islamaumaroc

حجة الإسلام في "إحياء علوم الدين"

  دعوة الحق

90 العدد

وقلما أبصرت عيناك ذا لقب   إلا ومعناه أن فكرت في لقبه

ذلك هو البت السائر، الذي لم يكن يجد له من مصدق حقيقي أكمل مما وجد في الغزالي وكتابه. فإن النظر في الأثر الذي أحدثه الغزالي بعمله وقلمه، ومقدار ما استمد من واقع التطور الإسلامي في الأربعة القرون والنصف التي سبقت ميلاده، ومقدار ما أحدث من أثر في التسعة القرون التي أتت بعد وفاته إلى اليوم، ليمكن له الحق كل الحق أن ينعت «بحجة الإسلام».
وأن النظر في ذلك المتولد من قلم الغزالي وعلمه، المتناول ما تباعد من العلوم المتصلة بالإسلام تناول التقريب والتأليف، حتى أخرج من مجموعها مدراك عائدة على جميعها، تبصر بالغايات، وتكشف عن أسرار الحياة، لحقيق، بأن توصف العلوم قبله كما لمح إلى ذلك بكونها «مواتا» وأن يعتبر ذلك الأثر «أحياء لعلوم الدين».
فإن من تصور مقام الحكمة الإسلامية التي ابتدأت بنشأة علم الكلام، واكتملت بالدور الذي بلغه علم الكلام على يد الإمام الأشعري ليوقن بأن تلك الحكمة أصبحت من مجموعة عناصر الثقافة الإسلامية، بمنزلة الحكمة العليا أو حكمة الحكم، ولكنها بقيت معلقة مبتوتة، تطلب أن تتناول مواضيع النظر الذي دعا إليه الإسلام، وهي مواضيع الفكر الإنساني عامة، لتتخذ لها منها متصرفا، وتعطيها من نفسها مستندا. فكان العمل الذي تقدم إليه أتباع الأشعري: من أمثال أبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين، عمل ايتاء تلك الحكمة متصرفها، في علم الإسلام بالمعنى الأخص: وهو علم الفقه، وإسناده إلى الحكمة العليا بما أدرجوا عليه النظر في أحكام الدين من الجسر الواصل بين علم الكلام وعلم الفقه: أعني علم أصول الفقه على وضعه الجديد الذي وضع عليه في كتب القاضي وإمام الحرمين:
وبقدر ما قرب ذلك بين علم الفقه وعلم الكلام، وألف بين الفقهاء والمتكلمين، فإنه قد باعد بين علم الفقه وبين العلوم الإسلامية الأخرى، التي لم تصل حبلها بعلم الكلام، وكاد أن يحيد بعلم الكلام عن الغاية التي نشأ من أجلها، وهي غاية إقامة حكمة عقلية جديدة: تقوم مناهج الحكمة العامة التي جمعت الثقافة الإسلامية أطرافها من الغرب والشرق.
فما كان الإسلام ليتخذ من الحكمة القديمة آلة له ولا ليعطيها آلة من نفسه، وهو الذي جاء مصلحا لخطاها، ومهيمنا عليها.
ولقد نقل المسلمون الحكمة في بغداد، وجمعوا من فنونها، ومذاهبها، وأنحائها، ما لم يجتمع لها من قبل، ولخصوها، وهذبوها، وأحسنوا سبكها، وجودوا تصنيفها، فلم يبلغوا بكل ذلك ما يقتضيه طبع الكيان الحكمي للإسلام، ولم يزيدوا النظر في الإسلام بضوئها، إلا اضطرابا وغشاوة على غشاوة.
وكما أحدث المتكلمون في الإسلام، حين أرادوا توجيهه بالحكمة المستعارة، أزمة في التفكير الإسلامي، فإن المتكلمين في الحكمة، حين أرادوا توجيهها بالإسلام، وتعريبها بعباراته قد أحدثوا أزمة أخرى.
فالكندي والفارابي، وإخوان الصفا، وابن سيناء ما منهم إلا من حام بحكمته حول الدين وأسراره، وكشف في الدين ما لم يكن يعرف، وأتى إلى الحكمة بما لم يكن معهودا، فما أعتبر ذلك في نظر الحكماء إلا عبثا بالحكمة، وفي نظر أيمة الدين إلا تطفلا عليه وذلك أقل ما وصف به هذا العمل من شر.
فإن أبا حيان التوحيدي يقول في شأن إخوان الصفا: «صنفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة علميها وعمليها، وحشوا هذه الرسائل بالكلمات الدينية، والأمثال الشرعية، والحروف المحتملة، والطرق المموهة، وقد رأيت جملة منها وهي مبثوثة في كل فن بلا إشباع ولا كفاية، وفيها خرافات وكنايات، وتلفيقات، وتلزيقات، وحملت جملة منها إلى شيخنا أبي سليمان المنطقي، وعرضتها عليه فنظر فيها أياما، وتبحرها طويلا، ثم ردها علي وقال: تعبوا وما أغنوا، ونصبوا وما أجدوا، وحاموا وما وردوا، وغنوا فما أطربوا».
 هكذا تتمثل خيبة المحاولة التي أكد بها إخوان الصفا أنفسهم، في شهادة شاهد من الأقربين إليهم، فما الظن بها عند البعداء عنهم من أهل الدين مثل الإمام المازري الذي قال في تلك الرسائل متهما: «أن مصنفها مزج بين علم الشرع وعلم العقل، وذكر الفلسفة، ليحسنها في قلوب أهل الشرع بأبيات يتلوها عندها وأحاديث يذكرها.
وهل من إسراف، في تجاهل الحكمة الإسلامية ومنزلتها من عموم المعرفة، وأكثر من الذي أخذ به نفسه المعلم الثاني، أبو نصر الفارابي، في كتاب «إحصاء العلوم» على ما أجاد في ابتكاره وتصنيفه إذا أنزل علم الكلام فضلا عن علم الفقه إلى منزلة العلم المدني ففصلهما بتاتا عن كل صلة بالحكمة العقلية.
وحاول ابن سيناء بعده أن يرتق هذا الفتق.
