islamaumaroc

الإسلام مثالية وواقعية

  دعوة الحق

90 العدد

كانت وفاة الأستاذ أمين الخولي في آذار (مارس) من هذا العام حادثا جللا في تاريخ الفكر الإسلامي المعاص.. ذلك أن أمين الخولي لم يكن إنسانا له دعوة في الحياة الأدبية، هي هذه الدعوة التي تمثلها حركة (الأمناء) وفكرتهم.. ولم يكن أستاذ في كلية الآداب من جامعة القاهرة  في الرعيل الأول من أساتذة الجامعة يوم كانت تقف وحدها في الوطن العربي كله تجتذب إليها الدارسين وتخرجهم فيشترك في التعاون  على تخريجهم أمثال الأستاذ العميد الدكتور طه حسين _مد الله في عمره_ وأمثال الأساتذة  المرحومين: احمد أمين وعبد الحميد العبادي  وإبراهيم مصطفى وعبد الوهاب عزام.. ولم يكن أمين الخولي مفكرا من هؤلاء المفكرين الذين رابوا أجيالا متعاقبة وتركوا فيها أقوى  الأثر.. لم يكن كل ذلك فحسب، ولكنه كان فوق ذلك وقبل ذلك إنسانا مسلما له في النظر إلى الإسلام وجهة، وعنده في تفسير القرآن الكريم مذهب، وفي معالجة القضايا الإسلامية رأي وفي مواجهة تحديات العصر الحاضر للإسلام موقف.. وكان له في الثقافة الإسلامية ما يتصل منها بالتفسير وما يتصل بالأدب والنحو والبلاغة أنظار وأفكار جديرة كلها بالجمع والاستقصاء والدراسة حتى يكون أمام الجيل الحاضر صورة من جهد الجيل الذي مضى واجتهاده، وحتى لا تنقطع الصلة بين هذه الأجيال المتعاقبة فلا يبدأ كل جيل عمله من النقطة الأولى مهملا تجارب الأجيال السابقة ومعاناتها، والاستفادة مما تحقق لها من هذه التجارب والمعاناة ولست أملك – وأنا بعيد عن أوراقي ومكتبتي- أن أتحدث عن كل ذلك أو بعض ذلك.. ولكني أحب أن أقف هنا عند ناحية واحدة مما يتصل بدعوة الحق، وتلك هي تفسيره للإسلام هذا التفسير المتزن السليم، عن طريق تأكيد المثالية العريضة التي له إلى جانب الواقعية الواضحة فيه.
ولست لأشير هنا إلى أبحاث بعينها، ولا إلى كتب بذواتها وذلك لأن أبرز ما يميز أمين الخولي أنه لم يكن يعني بالتأليف على النحو الذي يجعل منه مهنة  يمتهنها.. وإنما كان يعني بشيئين أساسيين: أولهما  المنهج، والأخر البحث... ولذلك كان أعظم دعوته  في أكثر مراحل حياته – باستثناء السنوات العشرين الأخيرة- تأكيدا على المنهج ودعوة له.. منهج التفسير مثلا، ومنهج في دراسة الأدب، ومنهج في إحياء  التراث.. وله في ذلك دعوات صارخة.. ومواقف حادة عنيفة، ولكنها تمثل الذروة من الإخلاص للعلم ومن التجرد في سبيله، ومن أخذ النفس في مجالات البحث والتأليف لأوفق الأسباب التي تربط بينها وبين المنطق، وبينها وبين الصواب، حتى تأتي دراسات الدارسين بعيدة عن الانحراف، وحتى تتجدد دراسات الدارسين للثقافة الإسلامية فلا يلازمها أحد هذين الدائين العضالين: داء التبديد أو داء التجميد.
ومن هنا كان يتميز الأستاذ الخولي أنه لم يكن مؤلفا – أريد أنه لم يكن يمتهن التأليف.. ولكنه كان باحثا اقتصر – في المراحل الأولى- على أبحاث ولم يجاوزها إلى كتب، وعلى مناهج رسم طريق تطبيقها، ولكنه لم يقم هو بهذا التطبيق وإنما ترك للذين يعلمون معه في حقل الدراسات العليا أن يجهدوا- إن شاءوا- وفقا لها ونفخ فيهم في ذلك من روحه، فكانت هذه الثروة من رسائل الماجستير والدكتوراه التي هي اليوم بعض عدة الباحثين في نطاق دراساتنا الأدبية وثقافتنا الإسلامية.
ولهذا فأنا لا أحب أن أشير في هذا المقال إلى كتاب بعينه للأستاذ الخولي أو بحث بذاته وإنما أريد أن أتحدث عن هذا الجانب الذي أشرق من فكرته الإسلامية بما في ذاكرتي عنه من خلال تلمذتي عليه وصلتي به، أجزل الله له الثواب، وضاعف الرحمات.
                                                -3-
وقد كان من أبرز ذلك عند أستاذنا المرحوم إصراره على أن يرتفع بالإسلام عن الزج به في نطاق الدعوات القائمة وإلباسه لبوس الأفكار السائدة ومحاولة تكييفه  تكييفا متصلا بما يذيع ويشيع بين يوم ويوم من أراء ومذاهب، تجعل أصحابه والمؤمنين به يعيشون في  شيء من فوضى الفكر وقلق التفكير حين يرون أنهم في الإسلام كل يوم أمام لبوس له، أو تفسير فيه، أو تكييف  له على نحو من الأنحاء وفي صورة من الصور.
