islamaumaroc

عبقرية الإسلام في المغرب.-1-

  دعوة الحق

90 العدد

لقد عمل الإسلام على تطوير الفكر الإنساني بإخراجه من مرحلة التعلق بالقبلية والعنصرية، والأرض، إلى مرحلة التعلق بالفكرة والمبدأ، وهكذا أصبح الإطار الجغرافي ثانويا بالنسبة للشعوب المنضوية تحت لوائه، إذ أصبح عليها أن تواجه الحياة على أساس الأخوة والتعاون الإنساني لتحقيق خير الفرد والجماعة بدل التعلق بالعصبيات المناصرة للظالم أو المظلوم  على السواء، أو التعلق بالأرض ومعاداة الإنسان لأخيه على أشبار منها، وليس معنى هذا أن الإسلام تخلى عن الوطنية أو السلالية، وإنما عمل بمبدئه في (الاعتدال) فآثر الوطنية في التعلق بإطارها الجغرافي غير المصطنع الذي يولد فوارق خاصة، مع اعتبار الجوار والصلات الأممية بالأرض، وأقر السلالية في التعلق بالأرحام والعشيرة ونبذ العصبية الجاهلية الممثلة في الجهاز القبلي المبني على فوارق الجنس، ونصرة الأخ ظالما أو مظلوما، وجعل القاسم المشترك بين الأفراد والجماعات في مجموعة من تعاليمه الإنسانية السامية.
وقد كان استعداد الفكر السامي قويا لهذه التعاليم بما ظهر فيه من الأنبياء ذوي الدعوات الإنسانية الخالصة، حتى إذا جاء الإسلام أقر نهاية المطاف في نكران اللونية والإقليمية والعنصرية وإعطاء قيمة الإنسان في قوة تقواه، وقيمة الأمة في تلاحم أفرادها على أساس وحدة المبادئ والتعاليم والمصالح والعواطف.
ولقد واجه الإسلام يوم ميلاده عالما منحرفا، فتصدى لمقاومة المحسوبية والوثنية في الشرق ولمقاومة المسيحية المنحرفة، والطغيان الإقطاعي في الغرب، وبذلك واجه قوتين مسلحتين ماديا وأدبيا، ماديا بالعتاد وأدبيا بفلسفات قديمة، فقد كانت هناك سيطرة المرازية في الشرق وسيطرة الرهبان في الغرب يقودان الأمم الغافلة لمصالح المنتهزين.
وكان رد هؤلاء في أول الأمر قويا ثم لم يلبث أن ضعفت حجته، وقل أنصاره، فاستسلم، ولكنه عاود الكرة من جديد، لا في مواجهة الإسلام، ولكن في تصميم الفكر الإسلامي وتحريف الكلم عن مواضعه ولكن الإسلام بفضل تعاليمه أثر في الفكر المسيحي فظهر (لوثر) و (كالفين) و (ديكارت) لإنقاذ الغرب من التثليث والعصمة البابوية، وفي غمرة التبادل الفكري تسربت آراء مغرضة إلى الفكر الإسلامي ففتت وحدة العالم الإسلامي وأوهنت قواه، ولولا الاعتصام بالقرآن الكريم الذي كان المناعة الأولى والأخيرة لحفظ الإسلام (وتلك معجزة عظمى)، لشوهت كثير من حقائق الإسلام ومبادئه.
وكان من السهل أن يستجيب كل إنسان لتعاليم الإسلام لنزعتها الإنسانية وتفتحها، لذلك سارعت الأمة المغربية إلى اعتناق الدين الإسلامي والتأثر المطلق بتعالميه والفناء الكلي في دعوته، حيث وجدت فيه مخلصها من حيرتها، وتفرق وحدتها، فقد عاش المغرب قرونا باحثا عن وحدته التي لم يجد محتواها وأصولها حتى جاء الإسلام، فقد حاول من قبل (سيفاكس) (وماسينيسه) (وجوكورطا) ان يقروا للمغرب وحدة جغرافية في نوميديا ولكنها ظلت في إطار جغرافي تنقصها لحمة المبدأ والتعاليم ولذلك كانت تنحل بسرعة أمام المغيرين الأقوياء، غير أن وضع المغرب تغير عند ما وصل عقبة بن نافع إلى افريقيا سنة 42ه ثم عاد إليها ثانية سنة 50ه فاسس القيروان، وانطلق إلى الداخل يحمل الإسلام إلى أقصى المغرب في جنود  من العرب وهم من أرومة واحدة مع البربر الذين وجدهم بالبلاد (حسب رأي أغلب علماء النسب) وحتى إذا لم نعتبر رأي الأغلبية فإن العرب الذين جاءوا للمغرب امتزجوا بالبربر بالتوالد والمصاهرة والوحدة الدينية واللغوية، فأصبحت لغة القرآن هي اللغة المعبرة عن الفكر كما لاحظ ذلط كثير من المؤرخين، ومن جملتهم (جوتي) في كتابه عصور المغرب الغامضة، وبذلك امتزج العنصر البربري بالعنصر العربي امتزاجا يستحيل معه الانفصال.
