islamaumaroc

أثر فريد لأبي عبد الله المقري، "الحقائق والرقائق" -2- [نشر نص الرسالة]

  دعوة الحق

90 العدد

يسمى المقري رسالته هذه: كتاب «الرقائق والحقائق» والاصطلاح الصوفي ظاهر في هذه التسمية لأنهم كانوا يعبرون بهما عن أشياء ترجع إلى السلوك الانساني ورياضته الروحية والعقلية:
فالرقيقة: كل ما يتلطف به سر العبد وتزول به كثافة النفس على حد تعبير الجرجاني في كتابه «التعريفات».
أما الحقيقة: فهي مرتبة من العلم والانكشاف لها نورانيتها في القلب واشعاعها في العقل وآثارها في طهارة الروح واطمئنان النفس... وللصوفية في تعريفها أساليب وطرق متعددة..
والمقري يجاري الاصطلاح الصوفي فيعبر عن خواطره وارتساماته وما ينقدح في ذهنه من تعليقات على الحوادث التي مرت به، أو المجالس التي حضرها.. أو الأخبار التي تلقاها من أفواه الرجال.. بهاتين الكلمتين.. ومن العسير على الباحث أن يفرق بين مقصود المقري بكلمة حقيقة ومقصوده بكلمة رقيقة، فكلتاهما من واد واحد لكن المؤلف جعل بعض تعليقاته وخواطره تحت اسم الحقائق.. وجعل أخرى تحت اسم الرقائق.. وهدفه في الجميع واحد.. وهو النظرة الصوفية إلى الحياة وتفسير ما فيها تفسيرا صوفيا قوامه رفض الأعراض والعوائق المادية التي تنزل بالانسان إلى حضيض المادى وحمأة الشهوة.. والاقبال على الحقائق ورياضة النفس بكل عمل يقربها من الله جلت قدرته..
ومنذ سنوات خلت كنت قد قرأت بعضها فيما اختاره أبو العباس المقري منها في كتابه نفح الطيب فأعجبت بأسلوبه ومقاصده.. ومنذ ذلك الحين وأمنيتي أن أجدها تامة في كتاب خاص..
وفي صيف هذه السنة زرت الأخ الأديب الباحث السيد حماد بوعياد في منزله بمدينة طنجة فأطلعني على نسخة «الحقائق والرقائق» وهي نسخة يرجع تاريخها إلى أوائل القرن العاشر على ما يرجع ورغم ما فيها من ثقوب وخروم بمفعول الأرضة فقد انتسختها بقلمي وفكرت في تصحيحها ونشرها باعتبارها من آثار أبي عبد الله المقري الجدير بالنشر إحياء لذكرى هذا العالم الجليل..
وقد أطلعني الأستاذ الجليل سيدي إبراهيم الكتاني رئيس قسم المخطوطات بالخزانة العامة بالرباط على نسخة أخرى ضمن مجموع كان في مدينة تازة محسبا على مسجدها..
فقابلت بين النسختين، وبينهما وبين ما في النفح واستخرجت من ذلك نسخة أرجو أن تكون على وجه مقبول.
وكنت عازما على التعليق على ما فيها من أعلام وشيوخ والتعريف بهم لكنني رجعت عن ذلك بعد أن أطلع على عملي أحد الأصدقاء الباحثين- حفظه الله- وأفهمني أن في ذلك- أثقالا- لكاهل هذه الرسالة اللطيفة بالحواشي والتعليقات ومؤلفها – رحمه الله- أرادها خفيفة سهلة سائغة..(*)
وكنت يوما مع السلطان(1)، والجند يعرضون عليه، وكان يسقط ويثبت وأنا أتفكر في البيت، حتى خفت أن افتضح فقلت: وأهماه من هذا الإبهام، ثم كدت اخلد بقبح العمل إلى الأرض، فينشلني حسن الظن بالله فأنهض:
إن المقادير إذا ساعدت       ألحقت العاجز بالقادر
حقيقة- قال محمد بن رشيد البغدادي شيخ محمد بن علي الجمال صاحبنا: علامات المحبة أربع: الإفلاس، والاستئناس، والأنفاس، والوسواس، قلت: الإفلاس التجرد إلا عنه، كالخليل، والاستئناس الاستيحاش إلا منه، والأنفاس والوسواس صلة الاسم وعائده.
رقيقة- أنشدني محمد بن إبراهيم أبي الحاج البلفيقي وقال أنشدني محمد بن رشيد الفهري وقال أنشدني أبو حفص الخيمي(2) المصري لنفسه:
لو رأى وجه حبيبي عاذلي         
لتفاضلنا على وجه جميل

