islamaumaroc

نقد مقال العوائق النفسانية للتخطيط -13-

  دعوة الحق

90 العدد

دونكم أيها القراء الأعزاء آراء طائفة أخرى من العلماء ونتائج تجاربهم على اختلاف اختصاصهم في العلوم، واختلاف أوطانهم وشعوبهم. وأعيد ما قلته من قبل، أني مسلم، أو من بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وأقبل كل رأي لا يناقض ذلك، ولا يلزمني اعتقاد كل ما أوردته هنا، ولكنه حجة على الماديين المعطلين الذين يزعمون أنهم لا يؤمنون إلا بما يدرك بالحواس الخمس.
وقد أدرك هؤلاء العلماء ما ننقله عنهم بعقولهم وبالحواس الخمس أيضا، ولا يستطيع الماديون تكذيب هذه الجمهرة من العلماء، أو نسبة التوهم لها، فما لهم من ملجأ يلجأون إليه، ولا مهرب يفرون إليه، والحق أبلج، والباطل لجلج، ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم.
1. ومن القائلين بهذا المذهب الدكتور «جورج سكستون» الإنكليزي، ويعد ركنا من أركان النهضة العلمية في هذا العصر، وكان في مبدأ أمره من أشد أعداء هذه المذهب، وقد كان كثيرا ما يجرد عليه عضبا من لسانه مرهفا حتى كاد بفصاحته أن يتغلب على شهادة الحس عند أولئك الباحثين فخشي الكل تأثيره، لاسيما ولم يكن من الرجال الذين يمكن إقناعهم بشيء، لأنه كان مشهورا بشدة الانتقاد والتشكك، ولكن لأمر يريده الله، حبب إليه بحث هذا المذهب، ، فظل يحاول خمس عشرة سنة، لا ليعتقده إن كان صحيحا، ولكن ليجد الوسيلة التجريبية إلى دحضه فلم يسعه -رغم أنفه- إلا الانقياد للحق واعتقاده، وكتب مقرا بغلطه عن نفسه يقول: إني تحصلت في بيتي الخاص، وبمعزل عن كل واسطة «للتحضير»، غير أصحاب لي، لديهم قوة استحضار الأرواح على البرهان الذي يستحيل دحضه والذي هو من طبيعة تؤثر على عقل ثابت بأن المخاطبات التي التي حصلت عليها هي من أحباب وأقارب ميتين.
2. أما الأستاذ «لودج» الذي يلقبه العلماء «دارون الطبيعة» فقد وقف أمام الجمعية العلمية الانكليزية وقفة الذين لا يخشون في الحق لومة لائم وترجى إخوانه أن يهتموا غاية الاهتمام بهذه المسائل الروحية التي هي كما يقول: تأسر الباحث بغرائبها المدهشة أسرا.
3. ومثل هؤلاء كان حال الدكتور «شامبير» الذي له القدح المعلى في العلوم الطبية.
4. والدكتور «جمس جللي» صاحب كتاب «القانون الصحي للأمراض المزمنة» الذي طار صيته في جميع أقطار العالم الطبي.
5. ومثلهم الأساتذة «اكسون» أستاذ كلية أوكسفورد أشهر المدارس الانكليزية.
6. «وسيرجون كوكس» الفيلسوف المشترع الانكليزي الشهير.
7. والأستاذ «باركس» الجيولوجي الانكليزي الشهير. كل هؤلاء غير الثلاثين عالما الذين كلفتهم جمعية العلوم بتحقيق خوارق هذه المسألة كما تقدم تفصيلا قبل قليل.
8. وكان المستر «غلادستون» من كبار المصدقين بهذا المذهب، وقال بعض كتاباته كما هو مكتوب في المجلة الروحية «ادرس مشاهدات الاسبرتزم، فإذا وجدت فيها غشا وتدليسا، فاهزأ بسائر المصدقين بها، واسخر بي في مقدمتهم.
9. قال اللورد «بالفور»، وهو السياسي المشهور: عندي الاسبرتزم أفضل من السياسة لأنها تفيدني أكثر منها» ونحن لم ننقل كلام هذين الرجلين الأخيرين إلا لكونهما معدودين من رجال العلم.
