islamaumaroc

إفريقيا في مفترق الطرق -3-

  دعوة الحق

90 العدد

إن الديمقراطية الموجهة أو التخطيط المركزي قد وضعا في امتحان عسير ببعض البلاد النامية -إن لم نقل بأكثرها- وان الاتهام الذي وجه إلى هذه الديموقراطية كان صكه هو نفس التخطيط المركزي الذي مني بالفشل التام في البعض من تلك البلاد، وبأخطاء وخيمة العواقب في البعض الآخر منها.
وشيء آخر لا بد من الإشارة إليه، ألا وهو أن الاشتراكية قد تعرضت خلال مدة طويلة إلى شيء غير  قليل من التعقيد الناشئ عن دراسات جافة لجوانبها، هذا التعقيد الذي ورد على البلاد النامية ضمن ما ورد عليها من «الغارات الاشتراكية» التي كانت تشتمل على الكثير من الغث وعلى القليل من السمين، فكان من شأن هذا التعقيد إن وضع الكثير من اللبس والغموض حول الاشتراكية التطبيقية التي كان على البلاد الإفريقية أن تمارسها، وهي اشتراكية تخالف الاشتراكية النظرية التي لا يؤدي فيها التضارب إلى ما يؤدي إليه في ميدان الاشتراكية التطبيقية، فمئات الكتب واللاف الدراسات قد وضعت في الاشتراكية، بيد أن القليل منها هو الذي التزم مناهج تطبيقية واستمد من الواقع الذي يعيشه كل بلد يتدرج في مراحل النمو الاقتصادي، وإذا لم يكن هنالك مانع من تضارب الآراء والنظريات حول الاشتراكية فيما قبل سنوات خلت، فإن ما طرأ على الاشتراكية نفسها خلال مراحل تطبيقها يعد أمرا يقضي بتبسيط تلك النظريات لكي تصبح تصاميم ومخططات تجمع فيما بين المبدأ الاشتراكي وتأخذ بعين الاعتبار مختلف البيئات والظروف.
ويمكن لمختلف التجاريب التي وقعت ممارستها ان تساعد على مثل التبسيط، وان تكون عناصر لصياغة بناء اشتراكي محدد المعاني يرتكز على التجاريب أولا ويستعين بالنظريات ثانيا.
وبالفعل فإن هذا الاتجاه قد أخذ يبدو في بعض ما ينشر وما ينشر أخيرا من أبحاث ودراسات عن الاشتراكية، هذه الاشتراكية التي تنصب في أول ما تنصب على الاقتصاد وتتناول عن طريقه مظاهر التخلف لتحقق غايتين اثنين: اولاهما التنمية بمعناها العام، وثانيتهما العدالة الاجتماعية، والنمو الاقتصادي وتوزيع الثروات عاديا هما الدعامتان الأساسيتان في بناء كل هيكل اشتراكي.
وإن أحسن رد يمكن أن يكون مقنعا وغير قابل للجدل فيما يخص دخص ما يتضمنه صك الاتهام ضد الديموقراطية الموجهة والتخطيط المركزي- ليكمن في انتهاج سياسة اشتراكية مبسطة المفهوم مجردة عن كل تعقيد تستمد روح فلسفتها من الواقع ومن الموازنة الدقيقة فيما بين الربح والخسارة ومنذ زمن قليل أخذ الحديث يدور حول الاشتراكية الإفريقية، ويتزايد ما كتب فيها ويعد أحسن ما كتب عن الاشتراكية الإفريقية هو ما جاء في أعقاب التجاريب التي كانت عبر التطبيق فيها أوضح وأنصع من مجرد التحليل الذي يعني أكثر ما يعني باستعراض مختلف النظريات وتمطيطها تمطيطا يزيد الطين بلة في التعقيد والغموض.
