islamaumaroc

الفتى الشهيد

  دعوة الحق

95 العدد

لم يكن للفتيان ما يفعلونه بعد خروجهم من المدارس في الماء، سوى أن يتعشو، ويخرجو إلى الشوارع يذرعونها، ذهابا و إيابا، هذا إذا كان الفصل ليس فصل الشتاء، أما إذا كان شتاء كهذه الأيام، فإنهم يقصدون المسجد الأعظم توا، لأداء صلاة المعرب و تلاوة ما تيسر من القرءان، و قبل ذلك و بعده، يتفرعون للأحاديث في أحد جوانب المسجد القصية، حرصا على طمأنينة المتعبدين و تواصل خشوعهم بين يدي ربهم.
كانت أحاديث الفتيان تدور حول شؤون المدارس أو شؤون العائلات، و في أكثر الأحيان كانت أحاديثهم تتجه نحو أخبار الحرب و أهوالها، أخبار انتصار الألمان على الفرنسيين منذ المعارك الأولى، ثم انتصارات أمريكا بعد ذلك، أمريكا التي جاءت من أقصى الأرض بعددها الكبير و سلاحها الوفير....
و هكذا يروحون بمعلوماتهم البسيطة يتجادلون في السياسة، و هم إن كانو مجمعين على التشفى من فرنسا التي ستعمر بلادهم، فهم يختلفون فيما بينهم على الإعجاب بألمانيا العظيمة و بأمريكا موطن الحرية... كانو تلامذة الأقسام الثانوية لذلك فهم يدركون الفرق بين الأمتين من حيث أصالة الحضارة و عراقة المجد، أو من حيث اتساع الرقعة ووفرة الثراء أنهم تلقا معلومات إظافية حول هاتين الأمتين على أيدي أساتذتهم الفرنسيين، هؤلاء الأساتذة الذين يثيرون عجبهم دائما بأنهم يتغافلون عن مزايا الأمم، و لكنهم في نفس الوقت يلحون على عيوب معروفة عنها، و ما ذلك إلا لتبقى فرنسا أمة ممتازة و فوق الجميع.
حاولو بأفكارهم الناشئة أن يحللوا هذه العقلية في الفرنسيين، فمع أن الأساتذة الفرنسيين مثقفون، و عارفوا بأقدار الأمم و أعرف بأنفسهم، فهم يغلطون أو يغالطون... وعلل ذلك بعض الفتيان بحب الفرنسيين الخارق لوطنهم، و علله بعضهم بتعصبهم لكل ما هو فرنسي، و قال آخر: إن الفرنسي معجب بنفسه إلى درجة الغرور، وهو كمواطن يقبل العيب في ذاته، لكنه لا يتحمل العيب في الأمة الفرنسية مطلقا... و بعد هذه المقارنة شابك الحديث في الاستشهاد بتصرفات و أقوال الأساتذة...
و انتقض من بينهم الفتى (احمد بنعبود) قائلا بلهجة مشوبة بلكنة و بصوت عامر بالحدة:
- و أنتم أيها الصعاليك بمن تراكم معجبين ؟ بما ذا يمكنكم إن تفخروا ؟ باستعمار بلادكم ؟ بتأخر صناعتكم و ركود آدابكم...؟ قولو لي ؟
علق أحد الأصدقاء في ساذجة:
- لقد استعمرونا و ظلمونا ! لقد كادت ألمانيا تحررنا، و لكن الحظ لم يكن معنا. وهاهي امة الحرية (أمريكا) قد جاءت، فلا بد أنها ستحررنا...
   استوى أحمد جالسا، ورفع غطاء الرأس عن جبهته ثم أخرج كفه عن شق جلبابه الأيمن، ووضع سابته على صدغه، و حركها ليقول لهذا المتحدث:
-أن من يفكر هكذا واهم، لن تحررنا ألمانيا و لن تحررنا حتى أمريكا...  لن تحررنا إلا السواعد
-المغربية و الدماء المغربية، لابد من الشهداء و لا بد من السجون... و إلا ( قوموا لتناموا)!
سكت أحمد المتحمس، فنهض ثالث واقفا و قال،
- أبي أوصاني ألا أتكلم في السياسة !
