islamaumaroc

لم يكن القرآن بلغة قريش فحسب -5-

  دعوة الحق

90 العدد

تتمة لغة حمير
17. «مرض» الكائنة في الآية 32 من سورة الأحزاب ومعناها بهذه اللغة الزنا. وواضح أنه لا يستقيم معنى هذه الآية إلا بالدلالة الحميرية لهذه الكلمة، ولقد فسرها عبد الله بن عباس بهذا المعنى الحميري وعزز ذلك ببيت الأعشى الذي جاء فيه:
حافظ الفرج راض بالتغني      ليس ممن قلبه فيه مرض(1)
ولا بد أن أنبه إلى أن كلمة «مرض» مقرونة بكلمة قلب كما في هذه الآية كثيرة جدا، ولكنها لا تدل، في نظري، على الزنا، بل تعنى في أغلب الأحيان الشك والنفاق وضعف الإيمان، ويمكن أن نؤولها بأن الحق سبحانه وتعالى يمرض قلوبهم أي يضعفها، ولهذا لم ندخل ضمن الكلمات الحميرية إلا هذه المفردة الموجودة في الآية 32 من سورة الأحزاب. وغير مستبعد أن تحوم كلها حول معنى لا يبعد في مجمله عن المعنى الحميري الأصيل.
 ولنمثل لذلك بآية البقرة رقم 10 التي يقول الحق سبحانه فيها: ?فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ؛ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً? ويعني عز وجل في قلوبهم ضعف، زادهم الله ضعفا على ضعفهم.
18. لفظة «مقاليد» الكائنة في الآية 63 من سورة الزمر التي يقول فيها الحق سبحانه وتعالى: ?لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ? ومثلها في الآية 12 من سورة  الشورى التي يقول فيها الله عز وجل: ?لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ?‏ ومعناها بلغة حمير مفاتيح.
أعتقد أنه حان الآن إبداء ملاحظة هامة، فعندما نقول إن هذه المفردة هذلية أو كنانية أو حميرية لا نعني بذلك، أن هذه المفردة هذلية أو كنانية أو حميرية لا نزاع في انتسابها إلى اللغة التي أدخلناها فيها أو اننا نجزم جزما قاطعا ونحمل الناس على أن يعتقدوا هذا الاعتقاد بأن مفردة ما هي من لغة معينة لأن عندنا حججا علمية دامغة لا تقبل أدنى شك، وإنما نريد أن نقول إن من المرجح أن هذه المفردة عرفت وانتشرت في اللهجة الفلانية وفيها استعملت استعمالا واسعا قبل أن يتبناها القرآن فيصبغ عليها الصبغة العربية الفصيحة.
ويظهر لي أنه يستحيل- وهذا العلم ما زال في مهده- لاسيما في هذا العالم العربي أن نقول إن هذه المفردة من أصل كذا، ونركن إلى هذا القول مطمئنين ثم نغلق باب البحث والتنقيب.
وحجة ما نقول المفردة « مقاليد» التي نحن بصدد الحديث عنها، لقد أدمجناها في لغة حمير، لأن كثيرا من اللغويين القدماء قالوا ذلك، لكن الحقيقة هي أنها استعملت فقط في هذه اللهجة في وقت مبكر وقبل أن تستعمل في اللهجة القرشية؛ فهي إذا من أصل حميري بالنسبة للهجات العربية فقط، لا بالنسبة للغات العالم؛ ولهذا لا نقول بأنها من أصل حميري أصالة.
 هذه من جهة، ومن جهة أخرى فنحن نملك الآن  الحجة العلمية على أنها دخيلة فيها وأنها فارسية، وإذا كان السيوطي الذي اهتم بالمعرب في القرآن اهتماما بالغا قد أغفل الإشارة إلى « مقاليد» سواء في كتابه « ما وقع في القرآن من المعرب» الذي أسعدني الحظ فاطلعت عليه في دمشق في مخطوط مضاف إلى المهذب الذي ينسب إليه أيضا، أو في كتابه « الإتقان في علوم القرآن(2) الذي عنونه بـ: « فيما وقع فيه (أي القرآن) بغير لغة العرب» -أقول إذا أغفل السيوطي ذلك فقد أشار إليه الإمام الزمخشري آن تعرضه لشرح مفردة «مقاليد» حيث قال(3): « وقيل مقليد ويقال إقليد وأقاليد والكلمة أصلها فارسية». أما أن تكون المفردة في الفارسية مقاليد، فهذا غير صحيح، لأننا نعرف الآن أن كلمة مفتاح في اللغة الإغريقية هي:xhsidoc وهي في حالة النصب وينطق بها klidha(3)، ويذهب الزمخشري أن ليس لهذه المفردة واحد من لفظها إذ أنه لا يعتبر الأصل الإغريقي، وإلا لكان  مفردها هو إقليد. لكن العلامة إسماعيل بن أحمد الجوهري صادف الصواب لما ذكر في الصحاح(4) أن مفردة مقاليد إقليد أو مقلد، أما الصيغة الأولى فهو الأصل الإغريقي، وهو صحيح كما رأيت، وأما الثانية فهي الصيغة العربية للكلمة الإغريقية الدخيلة، غير أنه لم يذكر على كل حال أن المفردة من أصل إغريقي.
هذه هي الملاحظة التي عنت لي، وكان لابد من إبدائها قبل مواصلة البحث حتى لا يعترض علينا معترض فيما سكتنا عنه؛ اعتقادا منا أنه معروف لدى العام والخاص، زد على ذلك أن المفردة التي ندخلها في زمرة القبيلة الحميرية مثلا، قد ينسبها بعض العلماء غير المحققين إلى قبيلة أخرى. وبما أنه في كثير من الأحيان نظر لا يعتد به، سكتنا عنه خوفا  من التطويل، وترفعا عن ذكر الخلافات التي لم تأت بطائل، ورفقا بقرائنا من الدخول بهم في منعرجات لا نهاية لها، ولا نفع يرجى من ورائها.
19. لفظة «يَتِركم» في الآية 35 من سورة القتال التي يقول فيها الحق سبحانه ?فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ?» ومعناها بهذه اللغة ينقصكم.
أورد الجوهري هذه الآية نفسها وشرح كلمة يتركم قائلا(5): « أي لن ينقصكم في أعمالكم» كما تقول: دخلت البيت وأنت تريد دخلت في البيت. فهذه الكلمة لا تدل هنا إذاً على الذي قتل له قتيلا فلم يدرك بدمه، كما ذهب إلى ذلك الإمام الزمخشري حين قال(6) : «ولن يتركم من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا من ولد أو أخ أو حميم».