حقيقة- قطع السوى طهارة المنيب، ولا يقبل الله صلاة بغير طهور، وكتابه النحيب والمكاتب عبد ما بقي عليه شيء، وبابه الدخول على الحبيب، نظر رجل إلى امرأة عفيفة، فقالت له يا هذا غض بصرك عما ليس لك تنفتح بصيرتك فترى ما هو لك..
رقيقة- قال لي عبد الرحمان بن يعقوب المكتب، كان بالساحل سائح يهيم على وجه فإذا ثابت إليه نفسه قام فقال: إلهي، بسطت لي أملي، وأحصيت علي عملي، وغيبت عني أجلي، ولا أدري إلى أي الدارين تذهب بي، لقد أوقفتني موقف المحزونين ما أبقيتني..
حقيقة- تحقق العلماء بالتوحيد فاستشعروا حقيقة- والله خلقكم وما تعملون- لكنهم اعتبروا خلق السبب والابتداء به فتصرفوا بدلالة الأذن في مذهبه فاستقاموا على طريقة الأدب، ولم يفتهم فضل التوكل، ولم تتسع معارف الزهاد لما عرفوا المسبب لكيفية الانصراف إلى السبب منه، لدقة الفرق بينه وبين الانصراف عنه، فوقفوا للعذر مع التوكل ولم يستعملوا أدب الجريان مع الابتلاء والأمر.. وعكف الغافلون على ظاهر السبب ففاقهم التوكل والأدب «أولئك كالأنعام بل هم أضل».
رقيقة- قال لي محمد بن عبد الله بن عبد الواحد الرباطي، قال لي أبو محمد بن عبد الله الاطرابلسي دخلت على أبي الحسن الحرالي فقلت له: كيف أصبحت؟ فأنشد:
أصبحت ألطف من مر النسيم سرى      على الرياض يكاد الوهم يؤلمني
من كل معنى لطيف أحتسى قدحا         وكل ناطقة في الكون تطربني

حقيقة- قال لي محمد بن محمد ابن مرزوق العجيسي الشيخ بعباد تلمسان: قال لي أبو عبد الله بن حيون النجراوي: وجدت على ظهر كتاب بخط عتيق، قال أبو يزيد البسطامي: يظهر في آخر الزمان رجل يسمى شعيبا، لا تدرك له نهاية قالا: وهو أبو مدين، قلت: وقف بظاهره مع الشريعة وذهب بباطنه مع الحقيقة، فما انقطع لصحة البداية ولا رجع لعدم الغاية..
رقيقة- مثل دواعي الخير والشر في الإنسان كمثل الخلط الفاعل، والقوة الدافعة في العليل، تغلب القوة فيسكن الخلط فيجد الراحة، وعن قليل يتحرك فيجد الألم..
حقيقة- العمب على السلامة مسالمة وتلك صناعة الراهبين، وعلى الغنيمة تجارة، وتلك بضاعة الراغبين وعلى الأمر قرض «من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة».
رقيقة- سمعت أبا محمد عبد الله بن عبد الواحد المجاطي يقول: رويت بالسند الصحيح، أن عابدا رابط ببعض الثغور مدة فكان كلما طلع الفجر سمع صوتا دون أن يرى شخصا:
لاسيما وجل الذين يروي أو يتحدث المقري عنهم فيها لهم تراجم معروفة في كتاب «البستان» لابن مريم. ونفح الطيب للمقري. ونبل الابتهاج للسوداني. وأنس الفقير لابن الخطيب القسنطيني.
ومن أجل ذلك اكتفى اليوم بنشر نصها المخطوط مرجئا التعليقات والمقابلات بين النسخ المختلفة.. والزيادات الموجودة في بعضها إلى أن أتمكن من إخراج دراسة مفصلة عن المقري وآثاره التي من جملتها هذه الرسالة.
ومن الله استمد التوفيق والعون..
                                                    **               
الحمد لله، هذا الكتاب شفعت فيه الحقائق بالرقائق، ومزجت المعنى الفائق باللفظ الرائق، فهو زبدة التذكير، وخلاصة المعرفة وصفوة العلم. ونقاوة العمل فاحتفظ بما يوحيه إليك، فهو الدليل، وعلى الله قصد السبيل..
حقيقة- عمل قوم على السوابق، وعمل قوم على اللواحق، والصوفي من لا ماضي له ولا مستقبل، فأن كان زجاجيا فبخ بخ...
رقيقة- من لم يجد ألم البعد، لم يجد لذة القرب، فإن اللذة هي التخلص من الألم..
حقيقة- لما انطبعت الصورة في مرآة الخيال قال العقل: أن الفلك المكوكب، فقالت الرياضة: الزمني وتعرف قدرك، فإذا العقل عقال..
رقيقة- لتهنئ المدلج طلعة الفجر، برق البرق، فوجد الكنز.
حقيقة- آثر الزاهد زاوية دن سقراط على ميدان حلبة المشائين، فقيل له: فأين اعتبار «أفلا ينظرون»؟ فقال: «وفي أنفسكم أفلا تبصرون»
رقيقة- من ضحك في نوم الغفلة، بكى عند الانتباه، فإن الاضغاث أضداد.
حقيقة- الخلوة منزل الفكر، وفي بيته يوتي الحكم، وباب هذا البيت العلم، «وآتوا البيوت من أبوابها».
رقيقة- الزاد لك وهو مكتوب، والوائد عليك وهو مسلوب، فأجمل في الطلب، ولا تحمل نفسك النصب.
حقيقة- العمل دواء القلوب، فإذا كان الدواء لا يصلح إلا على حمية البدن فكذلك العمل لا ينجح إلا بعد صوم النفس، فارق نفسك وتعال..
رقيقة- من سابق سبق ومن لاحق إلتحق، ومن رافق ارتفق، والعجز والكسل مطيتا الخيبة «وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم».
حقيقة- الزاهد صاحب نفاسة وهمة، والعابد طالب رياسة وحرمة والمعنى للعارف، يعادي في الله، ويوالي في الله ويعمل على رضاه ولا يبالي.
رقيقة- طالب الدنيا يخاف الفوت، وصاحبها يترقب الزوال ولو بالموت فإذا حمي الوطيس وتجثم الرئيس أنشأ الزاهد ينشد:
عزيز النفس لا ولد يموت         ولا شيء يحاذره يفوت