- عندئذ رفع احمد رأسه مشيرا بذراعه:
- رح على جهنم أنت وأبوك، عليكما اللعنة قل لأبيك إننا سنستقل رغم أنفه، ورغم أنوف أسياده المستعمرين، فليحذر أن يجيئنا يوما مستغفرا نادما متملقا سنقتله، سنقتله (يعلن أبوه)
و أعاد أحمد غطاء رأسه إلى محله، و دس راحتيه في شقي جلبابه الجانبين ن انكماشا و استدفاء من برد شهر يناير القارس، هذا البرد الذي كانت تزيد في شدته أفنية المسجد الواسعة القليلة الضوء، و التي تسمع منها رغم البعد أصداء اصطخاب الأمواج على ساحل المحيط الأطلسي، الذي لا يبعد عن المسجد إلا ببضع مآت الأمتار.
و استأنف الفتيان أحاديثهم في مواضيع مختلفة لا رابط بينها، و استسلم أحمد متكئا لبض الراحة في انتظار أن يثير أحد المتحدثين موضوعا وطنيا يعجبه فيتدخل، لقد كانت نفس الفتى اكر من سنه، أن لدروس أخيه الفقيه المتحدث بهذا المحدث بهذا المسجد أثرا بليغا في إيقاد عاطفته الإسلامية و تقوية حماسه الوطني كما أن لأحاديث المجالس التي يعقدها أخوه الطالب بفرنسا أثرا بليغا كذلك في توجيه معتقداته الوطنية و رسوخها، هذا بالإظافة إلى أنه يستوعب دروس التاريخ استيعابا و يستخرج منها العبرة...!
في مدرسته الثانوية كان شعلة، إذ يتصلى في ذكاء ووعي لمناقشة الأساتذة الأجانب و محاسبتهم، لقد كان البعض من هؤلاء الأساتذة يحاول المساس مباشرة أو من طرف خفي بتاريخ العرب و ماضيهم، او بتاريخ المغرب و أمجاده، فيتصدى له أحمد بشجاعة فيبهره، و يلزمه الاعتذار على ما صدر منه، و إلا فإن أحمد يعود فيتزعم عملية مقاطعة الأستاذ المتهجم و مقاومته ، في تضامن تام شامل مع إخوانه انه لولا هذا الجو المدروس السعيد المليء بالوعي و الغيرة على الوطن العزيز و أمجاده لما أطاق الحياة في المغرب المنكوب، الذي يقدر أن مصيبته الاستعمار فيه قد يطول، و سترتب عنها أهوال و ألام... فليس من المتوقع أن يخرج هؤلاء الذين ينون العمارات الشاهقة و الدارات الأنيقة، و يأتون بأولادهم و أزواجهم كل عام مئات و آلاف، إلى المغرب بلاد الخص و الرخاء و الشمس الدافئة، و الشواطئ الفسيحة و الجبال المثلوجة...ليس من المتوقع أن يخرجوا من جنة النعيم، و يعودوا إلى مناطق الزمهرير!  ماذا يمنع هؤلاء من أن يبقوا و هم يحكمون البلاد حكما مباشرا شاملا، و يضرون عليها نطاقا خانقا محكما، فالمدن و القرى و المد اشر لها معروفة لديهم، و الدروب مراقبة ن و الأفراد الناهبون معروفون أيضا و متتبعون حيثما تحركوا، و هكذا فكل غيور وطني يوجد في حصار، و أدنى انتفاضة منه تؤدي به إلى الهلاك...
دوما تتردد هذه الأفكار في ذهن الفتى البطل،  فلا يسعه إلا أن يتنهد و يسكت متحسرا، و من أجل هذا قامت في نفسه عقيدة جازمة، و هي أن كل من يتحدث في غير الشؤون الوطنية حديثه عبث ولا أهمية له و ما درى أحمد انه في هذا المساء البارد العابس سيحقق أعظم أمنيات حياته، و أنه ابتداء منه سينظر إلى الدنيا نظرة جديدة...