10. وقال العلامة «كرمويل فارلي» المتقدم ذكره: أن الشتائم والسخرية التي تكبدناها في سبيل الاعتقاد بالاسبرتزم لم تأت إلا من جهة الذين لا يحصل لديهم أقدام على البحث والتنقيب إلا بعد معادات ما يجهلونه.
11. وكتب الأستاذ الشهير«باركس» في مجلة «يوتلنيس أوف أنفستيجشن أنتومودرن سبيريتواليزم» أي فائدة البحث في علم الروح العصري. قائلا أنه قبل أن يعتقد حقيقة الاسبرتزم قرأ كل كتاب ألف للدفاع عنه أو في دحضه، وجادل كل متكلم فيه، ثم جرب مشاهداته بنفسه مدة عشرة سنوات، قال وبعد هذا كله استطعت أن أتكلم في مشاهداته، وأخطب فيه بعلم ودراية.
12. وكتب العلامة «اجست مورجان» المتقدم ذكره في مجلة «فروم ماستر أوف سبيريت» من معلمي الروح- قال: أنا مقتنع بصحة الاسبرتزم مما رأيته بعيني وسمعته بأذني، اقتناعا يجعل تطرق الشك إلي مستحيلا عندي، وأن الروحيين لعل الطريق الذي تقدم العلوم الطبيعية، وليس اضدادهم إلا مشخصين للذين يريدون وضع العقبات في سبيل الترقي.
13. وكتب الأستاذ «اكرومويل فارلي» إلى الأستاذ الشهير «تندل» يقول: أنا لندرس الآن من « الاسبيرتزم» ما كان قبل ألفي عام، الشغل الشاغل للفلاسفة، ولو ترجم رجل من العارفين باللسانين اليوناني واللاتيني والواقعين على حقيقة المشاهدات الروحية ما كتبه رجال الماضي لرأينا أن الذي يحصل الآن ليس هو إلا جانبا قديما من التاريخ، لدرجة تعلي مقام أولئك العقلاء الأقدمين لكونهم استطاعوا أن يرتفعوا عن الأوهام الضيقة التي كانت سائدة في زمانهم، ويظهر لنا أنهم درسوا هذه المسألة بتوسع يفوق في أشكاله الكثيرة معلوماتنا الحالية فيها.
14. وقال القس «سنتون موزس» مدرس علم اللاهوت بلندن بعد فحص الاسبرتزم عدة سنين هو وطائفة من رجال العلم معه قال: إن وضوح وجود هذه القوة المحكمة بعقل يرتكز على ما يلي:
أ» وضوحها لحكم الحواس. ب» تكلمها غالبا بلغة يجهلها المستحضر. ج» سمو الموضوع الذي تتكلم فيه على معلومات المستحضر غالبا. د» ثبوت استحالة إنتاج هذه النتائج بواسطة الغش في الشروط التي حصلت فيها.
15. وقال الأستاذ «كروكس» أحد رؤساء جمعية علماء الانكليزية: أنا أقول بغاية البساطة، كل ما رأيته، وكل ما ثبت لي بالتجارب المتكررة المدققة- وأنا أقول: إن هذا ممكن، ولكني أقول أنه ثابت محقق.
16. وقال العلامة الفسيولوجي «ولاس» مكتشف ناموس الانتخاب الطبيعي مع دارون في كتابه المسمى «خوارق العصر الحالي»: لقد كنت دهريا صرفا مقتنعا بمذهبي تمام الاقتناع، ولم يكن في ذهني أدنى محل للتصديق بحياة روحية ولا بوجود عامل في هذا الكون كله غير المادة وقوتها، ولكني رأيت أن المشاهدات الحسية لا تغالب، فإنها قهرتني وأجبرتني على اعتبارها أشياء مثبتة قبل أن أعتقد نسبتها إلى الأرواح بمدة طويلة، ثم أخذت هذه المشاهدات مكانا من عقلي شيئا فشيئا. ولم يكن ذلك بطريقة نظرية تصورية ولكن بتأثير المشاهدات التي كان يتلو بعضها بعضا بطريقة لا يمكن التخلص منها بوسيلة أخرى «أي بغير نسبتها إلى الأرواح».