ولعل معنى الكلمة في الحديث الشريف (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) يوافق ما ذهبنا إليه.
20. لفظة «معكوفا» الآية 25 من سورة الفتح ومعناها بلغة حمير محبوسا؛ لكن الإمام جلال الدين السيوطي الشافعي جعلها من لغة جرهم، وأوردها في كتابه الإتقان في علوم القرآن(7) في النوع  السابع والثلاثين.
21. لفظة «ألتناهم» الآية 21 من سورة الطور ومعناها نقصانهم بلغة حمير وقد سكت عنها جل المهتمين بلغة القبائل، إلا العلامة أبا القاسم بن سلام. وذكرها الجوهري في الصحاح في باب التاء فصل الألف ويعني ألت الثلاثي، وأضاف: «مثل لاته يليته وهما لغتان حكاهما اليزيدي عن أبي عمرو بن العلاء»(8).
وكلما نص عالم لغوي أو مفسر على أن مفردة ما، فيها لغتان؛ فمعنى ذلك أن المفردة المعنية بالأمر توجد في لغة أخرى غير لغة قريش، وأقر أنني جعلت من هذا مبدأ للبحث عن الكلمة ومحاولة تحديدها.
واللفظة «ألت» التي نحن بصدد الحديث عنها دليل على ذلك، فقد رأينا ما قاله الجوهري في كتابه، وهو وحده كاف لإرشادنا إلى أن المفردة توجد في غير لغة قريش، ونضيف، لتعزيز ما نقول، ماذكره عنها الإمام الزمخشري(9) وهو يعتمد في توضيحها على قراآتها المختلفة- وما قراءاتها إلا لهجاتها التي تنسب إليها- ومعلوم أن هذه المفردة لها أربع قراءات:
1. ألتناهم: وهو من بابين: ألت وألات يليت
2. آلتناهم: من آلت يؤلت
3. لتناهم: من لات يليت
4. لتناهم: من ولت يلت
22. كلمة «زعم» الآية 9 من سورة التغابن ومعناها بلغة حمير ادعى «باطلا»، وكل ما تركب منها في القرآن الكريم فهو بمعنى باطل. وإذا كنت ذكرت هذه هنا فقط، فإنما هي الصيغة الوحيدة في كتاب الله العزيز التي وردت مسندة إلى المفرد المذكر
23. «أعجاز» في الآية 7 من سورة الحاقة التي يقول فيها الحق سبحانه وتعالى: ?فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ? ومثلها في الآية 20 من سورة القمر التي جاء فيها: ?تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ?.
24. لفظة « وبيلا» الآية 16 من سورة المزمل التي يقول فيها الحق سبحانه وتعالى: ?فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا? ومعنى الوبيل بلغة حمير الشديد.
ويقول الاخفش إن «وبيلا» أخذت من الوابل وهو المطر الشديد. ثم وسع اللغويون استعمالها فقالوا: ضرب وبيل، وعذاب وبيل.
أما وبيل فيمكن أن تكون حميرية أو دخلت اللغة الحميرية في وقت مبكر جدا.
وأما الوابل التي يظن الأخفش أنها أعطت وبيلا فالاعتقاد عندي أنه وهم خاطئ.
والمعتمد عليه الآن، هو أن «المطر الشديد باللغة الآرامية- وهي اللغة التي سادت بلاد الشرق الأدنى القديم حوالي سنة 50 قبل الميلاد- هو Ybel [رموز كتابية](10) التي أعطت في اللغة العربية «وبل».
وما من شك أن مكان الماء لبني أسد(11) الذي يطلق عليه «وبال»متأثر، شديد التأثر بهذا.
25. لفظة «مرقوم» في الآية 9 من سورة المطففين التي جاء فيها «كتاب مرقوم» ومعناها كتاب مختوم بلغة حمير، وقد كررها الحق سبحانه وتعالى في نفس هذه السورة في الآية 20 حين قال: ?كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ‏ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ?.
ومن الملاحظ أن السيوطي أغفل هذه اللفظة فلم يذكرها ولعل الذين ينقل عنهم لم يذكروها. وأما الزمخشري فيشرحها بشرح خفيف(12) لا يفيد شيئا حيث يقول: «وهو كتاب مرقوم مسطور بين الكتابة أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه».
26. كلمة «رابية» في الآية 10 من سورة الحاقة، ومعناها «شديدة» بلغة حمير.
ذكرها الجوهري في مادة ربا وربوة بالضم والفتح والكسر مع تسكين الباء في الجميع ورباوة بفتح الراء، لكن صاحب اللسان زاد لغتين هما: رباوة ورباوة بالضم والكسر(13).
ولقد شرح معنى هذه اللفظة في هذه الآية العلامة الفراء بقوله: «زائدة».
ذكرت في الحلقة السابقة أن عدد ألفاظ لغة حمير هو 26 لفظة، وقد تبين لي بعد أن نشر الجزء الأول من هذه الحلقة أنني أغفلت لفظتين، أحب أن أضيفهما إلى لهجتهما معتذرا.
27. لفظة «مدينين» في قوله تعالى: ?فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا.. ?‏ في الآية 86 من سورة الواقعة. ومعناها بلغة حمير محاسبين، ولها معنى آخر بلغة كنانة كنا أشرنا إليه في ألفاظ لهجة هذه القبيلة.
أما الزمخشري فيجعلها من مادة دان ويمثل لذلك بقوله: «دان السلطان الرعية إذا ساسهم»(14) وأعتقد أنها من ذوات الياء، ذلك أن الجوهري جعلها في مادة دين(15).
28. لفظة «إمام» في قوله تعالى: ?وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ? الآية 12 من سورة يس وفي قوله تعالى: ?يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ? الآية 71 من سورة الإسراء، ومعناها بلغة حمير: «كتاب».
وجدير بالذكر أن أنص على أن من القراء من قرأ «بإمامهم» في هذه الآية بـ «بكتابهم» منهم عبد الله بن مسعود(16) المتوفى سنة 33 هجرية وعبيد ابن كعب(17) المتوفى سنة 29 هجرية.
هذه هي الألفاظ الحميرية الواردة في كتاب الله العزيز، أرجو أن أكون وفقت في إحصائها، وأحسنت شرحها. فإذا كنت أغفلت ألفاظا، وأسأت شرح بعض ما ذكرت؛ فليكن عذري أنني أخلص النية معتمدا على الله.
 

