islamaumaroc

رأس الثعبان قطع؛ حادثة ابن مشعل

  دعوة الحق

96 العدد

أزقة مدينة فاس الرئيسية ـ على عادتها ـ زاخرة بالحركة والنشاط، تتزاحم فيها المناكب وتتدافعالأجسام وتطأ الأقدام الاقدام، من كثرة السكان، وشدة الزحام. ولكن هذا الزحام ينفرج كل حين ليتفسح المجال أمام البغال القوية المثقلة بالسلع والأحمال التي لا يمكن أن تحملها إلا هي، وأمام بغال أخرى مطهمة مرفهة بسروجها المطرزة، ولجمها الفضية، وزينتها الحريرية، تختال بركابها النبلاء الذين لا يخلو أن يكون من بينهم عالم من العلماء، أو شريف من الشرفاء، أو وجيه من الوجهاء، أو سيدة من السيدات الوقورات اللواتي لا يستطعن الصعود أو النزول في عقبات فاس الصعبة...
وان غير العارف بالأمور ليتوهم أن مدينة فاس مشغولة بمشاكل التجارة والصناعة، وبحركات المبادلات والاستيراد والتصدير، تلك الحركات التي يتحمل القائمون بها مشاق وعورة الجبال وقسوة الصحاري ومخاطر السهول، وهياج جموع الثائرين والمتعاركين الذين لا تكاد تخلو منهم ناحية من نواحي المغرب في هذه الأيام... لكن فاسا في الواقع متيقظة، ومتتبعة للأحوال يوما بيوم، وهي على قلب رجل واحد، تحب وتقبل وتطيع على كلمة واحدة، وتكره وترفض وتعصي في إجماع شامل... يكفي أن يتصدى عالم جليل أو شيخ حكيم أو شريف أصيل ويصدر فتواه أو يجهر برأيه لتطيعه الأقوام وتتجند الجموع من ورائه، وتصير على استعداد للموت في سبيل إعلاء هذه الكلمة.
لقد عرف الشريف (مولاي الرشيد) كل هذا وأدركه خلال نزوله بمدينة فاس بعد تجوله بعدة مدن وأنحاء كثيرة من المغرب حواضر وبوادي، إنما ملك منه إعجابه على الخصوص، جامع القرويين العامر بمجالسه العلمية في مختلف دروسها: تفسير، أصول، منطق، تنجيم، حساب، تاريخ، تقويم بلدان، نحو صرف، بلاغة، عروض... هي فنون من العلم والأدب ترفع من قيمة الإنسان، وتنسيه هموم الدنيا، وتغريه بأن ينقطع للتحصيل والدرس إلى الأبد. غير أن الحياة مغالبة أحداثها وتقليب الوجود فيها... كل ذلك يحتاج إلى أشياء أخرى مع هذا كله. والطلبة الكرام أيضا أخذوا بلب الشريف بحذقهم وتدبيرهم لشؤونهم وبلياليهم الحافلة بالمرح والفكاهة والنطث بقدر ما هي حافلة بالجد والحفظ والاستذكار والنقاش والمعارضات والمطارحات الممتعة.
