islamaumaroc

مناهل الصفا في أخبار الملوك الشرفا [لعبد العزيز الفشتالي]

  دعوة الحق

90 العدد

يعتبر كتاب «مناهل الصفا» مصدرا أساسيا معاصرا للدولة السعدية، ألفه عبد العزيز الفشتالي(1), متولي تاريخ الدولة ووزير القلم الأعلى في بلاط أحمد المنصور الذهبي، ليكون كوثيقة رسمية يعتمدها المؤرخون المشارقة في كتاباتهم عن الدولة السعدية، وذلك على إثر تلقي المنصور من المؤرخ التركي مصطفى ابن حسن الحسني الجنابي النسخة الأصلية من كتابه «العيلم الزاخر، في أحوال الأوائل والأواخر»(2)، «أجمع ما جمع في دول الملوك»، والمحتوي على 82 بابا، بعدد الدول التي تعرض إلى تاريخها. وقد لاحظ المنصور نقصا وخلطا في الباب المخصص للمغرب فكتب إلى المؤرخ التركي يشكره على هديته القيمة ويصله بـ 1500 أوقية ذهبا، وفي نفس الوقت ينبهه إلى ما فيه تجاه المغرب من «غلط واضح وضوح النهار... إذ سلك شعبا وقد سلكت الدولة واديا، وجرى على غير سمتها فلم يجد هاديا.»(3), ويطلب منه في الأخير ألا ينشر الكتاب إلا بعد تصحيحه على ضوء ما سيصله في كتاب تاريخ الدولة السعدية: «مناهل الصفا» الذي كلف بإنجازه عميد الكتاب في بلاطه: «عبد العزيز الفشتالي».
واشتهر عند المؤرخين أن «مناهل الصفا» يقع في ثمانية أسفار منذ حدد ذلك العدد أحمد المقري في «نفح الطيب»، لكن الأستاذ عبد الله كنون، في المقدمة التي كتبها لمختصر المناهل المطبوع الذي سنتحدث عنه أخيرا، استبعد أن يكون في المناهل أكثر من ثلاثة أجزاء، ما دام الجزء «الثاني» الذي عثر عليه وعلى مختصره(4) يتحدث عن معظم حياة أحمد المنصور أهم شخصية سعدية ومخدوم المؤلف، الذي أمره بوضع الكتاب، فلم يبق إذن إلا افتراض أن يكون الجزء الأول في نشأة الدولة السعدية وأخبار ملوكها الأول من محمد القائم بأمر الله حتى عبد الملك المعتصم، والثالث في بقية أخبار المنصور، وربما حتى ابنه زيدان الذي أخلص له الفشتالي وتوفي في أيامه، وبذلك تصح مقالة اليفراني في «نزهة الحادي» أن المناهل يقع في عدة مجلدات، ما دام أقل مفهوم (عدة) ثلاثة.
على أني أميل إلى الاعتقاد أن كتاب «المناهل»، ولو أننا لم نعثر لحد الآن إلا على جزء واحد منه، يقع في ثماني مجلدات، فمقالة اليفراني التي اتخذها الأستاذ كنون كدعامة لتشككه ليست في الحقيقة إلا ترديدا لكلام أحمد المقري في «روضة الآس»(5).
ومعلوم أن هذا الكتاب سجل فيه المقري أخبار رحلته الأولى إلى المغرب خلال عامي 1009- 1010هـ (1600-1601م)، حيث لقي في بلاط المنصور لأول مرة عبد العزيز الفشتالي الذي أخبره عن كتابه المناهل أنه يقع في عدة مجلدات، لكن بعد ذلك بنحو 28 سنة، وبعد إقامة طويلة بالمغرب دامت زهاء 15 سنة، تحدث المقري مرة ثانية عن المناهل -بلهجة المتيقن المتأكد- فذكر أنه (يعرف) تمام ثماني مجلدات منه، معبرا عن مؤلفه الفشتالي بـ (صاحبه)(6). ثم أن تسمية الجزء المعثور عليه في تونس والمكتبة الملكية بالرباط بالجزء الثاني فيه نظر، إذ لم ينص في هذه المخطوطات على ذلك، وليس هناك إلا عبارة وردت في آخر الملخص المطبوع: «انتهى ما أردت اختصاره من السفر الثاني من كتاب مناهل الصفا» وهي تحتمل اختصار بعض السفر لا كله، كما تحتمل كلمة السفر مجموعة أجزاء. وفي قسم الوثائق بالخزانة العامة بالرباط - مثلا- نسخة تامة من فتح الباري بشرح البخاري لابن حجر في سفر واحد، وهو الذي طبع في 13 جزءا عاديا.