(1) - الإتقان في علوم القرآن للإمام جلال الدين السيوطي ج 1 صفحة 124 طبعة القاهرة 1368 هجرية.
(2) - المصدر السابق. النوع الثامن والثلاثون صفحة 136 من الجزء الأول.
(3) - الكشاف الجزء الثالث صفحة 354 طبعة القاهرة سنة 1354 هـ.
(3) - غرائب اللغة العربية صفحة 253 بيروت 1959.
(4) - صفحة 525 من الطبعة القاهرية سنة 1376هـ- 1956م.
(5) - صفحة 843 من كتاب الصحاح الطبعة السابقة.
(6) -  الكشاف الجزء الثالث صفحة 460.
(7) - الجزء الأول صفحة 135 من الطبعة السابقة الذكر.
(8) - الصحاح- الطبعة السابقة صفحة 241.
(9) - الكشاف صفحة 35 الجزء الرابع
(10) - غرائب اللغة العربية للأب رفائل نخلة اليسوعي صفحة 209.
(11) - الجوهري الصحاح ج 5 صفحة 1840.
(12) - الكشاف الجزء الرابع صفحة 1956 من الطبعة السابقة الذكر.
(13) - ولقد حملتنا كثرة هذه اللغات على اعتقادنا أنها دخيلة على لغة قريش انظر اللفظة 21 من لغة حمير الكشاف الجزء الرابع صفحة 62.
(14) - الكشاف الجزء الرابع صفحة 62.
(15) - الصحاح صفحة 2118.
(16) - jeffery materials for the history of the texte of the quran صفحة 55.
(17) - المصدر السابق صفحة 142.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here