كتب الدكتور رشيد البراوي وهو خبير اقتصادي في موضوع الاشتراكية الإفريقية بحثا يتوفر على عنصري التبسيط والوضوح. ومن المناسب أن نسوق ملخصا لما  كتبه الأستاذ البراوي في هذا الموضوع:

إن الاشتراكية الإفريقية آراؤها في التنظيم الاقتصادي:
أولا- فهي تؤمن بالتخطيط، والتخطيط كما يقول «سيكوتوري» موجود في النظام الرأسمالي وفي النظام الاستعماري وفي النظام الاشتراكي، ولكن الأهداف تختلف حسب الظروف والغايات العامة، وعلى التخطيط الاشتراكي أن يواجه حقائق المجتمع أولا وقبل كل شيء وأن يعمل على زوال العيوب والتناقضات القائمة، فإذا فرضنا وجود موارد طبيعية مثل الحديد والبوكسيت والكهرباء مثلا، فهذه جميعا دعامة تقوم عليها صناعات قوية ضخمة لها قيمتها من وجهة النظر  الاقتصادية البحثة، ولكن هل يفيد هذا الشعب كله الذي يقوم أغلبه على الزراعة والذي يعاني ما لا يقل عن 95 في المائة من أفراده من الفقر والجهل والمرض، الجواب بالنفي، وهنا يجب أن يراعي التخطيط الحاجيات والأهداف الاجتماعية الشاملة.
ثانيا- إن الأرض ملكية جماعية للقرية والأساليب المستعملة عائلية وأحيانا فردية فهل تقسم الأرض وتوزع في ظل ملكية خاصة يقررها التشريع، لو فعلنا هذا الأدى إلى انقسام المجتمع إلى طبقات ونشوء الصراع، وإذا أخذنا بالنظام الجماعي في الزراعة ووسائل الإنتاج والمحصول لأثار هذا العمل رد فعل عنيف يعرقل قوى الإنتاج بدلا من أن يطلق سراحها، وإذن فالملكية الخاصة المطلقة كأساس للاستغلال الزراعي كما تذهب إليه الفلسفة الليبرالية والنظام الجماعي مما يطبق في الاتحاد السوفياتي ونظام الكوميزنات الذي تطبقه الصين الشعبية- هذه كلها لا تتفق مع حقائق المجتمع الإفريقي وحاجاته وأهدافه، وهنا تنحو الاشتراكية الإفريقية منحى آخر فتأخذ بالنظام التعاوني وفيه:
أ‌- القضاء على الاستغلال (ب) وتنمية الإنتاج بالاستفادة من مزايا الإنتاج الكبير (جـ) وإشراك الشعب نفسه إيجابيا في العملية الإنتاجية.
ثالثا- وتأخذ الاشتراكية الإفريقية بمبدأ التأميم بوصفه وسيلة لغايات عدة هي:
‌أ- تحرير الاقتصاد القومي من الاستغلال الأجنبي، ولدينا أمثلة على هذا من الجمهورية العربية المتحدة وغينيا، كما أن المغرب قرر أخيرا تأميم المرافق العامة الرئيسية ويدخل فيها جهاز النقل بالسكك الحديدية.
‌ب- السيطرة على العوامل المؤثرة والموجهة في البناء الاقتصادي كالبنوك وشركات التأمين ومؤسسات التجارة الخارجية، وهذا يتيح تحقيق أهداف الدولة  ويعاون على الإسراع بعملية تجميع رأس المال اللازم للتنمية بسبب قصور عملية التجميع أو ما يقرب من انعدامها نتيجة الأوضاع في العصر الاستعماري.
‌ج- إنشاء المشروعات ذات الأهمية الاستراتيجية للاقتصاد القومي (الكهرباء صناعات الحديد والصلب).
وهنا نقول أنه لما كان التأميم وسيلة وليس غاية في حد ذاته، لهذا فإنه ينفذ في حدود معينة تختلف من بلد إلى بلد، ففي الجمهورية العربية المتحدة مثلا وحسب القوانين الصادرة في يوليه سنة 1961 قسم النشاط الاقتصادي إلى فئات ثلاث، الأولى طبق عليها التأميم الكامل، والثانية اشتركت فيها الملكية العامة بنسبة  النصف، والثالثة حدد أقصى ما يملك الفرد فيها بما لا يتجاوز مجموعة عشرة الآف جنيه، وإلى جانب هذا  كله، هناك فئة رابعة لم يتدخل فيها القطاع العام إطلاقا، والقول بأن التأميم ليس بالغاية عبر عنه مؤتمر غينيا الديموقراطي بقوله: هل التأميم الشامل هو الهدف، الجواب بالنفي، فالتأميم وسيلة لأهداف ولا يمكن أن يتم كيفما اتفق، وإنما يجب ان يتم حسب الظروف والاعتبارات العامة.