ولاشك أن الحضارة البونيفية كانت ممهدة لهذا التمازج العريق بين البربر والعرب، وزادت في تركيز الوحدة المغربية بثوارت الخوارج التي أعطت في معناها استجابة لدعوة الإسلام في صورته الديموقراطية الحق فركزت أحزابها المتعددة الإسلام في أنحاء المغرب النائية.
لقد استجابت البلاد المغربية لتعاليم الإسلام استجابة نموذجية كاملة فانصهر الفرد المغربي في المبدأ الإسلامي كما انصهرت الجماعة في تعاليمه الحقة وأخذت نفسها بالشدة لتطمئن نفسها اطمئنانا كبيرا على الاستجابة الباطنية والظاهرية لتعاليم الإسلام في مختلف الميادين، فعلى الصعيد العسكري، حملوا الدعوة شمالا إلى الغرب المسيحي حتى أوقفتهم جيوش شارل مارتيل، وجنوبا إلى بلاد السودان ومالي وباقي  بلاد أفريقيا السوداء الجنوبية.
وعلى الصعيد السياسي، استجابوا لدعوة الوحدة وبلوروها في عصور الازدهار في إطار جغرافي يشمل المغرب العربي والأندلس المسلمة. أما في ميدان الفكر فقد التزموا في ذلك كله لخدمة الإسلام وتوضيح أهدافه وشرح تعاليمه فلسفيا وفقهيا وأدبيا واخذوا تعاليمه عن أئمة المذاهب الإسلامية المعروفة بحرفيتها وتمسكها بالنص، كالمذهب المالكي (في الفقه) وقراءة «ورش» في التجويد و (الأشعرية) في العقائد، ولعل من العسير أن تلمع إلى رجال الفكر الإسلامي في الغرب الذين جندوا أنفسهم لخدمة العقيدة السمحة وشرح مبادئها نظرا لوفرتهم، وإنما نذكر بعض أسماء لامعة كنصب يهتدي بها فنذكر منهم يحي الليثي،  والباجي، وابن الطفيل، وابن باجة، وابن العربي، والقاضي عياض، وابن القطان، وابن عربي، وابن الخطيب، وابن خلدون، والإمام زورق، والشادلي،  والمقري، وجنون، وأبا شعيب الدكالي، وغيرهم كثير وكما ظلوا المعلمين الأولين محركي الفكر الإسلامي وسدنته، فقد ظلوا كذلك في ميدان السياسة سدنة وحدة الأمة الإسلامية فلم ينفصلوا عن الخلافة منذ عهد المرابطين، وادفعوا عن الأندلس والشام يوم تسلط  عليها المسيحيون في حروبهم الصليبية في عهد ابن تاشفين والمنصور الموحدي، وطهروا الشواطئ المغربية في عهد المولى إسماعيل، وحتى إلى قرون متأخرة  لم يعرفوا بجانب جيرانهم حدودا، وإنما خلق المستعمرون بعد استيلائهم على الجزائر حدودا مصطنعة وكان من مكر الاستعمار أن تكون هناك حروب مستمرة بين المغرب والجزائر رغبة في المستعمرين في تزويد الفتانين بالمال لشراء الأسلحة التي تخلق حربا بين عديد من القبائل المجاورة للحدود الجزائرية المغربية  لتستمر لعبة السياسة المالية، وفقدان الأمن، وقد أكدت  السياسة البريطانية أن إثارة القبائل على الحدود الجزائرية أصبح أمرا عاديا، واستمر العمل به جزءا من سياسة السلطة الفرنسية في الجزائر مما اضطر السلطان المولى عبد العزيز أن يوجه رسالة شخصية إلى الملكة (فيكتوريا) لتتدخل بإقناع الحكومة الفرنسية بوجوب تعيين الحد النهائي بين المغرب والجزائر بحيث تتعهد أن لا تتعهداه، وكان (دلكاسية) هو العالم الأكبر في هذا الميدان رغم معارضة (جان جوريس) الذي كان يرى أن قضية الحدود بين المغرب والجزائر صنعتها سياسة مغرضة، وفعلا هدأت الأزمة عندما استولت فرنسا على المغربيين والتزامات المغرب الإسلامية جعلته آخر معقل لحماية الإسلام حيث بقي يعين المماليك الإسلامية منذ عهد صلاح الدين الأيوبي إلى عهد انهيار غرناطة وكانت معركة وادي المخازن آخر انتصار عسكري حققه ضد الحروب الصليبية، وظل مع ذلك   عونا لكل صرخة إسلامية فهب يدافع عن احتلال الجزائر متكبدا خسائر في معركة اسلي.