والذي يبدو أن الجزء المخطوط من المناهل ليس جزءا مستقلا من الأجزاء التي فصلها الفشتالي، بل خليطا من أجزاء كانت كلها تتعلق بحياة المنصور ومآثره العلمية والعمرانية والسياسية والحربية؛ يدل على ذلك ما حكاه الفشتالي نفسه من أنه «ذكر في فتح السودان فقط ما تحمله سفر ضخم»(7). بينما الجزء المخطوط من المناهل يشتمل، فيما يشتمل عليه من أخبار المنصور، على فتح السودان في نحو 150 صفحة - حسب نسخة تونس- تتخللها حوادث بيعة ولي العهد محمد الشيخ المامون، وانتزاع الخيل من عرب الخلط وقبائل أزغار، وثورة ابن قرقوش ببلاد الهبط وجبال غمارة...إلخ.
فهل نحن إذن أمام اختصارين للمناهل، مطول ومقتصب؟ هذا أمر عادي في عصور الجمود المتأخرة التي كثرت فيها الاختصارات والشروح والحواشي.
ومهما يكن من أمر فمكننا أن نطمئن إلى أن محتوى الكتابين المخطوط والمطبوع من المناهل هو بلفظ الفشتالي نفسه، إلا عبارات قليلة أقحمها صاحب المختصر المطبوع للتنبيه على الحذف أو التلفيق، وإن كن أغلب النقول المتأخرة عن المناهل إنما هي بالمعنى بسبب طول عبارات الفشتالي المثقلة بالصناعة الإنشائية، والمبالغات التعظيمية. وقد ظلت «المناهل» موجودة -كلها أو بعضها- حتى أواخر القرن الماضي، ينقل عنها المؤرخون مباشرة، كاليفراني في «نزهة الحادي»(8)، والزياني في « الترجمان المعرب»(9)، وأكنسوس في «الجيش العرمرم»(10)، والناصري في «الاستقصا»(11)، ثم افتقدت، ولم تسفر عن نتيجة الجهود المبذولة للعثور عليها في النصف الأول من هذا القرن سواء من طرف المؤرخين المغاربة أو بعض المستشرقين كالكونت دوكاستر، وليفي بروفسال. وقد خصص هذا الأخير بضع صفحات في كتابه «مؤرخو الشرفاء» للحديث عن المناهل اعتمادا على بعض النصوص المنقولة عنها، وحكى أسف العلماء المغاربة على فقد هذا الكتاب وعد ذلك خسارة لا تعوض(12). بل وإلى ما قبل أربع سنوات فقط نجد لوطورنو يؤكد ضياع المناهل(13) لدى حديثه عن الزياني ونقوله الخاصة بقصر البديع.