17. وقال الأستاذ «اليوت» رئيس جمعية العلماء الأمريكية في مجلة «أنال بسيشك» ما يأتي: منذ مدة وجيزة كان يشق علي الأمر كلما افتكر في أنني سأكون كاتبا لتاريخ مثل هذا «تاريخ مشاهدات الاسبيرتزم» ولكني أراني لا أستطيع أن أخون اعتقادي بدون أن أهبط من كمالي العقلي، ولا يمكنني السكوت أمام هذه المشاهدات الحقة، لئلا أنسب للجبن الأدبي.
18. ومن ضمن مشهوري أنصار هذا المذهب الأستاذ «تسولنر» الفلكي الألماني الشهير المعدود نادرة الزمان في الذكاء، اعتنى هذا العلامة بالبحث فيه ومعه الأساتذة الألمانيون المشهورون:
19. «ويبر».
20. «فيشنر».
21. «شيبنر».
22. «التريسي».
23. «ويندت».
24. وكان الواسطة معهم «سلاد» المشهور.
بعد شدة البحث والتدقيق اعتقد هو ورفاقه صحة الاسبرتزم كما والتدقيق اعتقد هو ورفاقه صحة الاسبرتزم كما اعتقدها الوف غيره من العلماء.
ولم يكد ينتشر اعتقاده بذلك المذهب حتى تصدى له الأساتذة:
25. «فيرخو».
26. «هلمولنز».
27.«هيكل». ونشروا في بعض الجرائد العلمية أن الأستاذ زولنر قد انخدع وانغش، وكادوا يؤثرون على مقامه العلمي تأثيرا سيئا فبرز إليهم «زولنر» ودعاهم لمناظرته، ثم نشر كتابه المسمى «أوراق علمية» أثبت فيه بغاية الوضوح والدقة ما رآه هو ورفاقه من المشاهدات الحسية، فلم يسع أولئك الأساتذة إلا السكوت والانهزام أمام تلك الحجج الناطقة.
28. وكتب الأستاذ «شارل فوفتي» في كتابه المسمى «الوحي الجديد - الحياة» يقول: لما فقد الفكر قدرته على التصديق بوجود الأرواح، صارت الحياة الأدبية مهددة بالزوال، وأحس المجتمع الإنساني من نفسه بأنه دخل في دور الفتن والانحلال الذي يجب أن يعقبه الخراب التام، ولكن لما أشرقت في الأذهان هذه الفكرة الجديدة
«الاسبرتزم» وإن لم تكن بينة الحدود للآن- أحست النفوس بقرب حدوث تغير جديد في الأفكار، في المؤتمر الأسبيرتي العام الذي انعقد في لندن 22 يونيه 1898 قام العلامة.
29. «دوروشاس» وتلا مقالة عنوانها «حدود الطبيعة» جاء منها «والحاصل فإن هذه المشاهدات الخارقة للعادة، والتي يغضب النطق بها رجالا يحسبون أنفسهم علماء ببحثهم الكثير أو القليل في بعض الفروع العلمية، ليست هي بالنسبة لنا إلا امتدادا للمشاهدات التي رأيناها بأنفسنا، وصار الشك فيها من قبيل المستحيلات.
وقام الأستاذ «لودج» الرياضي الشهير الذي يفخر به الانكليز في مؤتمر جمعية تقدم العلوم الانكليزية الذي انعقد في سنة 1891 وتلا مقالة كان لها تأثير عظيم في العالم كله، قال منها مشيرا للأسبيرتزم: أن الحد الفاصل بين العالمين المادي والروحاني قد قرب أن ينهار كما انهارت فواصل كثيرة غيره، وبهذا سنصل إلى إدراك سام على وحدة الطبيعة، وأن الأشياء الممكنة لا حد لها، كما أن الوجود نفسه لا غاية له ولا نهاية، وأن الذي نعلمه الآن منه لا يساوي شيئا بالنسبة لما غاب عنا عمله، ولو اكتفينا بما كشفناه للآن واقتنعنا به، نكون قد خنا أقدس الواجبات العلمية.