حقيقة- القلب ايوان الملك وسعني، وعز الملك لا يرضى بذل المزاحمة،«أنا أغنى الشركاء عن الشرك» وهذا معنى ما قاله الشيخ تاج الدين أبو الفضل، أحمد بن عطاء الله:
«كما أنه لا يحب العمل المشترك كذلك لا يقبل القلب المشترك، فالعمل المشترك لا يقبله، واللقلب المشترك لا يقبل عليه».
دقيقة- لما وضع البسطامي أوزار حربه فك طابع الصحيفة عن قلبه، فلم يجد بها غير الطغراء فصاح بنفسه: لك البشرى أنزل طيفور عما تريد ليس في الدار أبو يزيد..
حقيقة-  قال شيخنا أبو هادي يوما لا صاحبه: بماذا يرتقي العبد من مقام إلى مقام أعلى منه؟ فقالوا: بفضل الله ورحمته، فقال: إنما سألتكم عن السبب الخاص بهذا الأمر، فقالوا: من عند الشيخ.. فقال يخلق الله له همة اسنى من همته، فيرتقي بها إلى رتبة أسمى من رتبته.
رقيقة- ذكر مذكرة بمقالة فقام الخطيب أبو عبد الله الساحلي بهذا البيت:
ليت شعري افي زمام رضاكم       كتب اسمي أم في زمام الهوان
لولا رجال لهم سرد يصومونا       وآخرون لهم ورد يقومونا
لزلزلت أرضكم من تحتكم سحرا   لأنكم قوم سوء، لا تبالونا

حقيقة- قلت لقلبي: كيف تجدك؟ فقال أما من أمارتك ففي عناء الجهاد، وأما من لومتك فعلى جمر الصبر، فقلت: فمتى الراحة؟ فقال: إذا اطمأنت النفس فغبت عن الوهم والحس.
رقيقة- لما حنكت الطينة بتمر الجنة وغذيت بلبانها فطرت على محبتها، انظر إلى حب الأنصار التمر، فلم تطق الفطام عنها- وتأبى الطباع على الناقل- فذاك ما تجد من الحنين إلى التلاق، والأنين على الفراق، والشغف بمدح الغابر وذم العابر وفي ذلك:
كم أردنا الزمان بمدح      فشغلنا بذم هذا الزمان

وإن لم نعرف عصرا خاليا، ولا خلا نائيا، بل لم يمر عليك مما تشتهيه أطيب مما أنت فيه:
كم منزل في الأرض يألفه الفتى      وحنينه أبدا لأول منزل

حقيقة- واقع فقير هناة ثم دخل خلوته فبدت له نفسه بوجه مومسة، فقال من أنت؟ قالت: أم الحياة، فقال ما أجمل بك أن تبدلي بتائك همزة.. فقالت: إذا لم تصنع ما شئت..فانتبه لقرع العتاب فتاب.
رقيقة- دخلت على عبد الرحمان بن عفان الجزولي، وهو يجود بنفسه وكنت قد رأيته بقرب ذلك معافى، فقلت: أي.. فسألته عن السبب، فأخبرني بأنه خرج إلى لقاء السلطان، فسقط عن دابته، فتداعت أركانه، فقلت: ما حملك أن تتكلف مثل هذا في ارتفاع سنيك؟ فقال حب الرياسة آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين: ففكرت في قوله، فوجدت أن الله عز وجل لما ابتدأ أمر آدم بأن أسجد له الملائكة «فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدن» والسجود أكبر تحيات الملوك «ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا» سرت الرياسة في طينته سريان الروح في الجسد، ثم جرت في نفوس ذرينه مجرى الدم من العروق، فكانت آخر ما ينزع منها وينزح عنها.
حقيقة- قال لي محمد بن محمد ابن مرزوق، قال لي بعض أصحاب أبي اسحاق الطيار دفين العباد بتلمسان، أن أبا اسحاق أقام خمسا وعشرين سنة لا ينام إلا قاعدا، قلت: تعود الجلوس إلى الملك حتى تدرب على الأدب، ولو كتب اسمه في «الجامكية»(3) ما اعتاده، وغلبه النوم.
رقيقة- سألت ابن مرزوق، ولم لقب بالطيار؟ فحدثني، أنه نشر ذات يوم ثوبه في الشمس على بعض السطوح ثم قعد هنالك، فمر به رجل فقال له طر، قال: عن أمرك، قال: نعم، فطار حتى وقع على الأرض وما به من باس، قلت إذا صار أصاخ الحق للعبد سمعا وبصرا فسمع به وأبصر أصاخ إلى الأحوال، واجتلى المعاني، فيرى غير مبصر ويسمع غير ناطق، كما قال الشيخ أبو عبد الله الشوذي الحلوي دفين تلمسان:
إذا نطق الوجود أصاخ قوم          بآذان إلى نطق الوجود
وذاك النطق  ليس له انعجام         ولكن دق عن فهم البليد
فكن فطنا تنادي من قريب            ولا تك من ينادي من بعيد
 