هنا تختلف الاشتراكية الافرقية عن النظام الغربي لأنها لا تعترف بالنشاط الاقتصادي الحر الطليق القائم على أسس الملكية الخاصة أصلا والمنافسة وعامل الربح وهي تختلف في الوقت نفسه عن النظرية الماركسية فلا تطبق مبدأ الملكية لأدوات الإنتاج لانها تعتبر الملكية وظيفة ولها حدودها، وأن هذه الملكية  ينبغي ألا تكون أداة للسيطرة والاحتكار والاستغلال، ولهذا فبينما تأخذ بمبدأ الملكية العامة في الحدود التي تحرسها المصلحة العامة تعترف بدور الملكية الخاصة فتترك لها الحرية في نطاق الأهداف العامة، أو تشترك معها وحتى في البلاد التي لا تقر هذا الاتجاه أو تسير عليه بصورة واسعة النطاق نجد الدولة تقيم صناعات ومشروعات وتشترك مع رأس المال الخاص في إقامتهما كما في نجيريا مثلا.
وللتأميم الإفريقي طابعان، فضلا عن ذلك، وهما أنه يتم بالتدريج وفقا لمقتضيات الأحوال كما أنه يأخذ بمذهب التعويض العادل كما حدث في انجلترا مثلا ويرفض فكرة المصادرة.
رابعا- وتعنى جميع المنظمات الديموقراطية في البلاد الإفريقية بالتصنيع، ويبدو من البرامج التي هي موضع التنفيذ الآن أو التي يجري إعدادها الواقعية التي تتصف بها، فهي تريد أولا إرساء القاعدة التي يقوم عليها البناء الصناعي، وترفض الطفرة التي تقضي على التوازن بين عناصر الاقتصاد القومي، ولانها تدرك أن هناك عنصرا آخر لا يجب أن تكون لها الأولوية من وجهة نظر المصلحة الاجتماعية العامة، وفي هذا يقول تقرير الحزب الديموقراطي الغيني مثلا «واضح ونحن نبدأ من الصفر فلا محل لأن يعمل برنامج السنوات الثلاث على إنشاء  الصناعة الثقيلة ولو كنا نملك في أرضنا عناصرها الرئيسية» لأن هذه الصناعة بحاجة إلى رؤوس أموال وفنيين وخبرات مما لا يتوفر للبلاد الآن، أن  قادة هذه البلدان ممن آمنوا بالفلسفة الاشتراكية يدركون القيود الحالية أو الحدود الحاضرة، ومن هنا يرون أن يسير التصنيع على مراحل وأن يكون وسيلة لدعم التنمية الكلية».
ويقول الزعيم الإفريقي «طوم مبويا» في موضوع الاشتراكية ما معناه:
«والواقع أن في بعض أجزاء قارتنا فوضى مؤسفة حيال هذا المفهوم وغيره من المفاهيم، وكم أرجو أن يعكف شعبنا على التفكير لنفسه بهذا الموضوع. فلقد ظهر افريقيون يدعون أنفسهم اشتراكيون- «اشتراكيين افريقيين»- ولكنك إن دققت النظر في تفكيرهم وجدت أنهم يتبعون تخطيط الفكر الأجنبي إتباعا أعمى، أنهم في أفعالهم يعتنقون مبادئ تضر جدا بمفهوم الأخوة الإفريقية يردد هؤلاء المدعون «اشتراكيين» الشعارات الأجنبية ترديدا ببغائيا» ويسمحون لأنفسهم بالانحراف مع عواطف لا علاقة لها مع أماني شعبنا النبيلة، ويبدو لي أن مع إفريقيا التي أخذت تتخلص من الاستعمار  الغربي ما تزال تحارب خلفيته المعروف «بالاستعمار الجديد» فإن هناك جهادا آخر لابد من حمل رأيته: هو الجهاد ضد الاستعمار الفكري، يجب الشروع بهذا الجهاد منذ الآن، جنبا إلى جنب مع النضال من أجل الاستقلال الاقتصادي، هذه الحقيقة البارزة هي التي تجعلني أعلق أهمية كبرى على مفهوم «الاشتراكية الإفريقية».