ولما كان الجزء المخطوط من المناهل الذي يقع في 539 صفحة - نسخة تونس - يفوق حجمه المختصر المطبوع بأكثر من الضعف، ويختص بزيادات تاريخية وأدبية كثيرة تتعذر الإشارة إليها كلها في هذه العجالة، رأيت من الأنسب أن أذكر بعضها مما له علاقة بالتاريخ فقط، لنتبين أهميته وضرورة طبعه كاملا. ففيما يخص الوثائق يحتوي مخطوط المناهل على بيعة ولي العهد محمد الشيخ المامون، وهي من إنشاء عبد العزيز الفشتالي في أزيد من 21 صفحة، وبيعة إدريس ألوما سلطان بلاد برنو السودانية (النيجر وتشاد الحاليتين تقريبا)، وهي من إنشاء عبد العزيز الفشتالي أيضا في نحو تسع صفحات، ورسالة من المنصور إلى سلطان الحجاز شريف مكة حسن الحسيني يخبره باستعداده للهجوم على اسبانيا واسترجاع الأندلس، إلى غير ذلك من المراسلات الموجهة إلى داخل المغرب وخارجه، مما لم ينشر في «مجموعة رسائل سعدية»، خلافا لما ورد في مقدمة المختصر المطبوع. ومن الناحية الإخبارية ينفرد المخطوط بصفحات عجيبة تجعل الفشتالي بدعا من المؤرخين المعاصرين له، وتميزه باتساع الأفق التاريخي والاطلاع على المجريات السياسية والدينية في أوربا الناهضة إذ ذاك، مع ربط ذلك بالأحداث المغربية وكشف النقاب عن بعض خبايا السياسة الخارجية لأحمد المنصور، تبين مدى وعيه وإدراكه الذكي لمختلف تيارات عصره، وعمله على مسرح السياسة الدولية.
وإذا كانت هذه المعلومات التي أتى بها الفشتالي ليس من شأنها أن تحدث تغييرا جوهريا فيما نعرف من تاريخ أوربا في هذه الحقبة، فإن فائدتها في الإفصاح عنها من وجهة نظر مغربية تبين ما كان هذا الجانب يؤمله وراء تلك الأحداث، مما لا يذكر عادة في الكتب العادية ولا في السفارات والمراسلات الديبلوماسية. فقد تحدث الفشتالي عن أثر معركة وادي المخازن بالنسبة للبرتغال، وما كان من وصاية الكردينال(14) على عرش لشبونة نحو ثلاث سنوات قبل أن يستولي عليه ملك قشتالة فيليب الثاني خال سبيستيان، ويضمه قهرا إلى العرش الاسباني. وهنا يجمل الفشالي الحديث عن العلاقات المغربية - الاسبانية- الإنجليزية، فيشير إلى ما كان من فرار دون أنطونيو المطالب بعرش البرتغال إلى بلاط إليزابيت في لندن، وقدوم ابنه الدون كريستوف(15)  على المنصور في مراكش، حيث أقام مدة طويلة في بناية صهريج المنارة قبل أن يشارك في الحملة الإنجليزية البحرية ضد اسبانيا, هذه الحملة التي كانت بتدبير المنصور ومساعدته. ويقدم الفشتالي بيانات مدققة عن نوع  المساعدة التي كان مخدومه السعدي يقدمها إلى ملكة إنجلترا، فزيادة على إمدادها بالمعادن، التي يتوقف عليها صنع المدافع وسائر الآلات الحربية كالنحاس، سمح المنصور للإنجليز بالتزود من المغرب بملح البارود الذي كان محظورا على المسيحيين بفتوى من العلماء. وعندما تطرق في المناهل إلى الكلام على ثورة الأمير الناصر بالشمال شرح ذلك على ضوء العلاقات المغربية الاسبانية مبينا ما كان من احتفاظ الاسبان به في بلادهم نحو عشرين سنة قبل أن يجهزوه بالمال والسلاح والأنصار في نواحي قاعدتهم مليلية، وذلك عندما رأوا استعدادات المنصور البرية والبحرية تكاد تشرف على نهايتها لمهاجمتهم، ففتحوا ضده واجهة حربية في عقر داره مقنعة وراء ذلك الأمير الثائر، وتفصح "المناهل" هنا في عبارات مقتضبة عن شيء خطير مقدمة الحلقة المفقودة للاجابة عن نقطة الاستفهام التي ظلت قائمة مدة طويلة حول سياسة المنصور الوطنية والدينية، من مهادنة المسيحيين أو