وظل المغرب في ميدان يؤثر على تطوير وتحرير العقل الغربي بإنتاج علمائه حيث اهتمت جامعات أوربا بدراسة تعاليم ابن رشد وابن طفيل وأراء الإدريسي والوازاني الفاسي وغيرهم. فاستفاد الفكر الغربي من أراء الإسلام التحريرية التي على أساسها تطور علميا واجتماعيا وانتصب يواجه العالم الإسلامي في تحد ظالم، حيث ألفاه مع كامل الأسف ينخره أفكار سلبية وصوفية استسلامية مكنت للغرب من التفوق عليه في ميدان العلم، حتى إذا أذنت القرون الوسطى بالانتهاء كان المغرب يواجه خصما عنيدا لا طاقة له به، ومع ذلك فقد ناضل في عناد عسكري قوي وسياسي وظل محتفظا بمكانته وذاتيته، كما ظل مجنا لإفريقيا كلها يقيها شر التسلط والنهم الغربي الذي كفر بالمذاهب الروحية وامن بالمدية إيمانا مطلقا.
ولم يكن المغرب المسلم يشعر بأي خطر، وهو يقاوم خصوم عقيدته التقليديين، ولكنه أحس بالخطر عندما وضع الغرب سلاح الحديد والنار، وأخذ يصدر إليه بضائع الفكر المادي الملحد المتفسخ، ذلك أن الغرب كان من جهته مفتتنا بالعلم (التجريبي) افتنانا غربيا تولد عن ضغط الكنيسة واستغلالها للأمة المسيحية، فكان الفكر الأوربي يرى في الكنيسة عدوا استغله قرونا طوالا فشنها حربا على الدين، ليحطم قوتها ويقلم أظفارها، لذلك كان في هجومه على الديانات متعصبا حادا عنيفا ينتقد المذاهب الروحية التي تبتها الكنيسة  وأعطت لنفسها وحدها مسؤولية الرحمة الإلهية ومفاتح أبواب الجنان، فسلط الفكر الغربي الحر نقده العنيف على الدين الإسلامي باعتباره دينا من الأديان كما يتصور الفكر الغربي مفهوم الدين عموما كعائق عن التطور، ومن الغريب أن يكون الفكر الغربي الحر في حملته العشواء على الثقافة الإسلامية يؤازر الكنيسة في حملتها التبشيرية ضد الإسلام ويوافقها على نشر المسيحية في إفريقيا فيفسح لها المجال ماديا وأدبيا باعتبارها الرائد الأول للاستعمار أو منقدة إفريقيا من الإسلام الذي يحول دون تسربه.