فقسم الحكمة إلى نظري غايته الحق، وعملي غايته الخير، ووضع علم الكلام في النظري المحض مثل علم الهيأة، ووضع علم الفقه في العملي المحض مثل سياسة المنزل وسياسة المدينة.
ولقد كان ابن سيناء أطول هؤلاء باعا وأوغلهم سيرا في تصنيف المعارف الدينية من عموم المعارف الحكمية ورد أصول العقائد إلى الفلسفة حتى «تم له ما لم يتم لغيره» كما قال الإمام المارزي. ومع ذلك لم تنته به خطاه إلى طائل يقنعه ولا حصلت له حركته محصلا يعول عليه حتى كانت الأزمة أشد وطأة عليه من كل أحد، إذا لم تنتج له حكمته في نهايتها إلا الحيرة المريرة التي وصفها بقوله:

لقد طفت تلك المعاهد كلها      وسرحت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر    على ذقن أو قارعا سن نادم
 

ولعل في هذين البيتين أبلغ ناطق بأن الحكماء منذ اعتقدوا أن الحكمة اليونانية، تجمع مع الحكمة الإسلامية، على ما هي عليها، وتشرحها وتوجهها، ما حصلوا من ذلك على طائل منذ أنتجت لهم التجربة: أن إحدى الحكمتين أما أن تصلح الأخرى وإما أن تغني عنها فاحتاروا في الأخذ بأحد المنهجين، ووقفوا في حيرتهم واجمين، حتى انفتح منهج الحق المبين، بمصحح الفلسفة ومحيي علوم الدين.
لما ضربت الثقافة الإسلامية قبتها، وأقامت عمادها في بغداد، مدت أروقتها يمنا وشمالا، وضربت أطنابها مترامية بين المشرق والمغرب. فتكونت في ظل تلك الأروقة الوارفة، أوتاد راسية بين العماد المركزي وبين مضارب الأطناب القاصية: أوتاد تعين العماد المركزي وتسانده فتحمل الأروقة في امتدادها، مجددة لها نقطة الارتكاز، حتى لا تثقل، بطول ما بين أصلها وطرفها فتتدلى حتى تقع على الأرض.
كانت هذه الأوتاد هي عواصم الثقافة الإسلامية الكبرى: من حلب، ودمشق، ومصر، والقيروان، وتلمسان، وفاس، وسبتة، وقرطبة، تحت الرواق الغربي، وهمذان، وأصبهان، وشيراز، ونيسابور، وهراة، وبخارى، وسمرقند، تحت الرواق الشرقي.
وكانت المذاهب والفرق والنحل، والتي نشأت في بغداد أو آوت إليها، قد انتشرت تحت تلك الأروقة: متزاحمة، متصارعة، متسابقة، في سبيل البحث عن المتسع الحيوي.
فتحت الرواق الشرقي، في طرف الهضبة الإيرانية المشرف على سهول آسيا الوسطى، قطر خراسان، قامت مدينة نيسابور، وتدا ثابتا في منعطف ذي شأن، هو منتهى العالم الإيراني، ومبتدأ العالم الطوراني. فاحتضنت بين أسوارها الأجرية، من كل ما في بغداد من خصائص فكرية وروحية بمثل أو قريب من الغليان الذي كانت تجيش به بغداد.
فالشيعة العلوية قد كانت لها بلاد خرسان وطنا أصليا، وقلعة حامية، والمعتزلة كانوا قد التحقوا بها يضايقونها بسطوة العصبية العباسية، والاشاعرة بعد أن اصطدموا بالفريقين معا في بغداد، وتصارعوا واياهم طويلا، قد تتبعوهم إلى خراسان، يريدون أن يثأروا لأنفسهم منهم، بعد أن ردوا عن أنفسهم كيد الفتنة الكبرى، بملك السلطان السلجوقي البارسلان ووزارة نظام الملك.
وكذلك كان شأن المذاهب الفقهية في ما بين بعضها وبعض.
فالمذهب العراقي، وهو المذهب الحنفي، كانت قد نشأت إلى جنبه في بغداد مذاهب تختلف أصولها عن أصوله. فقامت المناظرات الفقهية، والمراجعات والمجادلات، بين الحنفية والشافعية ثم امتدت في العراق العجمي واستمرت إلى خرسان متقدمة إلى بلاد ما وراء النهر.
وكانت روح من التعصب قد نفخت في تلك المناظرات العلمية، التي نشأت طاهرة زكية في بغداد، فقلبتها إلى جدل، لا يسير نحو طلب الحقيقة والإنصاف فيها، بل نحو فرض المذاهب بالاعتساف فكادت أن تقوم بين السنيين، فيما بين بعضهم وبعض، الفتن التي قامت بينهم وبين المعتزلة وظهرت بينهم المنافرات التي أصابت حركة علم الفقه، في القرن الرابع، ولاسيما عند بعض المذاهب بضيق خانق، إذ أن مجامع الجدل، ومجالس المناظرة، وأبهاء القصور الملكية، وفساطيط المعسكرات حرصا على اكتساب الجماهير والملوك كانت قد صرفتهم عما كان الفقه سائرا نحوه من قبل من اتساع في النظر، وعمق في البحث، وتلاقح بين المذاهب، بمقابلة الأصول، ومقايسة الفروع، ولم يكن أقل من ذلك ما قام بين الصوفية والمحدثين، والحكماء والمتكلمين، مما عرض بمدينة نيسابور في القرن الخامس لإلى فتنة عظيمة كانت سببا في جلاء أعلامها عنها، حتى قرت عجاجة تلك الفتنة في عهد الب ارسلان منتصف القرن الخامس، فعاود مدينة نيسابور الذين هجروها من أبنائها وعلى رأسهم إمام الحرمين عبد الملك الجويني.
وأنشئت المدرسة النظامية بنيسابور، وقام إمام الحرمين على رأسها وانتشرت المدارس الفرعية في ما وراء النهر وخراسان والعراق العجمي، وغلبت عظمة إمام الحرمين، واسند به ساعد الاشاعرة، وأصبحت الحكمة الكلامية الاشعرية محورا لفنون الثقافة الإسلامية على المنهج الذي خططه إمام الحرمين في المدرسة النظامية بنيسابور، وسارت عليه المدارس الصغرى في بلاد خراسان وغيرها. وبنيت عليه المدرسة النظامية أيضا ببغداد دار الخلافة. ولكن الروح الجدلية والضيق التعصبي، لم يزالا مسيطرين على ذلك المنهج بحكم الظروف القاسية التي تولدت فيها فكرة ذلك المنهج، ومقاصد الحماية وتمكين المنعة للحركة العقلية الدينية التي خطط المنهج سيرها وتقديمها.