اجتمع في سنة 1893 عند الأستاذ:
30. «فنزي» في ميلان الأساتذة:
31. «الكسندر اكزاكوف» مستشار القيصر الروسي ومدير مجلة «بسيشيش ستوديان».
32. والأستاذ «جيوفاني» مدير مرصد ميلان الفلكي.
33. والدكتور الألماني الطائر الصيت «كارل دوبرل».
34. والأستاذ «أنجلو بروفيربو».
35. والأستاذ «جيوزب جيروزل» مدرس الطبيعيات في مدرسة «بورتيسي» العليا.
36. والأستاذ الشهير «شارل ريشه» المدرس بمدرسة الطب، ومدير المجلة العلمية.
37. والأستاذ «لومبروزو» اجتمع كل هؤلاء العلماء، وفحصوا المشاهدات الاسبيرتية في سبعة عشر مجلسا، وكانت الواسطة «مدام أوزانيا بلادينو» فكتبوا تقريرا، وقع برمته في مجلد سنة 1893 من المجلة الروحية، وفيه يشهدون علنا أمام العالم بأن كل ما شاهدوه من الخوارق لا غش ولا تدليس فيه، وإن هذه المشاهدات جديرة بالدخول في سلك المسائل العلمية.
تقدم قبل بضع صفحات أن الأستاذين «هيزلوب» و «هودسن» وعدا بأن يكشفا اللثام عن معتقدهما في الاسبيرتزم ويثبتا للعالم ببراهين دامغة خلود الروح ففعل كلاهما ما وعد به. وابتد الأستاذ «هيزلوب« فسرد مشاهداته المدققة وختمها بهذه العبارة: لا يمكن تفسير هذه المشاهدات بغير الاسبيرتزم. أي بغير نسبتها إلى أرواح الموتى.
أما الدكتور «هودسن» فقد كتب تقريره في الجزء 22 من نشرة جمعية الأبحاث النفسية الانجليزية نقتطف منه ما يأتي مترجما عن اللغة الفرنسية. قال في صحيفة 396: لقد جربت «التلباتيا» بين الأحياء مدة سنين عديدة، وها أنا لا أتأخر عن التأكيد بطريقة مدققة، بأن الفرض الاسبريتي «أي كون هذه المشاهدات منسوبة للأرواح» حق لا شبهة فيه، وتدل عليه نتائجه بخلاف الفرض الأول.
وجاء في صحيفة 405 أن وضوح هذه المسائل هذا الوضوح التام قد أزال عني كل ما كان يصرفني عن التصديق بأن هذه الظواهر نتيجة أفعال الموتى.
وجاء في صحيفة 406: الآن لا يمكنني أن أقول بأن لدي أدنى شك أو ارتياب في أن المرائي المهمة التي تكلمت عنها في الصحائف المتقدمة، هي حقيقة عين الأشخاص الذين تدعي هي أنها هم، وأنهم لم يزالوا أحياء بعد تلك الاستحالة التي نسميها نحن الموت، وأنهم بواسطة جسم مدام «بيبر» المتشنجة يتعرفون مباشرة إلينا نحن الذين نسمي أنفسنا أحياء.
39. أما الدكتور «جيبيه» المؤلف الفرنسي الطائر الصيت، ومعتمد الأستاذ «باستور» في مكتشفاته البديعة، حبب إليه البحث في الاسبيرتزم منذ زمان طويل. وله في هذه المسألة كتابان جليلان جدا، أحدهما اسمه « الاسبيرتزم» والآخر اسمه «تحليل الأشياء» ظهر الأول في سنة 1886 والثاني في سنة 1890.
أخذ هذا الدكتور في فحص الاسبيرتزم مدة ثلاثين سنة، فدقق النظر فيه، وجرب بنفسه تجارب يقصر عنها من لم يكن على شاكلته، ثم ألف كتابيه المذكورين على التعاقب، فيرى المطالع لهما أنه لم يصل إلى نتيجته الأخيرة إلا بعد تردد عظيم من كثرة تشككه ودقة نظره.