ولكم أعجبه أن رأى الطلبة يتسللون من فرشهم عند الفجر ويؤمون المساجد للوضوء والصلاة وتلاوة القرآن وبمجرد ما يعودون عند طلوع النهار ينصرف كل فرد من الأفراد جماعاتهم إلى القيام بالمهمة التي هو مطوق بها، هذا يرتب الحجرة وينظفها، وذلك ينفخ في النار ليشعلها، والآخر أخذ القفة وتسلل إلى السوق لإحضار طعام الإفطار والغذاء معا، وبمجرد ما يعود، يجد هؤلاء الشبان النشيطين متفتحي الشهية جدا للالتهام ما أحضره! وينصرفون جميعا بعد ذلك إلى نصب قدر الغذاء، ثم إلى كتبهم الضخمة الدقيقة الكتابة..  إنهم كلهم يراجعون الدروس قبل الذهاب لتلقيها، وأعينهم مع ذلك على القدر التي تغلي والجمرات التي يعلوها الرماد شيئا فشيئا، ومتى ما حضر الوقت بدلوا ملابس البيت بملابس أخرى بسيطة نظيفة وتأبطوا اللبدات الصوفية وغدوا إلى الجامع الذي يستغرق منهم نهارهم كله.. أما الليل فللسمر والتنكيت وقراءة أشعار الغزل وأخبار العشاق التي خلدها الدهر مثيرة هكذا، لتغذي خيالات هؤلاء العزاب المنقطعين للعلم، وللعلم وحده، مؤملين في مستقبل سعيد فيه يعشقون أو يعشقون..!
لكن تنبخر الآمال وتضيق النفوس لما تشيع في وسطهم أخبار الثورات والحروب والفتن التي تثور هنا أو هناك من أنحاء الوطن، لأنهم يعرفون أن فاسا هي الهدف الأول لكل ذي حركة، أو نهاية المطاف بالنسبة إليه، والطلبة ملزمون بالخوض فيما يخوض المواطنون الذين يساكنونهم... وفي مثل هذه المناسبات تثور الأشجان في الطلبة (الآفاقيين) الواردين على كلية القرويين لطلب العلم، فيذكر كل واحد حالة بلدته والمشاكل المحدقة بها، وهم لا يقطعون برأي في ذلك، ماداموا بعيدين عن مسارح الأحداث، فهذا (الطنجي) يذكر أحوال بلاده تحت حكم الإنكليز، (والريفي) يفيض في مآسي منطقته على يد الإسبان، وبمثل هذا يتحدث (الدكالي)، ويتشاءم (الوجدي) من تربصات الأتراك بتلمسان المجاورة لمدينة وجدة، ويود أن يقول (التدلاوي) شيئا عن الدلائيين الذين انقلبوا من عباد إلى حكام، فلا يجد عنده أخبارا جيدة وكذلك بحار (السلاوي) فيما يقوله عن آخر أخبار (الشيخ العياشي)... سوى الشريف مولاي الرشيد فإن عنده تفاصيل جديدة عن الأحوال بهذه المناطق كلها، ولكنه وهو في ضيافة الطلبة يكتفي بالاستماع والاستفادة من أجل مستقبل يتهيأ له، ولا يريد أن يكشف جهارا عما ينتوبه، فذلك ليس م الحكمة في شيء... إنما لاحظ أن الطلبة الشبهاء يتجهون في نهاية الحديث إلى طالب من بينهم رصين متزن ويسألونه:
ـ كيف حالكم مع ابن مشعل اليهودي؟ كيف حالكم معه يا أهل تازة؟ إنه الآن يتقوى ويتجبر، وسيأتي يوم يبتلعكم فيه، ثم يتقدم إلى فاس ـ وهي ليست بعيدة جدا منه ـ فيبتلعها أيضا، ويأتي بعد ذلك دور مدن المغرب الواحدة بعد الأخرى... فوالله لئن وصل إلى فاس ليمزقن شر ممزق، ولنقطعن بسكاكين الطعان هذه من لحمه ونرمي لقططنا... أموال المغرب في صناديقه، وبها سيحاربنا ويحتل البلاد ويتحكم في العباد، يا ويل الأعزاء من حكم الادلاء!
اشمأز الشريف الرشيد من هذا الخبر السيء الذي لم يكن له علم به مطلقا، والتفت إلى الطالب الذي لم التازي منتظرا جوابه، ولكن الشاب لم يكن له جواب شاف، إذ لم ترد عليه أخبار من هناك، حتى التجار التازيون الذين من عادتهم أن يتوافدوا على فاس قبيل عيد الأضحى لشراء التوابل لم يزوروا فاسا حتى الآن... ما السبب؟ إن الطالب في الواقع حائر، ويشعر بأن كرامته أمام زملائه مطعونة في الصميم، و لكنه يتصبر، لعلمه أن أهل بلدته أيضا لن يناموا على ذل ولا على ضيم أبدا...