 وفي المدينة طوس الشهيرة في التاريخ، التي تسمى اليوم مدينة «مشهد»، وكانت قد دخلت في محيط الإشعاع الفكري لمدينة نيسابور ولد في منتصف القرن الخامس تماما – سنة أربعمائة وخمسين- حجة الإسلام الإمام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، في بيت خير وفقر، وكان والده الأمي يتمنى أن ينشأ ولده عارفا بالقراءة والكتابة خارجا عن ربقة الأمية المطبقة، فتوفي وتركه صغيرا، وأقبل أبو حامد تحقيقا لرغبة أبيه على مدارس العلم بطوس، ثم بجرجان،  ثم عاد إلى طوس ومن هنالك خرج في طائفة من أقرانه: شبان طوس، قاصدين نيسابور تجذبهم إليها سمعة إمام الحرمين والمدرسة النظامية. وهنالك، في نيسابور أتم الغزالي تخرجه في الفقه والأصول والكلام والمنطق والفلسفة، وتشرب علم إمام الحرمين وطريقته، وظهرت قواه الروحية والعقلية والبيانية، ففاق في الخطابة والتدريس والمناظرة، واشتهر بالمعرفة الواسعة، والفكر الوقاد، والقلم السيال، والفصاحة السبحانية، والتمكن من اللغتين العربية والفارسية حتى كأنه «البحر المغدق» كما عبر عنه استاذه إمام الحرمين. فكان هذا الجمع العجيب من المواهب، والمزاح البديع من الفنون والمعارف، مبدأ التناكر بينه وبين الدنيا التي حوله، وخاصة من الأقران والأساتيذ، فكلما لمح فيه إنسان من المتصلين به في شبابه نزعة إلى طريقة، أو سيرا على منهج، ظن أنه عرفه وضبط ملكته فإذا هو يفجأه بلمحة معاكسة تلوح بطريقة أخرى وملكة غير الملكة التي تفرسها فيه أولا، فشخص الناظر إليه محتار فيه، وشخص هو محتارا منقبضا من شخص الناظر إليه وهكذا لم يلبث الغزالي أن أصبح سرا مكنونا وسؤالا دائما مترددا يجيش في الصدور فلا يشفي غليلها جواب عنه كما قال أبو الطيب.
يقولون لي من أنت؟ في كل بلدة   وما تبتغي؟ ما ابتغي جل أن يسما

ولعل في هذا ما يبين لنا حقيقة التطور الذي تطورت به علاقة الغزالي بأستاذه إمام الحرمين: فإن كثيرا من مترجميه ينقلون في احتراز أن إمام الحرمين في آخر الأمر ربما كان يمتعض من الغزالي، على شدة إعجابه به وعظيم افتخاره. ولسنا ممن يحمل هذا الامتعاض- إذا صح- محمل الأمر العادي السخيف، بل أن نستطيع أن نرجعه إلى أمر ذي شأن خطير في حياة كل من الإمامين العظيمين يرجع إلى أن للغزالي وراء المنهج الذي تتبع فيه إمام الحرمين روحا تأخذ المعرفة وتتذوقها على ما يختلف عن أخذ إمام الحرمين لها، وتذوقه إياها، فهلا يكون بروحه تلك قد تطلع إلى غايات من العلوم ومقاصد من النظر والبحث على غير ما كان يتطلع إليه إسناده. فكان مع ما بينهما من ود وإعجاب كلما بدرت لإمام الحرمين بادرة من البوادر الغزالية بهت من ماهيتها وغايتها، فامتعض لتلك البهتة، واشفق على جواهر علومه الغالية من أن تصرف في غاية لما يتبين له أعبث هي أم حكمة. وكان من وثوق الغزالي بنفسه ما يثبت به جامدا امام ذلك الامتعاض حتى يدرك الناس أن بينهما شيئا يذهبون في تأويله كل مذهب، وما هم بمدركين حقيقته إلا بان يكشف عنها الغزالي بنفسه.
إن من يقرأ لإمام الحرمين قوله: إنه يجب على كافة العاقلين، وعامة المسلمين شرقا وغربا بعدا وقربا، انتحال مذهب الشافعي. ويجب على العوام الطغام، والجهال الإنذال، أيضا انتحال مذهبه بحيث لا يبغون عنه حولا ولا يريدون به بدلا. ثم يزيد فيقرأ للإمام الجويني أيضا قوله: «كان الشافعي من قريش وقال النبي صلى الله عليه وسلم: قدموال قريشا ولا تقدموها وقال عليه الصلاة والسلام الأيمة من قريش» فهذه كلها شهادات عامة تدل على أن اتباع مذهبه أولى من اتباع غيره نبطي والشافعي عربي فضلا عن أن يكون قريشيا من قريش: ثم يزيد تقدما في الكتاب الذي سماه إمام الحرمين «مغيث الخلق في ترجيح القول الحق» حتى ينتهي إلى إعجابه واستحسانه ما فعل القفال المروزي في مجلس السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي من أداء صلاتين على صورة مقبولة وصورة نابية لأجل حمل السلطان على المذهب الذي يريد حمله عليه. من وقف على ذلك أدرك أي نزعة من العصبية والتعسف استولت على طائفة من فقهاء ذلك الدور فدفعت بهم إلى فتح باب الجدل والمناظرة ترويجا للمذاهب لدى الملوك والسلاطين، وتمكينا لها بين الجماهير، بطرائق من الخطابة والإقناع، تنتهي إلى  أن يغض النظر عظيم مثل إمام الحرمين عن سخافة مثل تلك التي أتاها في مجلس السلطان من اتخذ آيات الله هزؤا.
تلك أزمة أصيب بها الفقيه فتضاءل لها نتاجه، وانحرف مزاجه، بحيث كادت الآثار الفقهية أن تنحصر في المجادلة الذاهبة بذهاب مجالسها.
