islamaumaroc

ابن العربي في "العواصم"

  دعوة الحق

95 العدد

إذا كان الإمام القاضي أبو بكر ابن العربي، سببا وصل لنا ما بين كتاب الأحياء للغزالي، في مطلعه بالمشرق، وبين السحابة الغربية التي غيمت على ذلك الأثر العظيم من قتام فتنة شعواء ثارت عجاجتها، فإن ذلك السبب المتين بذاته، وهو ابن العربي، حقيق بأن ينقلنا من كتاب الأحياء، إلى كتاب آخر، كنا لوحنا به، واستشرفنا إليه، وهو كتاب العواصم من القواصم.
نشأ أبو بكر ابن العربي، بالمغرب، في القطر الأندلسي، وأقام هناك إلى أن بلغ السابعة عشرة من سني عمره، فسافر مع والده إلى المشرق، وأقام بالمشرق عشر سنين، تردد فيها بين مصر والشام والحجاز والعراق وبلاد إيران، ثم عاد إلى الأندلس سنة أربعمائة وخمس وتسعين، وأقام بقية حياته بإشبيلية إلى أن خرج منها إلى مراكش عند قيام الدولة الموحدية سنة خمسمائة واثنتين وأربعين فبقي فيها عاما معتقلا ثم فارقها مريضا على نية العود به إلى الأندلس فتوفي في الطريق على مقربة من مدينة فاس، ونقل ميتا إلى فاس، فدفن فيها سنة 543.
وزيادة على ما أفاده هذا القران بين حياتيه، في البيئتين المغربية والمشرقية، من سعة في أفق المعرفة، وامتياز بالجمع بين قوة الحافظة وقوة العارضة، وتمكن من عمق الفكر وسمو البيان، وتمرس بطرائق الحفاظ المحدثين، والأصوليين المتكلمين، فإن هذا القران العجيب، قد مكن له، فوق ذلك كله ممارسة لحقائق الحياة الثقافية الإسلامية، في ما بين المشرق والمغرب، بما فتح له من مناهج المقارنة بين الحياتين، حتى انكشف له ما بين الوضعيتين من التقابل، في ما يملأ كل منهما، من فراغ الآخر، في تعليل أن تكون مقاومة كتاب الأحياء بالمغرب أشد منها بالمشرق، فرأى ابن العربي أن في كل من الوضعين الشرقي والغربي مزايا ورزايا. إلا أن مزايا الوضع الثقافي بالمغرب هي سلامته، ورزينه في ركوده وجموده، وأن مزايا الوضع المشرقي هي حركته ونماؤه، ورزيته في فتنته وجحوده، ومع ذلك فإنه كان قوي الميل إلى المشرق، عظيم الشغف والإعجاب به، شديد الإدلال بمعرفته ومخالطته، قوي الاعتزاز بما طبع فيه الشرق من ملكات، وما أكسبه من مواهب ومقدرات، وكأنه كان يرى أن رزية الانكماش والقصور والركود، صعبة العلاج بعيدة الزوال، لأنها تعطيل للأنظار، وطبع على المدارك، فهيهات أن يستطيع محاول إصلاحها أن يحرك عاطلا. أو يصرف مطبوعا عليه وأن رزية النزق والزيغ والجحود التي نزلت بالحياة الثقافية بالمشرق أقرب إلى الأمل في العلاج، وأرجى للدفع والاقتلاع، لأنه ما دام جوهر الإدراك سالما ناميا متحركا، فإن عوامل الهداية لم تعوز، ووسائل التقويم والتصويب لن تبعد ومن هنا اطمأن إلى أن حياة العلوم الدينية بالمشرق، على ما فيها، هي الحياة الأمثل. وأن حياة علوم الدين بالمغرب قد رانت عليها نزعة التقليد، والإحجام عن النظر، والقصور بالمعاني الشرعية السامية عن غاياتها ومقاصدها. وأن كل ما فيها من خير إنما يرجع إلى ما مسها من أشعة أنوار العلوم الحقة التي أضاءت عليها من المشرق فهو لذلك لا ينفك ينعى على المشرق رواج الفتن وانتشار الضلالات والأباطيل، معرضا بالثناء على المغرب لسلامته من تلك البلايا فيقول "خرجت من بلادي على الفطرة فلم ألق في طريقي إلا من كان على سنن الهدى يغبطني في ديني، ويزيدني في يقيني حتى بلغت بلاد هذه الطائفة فلم يبق باطل إلا سمعته، ولا كفر إلا شوفهت به ووعيته" ثم لا ينفك أيضا عائدا على المغرب بمثل ذلك أو أشد نقمة على الإعراض عن النظر والإقبال على التقليد، والعكوف على الطرائق الملتزمة إذ يقول في أهل قطره الأندلسي : "صار التقليد ديدنهم، والاقتداء بغيتهم، فكلما جاء أحد من المشرق بعلم دفعوا في صدره، وحقروا من أمره، فماتت العلوم إلا عند آحاد، واستمرت القرون على موت العلم، وضهود الجهل، ثم حدثت حوادث لم يلقوها في منصوصات المالكية، فنظروا فيها بغير علم، وجعل الخلف منهم يتبع في ذلك السلف فيرجع القهقري، أبدا إلى وراء، حتى يقع في أمه الهاوية، ولولا أن طائفة نفرت إلى ديار العلم، وجاءت بلبان منه، كالأصيلي والباجي، فرشت من ماء العلم على هذه القلوب الميتة لكان الدين قد ذهب".