فإذا تصفحت كتابه المطبوع في سنة 1886 تجد أنه لم يكن لذلك الوقت حاصلا على البرهان القاطع بخلود الروح، ولو كان فكره «المادي» قد تحول عن مركزه تماما. فإنه قال في آخر مقدمته: لنعلن على رؤوس الإشهاد بأننا أول ما بدأنا درس هذه المباحث النفسية، كنا نعتقد من صميم فؤادنا بأننا أمام عالم من خيالات وأباطيل يجب علينا كشف الستار عنها وفضحها. وقد صرفنا كثيرا من الزمن للتخلص من هذه الفكرة أي فكرة كونها خيالات وأباطيل».
ولكنه مع اعترافه، بأن مشاهدات الاسبيرتزم ليست بخيالات ولا أباطيل لم يحصل على البرهان القاطع بخلود الروح، لأنه ختم عبارته بقوله: فلنصرح إذن بفكرنا ونقول: كلا، أن كل هذه الظواهر المدهشة التي لا يمكن تفسيرها بمقارنتها بالشيء القليل الذي نعلمه لا تثبت لنا بطريقة مطلقة أن الموت يهب الحرية للذات الإنسانية المدركة الباقية.
ولكنه لم يجبن أمام صعوبات هذا البحث، ولم يكتف بهذا الموقف المشكك، بل مشى للأمام بقدم الشجاع الثابت الجأش، ثم كتب بعد أربع سنوات كتابه الجليل المسمى «تحليل الأشياء» فصرح فيه بعقيدته حيث قال: في جلسات التجسد «أي التي تتجسد الأرواح فيها، وتظهر في جسم يلمس ويحس» يمكن لكل إنسان أن يرى شخصا من أسرته قد مات منذ زمان بعيد أو قريب، فيظهر له عيانا ويكلمه.
نعم يكلمك بسريرته الخاصة التي لا يعلمها غيرك، وترى أن صورته لم تتغير ولم تتبدل، وأن له قلبا يخفق، ويمكن أن تأخذ صورته الفوتوغرافية، ويترك لك شكل يده، بل وشكل رأسه بالجبس. كل هذه الأشياء الفوتوغرافية والجبسية تبقى لك برهانا محسوسا دامغا على أنك لم تر ذلك في الحلم، بل يقظة.
ولنضف لك هنا أن هذا التسجيل يحصل بواسطة الأرواح العاملة على قوة الواسطة المستعارة منها. فثبت من هنا لدى العلماء الذين رأوا هذه الآثار الخارجية الحاصلة بحضور الواسطة، بأن هذه المرئيات تحتوي على البرهان المفحم الذي لا نتحصل على مثله قط، بأن لنا روحا مدركة ومتميزة ومخلدة بعد الموت.
بعد الموت يجد الإنسان نفسه في عالم اسميه «ما بعد الحياة» في حالة ليست في الحقيقة إلا ذاته الكاملة. أما هذه الحالة التي يعيش فيها الآن فليست إلا حالة وقتية ولا أقول بدون فائدة.
وإذا أراد المطالع أن يتحقق من صدق هذه المشاهدات بنفسه، فإنه سيقتنع بسرعة، بأني لم أبالغ فيما قتلته وأنه سيرى اعتقاده يقوي ويشتد على قدر ما تكون أبحاثه حازمة ومتكررة، ولو كانت هذه المرئيات باطلة لحصل عكس ذلك.

توضيحات لما تقدم
نقلت ما تقدم من دائرة المعارف، وقرأته مرارا فرأيته واضحا لا يحتاج إلى شرح إلا قول الدكتور جيبية في كتابه الأول « الاسبيرتزم»: إن الموت يهب الحرية للذات الإنسانية المدركة الباقية أهـ. يعني أن الدكتور جيبيه لم يحصل على نتيجة تامة عندما ألف كتابه « الاسبيرتزم»ولم يقم عنده البرهان القاطع على الموت يعطي الحرية الذات الباقية المدركة.
