامون (1036/1627).
لم يهنأ زيدان حتى بالجنوب الذي قنع به، إذ قام عليه أحمد بن عبد الله بن أبي محلي في بلاد الساورة(1) مدعيا أنه المهدي المنتظر، واستخف عقول العامة في درعة وتافيلالت واستطاع أن يطرد من مراكش زيدان الذي حمل معه أثناء فراره ما عز من الذخائر، ومن بينها مكتبة المنصور العظيمة المحتوية على 32.000 مجلد(2)، المشتملة على ذخائر علمية وفنية لا تقوم بثمن، من نسخ أصلية لكتب ألفت للخزانة السلطانية وأهديت إليها من طرف مؤلفيها أعلام المغرب والمشرق إذ ذاك، في الميادين العلمية والأدبية والتاريخية، ومن مخطوطات مزخرفة محلاة بالذهب، أبدعتها أنامل فنانين من أمهر الوراقين والسفارين العرب والعجم. وقد عهد الأمير الهلوع الجزوع بهذه الذخائر إلى أحذ الأغراب من البحارة الفرنسيين لينقلها له من آسفي إلى إحدى المراسي السوسية مادامت الطريق البرية غير مأمونة. فكانت تلك الكارثة الثقافية التي حرمت البلاد من عصارة أدمغة خيرة أبنائها، وألفت بالحمولة العلمية الثمينة في غياهب دبر الاسكوريال بضواحي مدريد، على إثر مؤامرتي الاختطاف والقرصنة المشهورتين.... وستطول غيبة زيدان عن مراكش نحو ثلاث سنوات، ولن يستطيع إخراج ابن أبي محلي (المتمهدي) من قصر البديع إلا على يد صوفي ءاخر هو يحيى الحاحي الذي سيظل شوكة في جنب زيدان، يمن عليه بالنصرة، ويستبد دونه ببلاد الأطلس وسوس إلى أن يقضي في السنة التي سبقت وفاة زيدان.

وشهدت المرحلة الثانية (1037 ـ 1051/1627 ـ 1641) مزيدا من التدهور في السلطة المركزية، فعبد الملك المتملك الجديد كان أوهى عزما وأسوأ حظا من أبيه، لم يستطع بسط نفوذه على أبعد من ضواحي العاصمة، وكان مصيره القتل على اتباعه كما لقي أخوه من بعده، الوليد ومحمد الشيخ، نفس المصير المفجع. وظهرت في الجنوب إمارة ايليغ، واستبد رئيسها أبو حسون علي بودميعة، حفيد الشيخ احمد بن موسى السملالي، بحوض سوس كله بعد أن انفسح المجال أمامه بموت الحاحي وامتد نفوذ بودميعة في بعض الأحيان إلى بلاد درعة فتافيلالت وقامت إمارة المجاهد محمد العياشي بلا، وانضوت تحت لوائه جميع السهول الغربية من آزمور إلى تطوان، وأدى تكاثر المهاجرين الأندلسيين في هذه المتعلقة إلى خلق «المشكل الموريسكي» إذ كونوا كتلة متميزة بعاداتها وعقليتها، خصوصا بالرباط والقصبة (الودايا) وعززوا أسطول الجهاد في العدوتين بما لم من رجال ومال، وما ملكوا من سفن عظيمة, وقامت على الأثر «جمهوريات مدن أبي رقراق الثلاث» على غرار الحكومات المستقلة في المدن القرصنية الغنية كالبندقية وجنوا. وأدى اختلال توازن القوى إلى قيام فتن طويلة الأمد بين الموريسكيين والمجاهد العياشي لم تنته إلا باغتيال هذا الأخير.