ها قد وقف على رأس الفتيان شاب متعجل من أمره، واثق مما يقول:
"لقد حقق المغاربة بفضل الله أمال الشاب الغيورين على مستقبل وطنهم، اليوم اجتمعت طائفة من رجالنا الوطنيين، و كتبوا عريضة يطالبون فيها باستقلال الوطن، ووقعوا عليهم هم الستة و الستون، و بعثوا بالعرائض إلى جلالة الملك و الحاكم الفرنسي (المقيم العام) الآن استعدوا للاستقلال، أو للموت في سبيل الاستقلال ! 
تفحص أحمد الشاب المتكلم جيدا فلمس الصدق فيما يقول، إن الموضوع المقدس لا يحتمل الهزل، فهيا إلى العمل...  وقام أحمد للعمل من فوره مستعدا، من حيث رفع الغطاء عن رأسه كله، و كشف عن رجله المقرورة، و أخد يثني أكمامه ثم وقف و قال للشباب العمل الآن؟               
-الاجتماع بعد العشاء بمنزل السيد
و قبل أن يولي الشاب الداعية ظهره لعلع صوت المؤذن مبكرا مهللا داعيا إلى الفلاح... و كانت مقاطع الأذان المرددة في أعالي السماء بذلك الصوت العميق الرنان تملأ جوانح الشاب فتهز قلبه هزا، و لذا لم يتمالك من بعد وضوءه في النافورة العظمى التي تتوسط باحة المسجد و التي تتدفق منها مياه غزيرة دفاقة... لم يتمالك من أن رفع طرفه إلى السماء التي يخفف من ظلماتها قمر لامع و نجوم براقة ساطعة النور ثم كانت الصلاة من الفتى غاية في الخشوع و الابتهال إلى الله الملهم إلى الخير و الصواب.
واقبل أحمد و زملاؤه على مكان الاجتماع، فإذا به عامر بالشباب، و تتردد في جنباته الهتافات الحماسية، بينما خيرة الكهول و الشيوخ جالسون في إسستشارة و شدة عزم... و من يين الكهول شخصية يعرفها أحمد و يثق بها كثيرا فأعطت لأحمد و للحاضرين معه بيانات إضافية عن مراحا الحركة الوطنية و الجهود التي بذلت من أجل إيقاظ الوعي ثم بين الظروف الوطنية و الدولية التي أوجبت اتخاذ هذه الخطوة التاريخية الكبرى... و أكد الرجل أن الهدف الآن مهما طال الزمن هو الاستقلال!
و ابتهج أحمد ابتهاجا لم يبتهج مثله قط، واسر في نفسه حمدا صادقا لله ثم أخد يحدث نفسه:
"المغاربة اليوم عرفوا الطريق الاصوب، المشكلة أصبحت الآن موجودة، و هي ككل المشاكل لابد لها من حل في الزمن القريب أو البعيد... المهم أن الميدان لم يبق فارغا، لقد عرف الأعداء أن الميدان أصبح مليئا من حولهم، حقا إنها لخطورة جبارة و عظيمة و بعيدة الأثر، و سيكون لها ما بعدها...
رجع أحمد إلى بيته و بات ليلة من أسعد الليالي، و كان الفراش – ما يريد – دائما بسيطا، لكنه الليلة بمثابة ساط نوراني محمول على أكتاف الملائكة تطوف به أنحاء السماء، من حيث تسمع أنغام سامية قدسية ليس لها نظير من بين أنغام الأرض، أثرها في النفس عميق بدرجة يخشع معها القلب و تسيل الدموع...ووعي احمد أكثر مما رأى و سمع، أثناء أحلامه السعيدة هذه،إلا أنه عند الصباح استيقظ و تطلع على السماء الغائمة و إذا به يحس ضيقا خفيفا يعمر قلبه، أنه يتوقع أشياء لا تخلو من عسر و مشقة ... و بما أنه تعود ألا يستلم للأوهام فقد قام إلى واجبه المدرسي المعتاد.          