ومال الشريف الرشيد نحو الطالب وانتحى به ناحية بعيدة ليستفسره عن واقع الحالة في تازة. إن الرشيد أصبح يهوى المواقف الشديدة العسيرة ليتمكن من مواجهتها ومغالبتها ثم تحقيق الانتصار فيها، ولعل تازة ستكون بداية الانطلاق نحو الغاية العظمى؟ العدو الأكبر أصبح الآن هناك، والمال الجزيل ـ قوام الأعمال ـ متوفرة لديه، وصناديد غياتة والتسول وغيرهم من رجال القبائل خدام مخلصون لآل البيت منذ كانوا.. يا للحظ السعيد، فرصة يجب أن تغتنم ولا تضيع!
وفي بضع نظرات خاطفة من تينك العينين الواسعتين المكحلتين بدون كحل، واللتين يتعميز العديد من ذرية فاطمة الزهراء، عرف الشريف الرشيد ما تنطوي عليه نفس الشاب التازي، بل وجد في قامته المديدة المتينة، وسحنته الصارمة، وسمته ورصانته، ما يستحق معه أن يكون له سندا وعمدة، والرجال للشدائد..!
والطالب التازي نفسه وبدوره ألهم أن هذا الشاب الحازم لابد وأن يستطيع فعل شيء مفيد لمسقط الرأس تازة، ولربما للمغرب بأكمله. لقد كشف له الشريف عن نفسه، وعما قاساه على يد أخيه (مولاي محمد) في تافيلالت من اعتقال وتقييد بالحبال والحديد كما حدثه دون تحفظ عن خططه ومطامحه في المستقبل فلم لا يكون في ركاب هذا الذي يحاول الملك؟!
انصرف الشابان إلى بعضهما، واختليا متناجين، وتجولا في مدينة فاس زقاقا زقاقا، ودربا دربا، وخرجا إلى ظاهر المدينة وسارا بجوار أسوارها وصعدا الأبراج زائرين! وكلما كلت منهما الأقدام رجعا إلى مهوى الفؤاد القرويين وأنصتا إلى بعض الدروس التي كان يفتتن بها الشريف...
وطاب لهما أن يشدا الرحلة إلى (حمة مولاي يعقوب)، من حيث تمكن الشريف الرشيد من تضميد جروحه التي خلفتها الأغلال الثقيلة التي كان يغلها بها أخوه مولاي محمد. لقد انتعش الرشيد بالمياه المعدنية الحارة، واسترجع جميع صحته بفضل عناية الطالب الحاذق الذي كان يعرف بكامل الخبرة كيف ينوع مائدة الشريف العلوي ويجعلها في كل وقت لذيذة مفيدة بلحوم الخرفان وأفراخ الحمام والديوك وبالأكباد والقلوب والكي... الكفيلة كلها بإعطاء القوة لأضعف الأجسام، وبزيادة القوى منها قوة على قوة، ولم يبق بعد هذا الاستجمام الكافي سوى الارتحال إلى منطقة تازة!