فإن قلت: كيف يتصور أن الموت يعطي الإنسان شيئا، والذي يظهر لنا أنه يسلبه كل شيء، فالجواب: إذا كانت الروح مستقلة بوجودها قبل الموت وبعده وخالدة لا تنفى يمكننا أن نتصور أن الإنسان في حال حياته يكون في أسر وقيود ترابية منها حاجته إلى المعيشة إلى المكان والزمان والغذاء، ومنها خوفه على حياته وعلى جسمه من المرض والموت والمصائب التي تنغص عليه عيشه، فإذا مات تحرر من تلك المخاوف كلها.
ثم أن كثافة الجسم الترابي تضيق معلوماته، وتصعب عليه فهم الحقائق حتى اذا تخلصت الروح من الجسم الترابي يعود لها صفاؤها، وتدرك حقائق المعلومات بدون تعب، ويكون اتصالها بخالقها، وبالعالم العلوي تاما، وترتفع عنها الحجب. وانشد علماء الزهد في هذا المعنى:

سبيت الورى طرا وانت محجب        فكيف بمن يهواك إن زالت الحجب
وأصبحت محجوب القلوب بأسرها     ولا ذرة في الكون إلا لها قلب

وقد ثبت الدكتور جيبيه بعد دراسة أربع سنين أخرى أن الموت يهب تلك الحرية للإنسان على أكمل وجه كما رأيت.
قال المحقق نعمان خير الدين، الشهير بابن الألوسي البغدادي في كتابه «جلاء العينين، في محاكمة الأحمدين» ص 148.
اختلف الناس أيضا في الروح: هل تموت أم لا؟ فذهب طائفة إلى أنها تموت، لأنها نفس، وكل نفس ذائقة الموت. وإذا كانت الملائكة يموتون، فالأرواح البشرية أولى.
وقالت طائفة: أنها لا تموت، للأحاديث الدالة على نعيمها وعذابها بع المفارقة إلى أن يرجعها الله تعالى إلى الجسد.
قال في روح المعاني: والصواب أن يقال: موت الروح هو مفارقتها الجسد، فإن أريد بموتها هذا القدر، فهي ذائقة الموت، وإن أريد أنها تعدم وتضمحل، فهي لا تموت، بل تبقى مفارقة ما شاء الله تعالى، ثم تعود إلى الجسد وتبقى معه في نعيم أو عذاب أبد الآبدين أهـ.
وللروح معان أخر، ليس هذا موضع ذكرها، من أرادها فليرجع إلى كتب التفسير. والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق. أهـ
وقد أجاد الرئيس أبو علي ابن سينا عميد فلاسفة الإسلام في قصيدته العينية فوصف الروح وصفا دقيقا جدا بطريق الإشارة. انقل هنا بعض أبياتها. قال رحمه الله تعالى:

هبطت إليك من المحل الأرفع
محجوبة عن كل مقلة عارف
وصلت على كره إليك وربما
أنفت وما أنست فلما واصلت
وأظنها نسيت عهودا بالحمى
حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها
علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت
تبكي وقد ذكرت عهودا بالحمى
وتظل ساجعة على الدمن التي
إذا عاقها الشرك الكثيف فصدها
حتى إذا قرب المسير عن الحمى


سجعت وقد كشف الغطاء فأبصرت
وغدت تغرد فوق ذروة شاهق
 

ورقاء ذات تعزز وتمنع
وهي التي سفرت ولم تتبرقع
كرهت فراقك وهي ذات تفجع
ألفت مجاورة الخراب البلقع
ومنازل بفراقها لم تقنع
عن ميم مركزها بذات الاجرع
بين المعالم والطلول الخضع
بمدامع تهمي ولم تنقطع
درست بتكرار الرياح الأربع
نقص عن الأوج الفسيح المربع
ودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع
ما ليس يدرك بالعيون الهجع
والعلم يرفع كل من لم يرفع

وأخرج البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه- فقالت عائشة أو بعض أزواجه: أنا لنكره الموت، قال ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله، وكره الله لقاءه.
وقال تعالى في سورة فصلت 30-31 «إن الذين قالوا ربنا الله، ثم استقاموا، تتنزل عليهم الملائكة الا تخافوا ولا تحزنوا، وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أوليائكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون. نزلا من غفور رحيم».