عندما أتكلم عن «الاشتراكية الإفريقية» فأنا أعني قوانين السلوك المثبتة في المجتمعات الإفريقية التي عملت خلال العصور على إعطاء أبناء شعبنا كرامة وأمنا، بغض النظر عن مراكزهم في الحياة أعني المحبة الشاملة التي تتصف مجتمعاتنا بها، وأعي مجاري الفكر الإفريقي والمبادئ التي لا تعتبر الإنسان وسيلة اجتماعية بل نهاية للمجتمع وغاية».
وهكذا يبدو أن المذهب الاشتراكي وتحليل جوانبه وقع فيهما الشيء الكثير من «التهافة» وتهافة التهافة – بلغة علماء الكلام- فكان لهذا التهافة النظري آثاره البعيدة في تطبيق التخطيط الاشتراكي، وانعكست هذه الآثار على أساليب الحكم وأساليب التنمية فكانت النكبات التي تتوالى مشاهدها المؤسفة في بعض البلدان النامية، بل إن الاشتراكية انقلبت إلى عملة زائفة حتى في بعض النظم ذات الطابع الإقطاعي الصميم، وبذلك أصبح من الضروري أن يأتي المدلول الحقيقي للاشتراكية في تخطيط واضح المعالم تتجلى فوائده وعدالته في إصلاح زراعي واقعي رصين الأسس، متكامل الجوانب يحسب خطواته أكثر مما يكرر قفزاته. وفي ميلاد حركة التصنيع ينضبط سيرها بمقاييس تكون حالة الوسط بين قفزات الأرنب الروسي وخطوات السلحفاة الهندية.

المشكل رقم واحد في إفريقيا
تعتبر الزيادة المطردة في عدد سكان إفريقيا في طليعة القضايا التي يجب أن ينظر إليها بالكثير والأوفى من الاعتبار، وذلك ضمن كل مخطط للنمو الاقتصادي، فالزيادة في عدد المواليد لا تساير ولو بنسبة قريبة تطور الإنتاج وارتفاعه.
ولئن كانت هذه الظاهرة لا تعتبر جديدة بالنسبة للأقطار الإفريقية فإن عهد الاستقلال والمسؤولية وضعها بكيفية جدية، لأن الاستعمار كان يعتبر هذه الزيادة في صفوف المواطنين تعزيزا لخطته في تشغيل اليد العاملة الإفريقية بثمن بخس، وذلك إلى جانب استثمار الخيرات الإفريقية ضاربا – في هذه الحالة- عصفورين بحجر واحد.
فمما يلاحظ بهذا الصدد أن عدد السكان في القارة الإفريقية قد ارتفع خلال النصف الأول من هذا القرن من 120 مليون إلى 199 مليون، أي بنسبة 66 في المائة، وهذه النسبة ينتظر لها أن ترتفع بشكل حاد ومخيف خلال النصف الثاني من هذا القرن حيث ستصل إلى 260 في المائة وبذلك يمكن أن يقفز عدد السكان إلى 517 مليون خلال سنة 2000.
إن هذه الزيادة المنتظرة لا بد وان تثير مشاكل اقتصادية يتعلق جانب منها بتوفير الغذاء، بينما يتعلق جانب آخر منها بتوفير الشغل، فإذا كانت إفريقيا تعتبر ثانية القارات من حيث المساحة » 11 مليون كلم مربع» وغزيرة الأمطار في بعض المناطق فلا بد من أن يوضع في الحسبان الملاحظات الحيوية الآتية:
1. بالرغم عن غزارة الأمطار في كثير من الجهات لا يسعنا إغفال الأثر الناجم عن ارتفاع نسبة البحر في بعض الأنحاء مثل ليبيريا وسيراليون والسينغال.