حقيقة- قيل عرض الكليم بطلب القوت في رحلة الهجرة «أني لما أنزلت إلى من خير فقير» فحمل على كاهل، «أن أبي يدعوك» وصرح في سفر التأديب«لو شئت لاتخذت عليه أجرا» فحمل على كاهل «هذا فرق بيني وبينك» قلت لما تمحض الطلب له اكتفى، فلما تعلق حق الغير به وفي، ولذالك قضى أبا المرأتين أبعد الأجلين.
رقيقة- كان خرق السفينة أراءة لكرامة «فاقذفيه في اليم» في مرآة، «وكان وراءهم ملك» وربما صحت الأجسام بالعلل، وقتل الغلام إشارة إلى اشتمال فتنة «فقضى عليه» على رحمة «فنجيناك من الغم» برمز، فخشينا أن يرهقهما طغيان وكفرا» والمحن الصم حبائل المنح، وإقامة الجدار إشارة لفتوة «فسقى لهما» ليخفض له جناح.
إني لما أنزلت إلي من خير فقير» فيستظل من حرور «لو شئت لاتخذت عليه أجرا» في تيه «هذا فراق بيني وبينك» وما فعلته عن أمري».
حقيقة- قيل لمحمد بن الحسن الزبيدي التونسي وأنا عنده بها: كيف لم يصبر الكليم وقد ناط الصبر بالمشيئة «ستجدني إن شاء الله صابرا» وقد جاء في الصحيح في قصة سليمان عليه السلام لو قال: إن شاء الله لكان كما قال، والمقام الموسوي أجل« واصطنعتك لنفسي» وطلابه أفضل، ما جميع أعمال البر والجهاد في طلب العلم إلا كبصقة في البحر، فقال: كان موسى على علم من علم الله وهو علم المعاملة لا يعلمه الخضر، وكان الخضر على علم من علم الله لا يعلمه موسى، فلم يظن أن مما لم يحط به خبرا ما يأباه حكم الظاهر، وإلا فكيف يلتزم الصبر عليه وقد أمر بصرف الإنكار إليه؟ «ما منعك إذ رأيتهم ضلوا» بل لم يعتد مثله من ملاقات المتاق فيما كان عليه الخضر من اختراق الآفاق وركوب الطباق فما عقله بقوله فقد صدقته بفعله، وما لم يستطيع عليه صبرا فلم يدخل في التزامه اعتقادا ولا ذكرا،
رقيقة- الفيت لعبد الحق الاشبيلي بيتا هو أفضل من قصيدة:
قد يساق المراد وهو بعيد      ويرد المراد وهو قريب

ومن أراد أن يعرف قدر هذا الترتيب فليتل قول الله تعالى «الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب».
حقيقة- حدثت بمصر أن عمر ابن الفارض أولع بجمل فكان يستأجره من صاحبه ليتأنس به فقيل له: لو اشتريته، فقال: المحبوب لا يملك، فقلت: في أي حال كان هذا منه؟ فقيل لي في بداية أمره، فقلت: وجه اعتبار «أفلا ينظرون» إليه فوقفت به رؤية المعنى فيه عليه، فأحبه مدلا وطلبه مجلا.
رقيقة- لصاحب الوقت يومان.
يوم بأرواح يباع ويشترى    وأخوه ليس يسام فيه بدرهم

وفصل الفضل بينهما:   
وما تفضل الايام اخرى بذاتها       وما تفضل الأيام الملاح ملاح

حقيقة- قال المريد: الوقت سيف، وقال الواصل: بل مقت، فتلا العارف: «قل: الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون».
رقيقة- أنشدني أبو محمد المجاصي، قال أنشدني شرف الدين الدمياطي، قال أنشدني تاج الدين الأرموي، قال أنشدني فخر الدين محمد بن عمر الرازي لنفسه:
نهاية أقدام العقول عقا   وأكثر سعي العالمين ضلال
        
وأرواحنا وحشة من جسومنا        وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا      سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
كم رجال قد رأينا ودولة  فبادروا    جميعا مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها       رجال فماتوا والجبال جبال
 
حقيقة- قلت للسر مالك تحس من خلف الموانع؟
 فقال: خرق شعاعي سور العوائق ثم انعكس إلى بصور العوائق فأصبحت كما قيل:
كان مرآة عين الدهر في يده       يرى بها غائب الأشياء لم يغب

رقيقة- حفظت من خط الشيخ أبي يزيد القابسي والد صاحبنا أبي الحسن قيل للغزالي: ما تقول في الحلاج؟ فقال: وما عسى أن أقول فيمن شرب بكأس الصفاء، على بساط الوفاء، فسكر فعربد فاستوجب من الله تعالى الحد فكان حده شهادة.
حقيقة- عربد الحلاج في الحضرة لما فشا بسكره سر أمره، فانتصر الظاهر لنفسه لصحة تعلق اسمه، وسدل الباطن على عذره حجاب الغيرة من إفشاء سره، ثم قلت:
على سمة الأسماء تجري أمورهم     وحكمة وصف الذات في الحكم أجرت