وخلال الرحلة إلى تازة توقف الرشيد وصاحبه ومن معهما عند (حمة سيدي خرازم) ذات المياه الدافئة المطهرة المنعشة، والتي تقوم بعلاج الباطن كما قامت أختها من قبل بعلاج الظاهر... إنه لولا ضيق الوقت، وطول المسافة الواقعة بين فاس وتازة للزما (الحمة) مدة طويلة، ولكن في المناظر المتبقية من الطريق ما يغري بمواصلة السير، والتوقف عند كل بقعة جميلة، إن هناك من السهول الفسيحة الخضراء، ومن الوهاد المتدرجة في الصعود والتي تغطيها أشجار غابوية مزدهرة فواحة، ومن الجبال المغطاة والجرداء ما يملأ النفس رهبة وجلالا، بل إن الجلال يتمثل بالذات في تلك المرتفعات التي لم تنبث شجرا ولا نبتا، لتبقى التربة والصخور على حالها في ألوانها الطبيعية الفاتنة: بني ضارب إلى السواد وبني فاقع، واحمر فان، وأحمر ممزوج بالوردي، ولون أزرق مازج هذه الألوان كلها كما يمازج السحاب أديم السماء... يا للجلال ويا للجمال! ويجد المسافران نفسهما ماتزالان عامرتين بالأحاسيس اللذيذة المنعشة، وسط مضايق ومسالك بين الجبال تتسابق فيها ـ نافرة ـ حيوانات متوحشة تقصد تلك الشقوق العميقة الرهيبة العامرة بالظلام والتي لا يطل منها إلى البوم بعيون لا تنطبق أجفانها!
ليت السفر في هذا الطريق الطويل الرائع لا ينتهي، فالأبصار منمنعة، والخياثم معطرة، والآذان مشنفة، لكن البالين رغم ذلك غير مرتاحين، ماذا يجري في تازة؟ كيف حال سكان تازة وهم يستعدون لاستقبال عيد الأضحى ومن حولهم أزمة اليهودي المتجبر الذي يتربص بهم الدوائر؟ هل استطاعوا الوصول إليه لمحقه؟
وصل الشريف الرشيد إلى تازة، ومعه صاحبه وصفيه ابن تازة العريق، وبذلك تمكن الشريف من الدخول إلى عدة بيوت أبت إلا أن تكرمه وتتبرك به وتجعل عيدها بوجوده أكرم الأعياد، بل زادوا في إكرامهم له وابتهاجهم بمقامه بينهم فأخذوه في نزهات إلى الضواحي الجميلة المحيطة بتازة بين منابع المياه وتحت ظلال الأشجار وفوق أرض مخضرة يانعة مردانة بالزهور المختلفة الألوان والعطر... الشيء الذي طاب معه التنزه والتفسح للكثيرين. وهكذا لاحظ الشريف الرشيد اليقظ النظرات موكبا يمر من بعيد، موكبا فخما عظيما، كثير الخيول، متعدد الرجال والاتباع تحف به ثلة من الحرس المسلح العتيد، وقطيع من الكلاب الضارية...
والتفت الشريف الرشيد ليسأل. فإذا الطالب عند أذنه يهمس:
ـ هذا هو الخطر يا مولاي، هذه هي مصيبة تازة العظمى، هذا هو الاستبداد الشنيع، هذا هو المتجبر المتعنت عدو الله ابن مشعل! دع حديثه بتفصيل حتى نعود إلى مدينة تازة، لقد تعرفت على من يستطيع أن يحكي التفاصيل كلها عما يجري داخل القلعة...
ـ لا، لا أستطيع صبرا، دعني أولا أسأل من هو ابن مشعل هذا؟
ـ إنه يهودي أصله من نواحي وجدة، عرف آباؤه وأجداده بالخبرة في الشؤون التجارية وتصريف الأموال، وقضاء أغراض الملوك السابقين، وورث هو عنهم مجدهم وثرواتهم ومساكنهم وقصورهم، ولعله اليوم يملك أفخم قصور المغرب، وقصره الذي يسكنه اليوم يوجد داخل قلعة محصنة، ثم إنه داخل هذه القلعة يعيش مستغنيا عما هو خارجها من أصغر الحاجيات إلى أكبرها، ويكفي أن مؤونة القصر متوفرة لما يكفي لعدة سنوات إذا اقتضى الحال، بفضل جهود الخدام المساكين الذين يعملون معه تحت إشراف رؤسائهم اليهود. لو ترى أيها الشريف ـ حسب ما حكي لي ـ وهم يعملون مرغمين، ومن رفع الرأس مستاء فاللطم على وجهه، والصفع على قفاه، والركل من ورائه، والدفن على صدره، وفوق يسمع سبا مقذعا في آبائه وجدوده وفي الدين الكريم أيضا... ولمن يشتكون؟ نحن يا مولا نضع أمثالهم في المناصب الكريمة، وعلى رأس الأعمال النظيفة، بينما هم يضعون إخواننا في الأعمال الحقيرة، ويفرضون عليهم ما فيه إذلال وتحقير لهم... أرأيت النفوس الخبيثة؟!