مصادقتهم، واتخاذ موقف معاكس مع المسلمين الأتراك والسودان! فاهتمام المنصور حسب منطوق المناهل ومفهومها - كان متجها قبل كل شيء إلى القضاء على الاسبان الذين أتوا على المملكة الإسلامية بالأندلس، وأخرجوا الموريسكيين من ديارهم بغير حق، وساموهم سوء العذاب على يد ديوان التحقيق، ثم خلفوا البرتغال في الثغور المغربية المحتلة إذ ذاك، غير أن الخليفة السعدي كان يقدر قوة خصمه كدولة ذات إمبراطورية عظيمة وموارد مالية وبشرية هائلة، وأيضا كدولة مسيحية تتزعم الكاثوليكية وتتمتع بتأييد أغلب الدول الأوربية التي تتمذهب بمذهبها، ولا تتردد في نصرتها عسكريا متى وقع الهجوم عليها. ولكي يواجه المنصور القوة بمثلها رأى أن الموارد المحلية من خراج وسكر وتجارة خارجية لن يمده بما يكفيه للاستعداد العسكري الكامل الضامن للنجاح، فلجأ إلى الاستحواذ على معادن  الذهب في السودان وتكوين إمبراطورية واسعة داخل القارة الإفريقية تمده بالعناصر البشرية اللازمة للجيش البري والبحري. ورمى المنصور بتحالفه مع اليزابيث إلى غرض مزدوج: كسب سند البروتستان(16)، الشق الثاني للمسيحية الذي تتزعمه إنجلترا في أوربا، وإشغال خصومه الاسبان، ليتفرغ إلى تحقيق أهدافه في التوسع القاري والاستعداد العسكري. ويتوسع الفشتالي قليلا في الحديث عن الجبهة البروتستانية وأعمالها المعادية لاسبانيا، فبعد أن أشار إلى إغارة الأسطول الإنجليزي على لشبونة، ثم تحطيمه للأرمادا، ومهاجمة الأسطول التجاري في قادس وتخريب هذا الثغر الهام لعرقلة التجارة الاسبانية مع الهند، تحدث عن الحروب الدينية في فرنسا خلال النصف الثاني من القرن السادس عشر، وبخاصة أحداث الملك البروتستاني هنري الثالث، ودسائس خصومه الكاثوليك المتعاونين مع ملك اسبانيا من أجل الاستيلاء على عرش فرنسا ورده كاثوليكيا ما دام هنري الثالث لا وارث له، وانضمام هذا إلى ابن عمه ملك نافارا، وعمل الملكين البروتستانيين على استرجاع باريس والقضاء على خصومهم إلى أن اغتال أحد الرهبان (جاك كليمان) هنري الثالث، كما أشار إلى انتهاء الفتن الداخلية بجلوس هنري الرابع على عرش فرنسا وتوحيده مملكتي نافار وباريس، فناصب اسبانيا العداء لاسترجاع ما كانت قد اقتطعته من الممتلكات الفرنسية، في حين كانت البلاد الواطئة ثائرة على اسبانيا تحاول التخلص من سيطرتها... وكأن الفشتالي يريد أن يبرهن على أن هذا الثالوث البروتستاني المحارب لاسبانيا هو الحليف الطبيعي للمنصور الذي كان بدوره يعد العدة لغزو شبه جزيرة إيبيريا.
ويطول بنا الحديث لو حاولنا تتبع كل ما انفرد به الجزء المخطوط من المناهل، فلنكتف بهذا القدر لنلقي نظرة خاطفة على مختصره الذي نشره المركز الجامعي للبحث العلمي بالرباط، بتحقيق وتقديم الأستاذ عبد الله كنون، والمختصر (بكسر الصاد) مجهول، افترض المحقق أن يكون أحد كتاب السلطان العلوي سيدي محمد بن عبد الله الذي كان معجبا بالمناهل، نظرا لما يتميز به هذا المختصر من حذف عبارات التعظيم المبالغ فيها في جانب المنصور السعدي، والاقتصار على سرد الأخبار وتلخيصها وتلفيقها. وقد عثر الأستاذ كنون على مخطوط المختصر في فاس فقابله على أصل ما سمي بالجزء الثاني من المناهل الذي اكتشف في تونس وأعده للنشر قبل أن يطلع على مخطوطتي المكتبة الملكية بالرباط  لنفس الجزء، فتدارك ما أمكن تداركه في التحقيق والمقابلة عليهما وإن لم تختلفا في الجملة عن نسخة تونس فيما يخص الأخطاء والبياضات.