2. إن مناطق شاسعة الأطراف إنما هي عبارة عن صحراء أو في حالة الجفاف الكلي أو نسبي ويقدر أن 36 في المائة من المساحة الكلية للقارة غزير الأمطار في حين أن 16 في المائة قاحل و 22 في المائة شبه قاحل.
3. يجب ملاحظة مشكلة تتجلى في ظاهرتين لا تقل إحداهما أهمية على الأخرى، أولاهما الصبغة الفصيلة للأمطار الشيء الذي يترتب عنه أن بعض المحاصيل التي يتطلب نضجها وقتا يزيد على الفصل المطير، فتتعذر زراعتها أو تتعرض لأخطار شديدة، أما الظاهرة الثانية فهي التفاوت الواقع في كميات المطر من سنة إلى أخرى.
4. تأخر الأساليب المتبعة في الزراعة وعدم الاهتمام لمقاومة الآثار المترتبة عن تآكل التربة وإنهاك الأرض للمغالاة في تربية الحيوان وانتشار بعض الأمراض التي تفتك بأنواع من النبات من مثل الكاكاو والقطن والحبوب.
5. بالرغم عن كبر مساحة القارة فإنها لا تضع سوى 10 في المائة من الماشية بالنسبة للإحصائيات العالمية أكثر من ربعها من فصيلات الماعز و 15 في المائة من الأغنام.
إن هذه الملاحظات الخمس تبرز المشكلة الزراعية في إفريقيا وتفرض أنه ينبغي وضعها في مقدمة ما يجب صرف العمل والجهود إليه إذا اريد أن نواجه الزيادة السريعة والكبيرة المنتظرة في عدد السكان فنصيب الزراعة في الاقتصاد الإفريقي ما يزال ضئيلا إذا قيس بما يلقاه من عناية في بلاد أخرى وخصوصا منها البلاد المتقدمة، ثم إنه كان لابد من العمل على زيادة المساحة المزروعة ورفع مستوى الطاقة الإنتاجية فلا بد من استخدام عدة وسائل، في مقدمتها  تنفيذ مشروعات الري والمحافظة على التربة والتوسع في استخدام الأسمدة وتحسين مستوى الأساليب والمعدات والآلات وما أضيف إلى ذلك، كما ينبغي توفير العلف وموارد العيش للحيوانات والقيام بحملات واسعة للقضاء على الأمراض والحشرات التي تضر بالحيوان والنبات. وينبغي إلى جانب ذلك صرف الجهود واستغلال الموارد كلها لتوفير العمل للمواطنين ورفع مستوى الحياة، وفي طليعة ما ينبغي تنبيه الاهتمام إليه والتوسع في استغلال الثروات المعدنية التي تعد من أعظم الإمكانيات في القارة الإفريقية.
وهكذا يبدو من خلال هذا التحليل انه أصبح اللازم أن تخضع مشكلة التناسل إلى مقاييس التطور التي تحتم مفاهيم القرن العشرين السير بمقتضاه، ذلك أن التفويض والتواكل لم يعد لهما مدلول في هذا العهد الذي أصبح فيه كل شيء من طاقات بشرية وإنتاجية يجب أن يخضع للأحكام التي تصدرها الإحصائيات، هذه الإحصائيات التي تؤكد أحكامها المرة تلو الأخرى أن حركة المواليد في البلاد النامية لا بد وأن تتقيد بإمكانيات التغذية والشغل والعكس ليس بالأمر الصحيح.
 فحالة الفوضى المخيفة يخص تزايد سكان القارة الإفريقية يلحق أفدح الأضرار بحركة التنمية، وذلك بما تحدثه هذه الحالة من إخلال فيما بين التوازن الاجتماعي الذي يعد الغاية المثلى في برامج النمو الاقتصادي.
ومن ثم كان من الطبيعي ان تفرض هذه المشكلة نفسها فرضا على البلاد النامية في كل من آسيا وإفريقيا، إلا أن التخفيف من حدتها يتطلب شيئا من الجرأة والتجرد عن العواطف وكبت الغريزة بما يتلاءم وأهمية المشكل وعواقبه الوخيمة على النمو الاجتماعي الذي من مستلزمات التنظيم البشري.