احمرت عينا الرشيد الواسعتان، وزاد محجراهما بروزا، وكسا الغيظ وجنتيه السمراوين بحمرة كالحة، وسمع لأسنانه صرير، وارتعدت جميع أعضائه من شدة الانفعال... وبذلك لم يعد له من رغبة في البقاء في النزهة المقامة على شرفه، وريثما يتهيأ جمع أدوات النزهة للعودة، أخذ الرشيد يتجول وحيدا بين الأشجار والغيظ آخذ منه مأخذه...
(هرون بن مشعل) أمسى متهيأ بعد العشاء لاستقبال ضيوفه وزواره، من حيث أحاط نفسه بالوسائد والمتكآت وأمامه موائد حالفة بصحون الفواكه والنقل والمخللات وقنينات خمر (ماحيا)، يأكل من هذا وذاك، ثم يقبل على الشراب يفرغه في جوفه إفراغا، إن بطنه الكبيرة المتدلية حتى لتكاد تغطي ركبته وتلامس الأرض من الجانبين في حاجة إلى المزيد... فلا عجب إذا كان الوجه طافحا بالرضى والبشر، توشك الدماء أن تنفجر من مسامه، بدل العرق الناضج، هذا الوجه التام الاستدارة البارز وسط شعر اللحية الغزير المسترسل على الصدر والمتشابك مع وفرة الرأس السوداء الفاحمة السواد، بل إن الشعر يطل من المنخرين ملوثا بلطخات السعوط، ومع ذلك فمنظر هرون غير منفر، لما يرتديه من ثياب جميلة ثمينة جدا، جديرة بمن يستقبل علية القوم الواردين من طنجة وسبتة ومليلية ومن بلدان (البر الآخر).
إن أقواما غرباء اللباس، مختلفي اللغات، يفدون على قلعة هرون بن مشعل ويختلون به وراء الأبواب المغلقة مددا طويلة، وقد يقضي الليل في مناقشتهم، مستعينا إذا لم يكونوا عارفين باللغة العبرية بابنته (زليخا). وزليخا ترجمانة محنكة تعرف لغات (الفرنصيص، والسبنيول، واللينكليز)، ذلك لأن أباها أعدها إعدادا ثقافيا مهما في (بلاد البر الآخر) لتكون زوجة لأحد النبلاء أو الأمراء، يستطيع أن يستفيد منه عند الحاجة، غير أن زليخا ـ بعد عودتها ـ اختارت شابا وسيما جدا وجعلته خليلها، وأوعزت لأبيها أن يجعله أقرب المسلمين القاطنين بالقلعة إليه، لقد شهدت في حقه أنه عاقل ومخلص ومستقيم... فهي مقتنعة بهذه الفضائل فيه، ولذلك تبين في حضنه منعمة، وتكشف له عن ذات نفسها، وتحكي له عن أسرار أبيها، أن (بوزكري) في نظرها لا يمكن أن يخفى عنه أي شيء من الأشياء كما مكنته ـ خلافا للباقين ـ من أن يغادر القلعة مرة في الشهر لزيارة والديه في الظاهر، مع أنه يغتنم الفرصة ويحكي مع يجري في القلعة من الأمور العظيمة في مجالس تازة الغاضبة... وكان أن اجتمع بالشريف الرشيد في إحدى الليالي، وفصل له الأحداث كما تجري جهرا، وكما تجري سرا فيا للخطر الداهم... وتم الاتفاق على عمل جدي سريع...