ومن الواضح أن الإسلام في هذا العصر الحديث عانى شيئا من ذلك أو كثيرا من ذلك.. واتجه به عديد من المفكرين ومن المفسرين هذه الوجهة أو تلك وكان بعض ذلك عن قصد كريم ونية طيبة وبراءة بريئة لا شك فيها، كهذه المحاولات التي نجدها عند المرحوم طنطاوي جوهري في تفسيره أو عند أمثاله من الباحثين .. وكان بعض ذلك مبيتا له أو مدفوعا إليه، كهذه المحاولات التي نجدها في بعض الكتب والآراء التي أرادت أن تجتذب الإسلام أو المسلمين إلى هذه الوجهة أو تلك في ظروف الحربين العالميين، والحرب العالمية الثانية بخاصة، وأن تفيض على الإسلام هذا اللون أو ذاك .. ودع عنك الكثير مما وراء ذلك في نطاق الدراسات والآراء الموزعة الأخرى في العلم حينا وفي الفلسفة أو القانون أو الاجتماع حينا آخر.
                                                -4-
أمام هذا الذي يوشك أن يكون بحرانا أو كالبحران –على ما كان من أثره في آثارة الفكر الإسلامي وتحريكه- كان لابد من ردود فعل مختلفات، يستطيع الباحث أن يتوقف عند اثنين رئيسيين منها:
أما أحدهما فهذا الذي حاول أصحابه أن يبتعدوا بالإسلام عن كل ذلك، وأن يفصلوا بينه وبين كل ذلك، وأن يدفعوا به إلى هذا الزاوية أو تلك، يشهد ولا يشارك، ويرى ولا يتحرك، ويسمع ولا يقول، وتمر من  أمامه أحداث الحياة الضخمة وتطورات الفكر الكبرى فلا يكون له من ذلك شيء إلا أن يعاصرها معاصرة قائمة على الحياد، ولكنه حياد سلبي السمات بكل ما في السلبية من معنى.
أن هؤلاء أرادوا من حيث يشعرون  او لا يشعرون أن ينتهوا، أو انتهوا بالإسلام إلى شيء من التحفيظ.. أضفوا عليه أطيب النعوت، ولكنهم كفنوه.. وكأنما قنعوا أن يكون تراثا أو كالتراث، خيارهم يعتز به ولكنه لا يحيا به، وشرارهم يرى منه ما يرى في  حدث من أحداث التاريخ مضى ولكنه لا يستمر، ولذلك كان أصحاب هؤلاء الاتجاه حريصين على المباعدة بين الإسلام وبين كل تفتحات الذهن البشري،  وتطلعات الحياة الإنسانية، وتقدم الحياة بالناس في مواكب الحضارة ومعارج الرقى.
وما أحب أن أسمي بعض أصحاب هذا الاتجاه و أشير إليهم فالذين يتتبعون الفكر الإسلامي المعاصر يعرفونهم من مقالاتهم وبحوتهم.. والكثرة الغالبة منهم لا تصرح بذلك ولا تفصح عنه ولكنها تتصرف وفاقا له، وتكتب ما تكتب وتؤلف ما تؤلف، وتدعو إلى ما تدعو انسياقا وتقييدا به.
                                                   -5-
وأما رد الفعل الأخر فهو الذي أراد أن يضع الإسلام موضعة الحق.. لم يصرفه في هذه الوجهة أو تلك، ولم يترك لهذه الوجهات الأخرى أن تتصرف به.. لم يجعل منه كما يكون رقاص الساعة، ينوس هنا وينوس هناك، حتى ليحار معه النظر.. وإنما جعل من البوصلة الهادية، هي التي تعين الوجهة، وهي التي تدل على الطريق، وهي التي تربط بيننا وبين النجمة الهادية.. إن الاتجاهات الأخرى كلها إنما تتعين بها وتنساق معها، وبها كذلك تتحدد.
من هؤلاء، اعني الذين أرادوا للإسلام في نفوس أصحابه وأتباعه أن يكون العنصر الفاعل في الأفكار والأحداث، لا العنصر الفاعل في الأفكار والأحداث، لا العنصر المنفعل- كان الأستاذ المرحوم أمين الخولي.
                                                   -6-
عند الأستاذ الخولي أن في الإسلام هذين المحورين: الواقعية والمثالية .. فيه هذه الواقعية التي واجه بها العرب حين دعاهم إليهم، وواجه بها العالم حين بسط عليه الظل.. وفيه هذه المثالية التي يلقى بها الإنسانية  في تطورها والحياة في سيرها مع موكب الزمن نحو الأفضل والأكمل.
إن واقعية الإسلام تتمثل في وقوفه عند أبسط القضايا في الحياة العربية ومعالجته لها.. ولكنها ليست الوقفة الضيقة ولا المعالجة القاصرة، وإنما هي معالجة  ممدودة الآفاق في القضايا المحدودة الآفاق، تواجه الواقع ثم هي في الوقت ذاته تضع القاعدة الأصيلة لمواجهة المواقف الأخرى المماثلة لها أو المنبثقة عنها أو التي هي من بعض مضاعفاتها.
وإن مثالية الإسلام تتضح في أنه مفتوح النوافذ على  كل ما في واقع الحياة وما في نفوس الأحياء.. يتسع ليستقبل ما يتجدد هنا وهناك.. اعني أنه يتسع لكل سليم صحيح نظيف من ذلك.. بل إنه يكون وراء هذا التجديد عند الذين يفهمونه فيحسنون الفهم، ويأخذون به فيحسنون الأخذ.. وحين تستطيع التجربة الإنسانية أن  تتجاوز دورها الطفولي، وحين تخلص من أن تكون تهويما أو حدسا محفوظا بالضباب لتكون في مستوى التجربة الصالح الخيرة، فإنها ستجد في الإسلام، بحكم مثاليته هذه، تلاقيا بها بل إنها لتجد توافقا معها، بل إنها لتجد فيه دفعا لها وتجد منه دافعا عليها.