في غمار تلك الأمواج الصاخبة، نشأ الغزالي فقيها شافعيا، وفي تلك العاصفة بدت ثمرته في بستان إمام الحرمين.
ومهما قيل في الغزالي من اختلاف في نسبته إلى مختلف فنونه: هل كان متكلما، أو أصوليا، أو متصوفا، أو فيلسوفا، فإنه كان فوق ذلك كله محكما في النصاب الأصلي الذي وضعت فيه نشاته الأساسية وهو نصاب الفقه الشافعي . فمن تلك الصفة - صفة فقيه شافعي-  تولدت للغزالي شخصيته الواسعة التي مست مختلف الفنون حتى جرت الناس في توزيع شخصيته ما بينها، وذلك التوزع الذي تفنن بعبقرية الغزالي فوصل بينها وبين كل ناحية من نواحي الثقافة الإسلامية، وكون منه علما من اعلام تلك الناحية، هو التوزع الذي كون من الغزالي الأصولي الأعظم في كتاب المستصفى، والمتكلم الحكيم في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد، والصوفي الأول في كتاب إحياء علوم الدين، والفيلسوف المبدع في كتاب تهافت الفلاسفة، وما كانت هذه الشخصيات المتكاثرة المتوالدة للغزالي إلا مواليد شخصيته الأصلية: شخصية الفقيه الشافعي، صاحب البسيط والوسيط والوجيز، وتلميذ إمام الحرمين وأبي شجاع، والقيم على مصنفيهما الفقهيين: نهاية المطلب لإمام الحرمين، وغاية التقريب لأبي شجاع.
كان الغزالي قد تناول الفقه موسعا، مذللا، مدروسا، متقن العرض، محكم التصنيف، فتغذى به حتى تقومت قواه العقلية، وهضمه حتى نبضت به عروقه، واشتدت به مفاصله، فوجدت ملكاته العقلية في قواه الخطابية والتدريسية والقلمية متصرفا ونعم المتصرف.
وأقبل على الناس من حياة أستاذه إمام الحرمين يفيض بتصرفه في ملكاته وقواه، تعليما، ووعظا وحكمة بليغة، وإدراكا شيقا، فلم يكن ذلك يشفي غليل الناس الذين يستمعون إليه متلقين، ولا يقراعين الذين يلاحظونه مشرفين، لأن الغاية التي أصبح الفقه مستخدما فيها قبل الغزالي بنحو من القرنين كانت غير الغاية التي يتجه إليها الغزالي. فأين براعة المناظرة، وأين قوة الجدل، وأين نصر المذهب الفقهي وهو يصرع مذهبا فقهيا آخر. ذلك ما اعتاد الفقهاء أن يبرزوا فيه مواهبهم، وذلك ما اعتاد الناس ان يمنحوا الفقهاء إعجابهم واكبارهم من أجله.
ثم مجالس القضاء التي يتصدر الفقهاء فيها مستشارين ومفتين، فيبدون من الذكاء، وحسن البصر بالنوازل، والاغراب في تطبيق النصوص الفقهية عليها، ما يرفع منزلتهم بين القضاة والمتقاضين، ويمكن لهم من حقوق السيادة ما للرعاة على رعاياهم. 
ذلك هو الفقه عندهم وذلك هو المراد من الفقيه.
ومن هنالك نشأ ما بين الغزالي وبين بيئته من التنابي والتجافي، تنابيا وتجافيا ناشئين من صورة العمل العلمي وشكل تصريفه لا من جوهر العلم ومباني هيكله.
وكذلك كان الغزالي يرى في إمام الحرمين كنز تلك المعارف ومنبعها، ويرى إمام الحرمين في الغزالي وأرث تلك العلوم ومستودعها، ولكن هذا يرى في ذلك تصرفا بها غير وجيه، والآخر ينظر إلى ذلك نظرة إلى من أخذ الجوهر النفيس ولكنه لم يأخذ طريقة عصاغته.
وتوفى إمام الحرمين، فأصبح الغوالي، من اتباعه ومريديه وشيعته وأنصاره، بالمنزلة التي كانت إمام الحرمين، ولكن النبوة لم تزل ظاهرة بينهم وبينه، بل لم تزل نامية زائدة، وكانهم أصبحوا أمامه جامدين ينتظرون منه أن يحركهم، وأصبح أمامهم حائرا لا يدري لم لا يتحركون فإذا هو يهجر الدرس والوعظ ويترك المتعلمين والمستفيدين ويفر مقبلا على السياحة والخلوة والعزة وهو ينشد:
غزلت لهم غزلا دقيقا فلم أجد     لغزالي نساجا فكسرت مغزلي

وهنالك في تلك الخلوة برحاب بين الله الحرام وعند حرم نبيه عليه الصلاة والسلام وبين دمشق وبيت المقدس ومصر واسكندرية، قضى الغزالي سنين خلص فيها إلى نفسه، وأنس بعلمه، يطلب – كما قال في كتابه المنقذ من الضلال – تزكية النفس وتهذيب الاخلاق وتصفية القلوب، وانبثقت انوار تلك الحالةو الطاهرة في  نفسه، فإذا هو يتبين في العلم الذي كان معه من قديم وجها لم يكن عرفه من قبل هو الوجه الذي أقبل عليه محدثا بأن العلم ليس محمودا على الإطلاق وإن المحمود  من العلم له قدر محدود ووضع وصرف في غايات طاهرة، وان العلم المذموم إنما يذم في حق بعض المشتغلين به بملابسات خاصة بهم تجعل العلم عائدا عليهم بالضرر فهي مذمة راجعة إلى الأعراض الوضيعة، لا إلى الذات الجوهرية. ولذلك فإن الناس تصرفوا في ألفاظ الفقه، والعلم، والحكمة، والتوحيد، والذكر، والتذكير، تصرفا صور لهم معاني هذه الألفاظ على غير حقائقها فطلبوا منها الزائف، وخلطوه بالصحيح النقي، ثم تجاوزوا في التصرف بذلك  المجموع المختلط الحد المطلوب وصرفوه في أوجه من طلب غير الحق والإستجابة إلى المقاصد غير الطاهرة.