ولاشك أن حضارة الغرب الحديث تعتمد على أسس مادية، أما من نوع الاتجاه الميكانيكي الدهري الذي ينكر الروحية أصلا، أو من نوع الاتجاه المادي الديالكتي الذي يرى الروح والعقل تابعين للمادة، فإذا فنيت المادة فنيا معا.. وكلا النوعين يحار بأن الدين ونظرياته من أساسها، بل يعاديانها عداوة لا سبيل معها للمفاهمة والتصالح، ولذلك فقد حملت إلينا (المدرسة الغربية) مسلمات الفكر الغربي في حربه ضد (المسيحية) على أنها ضد كل دين ولو كان مباينا للمسيحية كالإسلام، وأثر كثير من رجال الفكر الغربي من المبشرين وبعض المستشرقين في نقدهم للثقافة الإسلامية ومقارنتها بالمسيحية على كثير من النظريات الجوهرية في الفكر الإسلامي، فنادى بعض المفكرين المسلمين بفضل الدين عن الدولة، وسخر كثير من البسطاء أقلامهم للدفاع عن هذه الفكرة، واستغلوا وضع الإسلام المنهوك القوى، ونزاع العثمانيين العنصري مع العرب وتوجوا جهاد القرون الوسطى في محاربة الإسلام بإزالة الخلافة باعتبارها مظهرا من الاستعمار التركي للعرب حيث انحراف العثمانيون أنفسهم عن مبدأ الخلافة وعن جوهرها ومحورها كما حملوا إلى إفريقيا وآسيا فكرة الوطنية الضيقة، فقسموا الأمم والشعوب وفق وطنية المستعمرين لا وفق الأسس الجغرافية والتاريخية واللغوية والمصالح المادية، فلم يعرف العالم الإسلامي الوطنية إلا عن طريق الاستعمار الذي فهم وحدة الأمة بناء على مصالحه هو، لا على مصالحها.
ونظموا في كل بلاد إسلامية خضعت لسيطرتهم معاهد عليا للدراسات الإسلامية واللغوية، كان همها أن تفهم الأمة وفق تخطيط الاتجاه الاستعماري لا وفق اتجاه مصالحها، فمن المألوف في كل الجامعات أن تخصص معاهد عليا للبحث عن حضارة الأمة وتخطيط التقدم العلمي بمستقبلها، وعلى هذا الاساس فالعلم يوجده لخدمة الامة نفسها لا لخدمة مستعمريها، ولكن الغرب عكس ذلك لصالحه على حساب الحضارة الإسلامية.
وكان من نتائج ذلك أن امتحنت الثقافة الإسلامية والعربية على يد خصومها الذي كتبوا تاريخها بأقلام مغرضة وتوجيه خاص، وبذلك وصفوا فلسفتها بالعقم، وأدبها بالجمود، وفقهها بالتخلف، ودرسوا القرآن موضوعيا ككتاب تاريخي لا كوحي من عند الله لتوجيه المسلمين والناس كافة، ومن الغريب أن معظم الذين تولوا ذلك من دعاة التجديد وقادة الفكر في العالم الإسلامي.
وبجانب هذا التوجيه المنحرف بالنسبة للثقافة الإسلامية ظهر فكر حر يغترف من ينابيع الحادية الغرب فينكر المذاهب الروحية والديانات السماوية سواء الممثلة في الجماعة الإسلامية او الاتجاهات الكتليكية أسوة بالمادية الغربية التي لا تقر إلا العلم التجريبي. أما المذاهب الروحية فهي خيالات ورواسب العهود البدائية، وإذا كان في الغرب، اتجاه إنساني لا يعادي الدين فقد ظهر له أنصار كذلك في العالم الإسلامي أسوة بالغرب ينادون بخلق الضمير الفردي والاعتماد عليه في السمو بالفرد من غير أن يكون هنالك أثر للدين في توعية الجماعة، ولذلك وجهوا التربية الدينية توجيها يهدف إلى خلق ضمير الفرد لا ضمير الجماعة وعطلوا الدعوة الإلزامية في العمل الجماعي مخالفي مبدأ الإسلام الذي يوجه طاقته للسمو بالفرد وتقوية الوعي الجماعي، لأن التربية طاقة خلاقة في الفرد، والقانون، والفقه لحفظ مكاسبها في الجماعة.
وتجاوزت فكرة الضمير الفردي تعطيل الوعي الجماعي إلى أن مبدأ (الجهاد) بمفهومه الواسع الذي يعني حماية (الإسلام) والمسلمين، وصد العدوان.
ولم ينجل الليل الطويل إلا بعد تفويت كثير من مقومات الحضارة الإسلامية التي وقفت عن مجازاة حركة الزمان، بينما الحضارة الغربية تسارع للسبق في مضمار تقدمها ومحاربة العقائد الدينية.