وأخر صاحب القصر مقابلة ضيفه الشريف عمدا، ولما عول على مقابلته أمر برفع الموائد بعدما تجرع جرعات سريعة من شراب (ماحيا). إنه لا يريد مقابلة هذا الضيف المسلم إلا خلال فترة قصيرة. إنه لولا مكانة الضيف ـ وهو أخو سلطان تافيلالت ومزاحمه على الملك ـ لما استقبله هذه الليلة، بل لتركه ينظر على الأبواب ولكن لا أحد يدري ما تخبئه الأيام..
دخل الشريف الرشيد على ابن مشعل، وتلاقت النظرات وحدقت العيون في بعضها، وانكشف السر. وبادر ابن مشعل إلى التزحزح من مكانه، وحاول القيام لاستقبال زائره وهو الذي لم يكلف نفسه منذ جلس بعد العشاء أن يقوم لأحد، بل كان ينتظر من كل من دخل أن ينحني له ويحييه تحية الأمراء، بل لقد تلقى فعلا بعض القبلات على راحته.. وها هو يجد نفسه الآن مرغما على الوقوف: ـ مرحبا بمولاي، مرحبا بابن الرسول في هذا القصر المتواضع، هذا القصر الذي كان من الواجب أن يسعى إليكم لا أن تسعوا أنتم إليه، وأن يجعل رجاله وجنوده وأسلحته وأنصاره في الداخل والخارج في خدمتكم..  وفي استقبالكم..
ـ لا داعي لذلك يا ابن مشعل، دع أنصارك وجنودك في سلام، فمقصودي هو أنت، فالجرار هو الذي يسعى إلى الذبيحة ولا يكلف الذبيحة مشقة القدوم إليه!
ـ هيه، هيه.. مرحبا بمولاي مرحبا، صدقني يا مولاي أنه كان من الواجب أن تضاء جنبات القصر بالأضواء الساطعة، وأن يطلق البخور، وأن تفرش الزرابي، وأن تفتح الخزائن وينثر منها اللؤلؤ والياقوت والذهب ـ وما هو يحمد الله بقليل ـ بين قدمي مولاي الكريمتين، ما قيمة كل ذلك بالنسبة لمقام مولاي العظيم...
ـ متى انتهينا من أمر الذبيحة فصوفها وجلدها ولحمها وشحمها وحتى رأسها... كل ذلك سيكون تحت اليد.
ـ والله يا مولاي لقد شرف دينكم الخالد الكريم بفضيلة الضحية يوم عيد الأضحى بها تتقربون إلى الله، إن دينكم الشريف اهتم بأشياء أهملها ديننا الموساوي... لكم أسعدني منظر المسلمين العاملين معي وهم يذبحون أضحياتهم يوم العيد وأولادهم من حولهم يحيطون بهم في ابتهاج... أجر ومنفعة أيها المسلمون ما أسعدكم!
ـ عيد الأضحى فات يا ابن مشعل، ومن الغد سيحتفل المسلمون هنا بقصرك بعيد آخر ويحتفل معهم سكان النواحي وتازة، كما سيحتفل سكان المغرب كلهم فيما بعد، إن أكباش هذا العيد ونعاجه كثيرة.. لا بل إنهم ليسوا أكباشا ولا نعاجا فهذه المخلوقات لا تؤذي أحدا، وليس فيها خطر أبدا، إنما هم أفاعي وأحناش وثعابين، على رأسهم ثعبان خبيث ماكر فظيع بلغ الحد الأقصى في ضرره، فيجب أن يقطع منه الرأس لنستريح وتستريح معنا البلاد والعباد... أفهمت يا ابن مشعل؟
ـ لا تصدق يا مولاي لا تصدق، إنني أعمل كما عمل أجدادي من قبلي في خدمة هذه الأمة المجيدة، ولا تهمني إلا سعادتها، لو استقرت الأحوال لما ترددت في مدها بالمال والجهد، إنني أملك من المال ما يغني كل فرد من هنا حتى أقاصي الصحراء، ولكن الفتن لم تترك لنا مجال للعمل من أجل خدمة الوطن أيها الشريف، ولهذا لزمت القصر في انتظار... ... ..