                                                      -7-
ومن هنا انتهى الأستاذ الخولي إلى أن الذي في الإسلام إنما هو الإسلام.. ليس فيه مذهبية واحدة محددة من هذه المذهبيات التي شاعت أو التي أخذت تشيع في حياة الناس وأفكارهم .. وليس فيه هذا الخط المتحجر الذي يوهمك أن لا خط سواه، والفكرة التي تزيف لك أن ليس وراءها فكرة.. وإنما الذي في الإسلام إنما هو الإسلام نفسه.. أعني هذه المثالية السليمة الصحيحة فيه إلى جانب الواقعية، الواقعية الصارخة.. وبين مثالية وواقعية هذا التطابق دائما بين ما في الإنسان من وجود وما فيه من تطلع .. بين ما فيه أيضا من واقع وما فيه من مثل، بين ما يشده إلى الأرض وما يرتفع به إلى السماء.
وأنا لا أزال أذكر في ذلك ما كان بينه وبين نفر من طلابه كان يتحدث إليهم.. إنه ليفصلني عن هذا الحديث نحو من عشرين سنة أو تزيد.. ولكن الموقف يرتسم أمامي اللحظة وكأنه ابن الأمس.. غرفة من غرف كلية الآداب وخليط من الطلاب والدارسين والمستمعين، والأستاذ القوي الروح، النافذ النظرة، الجهير الصوت، المتدفق، صاحب الجبة والقفطان والعمامة بكل ما يكسوه من أناقة أنيقة ونظافة نظيفة يتحدث إليهم بملء قلبه وبملء فمه ويهدر في حديثه هدير الموج من غير توقف ليقول لهم عن هذه القدرة البارعة التي للإسلام في جمعه بين الواقعية والمثالية، وتصرفه في المواءمة بينها، في أسلوب تمثيلي واضح: أن الإسلام لم يضع أبدا، وفي القضايا الاجتماعية بخاصة، الحائط الرابع.. إنه بنى أو خطط الحيطان  الثلاثة، ولكنه ترك للحياة والناس والمجتمعات أن تقيم الحائط الرابع على النحو الذي تراه.. أن الحائط الرابع هو التعبير عن الجزء الذي ترتسم عليه عناصر الجدة وتنعكس فيه .. إنه مرتكز ومنطلق ومنعكس كذلك لكل ما يكون في الحياة والمجتمع من أحداث وأفكار.
                                                   -8-
أن هذه النظرة إلى الإسلام قد لا تكون جديدة الجدة كلها.. ولكنها في منطق العصر الذي نعيش فيه، وفي أعقاب التطورات التي أصابت العالم والعالم الإسلامي، وفي الصورة التي اتخذتها – فكرة جديدة.. أبرز عناصر جدتها أن صاحبها لم يسقها هذا المساق العاطفي، وإنما وضع ركيزتها في منهج للتفسير، وددت لو تحدثت عنه، ولكن ذلك يقتضني مجالا آخر.. وحسبي أن أدل القارئ على المنهج وعلى التطبيق.. أما المنهج ففي كتاب (مناهج تجديد) وأما التطبيق ففي كتاب: (من هدي القرآن في أموالهم).
وأرجو أن أجد الفرصة مرة أخرى فأتحدث هذا الحديث الذي أخرت.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here