وأخيرا استيقظ الفكر الإسلامي حيث وجد نفسه أمام تيار مادي غربي جارف وتحد عنيف لمقاومته، وعوائق في عالمه تتكالب عليه من كل جانب لتعطل نهضته، فناضل في حيرة باحثا عن الطريق، تعوزه  الإمكانيات ووحدة التفكير ووضوح المصير، ولاقى شتى المؤامرات في عقر داره، تمنعه أن ينهض أو  يكسر القيد، وعانى من ضروب المحن والتسلط ما يبلي الحضارات ويفوتها. فشك كثير من المسلمين في إمكانيتهم، وتأرجح بعضهم بين أحياء التراث أو بداية انطلاق من جديد على أسس حضارة غربية، وعانت اللغة تجربة وجودها وصلاحيتها، كما عانت الحروف نفس المشكلة متأرجحة بين الاستبدال بحروف أخرى أو تصديرها أو تغييرها.
وإذا أردنا ان ندرس النهضة الثقافية الإسلامية المعاصرة في المغرب فلن نستطيع مطلقا أن نغفل أثر الأحداث السياسية في هذه النهضة، وأثر النهضة في هذه الأحداث، ولهذا سأكون مضطرا أن أشير إلى الأحداث البارزة التي أثرت في التفكير الديني وتفاعلت معه، وذلك لأن النكبات الاستعمارية التي تلاحقت بالشرق الإسلامي وسارعت بانحطاطه جعلت المغاربة يحتاطون كثيرا في اتصالهم بالغرب، فأصبحوا في عزلة تامة عن التطورات الفكرية في الغرب، حتى إذا دق ناقوس الخطر وجدنا أنفسنا في تأخر داهم، واحتجنا إلى  مضاعفة الجهد لخلق نهضة إسلامية ذات شخصية قوية نعتمد في إبراز جانبها الروحي واللغوي على تراث الإسلام العربي، وفي إظهار جانبها التمدني العلمي على التطور العلمي في الغرب.
ولعلنا لا نخطئ الصواب إذا جعلنا سنة 1830 أي السنة التي سقطت فيها الجزائر على يد الاستعمار الفرنسي بداية التفكير الجدي في نقد ذاتي لعزلتنا  التي جرتنا إلى ما حاولنا الابتعاد عنه، فظهرت حركة إصلاحية واسعة النطاق، على أساسا سلفي في مختلف الميادين (دينيا) بتنظيم حركة سلفية على غرار ما في  الشرق تحارب الطرقية التي يستغلها المستعمرون لصالحهم (وتعليميا) بإيقاف بعوث إلى الغرب لدراسة العلوم التقنية (وسياسيا) بالقضاء على نظام الحماية الفردية والفوضى الإدارية، والفتن الداخلية، وقد انعكست هذه النهضة على الثقافة الذاتية انعكاسا قويا فسخرت الأقلام للإعراب عن هذه المحاولات إنقاذ المغرب من حالته المزرية.
ففي خصوص التنظيم السياسي، عمل السلطان المولى الحسن الأول والسلطان المولى عبد الحفيظ على إدخال إصلاحات مهمة في الإدارة المغربية، وتحديد اختصاصات المسؤولين، وإحداث وزارة منظمة للخارجية والمالية، والحد من الامتيازات الأجنبية، وإصلاح نظام الجمرك،وظهر وزراء محنكون كالوزير موسى بن احماد، ومحمد الجباص، واهتمت وزارة الحربية بتنظيم الجيش وامداده بالمعدات الحربية وتدريب ضباطه بألمانيا وإيطاليا وانكلترا وفرنسا، وإنشاء معمل للسلاح، وتكوين اسطول مغربي، وبرزت في الطبقات الواعية دعوة إلى الإصلاح السياسي كالمطالبة بوضع دستور مغربي ينظم الحريات العامة، ومجلس النواب والانتخابات وكانت بيعة السلطان المولى عبد الحفيظ سنة 1908 م 1325 ه على أساس إنقاذ المغرب من الفوضى وتنظيمه على غرار ما كان يجري في البلاد العثمانية.