وفي جو المدرسة ألفى كل شيء غير عادي، فالأساتذة الأجانب بأجمعهم يتوارون في الزوايا خانقين و مدير مدرسة الثانوية الجبار يذرع الأوراق بخطواته العسكرية، و بوده لو يشد على بعض الرقاب ويخنقها و توارى الحراس و المنظفون بدورهم ليعقدوا اجتماعات مصغرة يتبادلون فيها الحديث و يفيد بعضهم بعضا... أما التلاميذ – و خصوصا الكبار منهم- فقد سرت بينهم موجة من الاغتباط و الارتياح ن و عبروا عن ذلك بضحكاتهم الرنانة القوية، و بمجرد ما اقبل عليهم احمد أخذوه بالأحضان مهنئين له لأنه احد الدين اخرجوا الفكرة إلى الوجود ? و مرت أحد الأيام العادية، فالناس يمارسون أعمالهم في اطمئنان، و الطلبة يتابعون دراستهم، و المتعبدون يترددون على المساجد، و أهل السمر و لاعبو الورق يمضون أوقاتا طيبة ممتعة كل ليلة قل الذهاب إلى الفراش و في نفس الوقت كانت تعقد اجتماعات وطنية صاخبة، يتردد فيها الهتاف و الإنشاد، و تلقى المحاضرات و البيانات كما يتوافد عليها بعض الرجال الذين حرروا مطالب الاستقلال ووقعوها شجاعة.
إلا أنه ذات صباح غير كل شي إذ تعرقلت الأعمال، و توقفت الدروس، وسرى هياج بين الناس، و اتجه الكثيرون الى المساجد و أخذوا يتلون القرآن و يطلبون اللطيف الخبير ان يرفع الغمة عن المخلصين الذين أدخلهم الفرنسيون السجون...
و في هذا الوقت كان أحمد بنعبود يتجول في وسط المسجد مختالا تياها ين الجموع الجالية على الارض في ازدحام ، يحسبه الناظر في ليلة عمره يستعجل الساعة ليزف عروسه التي طال شوقه إليها و حنينه ، لقد كان يشر في الوجوه ، و يوسع للناس في المجلس، و يناولهم المصاحف أو يتناولهم منهم ، و يسرع لإرواء عطشهم ... و يؤكد بعض الناس انهم راوه في جلال والده الصوفي رحمه الله و نورانيته ، و انهم لم يكونوا يستطيعون التحديق في وجههالاسمر النحيل ..لقد كان مهيب الطلعة!            
و من باب المسجد المواجه للناحية الشرقية خرجت الجموع دفعة بعد دفعة ، نازلة من العقبة المعروفة ب (عقبة المدرسة) ، و سارت في تزاحم عظيم تقطع الدروب الضيقة في اتجاه ساحة المدينة الكبرى، ساحة (سيدي بوحاجة) تتردد فوق رؤوسها زغاريد النساء القوية ، مباركة هذا العزم القوي و هذه الإرادة الطيبة نحو الوطن و بنيه المخلصين ... في المقدمة كان الفتى يهتف بحياة الوطن فتردد الجموع من ورائه هتفات بأصوات قوية ما أشبهها بهد ير الرعود.
لم تكن المسافة طويلة من المسجد و الساحة المقصودة، و كان الطريق بين السائرين بجد وعزم فارغة، غير أن أحد الشرطيين الفرنسيين – من الذين عرفوا عن أهل البلد  من الحقد الشديد والكراهية التامة للمواطنين – جاء على دراجته مهددا متوعدا ، و حاول ان يصد الناس وحده ، و مد يمينه الى جنبه محاولا تناول السلاح ، غير أنه للفور عدل دن ذلك، لقد وجد القوم غير القوم ،و الموقف ليس من النوع المواقف التي اعتاد أن يصول فيها و يجول ، و لذلك قفل راجعا بدراجته ، مفلتا من الجموع التي كادت تمحقه.
و رغم أنه فر، فقد تعقبته جماعة من المتظاهرين كان من بينهم الفتى احمد... ان الشرطي (دافيد) كان مثالا للجبروت و التعسف و الاعتداء على المواطنين ن و خصوصا الشبان منهم ، لطالما اضطهدهم بعنف و قسوة و هم واقفون صفوفا متراكمة في انتظار توزيع المؤن بالبطائق خلال أيام الحرب ...على هذا ، كانت المناسبة مواتية ليؤدي هذا الحقود ثمن حقده ، و كان الجزاء أن تلقى طعنات من سكين حادة، مزقت أمعاءه،و نهت كبده ، و تركته جيفة على عرض الطريق.