يتناول المختصر المطبوع تاريخ نحو 16 سنة من حياة أحمد المنصور الذهبي (986- 1002/ 1578- 1593)- وإن أقحم صاحب الاختصار في الأول (ص: 18) بضع جمل في ذكره وفاة المنصور وتقدير عمره ومدة خلافته-. يبتدئ ببيعة المنصور عقب معركة وادي المخازن ويستعرض الأحداث التي تلتها من تمهيد البلاد والقضاء على قواد جيش الأندلس المشاغبين على الدولة، وثوارت الأمير داوود بن عبد المومن في سوس، والأمير الناصر بن عبد الله الغالب في ضواحي مليلية، وابن قرقوش المكناسي في بلاد الهبط وجبال غمارة، كما يتحدث عن عرب أزغار ببلاد الغرب وموقفهم من السعديين منذ قيام دولتهم إلى ذلك العهد، ويستطرد أخبار دخولهم إلى شمال إفريقية وتقلبهم فيها خلال العصور الفاطمية والموحدية والمرينية، وبعد أن وصف بيعات ولي العهد محمد الشيخ المامون، لاسيما البيعة الكبرى في التجمع العظيم ببسيط تامسنا، أطنب في الحديث عن فتح السودان، فأتى على ما كان من استيلاء المنصور على تيكورارين وتوات وسائر تخوم الصحراء، الذي أخضع لسلطته علاوة على المدن والقرى والقصور أكثر من 40.000 خيمة، وعلى مراسلات المنصور لسلطان مالي وسفاراته له حول مشكل معدن الملح بتغازي، وأخبار الجاسوسية والتضريب بين الأمراء السودانيين آل سكية، واستقدام أحدهم إلى مراكش للتشويش على سلطات كاغو، ثم تطويق (مالي) قبل غزوها بالاستيلاء على الإمارات الغربية الصغيرة حتى مصب نهر السنغال(17)، والحصول على بيعة صاحب مملكة برنو في الجهة الشرقية، وفي الحديث عن الغزو نجد كثيرا من التفاصيل عن عدد الجيش وعدده وتنظيمه وقادته ومسالكه في الصحراء، وعن المعارك العنيفة حول تمبكتو وكاغو وفي مستنقعات أعالي نهر النيجر، ثم تنظيم تلك الأقاليم النائية من الإمبراطورية السعدية وترحيل بعض القبائل العربية والبربرية لاستيطانها من معقل وجشم ومصامدة.
ويختص الجزء الأخير من الكتاب بذكر مآثر المنصور ووصف خلقه جملة وتفصيلا، ويسهب في ذكر حلمه وتمسكه بالدين وتوكله وصبره وعفوه وعدله وسخائه وشجاعته وحسن تدبيره وسياسته، معززا ذلك بضرب أمثلة لحوادث شاهدها بنفسه.
ولما تحدث عن سعة علم المنصور استعرض مقروءاته وأشياخه نقلا من خط المنصور نفسه، فاحتفظ لنا بذلك بجزء مهم من «فهرست» ذلك الملك العالم التي تعتبر اليوم ضائعة كأكثر تآليفه. وربما كان هذا القسم أضعف ما في الكتاب وأقربه إلى الظنة،  يتعين على القارئ أن يسير فيه بحذر أكثر ويعرض كل ما يجد على محك النقد والتمحيص، ليسلم من المغالطات والمبالغات التي أوقع فيها المؤلف تملقه لمخدومه وإضفاؤه عليه حلى الملائكة والرسل حتى كأنه خلق مبرءا من كل عيب ومتوجا بكل حسن كما يقولون!