فالإنتاج في الكمية البشرية عملية سهلة، بيد أن الإنتاج في الكمية الغذائية يعترضه الكثير من الصعوبات، فلا مناص إذن من إيجاد توازن فيما بين القطاعين حتى لا يطغى أحدهما على الآخر فيزداد المشكل تعقيدا، ثم سرعان ما يفضي هذا التعقيد إلى كوارث جماعية وما يترتب عنها من أمراض يتساوى في عواقبها المصابون والسالمون.
وإذا كان صحيحا أن إفريقيا تتوفر على إمكانيات في باب الثروات المعدنية وأن هذه الإمكانيات تمثل أحيانا النسبة المئوية تقفز إلى 96 في المائة فإن الأمر صحيح كذلك بالنسبة إلى انعدام الوسائل التي تجعل في الإمكان استغلال هذه الثروات، وفي مقدمة هذه الوسائل الأطر الضرورية.
وتكوين الأطر رهين هو أيضا بوجود تخطيط مركزي ترتب مشاكله ترتيبا أبجديا يحول دون تقدم حروف المؤخرة على حروف المقدمة، فالعناية بالزراعة والانصراف إلى رفع مستواها يشكلان حركة النبض بالنسبة لكل هيكل في كل تخطيط للنمو الاقتصادي ثم التصبيع التدريجي ليزيد في طاقة التنفس الأوكسجيني إن صح هذا التعبير.
لقد تحدث الخبير الاقتصادي الفرنسي (ديمون) في كتابه «الانطلاقة الخاطئة لإفريقيا» عن هذا الموضوع فقال:
أخذت البلاد الافريقية الفتية عهدا على نفسها بتنظيم أسس تنميتها الاقتصادية، وها هي ذي تباشير التصميمات في الاستثمار على أوسع نطاق ممكن حسبما تسمح به مواردها الطبيعية والبشرية، وقد توفرت تنمية المنتوجات الفلاحية والصناعية على الحصة الأولى في مجموعة الجهود المبذولة والأهداف المتوخاة والأسبقية لا تمنح إلا لما هو أكثر أهمية وأشد إلحاحا واستعجالا.
وهنالك مقاييس فنية محضة في هذا المضمار بعيدة كل البعد عن التيارات السياسية في البلاد مثلما هو الشأن في السنغال والكامرون والداهومي، غير أن السياسة إذا كانت ذات مرونة فإنها تساعد على إنجاح التصاميم وذلك بالحد من عدم التساوي فيما بين الموارد الطبيعية وتعيين استثمارات رأس المال، وكذا النفوذ الذي تحظى به الامتيازات التجارية واستجلاب أقصى ما يمكن من المساعدة الخارجية-عند الاقتضاء- كما هو الشأن في الخطة التي تنهجها وزارة الفلاحة بالجمهورية الملغاشية.
وأعظم عامل يجعل أصناف الاقتصاد الإفريقي تخطو بثقة نحو التقدم والازدهار، هو ذلك الالتزام المشترك فيما بين الحكومة والشعب، القائم برمته على حرية اختيار الواعي للأعمال التي يمكن انجازها والتضحيات التي يمكن بذلها.
وإذا كانت بعض الحكومات الإفريقية تنتسب إلى المذهب الاشتراكي من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية والنمو السريع فإن تلك الحكومات كلها، لا تنظر للأمر من زاوية واحدة، فالمفاهيم والتأويلات تختلف عن بعضها البعض، وليس الأمر بتحقيق فوري للمدلول الاشتراكي الكلي، ولا يجعل الاقتصاد جماعيا بصورة شمولية، تحت إشراف إدارة مركزية قوية أو بعبارة أوضح من نموذج سوفياتي، فالصين الشيوعية التي كانت تسير بخطى حثيثة جدا كان لزاما عليها أن تقطع في هذا المضمار مرحلة  ثمان سنوات تقريبا قبل أن تصبح حركتها التورية تكتسح البلاد الصينية من أقصاها إلى أقصاها، فلقد كان لتلك ثمرة عدة تجارب في الحكم يرجع عهدها إلى أكثر من عشرين سنة على مناطق بالغة الأهمية.