فأصبح الجوهر النقي، في اختلاطه بالزائف، وفي الذهول عن إدراك قيمته، وفي تبذيره على غير وجه الاقتصاد والرشاد، مضرا بأصحابه موقعا إياهم في مهاوي الخسار، مع أن نفاسة تلك الجواهر لا تنكر لكنها تتوقف على من يدرك قيمتها، ويعرف حقها ويفصلها عن الزيوف والبهارج، ويعرف أين يضعها وكيف يتصرف بها. ولقد كان ذلك الجوهر النفيس الذي عرفه الغزالي وآمن بنفاسته: هو الكنز الذي استودعه إياه إمام الحرمين من العوم الشرعية لكنه ينبغي أن  يصان عما قد يلتبس به مما يظن إنه شرعي وهو في الواقع غير شرعي، ثم ينبغي أن يصان عن آفات المناظرة التي كانت قوادح تنخر في تلك الجواهر. وكل ذلك يكون له وزرا وعليه وقرا. فإذا كان حملة الامانة العلمية أقساما فإن الكنز المكنون يقول لصاحبه: انظر من أي الأقسام أنت ومن الذي اشتغلت بالاعتداد له فلا تظنن أن الله يقبل غير الخالص لوجهه من العلم والعمل.
وعلى ذلك أقبل حجة الاسلام على الأمانة يحميها ويخلصها ويرد عليها نقاءها وصفاءها. فعاد إلى بغداد ثم إلى نيسابور، وآخر عام من القرن الخامس، ليقضي الخمس سنين الأخيرة من حياته في نشر العلم على غير النحو الذي كان ينشره عليه أولا، وللغاية الطاهرة التي اطمأن إلى نشر العلم لا يحمد  إلا إذا توجه إليها.
كان القرن الخامس قرن الانتاج الخصب، والتحقيق العميق، والبحث الواسع، والتحرير البديع، في العلوم الأصيلة للثقافة الاسلامية: الفقه، وأصول الفقه، والتفسير، والحديث، والكلام والتصوف. وكان المبرز في كل فن من هذه الفنون، قد أخذ فنه بإصلاح منهجي: أخرجه به من طريقة كان سائرا عليها، إلى طريقة جديدة يرى ذلك المبرز ويرى الناس: أنها الطريقة الأقوم والأوسع والأوضح. كان ذلك واضحا في  فقه القدوري والحلواني والسرخسي من الحنفية، وعبد الوهاب والباجي واللخمي من المالكية، والماوردي وأبي شجاع وأبي إسحاق الشيرازي من الشافعية، وفي كتاب البرهان لإمام الحرمين في اصول الفقيه، وكتاب الارشاد لامام الحرمين أيضا في علم الكلام، والتفسير لإمام الحرمين نفسه، وسنن البيهقي، ورسالة القشيري.
وكان الغزالي قد نشأ نشأته العلمية متمرسا بهذه الآثار قيما عليها وعلى أمثالها شهيدا على ما زخرت به مدرستاه النظاميتان: بنيسابور وببغداد، من علوم ضمنت هذه الكتب وأمثالها وفاضت في مجالس الدروس، والتذكير، والمناظرات. ولكنه لم يكد يبتعد عن تلك البيئة العلمية ويخلو إلى نفسه في طور العزلة، حتى نظر إلى تلك الأنهار الجياشة من العلم والبحث فإذا هي في نظره مثل سيل العرم: أتت طاغية على جنتي البحث والتحصيل، اللتين تكتنفان حياة العقل الإسلامي، فأبدلته بهما جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل، كما وصف الله تعالى في كتابه العزيز وقع سيل العرم في أرض سبأ. فإذا الغزالي يتحرق على ما آلت إليه جنة العلوم من موات، بعد ينعها وازدهارها، ويزيد حرقته لوعة ان هذا الموات انما حدث لامن حيث اريد الخير، وظن الخصب، وتسبب عن صنيع الذين هم رعاة تلك الجنات ومتعهدو غراسها. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن مما ينبت الربيع لما يقتل حبطا أو يلم».
كان أمامنا أبو حامد يعتبر الإسلام، باعتباره دين الله، موجها إلى مطالب اعتقادية وعلمية مبدؤها روح الدين وغايتها روح الدين وان تلك المطالب، الاعتقادية والعملية، ارتبطت بمعارف واستدعت مباحث، واقتضت تأصيل أصول وتفريغ فروع، وضبط معاقد. مما يرجع إلى عموم نواحي المعرفة، بما ينتظم فيها من  علوم شرعية، تستفاد من النبوءة، وعلوم غير شرعية مما يرشد إليه العقل أو التجربة أو السماع، وإنه  إذا  كان اتساع دائرة الثقافة الاسلامية على هذا النحو قد قرن الشرعي من المعارف بغير الشرعي، فإن الحقيقة الدينية، والروح الاعتقادية اللذين خطت بهما تلك الدائرة، يجب أن يبقيا ملاك إدارتها وتصريفها، بحيث  تتمازج المعارف وتنتظم حركتها برجوع كل منها إلى ملاحظة الغاية التي من أجلها تقاربت في تلك الدائرة،  فإذا فوتت هذا المرجع، وانفرطت عن ذلك المعقد، اتجه كل فن منها بدواعي العلائق الذاتية التي بينه وبين أصناف أخرى من المعارف إلى استمداد قضايا، والاصطباغ بأساليب، تفصل ما بينه وبين الفنون المنتظمة معه في دائرة الثقافة الإسلامية، فصار لكل منها، بذلك  مادة لا تتجانس مع مواد الفنون الأخرى، وأسلوب لا يتناسب مع أساليبها، ففسد التوازن الذي قامت عليه حركة الدائرة وامتلكتها الفوضى والاضطراب حتى تعطلت أو أوشكت، فأصبح الفقه يبطل التصوف، والتصوف يهدم السنة، والكلام ينقض التفسير، والحديث يعطل أصول الفقه. وكلما توفر الإنتاج على تلك الصورة في علم من العلوم كان قاضيا عليه بالعقم، وعلى انتظام حركته مع غيره بالتعطيل، ومن هنا تولدت في نفس الغزالي للعلوم الإسلامية صورتان متباينتان: أحدهما هي الحق والأخرى هي الرسم، وأصبح أهل العلم عنده صنفين: صنف العلماء، وصنف المترسمين وان الغاية المقصودة من حركة الثقافة الإسلامية إنما هي البلوغ إلى ذروة من المعرفة يقصر دون الانتهاء إليها المترسمون، ولا يستطيع أن يبلغها إلا علماء الحق الذين لهم وراثة الأنبياء وتلك الذروة هي التي سماها الله تعالى في كتابه: فقها، وحكمة، وعلما، وضياء، ونورا، وهداية، ورشدا.