ومن حوله – مع كامل الحسرة- سقط بعض الشهداء كاد أن يكون من ينهم الفتى الجريء احمد، و لكنه افلت و رصاص الشرطة يلاحقه ن و عرفه أحد رجال الشرطة و هو يفر من حول الجثة فبادر الى وضع اسمه في القائمة...
و من الساحة التي انقلبت إلى مجزرة رجع احمد إلى المسجد،حيث كان تجهيز الشهداء الى مرقدهم الأخير ، و هناك كان يعمل مع العاملين ، و يبكي مع الباكين ، و بمجرد ما أودع الشهداء قبورهم ، قفل راجعا إلى مسكنه ، منمهلا متثاقلا من شدة العياء ، يسود من حوله -وهو سائر- هدوء شامل ، و لا يؤنسه سوى القمر شاحب حزين ،متهجم في سمائه لما أصاب الأمة من الأهوال العظيمة،  و لم يكن احمد يدري أن رقدته على الفراش هي رقدة أخيرة، و انه لم ينعم بعد بليونة الوسادة والفراش، و لا بدفئ الحجرة و الغطء... لقد نام ملئ  جفنيه و ما استيقض الا على اثر الضجيج  إطار النوم من عينيه و أفزعه، ذلك أن قوة رجال الشرطة جاءت تطوق المنزل تطويقا محكما من الأرض و السطوح ن فتقدم عميدها (لورانجي) الجبار ليلقي القض على الفتى البطل،واضعا على معصمه النحيل قيودا ثقيلة من الحديد ، نهاية السلسلة منها في يده هو نفسه ، ثم ساروا بالفتى الى العذاب المهين...
و هال المواطنون في( سلا ) خبر القبض على الشريف بنعبود، و تشاءموا من مصيره فالكيفية التي قبض بها تختلف عن الكيفية التي قبض بها على الآخرين انه كان يكتفي بإرسال مقدم الحي واحد أعوان (الباشا) حاكم البلد مع احد رجال الشرطة ليأتوا بالتهم... أما بنعبود فقد كان القبض عليه عظيما عظمة محبته لوطنه.
و تسرب اليأس الى (سلا) و هاجت العواطف و بكى الأهل و الأصدقاء و المعارف لما رأوا البطل أحمد بنعبود يساق من مسكنه ، بقصد التفتيش في حالة يرثى لها ، فقد كان منتفخ العينين مخدوج الوجه، محطم الأعضاء تكاد جروحه تتفجر دما، و كانت ثيابه ممزقة ولا نكاد تستره ، ومن حوله لفيف من الجنود الغلاظ الشداد، اثنان يضع فوهتي رشاشتيهما على ظهر الفتى ،  و عميد الشرطة قابض على طرف السلسلة الغليظة بيده ، و اليد الأخرى كانت تقبض على المسدس الاتوماتيكي الفتاك ، و عندئذ أدرك الجميع أن مصير الفتى ليس الى الخير.
و بقيت القلوب واجفة و الأكباد متقطعة و الأعين دامعة على شاب من خير الشباب يعيش تحت سياط     العذاب فلما كان يوم العيد المولد النبوي الشريف،و الناس في عيد لا كالأعياد ، تودعهم حسرة و كآبة على الأرواح الضائعة و الأسر المنكوبة إذ بخبر هائل يتسرب افلى المدينة فيزيد في ألامها و أحزانها ...
ان احدا لم يعرف ان الشاب قد وقف امام المحكمة العسكرية و خرج منها محكوما عليه بالإعدام، منها بقتل الشرطي (دايفد)، و لم يبلغ الناس الموقف الرائع الذي وقفه الفني أمام المكمة العسكرية و هو في قفص الاتهام ، و يصوب نيران حماسته و شجاعته ،الى ضمائر القضاة العسكريين ،لقد أفحمهم بقوة  حجته و فصيحة عباراته الفرنسية ،وقوة حجته التي كان يستمدها من تاريخ فرنسا المجيد بالذات... لقد كاد ان يفحمهم إذ لا على الفرنسي المثقف من تقرع حجته بحجة، و ان يقذف باللفظ الأنيق البليغ ، مع الذكاء و الفطنة في التحاور و الجدال و كل ذلك كان يتوفر عليه الشاب النابغة و هو يواجه الموت...