إن الأناة لا بد منها في إنجاز المشاريع وإلا أصحبت الحالة مصداقا للمثل القائل: «إذا خرج الشيء عن حده تحول إلى ضده» فالاشتراكية الإفريقية ليست ظروفها مشابهة لظروف اشتراكية الصين أو الاتحاد السوفياتي... فالأوضاع في الأقطار الإفريقية جديدة ولا بد من أن تكون تلك الاشتراكية المتوخاة سائرة جنبا إلى جنب مع مصاعبها الذاتية وظروفها وملابستها، فالجو السياسي تطرأ عليه تطورات هامة، وليس النظام الشيوعي بأقل قساوة وصرامة من النظام الرأسمالي، غير أن هنالك بعض التمويهات من هذا الجانب أو ذاك، تجتذب الناس بين الآونة والأخرى.
إن الاشتراكية الحق تعطي الأسبقية لإرضاء الرغبات والحاجيات الأكثر إلحاحا من لدن الأغلبية الساحقة من الجماهير الشعبية الكادحة فهي تفضل بناء المدارس الابتدائية والمهنية للجماهير البدوية وتفضل ذلك على استيراد السيارات الفخمة الخصوصية من الخارج كما تسعى إلى إشباع الأفواه الجائعة في الأوساط الفقيرة، وذلك بالذات ما يعينها على انتهاج المراحل الجمهورية في النمو.
وأكبر عامل على نهضة المناطق الغابوية، هو التشجيع على عمليات التشجير، وبذلك يصبح الاستثمار أعمق فعالية وأوسع نطاقا.
وإذا تم تحديد الاتجاه في النمو، أصبحت الاستثمارات في زيادة مطردة ولو كانت من مصادر متعددة، إن القروض المالية قد تأتي وفق شروط سياسية وغايات لا تتلاءم دائما مع ضروريات النمو والمصالح الخاصة المتقيدة منها، ومن البديهي أن الروح الاستعمارية لن تموت تلقائيا بالسرعة التي ترتجيها وذلك ينبغي اتخاذ الحذر والتيقظ أمام الأحابيل والوعود المعسولة، فلربما يكون السم في الدسم.
وهنالك استثمارات مالية خصوصية ما زالت تنهال على مدغشقر والسينغال وساحل العاج والكامرون، وهذه الأقطار لا يمكن أن تعتمد على الرأسماليين الأوربيين والأمريكيين وحدهم في تنشيد صرح إفريقيا الفتية، فهنالك قبل كل شيء النفقات الضرورية في التجهيزات الأساسية الاجتماعية وهي غير ذات دخل فهي لا تجتذب الباحثين عن الربح والفائدة.
وكان الرئيس (هوفريت يواني) عندما استقبل الرأسماليين الكنديين في نوفمبر 1959 ليفسر لهم فوائد الاستثمار في بلاده ويقصد بذلك انخفاض أجور اليد العاملة الشيء الذي يترتب عنه ضمنيا حرية تصدير الأرباح، غير أن ذلك كله، بما فيه من نظم تجارية وجمركية متشعبة الجوانب وبما فيه من مصاريف التجهيزات اللازمة لا يجعلنا نعول كثيرا، قبل مضي وقت طويل على الاقتصاد الفردي المحلي من أجل إمداده بالأموال الضرورية.
والتصنيع وكذا نطاق النشاط الفلاحي، يجب أن يسيرا معا في خطين متوازيين فمن دون وجود مصانع، لا يمكن أن تكون في البلاد أية طفرة اقتصادية.
 ثم إن توسيع أسواق الترويج التجاري، قد تعوقه المصاريف الباهظة في نقل المنتوجات ولذلك يجب أن تكون الأقطار الإفريقية على أتم الاستعداد لتتحمل عند الاقتضاء كل تأخير أو كساد أو عجز.