وعلى هذه النظرة من المقارنة المؤلمة، بنى ابن العربي كتابه "العواصم من القواصم" وكذلك جعل تسميته كما صرح به في كتبه الأخرى، لأنه بناه على إيراد القضايا الباطلة، والشبه المضللة، مما كان يروج يومئذ في العالم الإسلامي، فيصد المسلمين عن الصراط المستقيم : من المذاهب الطبيعية المعطلة، والعقائد الباطنية الملحدة، والمقالات الظاهرية المختلفة فجعل كل قضية باطلة من تلك القضايا المراد ردها ونقضها وإبطالها، قاصمة : بمعنى مصيبة قاطعة مخربة، وجعل طريق الهداية إلى النجاة منها، ومسلك ردها ونقضها "عاصمة" بمعنى الواقية الحافظة وذلك بين القواصم والعواصم فأتبع كل قاصمة بعاصمتها، وبين أنها هي الحجة التي تنجي منها وتعظم.
ولما كان المراد من كتابه الهداية للتوخي من الشبه لا مجرد إيرادها وتقريرها فإنه سماه العواصم من القواصم أي الحجج المنجية من المقالات المضللة.
وجعل المقالات التي تكفل بردها، وتزييف باطلها : مقالات راجعة إلى مذهب السفسطائية، الذين يعطلون المعرفة أو يعطلون بعض طرقها : بما يشمل مقالات الباطنيين والروحانيين وغلاة الصوفية من مبدأ نظرية المعرفة إلى مذهب القول بالإمام المعصوم كاشفا في ذلك مداخل المذاهب الباطنية إلى العقائد الإسلامية من خلال المذاهب والفرق والنحل التي كشف ما بينها وبين الأصول الباطنية من صلات، واتبع ذلك بيان ما لسياسات الدول من شأن في حماية تلك المقالات وترويجها، والتنكيل بمقاوميها من حماة العقيدة الحق واضطهادهم، وما تبع ذلك من التلاعب بألفاظ موضوعة لمعان دينية، حملت على مناح فلسفية، وأسندت دلالتها إلى مذاهب طبيعية على ما يسمى في ظاهره توفيقا بين الفلسفة والدين، على طريقة إخوان الصفاء، ولقد أبدع، في هذا الموقف، في اتباع القواصم بالعواصم بما أوضح فيه المبادئ الإسلامية في نظريات الفلسفة الطبيعية المبنية على الهيولي والصورة والحركة والمكان والزمان والعنصر ونحوها ثم انعطف إلى علم الأخلاق فحقق الفرق بين الحكماء وبين المتدينين في معنى الفضيلة حتى يبطل أن الحاجة إلى الدين أكيدة لبيان الفضيلة من غيرها، وبعد أن تتبع الباطنية والملحدين إلى أبعاد مراحلهم وأقصى مراميهم التفت إلى أضدادهم الذين ما كانوا أقل خطرا على الدين منهم : وهم الظاهرية بين ظاهرية في الفروع سدوا باب القياس والاجتهاد، وظاهرية في الأصول تمسكوا بظواهر المتشابهات حتى كادوا أن يعطلوا معنى الديانة في تنزيه الخالق تعالى، وجعل هدفه في هذه الردود ابن حزم وما أشاعه في بلاد الأندلس من فتن كان مرجعها، في رأي ابن العربي، إلى قلة انتشار العلم وضعف سواعد المنتسبين إليه، وربط في هذا المجال بين مقالات الظاهرية وبين أصول الخوارج في مسائل الاجتهاد، وعدالة الصحابة، ومسألة خلق القرآن، متناولا في ذلك صنيع المؤرخين وحاملا عليهم وعلى من أخذ بأخبارهم من المفسرين والعلماء ولتحقيق ما أصل في مسألة القرآن أتبع كلامه ببيان معنى اختلاف القراءات وأسبابه وما للناس في ذلك في العلم، بما ساد البلاد الأندلسية من نزعة التقليد والالتزام وفساد مناهج التعليم والإغراق في الاختصاص، وبالبعد عن الملكات العامة، وفي خلال ذلك يعود إلى التنويه بالشرق وما كان عليه قبل أن تنتابه الحملة الصليبية فيقول : "لو شاهدتم الشام والعراق في عشر تسعين وأربعين لرأيتم دينا ظاهرا وعلما وافرا وأمنا منسقا وشملا منتظما لا تمكن العبارة عنه لنضرة حاله وزهرة كماله" ثم ينتدر بتفضيل بقي بن مخلد في القرن الثالث المشرق على المغرب في قصة يعقبها بقوله "وكذلك وجدت" الحال أنا هنا وهناك بعد مائتين وثمانين على تلك السنة وكذلك يكون إلى يوم القيامة".
وبهذه الكلمة ختم كتاب العواصم


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here