أعجبت هيئة القضاة بشخصية الشاب، و بذكائه الواقد و غيرته الوطنية الواقدة... ومن أجل ذلك قررت إقبار هذه الموهبة و العبقرية الى الأبد ان فتى على هذا المستوى من الوعي لابد وان يصبح في مستقبله القريب او البعيد شيئا محيرا لحكامه، مقلقا لاستقرار فرنسا  بالمغرب  لابد إذ من طمس هذه العبقرية الصغيرة  قبل ان يستفحل أمرها ولم يكن في تقارير الملف الذي يدور حول نشاط الشاب ببين زملائه و حول مكانة اخوي الشاب الغيور ما يفتح أي مجال للتخفيف او التماس أي سبب من أسباب الرحمة و العطف و لذلك تقرر الحكم  بالإعدام نهائيا و بلا تراجع.
لازم البطل الشاب محسبه الضيق وحيدا مع حسرات نفسه و هيجان خواطره و تمزقاته  قلبه،انه لا يأسف من دنياه التي التي سيفارقها على شيء سوى وطنه الذي  يعتقد ان احتلاله سيطول ، و ان قومه سيبقون مستعمرين مقهورين لا ذكر لهمبين الامم ، امجادهم مطمورة و صنائعهم سيطة و آذانهم تكاد تكون غير مذكولرة...و...و...و....
و يعود فيدفع ظلمات اليأس في هذا المكان المظلم بتلاوة من القرآن الكريم ، و لما يسكت عن التلاوة تقوم في نفسه هواجس اليأس – مرة أخرى - تخزه!  
و تمضي ايام الزنزانة – بانهارها و لياليها و ساعاتها و دقائقها بل و بثوانيها –ثقيلة على النفس ، فيكاد الشاب يتقطع من الحرة ... الا ان اقداما ثقيلة غيظة من وراء القضبان كانت تؤنسه بعض الشئ عندئذ يعود إلى اليقين من ان وراء ركوده و توقفه حياة بلخارج لها فيها حركة و لها استمرار ، فينتعش الفؤاد ببصيص من الامل .
و لكن هذا الامل تبخر ذات ليلة عند الفجر ،لقد تناهى الى سمعه و السكون من حوله شامل ،لا يسمع إلا إصطخاب أمواج المحيط  الجار... لقد تناهى الى سمعه صوت شاب يتهر جزعا مضطربا و هو يقول :
- حرام عليكم ، حرام عليكم ان تقتلونا في يوم العيد ، ستقطعون أصوات امهاتنا و آبائنا ، حرام عليكم ، أليس من حقنا ان نحب و طننا مثل ما تحبون انتم وطنكم
و سمع صوتا من الشاب الصارخ و اصحاب الاقدام الثقيلة ، انتهى بلطمات عنيفة تبعتها صلصلة السلاسل الثقيلة و اختفى الضجيج شيئا فشيئا ثم هدأت الحركة بشكل رهيب!   
و ما هي إلا هنيهة حتي أخذت اللأقدام الثقيلة تقترب منه، و كانت ثقيلة و شديدة الوقع على الارض ، و شديدة الوقع –ايضا- على قل الشاب الواهي ، و مرت على العينين غمامة سوداء جعلته لا يبصر إلا الظلام ، وخار الجسد من الحيرة و الحسرة على مغادرة حياة لم ير فيها ما يبهجه، و كاد يبكي...
لولا أن الباب، و دخل عليه جماعة من الجنود الأشداء الصناديد، و لم يكن يرضى بالإهانة فوقف، فتقدم كبيرهم ووضع يده على كنفه و طلب غليه ان يغادرا لحجرة، و في ساحة السجن أعيد على سمعه الحكم بينما جنود مسلون قبالته يتهيأ ون لقضاء مهمة خطيرة ن مهمة تنصر في إزهاق الأرواح ا لبشرية ، و من جملتها روح هذا الفتى الشهيد رحمه الله.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here