وتكون خاتمة المطاف بالوقوف على وصف شيق لقصر البديع، وكأن المؤلف قد ألهم أن الدهر سيعفي على آثاره فبادر إلى تخليده في طرسه لتتمكن الأجيال اللاحقة من القراءة إن عزت المشاهدة. وهناك صفحات عديدة تصف القصور المتصلة في البديع، لاسيما الدار الكبرى التي تحتوي ساحتها على خمسمائة سارية عظيمة من المرمر، وعشرين من القباب الفخمة، كقبة الزجاج ذات السقف الزجاجي الملون والخمسينية، وقبة النصر، وقبة التيجان، وحتى ملحقات القصر نالت عناية الفشتالي، من مساجد ودور وحمامات، وجناح خاص بالحريم مبني في طبقات على صفين متقابلين بكيفية هندسية عجيبة تحجب رؤية النساء وتضمن وصول النور الكافي بل «الفائض»، ورياض فسيحة مغروسة بجميع أنواع الأشجار المثمرة، كبستان النهر، والمسرة، والبركة العظمى التي تطول مد البصر وتضطرب أمواجها كالبحر، تحيط بها على حافتها يمينا وشمالا سلسلة من «الخصص» المتدفقة بالمياه.
ويقدم لنا «مختصر المناهل» عن آخر سنة يؤرخ لها – 1002هـ - فائدتين هامتين: أولاهما استمرار توسيع البديع بتخطيط قبة عظيمة لاستقبال الوفود في أقصى بستان النهر، يزيد طولها على ثلاثمائة شبر، ووضع تصميم أبوابها ونوافذها وسقفها وأنواع زخرفها، والثانية ما كان عليه المنصور إذ ذاك- وقد تم فتح السودان- من الاستعداد العظيم، وما تنتجه معامل السلاح في مراكش من الآلات النارية من بنادق ومدافع وكور وغيرها، وما يستجلبه من الأسلحة الأوربية مما تزخر به المخازن الهائلة تحت الأرض وفوقها، وعزمه على اتخاذ حصن خاص بخزن الأسلحة داخل القصبة السلطانية بعد أن امتلأت كل المخازن القديمة...
واقتصر عمل الأستاذ كنون - كما صرح بذلك في المقدمة - على تقديم نص صحيح أقرب ما يكون إلى الأصل الذي كتبه المؤلف، عن طريق المقابلة مع مخطوطات تونس والرباط، دون إضافة شروح أو تعليقات تزيد على غرض تحقيق النص.
ونشر مع هذا المختصر ثلاثة ذيول كانت معه في الأصل المخطوط: أحدها يتعلق بقيام الدولة السعدية في نحو خمس صفحات، والثاني في أخبار بعض الخلفاء العثمانيين في سبع صفحات، ويضم الثالث مجموعة شعرية لأدباء مغاربة من عهد السعديين في اثنين وأربعين صفحة، مع خمسة فهارس للمواضيع والأعلام والأماكن والأشعار والكتب.
وإذا كان لا بد من أن نقول كلمة عن قيمة هذا الكتاب، فإننا لا نجد غير تأكيد ما ذهب إليه عموم المؤرخين منذ عصر المؤلف حتى اليوم، من أن «المناهل» مصدر هام لمعرفة تاريخ السعديين عموما، وواسطة عقدهم أحمد المنصور خصوصا. فالمؤلف لا ينقل عن كتاب، وإنما يؤرخ لأحداث قريبة العهد يستقيها ممن عرفوه وأدركوه، أو يتحدث عن حوادث عاشها، ووثائق كتبها بخط يمينه أو أشرف على إنجازها من طرف بعض مساعديه كتاب البلاط. ولا يضير كونه مؤرخا رسميا للدولة ينعم بخيراتها وينافح عنها وينشر محاسنها، فما أفدناه من وضعيته الرسمية هذه من الاطلاع على كثير من الأسرار والحقائق أكثر بكثير مما فاتنا من معرفة الجوانب القاتمة لتلك الدولة، وما أقذى عيوننا من مبالغات مكشوفة وعبارات طنانة مفرطة في التقديس والإجلال.
على أن الجوانب الأخرى التي لم تساعد وظيفة الفشتالي وظروفه الخاصة على التعرض إليها قد عرفت بعد ذلك - وربما بشيء من التشنيع والتقريع - بواسطة مؤرخين ناقمين على السعديين أو مشايعين لمن خلفوهم في الحكم، مثل المؤلف المجهول صاحب «تاريخ الدولة السعدية الدرعية التاكمادرتية».