قال أئمة التفسير في قوله تعالى، قالوا ربنا الله، أي وحدوه في ربوبيته وعبادته، ودعائه، والرغبة إليه والرهبة منه، والالتجاء إليه وحده لا شريك له في تفريج  الكربات وقضاء الحاجات. «ثم استقاموا» على طاعته وإتباع سنة رسوله «تتنزل عليهم الملائكة» عند موتهم يبشرونهم قائلين لا تخافوا مما تقدمون عليه، فإنكم مقدمون على سعادة لا حد لها «ولا تحزنوا» على ما خلفتم من أهل،  فالله يخلفكم فيهم «وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون» في كتاب الله وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم «نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الاخرى» معناه أن المكلائكة لم يزالوا مع المؤمنين في حياته الدنيا يثبتونه ويستغفرون له، ولن يزالوا معه موته يؤنسونه، غير أنه لا يراهم إلا عند خروج روحه حين يتغلب سلطان الروح على الجسد. أما بعد الموت فإنه يشاهدهم عيانا دائما «ولكم» في  الآخرة كل ما تشتهي أنفسكم، وكل ما تريدونه إكراما وضيافة من رب عظيم المغفرة واسع الرحمة. انتهى تفسير الآية.
وهذا برهان قاطع على بقاء الروح ونعيمها وسعادتها بعد الموت كما قرره أولئك الفلاسفة. وقال تعالى في سورة الواقعة 83-95 «فلولا إذا بلغت الحلقوم،  وانتم حينئذ تنظرون... ونحن أقرب إليه منكم، ولكن لا تبصرون. فلولا إن كنتم غير مدنيين. ترجعونها إن كنتم صادقين. فأما إن كان من المقربين. فروح وريحان وجنة نعيم. وأما إن كان من أصحاب اليمين، فسلام لك من أصحاب اليمين. وأما إن كان من المكذبين الضالين. فنزل من حميم وتصلية جحيم، إن هذا لهو حق اليقين»
يقول الله تعالى: فلولا أي هلا «إذا بلغت الحلقوم، أي الروح المفهومة من السياق وأنتم أيها الحاضرون عند الميت تنظرون إليه ولا تدركون حقيقة  أمره. ونحن أقرب إليه بعلمنا منكم. لكن لا تبصرون. كما قال تعالى في سورة الأنعام 103 «لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير» هذا في الدنيا، واما في الآخرة فيراه المؤمنون في دار الكرامة بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر، صحت الأخبار بذلك.
فلولا، هلا، إن كنتم غير مدنيين محكومين ومجزيين- كما تزعمون أيها الكفرة،  ترجعونها، أي تردون الروح وتدفعون  عنها الموت، إن كنتم صادقين في زعمكم انه لا بعث ولا حساب ولا جزاء، ولا حياة بعد الموت، فأما إن كان، أي الميت من المقربين أي السابقين من الأصناف الثلاثة المذكورة في أول السورة، فروح، أي فله راحة، وريحان، أي رزق كريم، وجنة نعيم، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك أيها المخاطب من أصحاب اليمين، أي سلامة لهم، أو سلام يصلك منهم، أو ناهيك بما فيه من الكرامة كما يقال بالعامية: يا سلام عليه. وأما إن كان من المكذبين لله ولرسوله الجاحدين ربوبيته أو الهيته، أو إرسال رسله إلى خلقه، فنزل من حميم، أي فلهم ضيافة من الماء الحميم البالغ درجة الغليان. وتصليه جحيم، أي  إحراق بنار جهنم، إن هذا الذي ذكر لهو حق اليقين، أي اليقين الحق الذي لا شك فيه.
وقد تبين الآن أن الروح بعد الموت باقية خالدة أما في نعيم، وإما في جحيم، وفي القرآن آيات كثيرة تدل على هذا المعنى. وقد توصل الفلاسفة بطرقهم الخاصة إلى بقاء الروح وخلودها بعد الموت، ولكن ما توصلوا إليه بالنسبة إلى ما جاء به رسل الله نقطة في بحر. فالحمد لله الذي أحق الحق وأزهق  الباطل ولو كره المجرمون، بل ران على قلوبهم ما  كانوا يكسبون.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here