فكانت غلبة المترسمين، وغيبة العلماء، موقعة في القصور عن تلك الذروة حتى أصبحت الحكمة الموضوعة عليها المسماة بتلك الأسماء المترادفة نسبا منسيا.
كان هذا الشعور هو الذي حل عن لسان حجة الإسلام عقدة الصمت وطوقه عهدة الكلم، فأقبل على تصنيف كتابه الذي توجه فيه إلى إحياء العلوم. مبتدئا بضبط حقيقة العلم وغايته ضبطا يتحكم في تمييز الصحيح  من السقيم، والحميد من الذميم، لما كانت تزخر به يومئذ بحار التدريس والتأليف، ثم رتبه على الأرباع الأربعة المشهورة: ربع العبادات، وربع العادات، وربع المهلكات، وربع المنجيات، بحيث أنه لم يورد معلومات جديدة ولكنه رتب ترتيبا جديدا المعلومات  الرائجة بحل المعقد، ونظم المفرق، وإيجاز المطول، وحذف المكرر، وتحقيق الغامض،  وأخذ من كل فن مكملا ضروريا للفن الآخر، كان المترسمون في كل فن غافلين عن تكميل هذا بالآخر، منهما، فقدم إلى أصحاب كل فن فنه بصورة جديدة احتاروا أيقبلونها أم ينكرونها لأن من قال إنها التي عندهم صدق، ومن قال إنها ليست التي عندهم لم يكذب.
طلع على الناي، في أواخر القرن الخامس، كتاب إحياء علوم الدين للغزالي فكان كتابا عجبا، ما تناوله عالم من العلماء، في أي فن من الفنون، إلا وجد فيه  علمه، ورأى من خلاله نفسه، فتشكك في ما ألفت به من قضايا علمه، وأنكر ما كان يعرف من نفسه، فظن أن صاحب علم آخر لا يشككه كلام الغزالي في علمه، ولا يحمله على أن ينظر من نفسه ما عرف، فإذا الآخر يجد من الشك والإنكار مثل ما وجد الأول، وهكذا الثالث والرابع والخامس وهلم جرا.
فإذا هو تجاوب عام في قضية، ابتدأت فردية فصارت اجتماعية، على أن هذا الكتاب لا ينسب إلى علم من العلوم الإسلامية على الوجه الواضح في النسبة إلى تلك العلوم، ولا يخيل علم أن مؤلف  الكتاب أسكته بضلاعته في علم آخر حتى يقف صاحب العلم المضنون أنه أسكت بضلاعته فيه فيكشف على أن موقفه من علمه كموقفه من علم الآخر.
أما الخيام فإنها كخيامهم    وأرى نساء الحي غير نسائه

وسرعان ما التهمت بذلك نار حرب ضروس، بين صاحب الأحياء وبين طوائف متحزبة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والصوفية جاسوا بأنظارهم خلال الإحياء، وتتبعوا مراجع كلامه، ومرامي أغراضه فتبين لكل طائفة أنه يأخذ من طائفة أخرى ما لأجله اختلفت عنها وجنتها، فيدخله في العلم الذي هو بصدد الخوض فيه، ويلزم أهله بتسليمه، مدعيا أنه الذي لا يتضح قصد الحق في ذلك العلم إلا بملاحظة ما استعاره له من العلم الآخر.
ولما كانت لكل علم أصول ومبادئ وقواعد، تقررت ورسخت وبني هيكل العلم عليها، فإن هذه المحاولة الجديدة التي مست بالأصول، وخالفت المبادئ وزعزعت القواعد، قد أوشكت أن تنقض هيكل العلم، وان تعيد الأخطاء والاغاليط التي ما وضع ذلك العلم إلا للعصمة منها، وتقويمها، فإذا السواعد بذلك تستد، والحركة تشتد، والهجمة تندفع زاحفة على كتاب الغزالي من بين أهل المذاهب السنية، كما تزحف لهجات الإنكار في كل عصر من عصور التاريخ على المحاولات التي تتجه إلى البحث في مسلمات، ونقض مشهورات، هجمات يكون للحق فيها شياع بين جانب الهاجمين وجانب المهجوم عليه إذ يكون المهجوم عليه قد أجرى من الاختيارات الذاتية، والمباحث الفردية، ما  يقرب لنظره شيئا بعد عن أنظار الآخرين الذين لم يشتركوا معه في اختباراته التمهيدية، وبحوثه الأولى.
ولما كانت الملابسات، التي لابست أوضاع العلم فانكره الغزالي وانبرى لأجلها يقوم العلم بطريقته الجديدة، ملابسات شرقية شاعت في الأوطان التي مارس فيها الغزالي الحياة الفكرية بالبلاد العربية والبلاد الأعجمية، وبهذه الأخيرة على الوجه الأخص، وكان المغرب العربي مختلفا عن المشرق في تلك الملابسات فقد كان من الواضح أن يكون الإنكار على هذا الكتاب وجفوته، والازورار عنه أمورا متجلية في البلاد المغربية بأكثر مما هي في البلاد الشرقية وان تكون قيادة الهجمة على الأحياء، ومقدمتها مغربيتين.