ويجب ألا ننسى أن الفشتالي أديب قبل كل شيء يسجل بأسلوبه المنمق الأحداث البارزة للفترة التي أرخها وكأنه يؤدي مهمة من مهماته الرسمية في ديوان الإنشاء، فهو لذلك لا يعير اهتماما للنواحي الاجتماعية، ولا يسجل من أخبار عامة الناس إلا بقدر ما لها من اتصال بالقصر، حتى إذا واتته الفرصة للكلام على فتح بلاد، أو قضاء على ثائر، أو وصف حفلات، أو غير ذلك من المناسبات التي يتبارى فيها الأدباء، أطلق لنفسه العنان في إيراد قصائد أو مختارات منها، مما يضفي على كتابه صبغة مزدوجة تاريخية وأدبية.

 

(1) - خصص الأستاذ عبد الله كنون الجزء الأول من سلسلة «ذكريات مشاهير رجال المغرب» بترجمة عبد العزيز الفشتالي، كما تعرض لمصادر ترجمته ليفي بروفنسال في «مؤرخي الشرفاء» ص: 92.
(2) - ألف الجنابي تاريخه هذا في أواخر القرن العاشر الهجري بالعربية في مجلدين، ثم اختصره وترجمه إلى اللغة التركية. ارجع في ذلك إلى حجي خليفة، «كشف الظنون»، اسطنبول 1941،1:224 و2: 1181.
(3) - الرسالة من إنشاء عبد العزيز الفشتالي، ويوجد نصها الكامل في «مجموعة رسائل سعدية» تطوان 1954 ص: 236-241.
(4) - عثر الأستاذ عبد الله كنون في فاس على مختصر (الجزء الثاني) من «مناهل الصفا» ونشره، كما وقع العثور أخيرا على ثلاث نسخ مما سمي بالجزء الثاني من المناهل، إحداها في تونس، ويوجد ميكروفيلم منها في قسم الوثائق بالخزانة العامة بالرباط، والأخريان في الخزانة الملكية بالرباط.
(5) - طبعة الرباط، 1964، ص: 161-162.
(6) - أحمد المقري، نفح الطيب، القاهرة 1302هـ. 4: 233.
(7) - أحمد المقري «روضة الآس» الرباط، 1964، ص: 162.
(8) - طبعة فاس، ص: 72-74-76-77-82-85-86-93-104-107-109...
(9) - مخطوط الخزانة العامة بالرباط، رقم 658 د. ص: 2- 353- 355- 356- 359- 362- 363-.
(10) - طبعة فاس، 1336هـ. 1: 159-158.
(11) - طبعة الدار البيضاء، 1954- 1965 5: 90- 91- 94- 104- 112- 122- 134- 151- 154- 163- 164- 166- 188- 190...
(12) - L. Provençal, les historiens des chorfa, paris, 1922, pp. 92-95.
(13) -  R. Letourneau, etudes d’orientalisme, dédiées à la mémoire de L. Provençal, Paris, 1962, p: 633.
(14) - يكتب الفشتالي كاف الكاردينال قافا. وقد سقطت منه النون فصار "قرديال" ولم ينبه على ذلك في المختصر المطبوع.
(15) - يسميه الفشتالي (كشطوبان) وهو تحريف لكريستوف قريب من نطق الاسبانيين به: (كريستوبان).
(16) يعبر عنهم الفشتالي (بـ "اليروتان" ولعل الباء قد سقطت منه فكان "البيروتان أو حرف عن البروتستان"
(17) -  يخلط الفشتالي- ككثير من المؤرخين القدماء- بين الأنهار الإفريقية، فيطلقون (اسم (النيل) على كل من النيجر والسنغال والنيل. على أن الفشتالي نبه إلى أن هناك نيلين: نيل مصري الذي يصب في البحر المتوسط، ونيل آخر يصب في المحيط.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here