رقيقة- فض الختام عن الدين قبل عرفان عرف الخمر فانتشى للنشا وانتهك للنكهة، فاختلس عقله وما شرب، ليته خلل شعره ثم صب.
حقيقة- أشرف أسمائك ما أضافك إليه، وأكرم صفاتك ما دلك منك عليه.
لا تدعني إلا بيا عبدها         فإنه أشرف أسمائي
ولا تصفني بالهوى عندها     فعندها تحقيق أنبائي
رقيقة- سمعت شيخنا بالقدس يقول: تجلى الله تعالى بالمسجد الأقصى بالجمال، وعلى المسجد الحرام بالجلال، وعلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالكمال، قلت: فذلك يوقف النواظر، وذلك يملأ الخواطر، وهذا يفتح البصائر.
حقيقة- إذا إبرة القلب مغناطيس الحب صبا فانجذب، فإذا اجتمعا عشي فانقطع، فإذا اتحدا فنى فبقي.. حاشى للصوفي أن يموت.
رقيقة- اخبرني امير المومنين المتوكل أن جده أمير المسلمين أبا سعيد رحمه الله تعالى سأل كاتبه عبد المهيمن الحضرمي عن تهادي أهل الحب للفتاح دون الخوخ وكلاهما حسن المنظر طيب المخبر شديد شبهه بأخيه شديد تشبيه الوجنات به لمتوخيه.. فقال من عند مولانا .. فقال أرى ذلك لاشتمال التفاح على الحب الذي يذكر بالحب، ولا شتمال الخوخ على النوى الذي يكدر اسمه صفو الهوى.
حقيقة – العمل رياش، والحسن صورة، والملاحة روح، فذلك ستره عليك وذاك عنايته بك، وهذا سره فيك.
رقيقة- أعطى يوسف شطر الحسن، أي حسن آدم لأنه إن لم يكن في الإمكان أبدع مما كان، فقد خلقه الحق بيده في أحسن تقويم ثم نفخ فيه من روحه، لتتم علة سجود التحية والتكريم فكان كما قال من أنزل عليه الفرقان «خلق آدم على صورة الرحمن» فأدم إذن، كمال الحسن وإلا فهو المراد لأن الشطر يقتضي الحصر والصنف  ينزع الوصف وأعطى محمد صلى الله عليه وسلم كمال الجمال فما أبصره أحد إلا هابه، وتمام الملاحة فما عرفه شخص إلا أحبه، مع أنباء نوره في الآباء بأن أبوة المعنى لسيد نجباء الأبناء  كمال قال العارف عمر:
وإني وإن كنت ابن آدم صورة       فلي فيه معنى شاهد بأبوتي

حقيقة- خوف من لم يفر خور وذلك الجبن، من خاف أدلج، ورجاء من لم يكر تمن وتلك الزمانة « ياليتني كنت معهم».
رقيقة- سمع ابن شاطر سائلا يقول: الجنة رخيصة فقال: كيف تكون رخيصة والله عز وجل يقول «إن الله اشترى من المومنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة» قلت: ما الأنفس والأموال في جنب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولاسيما وفوق هذا الحسنى وزيادة الأكرام بالنظر والرضاء.
حقيقة- لا يثنيك الخوف عن قرع الباب فتيأس فإنه «لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون» ولا يدينك الرجاء من الفترة فتأمن فانه «لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون» فإن لم تستطع بعد الحرص أن تدخل فلا تمل كل  الميل مع النفس «أن النفس لأمارة بالسوء».
رقيقة- ارفع قصتك في رقعة الإقبال، على كف الرجاء خافضا من طرف الحياء وصوت الإدلال  عاكفا في زاوية الانكماش، من وراء ستر الخوف يخرج عليك حاجب القدر من باب الكرم بتوقيع «فاستجبنا له»
حقيقة- وجد العارف فجاد بنفسه « فوجدالله عنده «وتواجد المريد، فحاكى، ومن لم يبك تباك.
رقيقة- اللحم ايام التشريق مكروه، وكل لذة عند أرباب السعة كاللحم عندك في الأضحى، فلا ترينك الغفلة عن سرك زيادة النعمة عند غيرك.
حقيقة- صدق مجاهدة الفاروق ايقاظ الوسنان، وطرد الشيطان وارضى الرحمن، ففاز بسلامة- ما سلكت فجا إلا سلك الشيطان فجا غير فجك- وحقق مشاهدة الصديق – اسمع من اناجي فحاز غنيمة- لو كشف  الغطاء ما ازداد يقينا- فذهب أبو بكر في السابقين، ولحق عمر بأهل اليقين، فما أدرك الصديق أداء التصلية  حتى استدرك الفاروق قضاء السقيفة:
ولو كنت في أهل اليمين منعما     بكيت على مافات من زمن الصبا
رقيقة- قال لي أبو حيان بمصر: قال لي عمر بن الخيمي: تحادثت أنا ونجم الدين ابن اسرائيل هذا البيت:
يا بارقا باعلى الرقمتين بدا     لقد حكيت ولكن فاتك الشنب

فمحاكمتنا إلى ابن الفارض فأشار بأن ننظم قصيدة، نضمها البيت فنظم ونظمت:
يا مطلبا ليس لي في غيره ارب     اليك آل التقصي وانتهى الطلب

فقضى به لي.
حقيقة- حدثت أن أبا زيد الهزميري بعث إلى(4) ابن عمران التسولي وكان كثير الصلاة، انه لم يبق بينك وبين الله حجاب إلا الركيعات، فرفع إليه ما معناه: ان الاتصال كان منها فلا كان الانفصال عنها... يعني من رزق من باب فيلزمه.
رقيقة- حدثت أن أبا محمد عبد العظيم الزموري حضر على نصراني قد حلق لحيته فأقبل عليه حتى قبله، وهو يبكي ويقول: أحسنت يا من قدر لحية عصت الله قدرها ما يصلح لها إلا ما  فعلت بها..
حقيقة- تخير المساعد واختبر المصاعد وليكن همك في سفرك منك معرفتك كيف ترجع إليك فلن يحقق صفة الربوبية من لم يتحقق نعت الربوبية.
رقيقة- حدثت أن بعض فقهاء المشرق اختلس متاعه فهتف بالسارق قد وهبتكه، فقل: قبلت فقلت، تخلق بالسماح رباح، ورحم ذليل العصيان « والراحمون يرحمهم الرحمان»
حقيقة- سفر المريد تجارة، وسفر العارف عمارة فهذا يرحل للاقامة عند الحقيقة.. وذاك يطلب الاستقامة على الطريقة.
رقيقة- افتخر الغراب بإقامة قرآن الفجر، فقيل حتى تغسل بول الشيطان من أذنك فطرب  الديك فرحا بالفوز وندب العصفور ترحا على الفوت.
حقيقة- سألت أبا عبد الله ابن شاطر الجمحي عن معنى قول ابن الفارض:

فلم اله باللاهوت عن حكم مظه   ولم انس بالناسوت موضع حكمة

فقال: يقول ما أنا بالحلاج، ولا ببلعام..؟، فقلت وهذا هو الإنسان على الكمال والتمام، ولقد سمعته يقول في الحلاج نصف انسان يشير إلى  البيت:
رقيقة- حدثت أن أبا الحسن الشاذلي لما ازمع على التحول من طيبة على من بها الصلاة والسلام أوقف فعله على اذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرءاه في منامه فقال له: توحشنا يا علي، فأخذ يجد في طلب الاذن فأذن له وقال إذا جئت مصر فاقرأ عز الدين بن عبد السلام مني السلام، قال فلما التقيا بلغة المألكه سرا فلم تطمئن نفسه لذلك فلما قام المزمزم قال:
صدق المحدث والحديث كما جرى      وحديث أهل الحب مالا يفتري

فاستغفر الشيخ وكذب نفسه ثم حط للتعليم رأسه.
رقيقة- حدثت أن ابن امحوط الموله دخل في حلقة ابي عبد الله ابن رشيد بجامع القرويين وبين رجليه قصبة كأنها فرس وبيده أخرى كأنها  رمح فانتهزه رجل، فضربه برمحه على رأسه، وقال له: اسكت يا ميت: فبهت الناس لكلامه وقال له الشيخ: يافقير أنت في حال  ونحن في مقال، وشأن أرباب الأحوال التسليم لأصحاب الأقوال، فنظر إليه الموله وانصرف، ثم لم يلبث المنتهر أن توفي بعد ذلك بأيام قلائل.
حقيقة- الوهم شيطان القلب يأتيه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شمال وسائر الجهات بمراقبة « قل هو القادر» فمن ثم كان أشد تقلبا من المرجل على الجمر، فإذا ذكر الله سكن «إلا بذكر الله تطمئن القلوب»
رقيقة- فرق القلب من ذكر الله خوفا: « وجلت قلوبهم» ثم سكن بذكره رجاء « وتطمئن قلوبهم» فعاد إليه بعد داء «تقشعر منه» دواء «ثم تلين» فنعق بلائمة: «دع لومي فإن اللوم أغراء» ثم هتف بمنادمه: «وداوني بالتي كانت هي الداء».
حقيقة- العبودية: صفة نفسك لأنها حال أحد العبيد.. والعبودة صفة قلبك لأنها ملكة واحد العباد، والعبادة قصد وجهك لأنها نعت الفرد من العباد.
رقيقة- صن عينك عن قلبك لربك، وقلبك عن نفسك لحسك، ونفسك عن طبعك لوليك، وطبعك عن هواك لعدوك وهواك عمن سواك، فقد كنت من أهل الجنة فثناك:
«وهمه أن يقطعك عما أخرج منه أباك» «ولا يفتننكم الشيطان».
حقيقة- الصبر مطية المريد، والرضا سجية المراد، فهذا يقوم للأمر وذاك يسعى للأجر..
رقيقة- كنت بجامع تلمسان وإلى جنبي رجل ينتمي إلى طريق العرفان، فجعل سائل يشكو الجوع والألم، فتصدق ذلك الرجل عليه بدرهم وقال: إياك أن تشكو الرحمان إلى من لا يرحم، فقلت: أمره أن يسأل عزيزا بمولاه ونهاه أن يشكوه ذليلا إلى من سواه وكان الفارابي يكثر أن يقول: يارب إليك المشتكى، حتى أنه ليوجد في أثناء ذكره وكلامه في غير موضعه فيعجب من لا علم له بمنزعه.
حقيقة- الشطح كناية، والكرامة عناية، والاعتراض جناية، فإياك ولم، فإن عرفت فاتبع وإن جهلت فسلم.
رقيقة- قلت لابن شاطر: كيف حالك؟ فقال محبوس في الروح، وصدق، لأن الدنيا سجن ولا مخلص له من حبسه إلا بمفارقة نفسه.
حقيقة- تحقق الحامد بكمال الذات فغاب عن حسه في بحار العظمة، وتعلق الشاكر بجمال الفعل فوقف مع نفسه بسوق النعمة، فهذا تاجر «ولئن شكرتم» وهذا ذاكر «وما بكم من نعمة».
رقيقة- حدثت أن الإمام الفخر مر ببعض شيوخ الصوفية فقيل للشيخ هذا يقيم على الله تعالى ألف دليل.. فلو قمت إليه فقال: وعزته لو عرفه ما استدل عليه، فبلغ ذلك الإمام فقال نحن نعلمه من وراء حجاب، وهم ينظرون من غير حجاب وهذا كقوله في التفسير: ان النعلين اللذين أمر موسى بخلعهما هما المقدمتان اللتان يتوصل إلى المعرفة بهما، فقيل له: إنك قد حللت بالوادي المقدس لسماع: «أنا ربك» فلا تنصرف عن مقام التحقيق إلى طلب التصديق فليس الخبر كالمعاينة..
حقيقة- ما حمد الله حق حمده إلا من عرفه حق معرفته، وذلك لا ينبغي لغيره« لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك».
رقيقة- الليل معاد الإنس «ان ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا» والنهار معاش النفس «إن لك في النهار سبحا طويلا» فهذا نشاط رغبة يتسع في مناكبه المجال، وتعتور على مراكبة الأحوال، وذاك حجاب رهبة تهوى إليه الأوجال وتجتمع فيه هموم الرجال ألا ترى كيف يهاب الجبان درقة الأبطال وتتقي الحواس جلبة الخيال، كما قال:
نهاري نهار الناس حتى إذا دجا    لي الليل هزتني إليك المضاجع
اقضي نهاري بالحديث وبالمنى    وتجمعني والهم بالليل جامع
لقد علقت في القلب منك محبة     كما علقت بالراحتين الأصابع
أتطمع من ليلي بوصل وإنما        تقطع أعنفاق الرجال المطامع
  