وفي خصوص الإصلاح الديني برز محدثون يدعون للحركة السلفية عبر غرار دعوة محمد عبده وجمال الدين الأفغاني والكواكبي ومحمد عبده وكان على  رأس هذه الحركة علماء كبار كالفيه محمد كنون (1302) في دروسه بجامعة القرويين، والمؤرخ الناصري في كتاباته التاريخية ضد بدع الزوايا.
وحاولت هذه الحركة جهدها أن تحارب الفرق المبتدعة التي وزعت الأمة المغربية إلى طوائف ذات اتباع يتنافسون في استغلال بسطاء الفكر من الناس.
وفي خصوص إصلاح التعليم نظمت بعثات إلى خارج المغرب في عهد السلطات المولى الحسن الأول وفد تخرج في المعاهد المغربية كثير من الطلاب كالاودييي وشهبون الجغرافيان والعلمي الطبيب، ولكن معظم طلاب هذه المعاهد المغربية لم تساعدهم الظروف على نشر معارفهم وإفادة أمتهم، كما كان منتظرا، ونفقت حركة طبع الكتب بفضل المطبعة الحجرية التي أدخلها الطيب الروداني إلى المغرب. فكان حافزا على نشر بعض الكتب القديمة، وتأليف عدة كتب دراسية في مختلف العلوم وبالأخص  في الموضوعات الإسلامية، ثم ظهرت بعدها مطبعة الحروف المركبة فعززت المطبعة الحجرية، وتولت مطابع مصرية تحت رعاية السلطان المولى عبد الحفيظ طبع عدة كتب مغربية، فتضخم الإنتاج المغربي المطبوع بفضل نشاط المطبعة الحجرية التي بدأت عملها منذ عهد السلطان محمد الرابع، وظهرت صحف توجيهية وإخبارية متأثرة بدعوة (العروة الوثقى) الإصلاحية.
وكما إعلان الحماية الفرنسية في جنوب المغرب والحماية الإسبانية في شماله سنة 1912 بداية الاحتكاك المرير بين الشخصية المغربية المقاومة، والقوات الاستعمارية التي سحقت المقاومة السياسية العسكرية النظامية بعقد الحماية في آخر عهد السلطان المولى عبد الحفيظ، وسحقت الانتفاضة الثورية العسكرية القومية العاملة في جبال الريف تحت قيادة عبد الكريم الخطابي وعدة انتفاضات أخرى في جنوب المغرب وأطلسه وكشفت خطة الاستعمار عن سياسة التجزئة القانونية واللغوية بين العرب والبربر بعد الإعلان عن الظهير البربري (سنة 1930).
وعند ذلك استجمعت الشخصية المغربية قوتها لتناضل ضد التفتت والانهيار، وكان بعث الفكر الإسلامي السلفي هو طريق الخلاص، فقد برزت عوامل شتى للنهوض بالأمة المغربية وإحياء تراثها وبعث شخصيتها، وتنظيم صفوفها، وظهر ذلك جليا في التنظيمات السياسية والتجديدات التربوية والإصلاحات الدينية والنهضة  الأدبية.
ففي التنظيم السياسي أقامت الحماية حكومة فرنسية مصغرة بجانب حكومة المخزن وذلك لتركيز النظام الاستعماري الهادف إلى محو الشخصية المغربية، وظل (نظام المخزن) يقاوم الاستعمار  تحت قيادة الملك محمد الخامس الذي يعتبر أعظم شخصية وطنية مغربية، ونشأت في المغرب حركات سياسية شعبية متعلقة بالعرش منظمة تنظيما دقيقا عارضت الحماية بالقوة ونفخت في المغاربة روح العزة والكرامة، وتبعا لذلك فقد اهتم المغاربة بالتعليم والتربية التي خضعت لثلاثة أنواع (الأول) الفرنسي الذي أقام التعليم على التقنية وارتباط بحضارة الغرب، والنوع الحر المغربي الإسلامي، الذي قاوم الفرنسية وتفتت الشخصية المغربية والنوع الديني الذي تركز في جامعة القرويين والمعاهد  الأصيلة.
وفي حركة الإصلاح الديني ظهرت دعوة العالم السلفي الشيخ أبي شعيب الدكالي الذي نشر في المغرب دعوة الحركة السلفية على غرار الشيخ محمد عبده ورشيد رضا وكان عمله استمرارا لدعوة الشيخ السنوسي في عصر المولى سليمان

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here