وإذا كانت الصعوبات الابتدائية التي تعانيها السمعة الإفريقية راجعة إلى العوائق الجمركية وإلى ضعف التجهيزات الأساسية وإلى انعدام الفنيين المحليين، وإلى نفقات النقل الباهظة وارتفاع أثمان قطع الغيار والاضطرار لبدء العمل في مصانع صغيرة جدا، فإن هذه المصاعب كلها ستزول بهمة الأفارقة وطموحهم الذي تتحطم أمامه السدود والقيود.
والنمو الفلاحي ضروري لتكميل النمو الصناعي من أجل الاكتفاء الذاتي أولا ثم إنماء الصادرات التي ما تزال في جوهرها فلاحية ومعدنية ثانيا.
وصناعات التحويل تستلزم توسيع نطاق الفلاحة ومن ذلك إنتاج المواد الأولية للصناعة كالقطن وألياف القنب «الجوت» والمواد الزيتية التي تلعب دورا بالغ الخطورة في إفريقيا الوسطى وأفريقيا الغربية وكذا عجين السيلولوز المعد لصناعة الورق، وكل هذه المنتوجات لا تمكن الزيادة في حجمها وجودتها إلا بالزيادة في المنتوجات الغذائية الضرورية، إن الطاقة البشرية في حاجة إلى سماد ينميها كما أن الأرض الإفريقية الخيرة المعطاء، في حاجة إلى سماد يزكيها ويربيها، وبذلك يتضاعف الإنتاج وتتخفف وطأة البطالة في الأرياف، ويزاد الاستثمار فعالية والإنتاج الفلاحي الجيد ينمي الطاقة الشرائية المحلية ويمنح بالتالي للبلاد مناطق خارجية للتصريف التجاري.
إن الفلاحين الأفارقة يعملون جادين لتمويل صناعتهم الفتية بأنفسهم في النهاية، إذ ليس من السهل الوصول إلى التمويل الذاتي للصناعة بسرعة كبيرة.
وتبذل في إفريقيا -وعلى أوسع نطاق- جهود جبارة لتنمية صناعة السكر، وفق المناهج الحديثة سواء في مرحلة غراسة قصب السكر، أو في حالة التكرير والداعي الأساسي لذلك هو ارتفاع مقادير الاستهلاك لهذه المادة سواء على الصعيد المحلي أو الصعيد الخارجي وفي ذلك تشجيع على التصدير وبالتالي على تدعيم الكيان الاقتصادي الإفريقي.
وهنالك في شتى الأقطار الإفريقية الناهضة حركة نشيطة في ميدان صناعة العتاد الفلاحي والأسمدة والمخصبات، كما أن هنالك نهضة ملحوظة في الصناعات الغذائية فيما يرجع للمصبرات وعصير الفواكه ودقيق السمك وزيت النخيل التي لها أهمية عظمى في صناعة الصابون.
وقد عرفت زراعة الأرز هي الأخرى وكذا القطاني وأشجار البن والكاكاو، ازدهارا لم يسبق له مثيل في كافة الأقطار الإفريقية الفتية، وستساعد تربية الدواجن والمواشي والدواب على تعزيز الجانب الفلاحي والصناعي في آن واحد هناك.
إن الزراعة كأصل والتصنيع التدريجي كفرع هما أولا الدعامات في بناء هيكل النمو الاقتصادي، وذلك مع مراعاة الترتيب السلمي لتخطيط هذا البناء، فالأطر الضرورية والدقة في الموازنة بين الإمكانيات والحاجيات، والانقياد انقيادا تاما انطق للعمليات الإحصائية واعتبار الفوارق الشاسعة فيما بين المثل والواقع، إن كل هذه الأشياء تكون عناصر أساسية في الترتيب السلمي للتخطيط فيما يخص النمو الاقتصادي، وبالإضافة إلى كل ذلك ينبغي التجرد تجردا تاما عن كل المؤثرات العاطفية -ومن أي شكل كانت- التي قد يحمل التأثير بها على الارتجال الذي من شأنه أن يعقبه الخبط العشوائي الذي تعانيه بعض الدول النامية مرارة الصاب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here