أما في المرحلة الأخيرة (1051 ـ 1080/1641 ـ 1669) فقد طفح الكيل وازداد ضيق أفق النفوذ السعدي، ولم يعد لمحمد الشيخ المقيم في مراكش أي نفوذ أو ذكر إلى أن اغتيل، وصرع بعده ابنه أحمد ءاخر الملوك السعديين (1069/1658) فاستبد عرب الشبانات بعاصمة الجنوب، بينما اقتسم النف....... سائر البلاد ثلاثة من المتزعمين: أبو حسون السملالي في سوس، ومحمد الحاج الدلائي في الأطلس والسهول الغربية، ومحمد ابن الشريف العلوي في تافيلالت. كان محمد الحاج قد نزع إلى الحكم إثر وفاة والده الشيخ محمد بن أبي بكر الدلائي، وانضم إليه برابرة زيان، فأسس مدينة الدلاء أو الزاوية الدلائية الحديثة في سف الأطلس بين خنيفرة وقصبة تادلا، واتخذها عاصمة أسكن معه فيها خمس قبائل من أكثر سكان الأطلس المتوسط عصبية وحمية، فاستكمل بذلك مظاهر الأبهة والسلطان، وتكونت لديه قوة حربية هائلة يصول بها ويجول زهاء ثلث قرن، ويمتلك زيادة على الأطلس ومجرى وادي ملوية بلاد تادلا والغرب حتى تطوان.
أما محمد الشريف العلوي فقد تزعم في منتصف القرن الهجري الحادي عشر حركة خلع نير ابي حسون السملالي الذي امتد نفوذه إلى تافيلاات، وأثقل كاهل أهلها بالمغارم الفادحة، وأنزل أقسى العقوبات بالرؤساء وذوي الجاه ممن يتوسم فيهم خلق صعوبات في وجه سلطته. وكان من ضحاياه الشريف بن علي الحسني الذي قضى سنوات عديدة سجينا في سوس فما كان من الابن الشاب محمد بن الشريف إلا أن ثأر لأبيه وقاد حملة طردت بعيدا وجعلوا منه زعيم تافيلالت وأميرها بدون منازع.
والمجال لا يسمح بالاسترسال في ذكر رؤوس المسائل السياسية، بله التحدث عن الحالة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في الفترة المظلمة التي سبقت تأسيس دولة العلويين وكلنا يعلم ما أصاب الحياة العلمية في بلادنا من تدهور بسبب تقتيل العلماء وتشريدهم وإهمال شؤون الطلبة والمدارس والمعاهد، اللهم إلا ما كان من احتضان المراكز البدوية للعلوم الإسلامية خصوصا الزاوية الدلائية. وما نشأ عن تفكك السلطة من انعدام الأمن وانتشار الجور وقطع السبل، وفساد الأخلاق بذيوع شرب الدخان وأكل (الحشيش) والإقبال على رقص القيان... هذا إلى تبديد الثروة الطائلة التي كانت تكتظ بها الخزائن ودور الضرب في قصبة مراكش، ويضيع مستورد الذهب بالسودان، والقضاء على أهم موارد الرزق بإفساد وإهمال حقول قصب السكر ومصانعه، وتوقف الحركة التجارية الداخلية بقيام الحواجز الاصطناعية بين الإمارات المتنافسة. وحتى التجارة الخارجية فقدت فعاليتها بعد أن وجد المضاربون الأجانب مجالا للخوض في الماء العكر بالتضريب بين مختلف الأمراء، واحتل التهريب الدرجة الأولى في هذه الصفقات الخاسرة بالنسبة للمغرب: تهريب الأسلحة الأوروبية الفتاحة وتزويد الثوار والمتزعمين بها لتظل نيران الفتنة مشتعلة، وتهريب الذهب والنحاس وملح البارود وسواها من المعادن الثمينة إمعانا في إفقار وتقطيع أوصال هذه البلاد التي عدمت النصي المتبصر من أبنائها، حتى ظهرت أعلام الرشيد بن الشريف في المغرب الشرقي، وقوي أمره بالدخول إلى تازا وفاس، ثم بالاستيلاء على تافيلالت إثر القضاء على أخيه محمد ابن الشريف (1075/1664)، وتمكن في السنوات الخمس التالية من أن يعفي على ءاثار الدلائيين والشبانيين والسملاليين، ويعيد للبلاد وحدتها التي افتقدتها منذ عشرات السنين.

(1) الساورة: منطقة صحراوية مركزها قرى بني عباس، اغتصبها الفرنسيون في جملة ما اغتصبوا من جنوب المغرب وألحقوها بالجزائر.
(2) ذكر هذا العدد الشهاب الحجري ترجمان بلاط المنصور وأحد العاملين في المكتبة، في كتاب (ناصر الدين): أنظر النقل عنه في مجلة (دعوة الحق)، السنة الثانية، العدد الثالث، ص 23.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here