حقيقة- حجب الطالب أربعة: فحجاب الغيرة قاذع، قيل لبعضهم: أتحب أن تراه؟ فقال: لا..؟ قيل: ولم؟ قال: اجل ذلك الجمال عن نظر مثلي.. وحجاب الهيبة قامع، نزل فقير على ابن عجوز فبينما هي تصلح له الطعام غشي على الفتى فسألها الفقير فقالت له: إنه يهوى ابنة عم له بتلك الخيمة، فخطرت فاشتم غبار ذيلها فذهب عقله، فذهب الفقير ليخطبها عليه فقالت: إذا لم يطق غبار ذيلي فكيف يستطيع أن يشاهدني، وحجاب الحيرة دافع ومن ثم حلا لأرباب الغيبة قال بعضهم يا دليل الحائرين، زدني تحيرا، ومر على أصحاب الرغبة والرهبة كما قال:
قد تحيرت فيك خذ بيدي    يا دليلا لمن تحير فيكا
وحجاب الغفلة قاطع، كان بعضهم يقول: إن عذبتني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب ونظر آخر إلى امرأة فوقع عليه سهم فنزعه فإذا عليه مكتوب نظرت بعين العبرة، فرميناك بسهم الأدب، ولو نظرت بعين الشهوة لرميناك بسهم القطيعة.
رقيقة- حجب المطلوب ثلاثة: فحجاب التيه جمال، كما قال العارف عمر:
ته دلالا فأنت أهل لذاكا وتحكم فالحسن قد أعطاك

وحجاب العزة جلال:
همت باتياننا حتى إذا نظرت   إلى المرآم نهاها وجهها الحسن

وحجاب الكبراء كمال: وأنشدت لرابعة:
أحبك حبين: حب الهوى         وحبا لأنك أهل لذاك
فأما الذي هو حب الهوى        فشغلي بذكرك عمن سواك
وأما الذي أنت أهل له            فرفعك للحجب حتى أراك
فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي     ولكن لك الحمد في ذا وذاك

وهذا معنى ما في الصحيح «ما بين أهل الجنة وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن.
حقيقة- حدثت أن رجلا كان يجلس إلى أبي الحسن الحرالي وكان يشرب الخمور فسكر مرة فسقط على زجاجة فاختفى إلى أن برئ ثم عاد إلى مجالسته فلما رآه الشيخ أنشد:
أجريح كاسات أرقت نجيعها     طلب الترات يعز منه خلاص
لا تسكفن دم الزجاج بعدها      إن الجروح كما علمت قصاص
  
ففهم الرجل فتاب.
رقيقة- قيل لابن شاطر: صف لنا الدنيا فقال «كسراب بقيعة» الآيتين فبلغ ذلك أبا زيد بن الإمام فانكره عائبا لاستحسان سامعه تاليا «يحرفون الكلم عن مواضعه» ولقد أصيب المتعسف بادهى منها وأمر فإنه أفحم يوما بعض أهل النظر فتلا «فهمت الذي كفر» على أن له أن يقول: لم أخرج الآية عن مرادها بالبهت، من انقطاع المعاند والكفر من جحد الجاحد.. ولنا أن نقول: التحريف المذموم التحويل للأبطال، وليس هذا في قصة الممثل الأول بالمثال..
حقيقة- لا يوضع السر إلا عند أهله، ولا يذيعه إلا من ضاق ذرعا بحمله، فإن عدا موعده الرمز به فقد زل، وإن تعدى مودعه الغمز فقد ضل..
رقيقة- كنت كثيرا ما أسمع أبا محمد المجاصي ينشد هذا البيت:
هم الرجال وغبن أن يقال لمن     لم يتصف بمعاني وصفهم رجل

ثم يبكي وكان أهل البلد يسمونه البكاء وبعضهم يسميه الخاشع.
حقيقة- أهم ما على السالك مراعاة قلبه ليلا يتلف في تقلبه فإن ذلك فساد حاله وذهاب رأس ماله، رئي فقير ينادي في السوق: إرحموا صوفيا ذهب رأس ماله، فقيل وهل للصوفي رأس مال؟ فقال نعم، كان لي قلب فقدته.
رقيقة- كنت يوما بالمسجد الجامع بتلمسان ومعي أبو عبد الله ابن شاطر فأردت الذهاب فقال لي: تنصرف عن روضة من رياض الجنة يقام فيها على رأسك هذا الثاج وأشار إلى المنار مملوء بالله أكبر، فكأنما عقلني فجلست..
حقيقة- الزوال وقت المناجاة، فطهر قلبك قبله من الحاجات فقد قيل أن نقطة الخط أسرع انتقالا من اللحظ.
رقيقة- كان أن شاطر يقول: الجديد أن حرسيان أحدهما أسود والآخر أبيض وكلاهما قد أخذ بمجامعنا إلى يوم القيامة ثم يتلوا «وأن مردن الله».
حقيقة- تنازع القلب والنفس الخلقة فترافعا إلى العقل فقسمها بينهما، فنفردت النفس بالهوى ةوالقلب بالتقوى فصرفت الطرف إلى الجهتين.. وقطعت الشقة بين الفئتين.
رقيقة- الدنيا معشوق الطالب عاشق الهارب، هذا يستخدمها، وذاك يخدمها، يبني الخادم المسجد ليقال ويعمره المخدوم لينال، فعل الخادم السعي من غير جدوى «وليس لرحل حطه الله حامل» وللمخدوم الجدوى من غير سعي «وليس لما تبني يد الله هادم» أن السعادة أصلها التخصيص..
حقيقة- التفت إلى مواهب الملوك تجدهم إنما يوسعون فيما قد يسترجعون فأما العلماء وكل من يعطي بحق فإنما يعطون بقصد «ولا تمدن عينك إلى ما متعنا به أزواجا منهم» واصبر نفسك دونهم فعن قريب تنصرف عنهم.
رقيقة- قمت ببعض الأسحار، على قدم الاستغفار، وقد استشعرت الصبابة واستدركت الكآبة فأملى الجنان على اللسان بما نفث في روعه روح الإحسان
منكسر القلب بالخطايا     يدعوك يا مانح العطايا
اقعده الذنب عن رفيق     حثوا لرضوانك المطايا

حقيقة- ان اكبرت النفس حالها فذكرها أصلها ومآلها فأنها تصغر عند ذلك وتستقيم بك على أرض المسالك حثوا الثراب في وجوه المداحين..«منها خلقناكم وفيها نعيدكم».
رقيقة- إنما يتعاظم من يجد الحقارة من نفسه  ويتوهم المهانة عند أبناء جنسه، فلذلك تراه مغمزا للعيون ومهمزا للظنون «من أسر سرير حسنة كساه الله رداءها ».
حقيقة- النص سلاح، والنظر مطية، والاتباع جنة، والورع نجاة، والخلاف فتنة، والبدع مهالك، وخير الأمور أوساطها.
رقيقة- قلت:
أشيم البرق من بين الثنايا    وأشتم العبير من الثناء
فأبدو تارة وأغيب أخرى    مثار الشوق مثنى الحشاء
  
حقيقة- وقفت ذات يوم بالجبانة واستفهمت اسمي هل عرف منها مكانه فأملي بعد هنبهة من نظمه ما وقفت منه على حقيقة مبلغ علمه:
كل ميت رأته عيني فإني   ذلك الميت أن نظرت بقلبي
وجميع القبور قبري لولا  جهل نفسي بما لها عند ربي
  
رقيقة- حدثت أن ابن الفارض دخل على الشيخ عز الدين وقد ذهب به التفكر فيما له عند الله عز وجل فكاشفه بأن أنشده من قصيدة له:
لك البشارة فاخلع ما عليك فقد    ذكرت ثم على  ما فيك من عوج
فبدرته البشاشة وأظن أن قد خلع قماشه.
حقيقة- الوحدة فهم والتوحيد علم، والاتحاد حكم، والأثينية وهم.
رقيقة- من تفكر تذكر ومن تذكر تبصر فإن أكمل وقف وإن قصر انصرف «إنا هديناه السبيل».
حقيقة- النفس الأمارة آبدة لا تملك إلا بلطائف الحيل، والمطمئنة ذلول لا تفلت إلا ممن غفل، و«أخاف أن يأكله الذيب».
رقيقة- من جر لنفسه جار على قلبه فلا تقبل شهادته عند ربه، لأن العدل ترك العدول والميل.
حقيقة- لا تقدمن إلا بدليل وادن واحذر ما لا ينفع ما استطعت فقد يضر، ثم انظر فلا حرج عليك إن جهلت ما لا تكلف علمه، وأخاف عليك سوء عاقبة الهجوم.
رقيقة-  أنما تزيد من دنياك بقدر ما تنقص من دينك فإن زيادة الجدار على قدر نقصان الجبل.
حقيقة- دع الغريب وما يريد واركب الجادة ولا تتبع بنيات السبل فتتفرق بك عن صراط الحق، عصمني الله وإياك من مسالك الزلل ويسرنا لما يرضى به عنا من القول والعمل، بمنه وكرمه لارب غيره ولا خير إلا خيره وهو نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والصلاة والسلام على مولانا محمد بن عبد الله وآله وصحبه وسلم تسليما.
 

(*) - أنظر «دعوة الحق» العدد الثاني من السنة التاسعة.
(1) - يعني السلطان أبا عنان المريني.
(2) - انظر درة الحجال لابن القاضي ج1 ص: 154.
(3) - المراد بها سجل أزرق الجند والموظفين في ذلك العصر.
(4) - انظر درة الحجال ج 2 ص: 316 وص: 354.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here