في هذا الوقت برز في المجلس الشاب (بوزكري) تياها طروبا، وجلس بجانب الرشيد ليواجه ابن مشعل بقوله:
ـ أنت يا عدو الله أصبحت طاغية عتيدا، كافرا بحق الوطن الذي يرعاك ويغديك ويرفهك، فصرت ترغم إخواني العاملين معك على الخضوع لك والتذلل بين يديك، وبين يدي أعوانك من بني عمومتك... منعت عنهم صلواتهم وصيامهم وحفلات عيدهم وذبح أضحياتهم... وهنا تبادل ابن مشعل النظرات مع الشريف الرشيد ثم أطرق مرتعبا من الخجل الممزوج بالخوف)... وعندي ـ يا ابن مشعل معلومات، هي من ابنتك زليخا خليلتي، وليسمح الشريف فيما أقول، تؤكد أنك تتآمر على البلاد، و تريد إخراج دولة الإسلام منها...
ـ هذا غير صحيح أيها الشريف... غير صحيح وحق لا إله إلا الله محمد رسول الله.
ـ اسكت يا عدو الله وعدو وطنه، ابنتك حكت لي ذلك، وهي أعرف بأمورك!
ـ مسخوطة، مسخوطة أنا بريء منها، سأذبحها بيدي، اسمع يا بوزكري، إنني مثل أبيك، أحبك وأثق بك، وأعاملك معاملة لا أعامل بمثلها أحدا، تسافر معي، وتنام في حجرتي بجانب أهلي، ولا أحاسبك على شيء، تخرج لزيارة أهلك... وأنت تعرف أن هذه المعاملة لا يفوز بها أحد ممن يسكن معي في هذا القصر ولو كان من عشيرتي. ومع ذلك ها أنت تسبني وتتهمني بحضرة الشريف، ا
استح يهديك الله!
ـ أترك عنك هذه الحيل وأساليب المكر، واعترف أمام الشريف بذنبك قبل أن تلقى مصيرك المحتوم، والله إن لم نقض عليك الليلة لعجلت بالقضاء علينا... إننا نحب وطننا ولا نريد بيعه للغير، ونحن وإن اختلفنا ففي دائرة مغربيتنا، إننا نريد وطننا مستقلا مسلما إلى الأبد أسمعت يا ابن مشعل؟
ـ نعم، هذا صحيح. وأنا أريد أن أكون منكم، وإن قبلتم فأنا مسلم مثلكم.
ـ مسلم؟ حاشا لله، المسلم لا يسعى في إهانة المسلمين ولا بظلمهم ولا يعتدي، ولا يشعر أبدا بأفضلية عليهم، حالهم مثل حاله في الصلاة والصيام والحج... كيف تستطيع أنت ذلك وقد ألفت الطغيان والتعنت والتجبر... آن لك أن تؤدي الحساب وتلقى جزاء خيانتك وتعديك أيها الثعبان الخبيث...
وارتعدت أطراف ابن مشعل، وخارت قواه، واسودت الدنيا في عينيه وحاول أن يرفع صوته صارخا ولكن الصراخ اختنق في حلقه ثم خرج في زعفة منكرة... وتدحرج الرأس على البساط تفور منه الدماء.
وتنفيذا للخطة المدبرة امتلأت جنبات القصر بخمسمائة من الأبطال بقصد احتلاله وتصفية عناصر الشر منه، تلك العناصر التي استيقظت مذعورة على صوت الطالب التازي وهو يصبح مكبرا مهللا، والأصوات الجهيرة تردد التكبير والتهليل من بعده.
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here