فقد كان يصل بين أئمة الإسلام بالمشرق وايمته في المغرب، في ذلك الطور، نابغ عبقري حلق في الأفقين بجناحي العلم والذكاء: هو الإمام الشهير القاضي أبو بكر ابن العربي، وكان قد عرف الغزالي وأحبه وتتلمذ له وانطوى على حسن الوفاء بعهده، كما تتلمذ عند عودته إلى المغرب على قطبي دائرة العلم به بين أفريقية والأندلس وهما الإمام أبو عبد الله المازري، والقاضي أبو الفضل عياض، فكان بهذه الصلة المزدوجة وبما عرف منه الفقيهان المغربيان من نزعات تأثر فيها بالغزالي قد مكن لهما بمراجعته والبحث معه من أن يتعرفا إلى مناهج الغزالي وأفكاره، ومكن لنفسه من أن يعرض ما تأثر  به من أستاذه أبي حامد الذي يسميه «ذا نشمند» على اختبار وفحص جديدين حملاه على أن يثبت على بعض ذلك وان يتحلل من بعضه، ثم على أن يلاحظ  ما  بين المناهج التي طاف الغزالي فيها من تناقض يجعل المتقلب بالغزالي في أحدها منقطعا عنه في الآخر فكان يقول: « نحن وإن كنا قطرة في بحره فإنا لا نرد عليه إلا بقوله فسبحان من أكمل شيخنا هذا بفواضل الخلائق ثم  صرف به عن الواضحة من الطرائق».
وهكذا حملت جميع النزاعات المنكرة على الغزالي عنه هؤلاء على كتاب إحياء علوم الدين من بين كتبه كلها وشن المازري وعياض وابن العربي ومن التحق بهم غارته على ذلك الكتاب.
 وإنه لجسر رفيع، ثابت القواعد، متين المباني ذلك الذي وصل بين قطبي الثقافة الإسلامية بالمشرق والمغرب: أواخر القرن الخامس، وأوائل القرن السادس، قي شخص القاضي أبي بكر ابن العربي الأشبيلي، الذي تخرج بالمشرق، ولقى الإمام الغزالي، واختص به، وأحبه، وأكبره، ووفى له بعهد الصحبة والمحبة، ورعى له منزلة الجلالة، ومقام الشيخوخة، على ما أنكر عليه، من جهة أخرى، مقالات له ترجع إلى نظرية المعرفة: اتصلت بمذاهب الباطنية والإشراقيين  من طريق غلاة الصوفية، هي التي كانت مجلبة الإنكار الشديد، والهجوم العنيق اللذين تناولا الغزالي ببلاد الأندلس والمغرب وقضيا قضاءهما على كتاب الإحياء.
كان ابن العربي قد عرف كتاب الأحياء عن ثقة وبينة إذ كان قد سمعه من الغزالي مشافهة ببغداد سنة أربعمائة وتسعين، وكان حكمه عليه حكم تمحيص وإنصاف، كحكمه على الغزالي في ذاته، وعلى كتب الغزالي الأخرى، غير كتاب الأحياء كان يكبر ما قام به الغزالي في تجديد الدين، وإحيائه، والذود عنه،  وإضاءة المسالك المؤدية إلى حق فهم الدين، وصحيح العمل به، فكان يقول فيه إنه: «بدر في ظلمة الليالي، وعقد في لبة المعالي، إذا لقيته لقيت رجلا قد علا في نفسه، ابن وقته لا يبالي بغده ولا أمسه»، وكان ابن العربي يرى «أن المهاجمين للإسلام من الفلاسفة لما رد عليهم رجال من أعيان الأمة لم يكلموهم بلغتهم، ولا ردوا عليهم بطريقتهم، وإنما ردوا عليهم بما ذكر الله في كتابه، وعلمه على لسان رسوله، فلم يفهموا تلك الاغراض وطفقوا يهزءون بتلك الردود، ويضحكون منها، فانتدب أبو حامد الغزالي للرد عليهم بلغتهم، ومكافحتهم بسلاحهم، والنقض عليهم بأدلتهم فأجاد فيما أفاد، وأبدع في ذلك كما أراد وأراد» وبذلك أثنى على  جملة من كتب الغزالي في تقويم الحكمة ونقدها الحكمة ونقدها وتمحيصها، مثل كتاب  «تهافت الفلاسفة» وكتاب «القسطاس» وكتاب «معيار العلوم» وأثنى على سعة علمه، وبعد نظره، وبراعة تقريره لما أخذ عنه في غير كتاب من أصول الإسلام الثابتة ممثلا بكتاب «الاقتصاد في الاعتقاد» وكتاب «المستصفى» في أصول الفقه ومنوها  بما قيد عنه في ذلك مما رواه هو عن إمام الحرمين، ولكن ابن العربي منذ دخل بغداد، أحس بأن الغزالي قد أصبح في نظر علمائها غير ما كان في نظرهم من قبل، وذلك بعد أن راض نفسه بالطريقة الصوفية، وتجرد للعزلة، « واخذ يستعمل في كلامه رموزا يومئ إليها بألفاظ لا تطاق، ومعان ليس لها مع الشريعة انتظام ولا اتساق» فأخذته الحيرة في شأن ذلك الإمام العظيم، واستشكل وجه الجمع بين مرامي تلك الرموز الغريبة، ومعاني الحقائق الجلية الواضحة التي تضمنتها كتبه الأصولية والحكمية. فلما لقيه وخلص إليه طفق يسأله سؤال المسترشد المستكشف ليقف من سر تلك الرموز على موقف تام المعرفة، واخذ الغزالي يجيبه شفاها، ويكتب له أجوبته كتابة: بما يرجع إلى بيان تلك الرموز، فإذا هو جانح إلى مناح صوفية مبنية في الباطن على عقائد اختيارية مركبة بزعمهم على قواعد عقلية. ولما انكر ابن العربي سلوك استاذه العظيم تلك الطرائق، فإنه لم ينس عظيم منزلته، وشهير مواقفه في دعم  الحكمة الإسلامية، ولم ينحل ما انعقد له في قلبه من محبة وإجلال،  فلما  رجع يتأمل في ما سمع وما قيد من ذلك البيان جعل مبنى تأمله على أن القصد إلى نقض  المقالات الباطلة، والدعاوي الفاسدة، هو قصد لا جدال في أنه مشترك بينه وبين شيخه، وإنما يبقى  النظر في أن الطريق التي سلكها أبو حامد محققة للقصد من نقض دعوى المخالفين أو ليست محققة له، فجعل وجهة نقده لذلك الكلام إلى انه يمكن المقالة المراد نقضها ولا يرفعها، وأخذ يحلل عناصر البيان الذي كتبه عن الغزالي، بما يبين في أثنائها من مداخل الشبه المقصودة بالرد، ومزالق الأباطيل الحقيقة بالدحض حتى إذا نقض عرى تلك الشبه التفت إلى شيخه واثقا من صحة علمه، وصواب نظره، يذكره بما استفاد في دروسه، وقيد من أماليه مما يشهد بفساد تلك المقالات التي لم يهتم بسد مداخلها إلى بيانه فكأنه لا يأخذ على الغزالي إلا تسليم مقدمات كان مقتضى صناعة البحث منعها، والاعتماد على لغة  في رد الشبه تجرنا تعابيرها إلى ما نحن فارون منه، أو ما هو أشد وأشنع ولعله  لذلك يذكر ان الإمام حجة الإسلام قد اعتاد أن يرد على المبطلين بلغتهم، ويكافحهم بسلاحهم، بيد انه في مواقف من ذلك قد يغلو ويفرط ويوغل، فنخالفه في ما اوغل فيه، وإن كنا لا نتولى عن قصده، ولا نتنكب عن سبيله. كذلك كان القاضي أبو بكر بن العربي يذكر الغزالي ويباحثه على هذا الأسلوب في كتابه «العواصم من القواصم» الذي أملاه سنة خمسمائة وست وثلاثين- أي بعد وفاة الغزالي بواحد وثلاثين عاما، وبعد أن تنفس ابن العربي في عجاجة تلك الفتنة التي قامت في وجه كتاب الإحياء، وأصطلى بنيرانها، وليس في ما يؤخذ من ذلك التمحيص الذي محص به ابن العربي كتاب الإحياء، إلا أن له موقفا، من كتاب الإحياء، غير الموقف الذي قامت به الفتنة، وأسف فيه علي بن يوسف ابن تاشفين، وكأننا بالغزالي نفسه انتصب يدافع عن كتابه الجليل في وجه تلك الفتنة الشعواء، لما أتى في دفاعه بغير ما اتى به أبو بكر ابن العربي في نقده وتمحيصه، فإننا إذا عدلنا عن الإتهامات المبهمة الموجهة إلى شخص الغزالي والظنون التي لا تغني من الحق شيئا مما ظن بالكتاب، وجدنا ما تعلق به من نقد موضوعي، مسند مدلل، يرجع إلى نقطتين لا ثالثة لهما: هما تساهله في إيراد أحاديث غير صحيحة بل ليست ذات أصل تماما، سلوكه في إثبات طائفة من الحقائق مسلك الاستغناء عن الدليل بالمعارف الحاصلة بما يدعي من الفيض والإشراق الحاصلين متجرد النفس وانكشاف المعلومات لها عند ذلك بدون طريق الاكتساب وهذه هي التي يجعلها الغزالي أمورا «لا تدرك إلا بالتجربة لها عند أربابها بالكون معهم والصحبة لهم».
أما النقطة الأولى وهي ترك التحري في رواية الحديث فقد ذكر ابن العربي أن حجة الإسلام اعتذر فيها بما لا يقبل من أنه ليس من أهل صناعة الحديث، وعلى كل حال فالصناعة قائمة، وأهلها المرجوع إليهم موجودون، وقد اهتم الناس بتتبع الأحاديث الواردة في كتاب الأحياء على كثرتها وتتبعها تتبعا متقنا الحافظ زيد الدين العراقي في القرن الثامن فتتبعها بابا بابا وعزاها إلى الرواة والكتب وبين درجاتها ونبه على ما ليس له أصل منها وذلك في كتابه المسمى «المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الأحياء من الأخبار» كما اعتنى بتجريد ما ليس له أصل من تلك الأحاديث الشيخ تاج الدين السبكي في ذيل ترجمته للإمام الغزالي في الجزء الرابع من كتاب طبقات الشافعية فكانت هذه التخاريج مكملة لنقض الكتاب، ومصصحة لوضعه من الناحية الأثرية.
وأما النقطة الثانية، من النقطتين اللتين يرجع إليهما النقد الموضوعي لكتاب الأحياء، وهي مسألة حصول المعلومات بالانكشاف الإشراقي، فهي النقطة التي قامت فيها المشادات من قديم بين أيمة الإسلام وبين الذين خلطوا التصرف بالحكمة الإشراقية وصدرت عنهم في ذلك المقالات النابية التي أنكرها عليهم علماء الملة وإن لم ينكروا على سلوكهم، من لدن الحسين الحلاج إلى السهروردي صاحب «حكمة الإشراق» «وهياكل النور» حتى انتهت إلى الشيخ محيي الدين فكان تركز نقد الأحياء على ما يجنح إلى القرب من تلك الطريقة حاديا بالغزالي إلى محاولة الكشف عن المصطلحات الصوفية بما يرجع الخلاف في ذلك إلى صورة من الخلاف اللفظي، على ما بينه في كتابه الذي رد به تلك المطاعن، وسماه «الإملاء عن اشكالات الأحياء» كما حدا قبل بالإمام القشيري في منتصف القرن الخامس إلى بناء رسالته على ذلك الأساس نفسه، فكما كانت رسالة القشيري قاطعة، ولو إلى حد ما، ما بين الصوفية وبين الحكماء الأشراقييم من صلات، ومجددة ما بين أهل الشريعة وبين الصوفية من روابط، فكذلك كان كتاب الغزالي بعد تمحيصه ونقد ما ورد فيه من نظرية المعرفة الانكشافية، مفككا بين ما عند الصوفية من سلوك مقبول، وما عندهم من نظريات غير مقبولة، بما فتح الباب لتجديد التصوف بع الغزالي على أساس السلوك المحض المتحري من نظريات الاشراقيين، أعني تصوف الجنديين من أمثال الجيلاني وأبي مدين وأبي سعيد الباجي على طريقته من بعده وهو التصوف الذي انتسب إلى الأصول الكلامية الإسلامية وتولاها. فكان البخور الصاعد من نسخ الأحياء وهي في اللهب كان يملأ الأجواء من روح الحق الممحصة عن الشكوك والظنون فيصدق فيه ذلك البيت الذي امتلأ كتاب الأحياء ترديدا له وهو قول العباس بن الأحنف.

كنت كأني ذبالة نصبت   تضيء للناس وهي تحترق

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here