islamaumaroc

ألم يحن الوقت لنكف عن وصف بلادي والناس والحضارات بأنها شرق وغرب

  دعوة الحق

90 العدد

لا يمكن أن يكون الإنسان مهما تصور نفسه أنه قد تقدم أو تطور، إلا حصيلة للتاريخ الإنساني السابق عليه، فهو يتكلم بلغة قد تلقاها عمن سبقوه، وهو مهما حاول أن يجدد في الأفكار والآراء، فهو يرتد أبدا للمفاهيم القديمة التي ورثها.
وليس أدل على ذلك من أننا لا زلنا في النصف الثاني من القرن العشرين نتحدث عن شرق وغرب في الوقت الذي يتهيأ في الإنسان لغزو الفضاء والوصول إلى القمر وبقية كواكب المجموعة الشمسية وما وراء ذلك، في الوقت الذي أصبح فيه دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس حقيقة ثابتة يتعلمها الأطفال في المدارس، ويستخدمها ملاحو السفن والطيران وسفن الفضاء في حياتهم اليومية.
في الوقت الذي انحسر فيه سلطان أوربا وما كانت تدعيه لنفسها وشعوبها من تفوق، وتفككت إمبراطورياتها الاستعمارية، فزالت الإمبراطورية الانجليزية التي وصفت يوما بأن الشمس لا تغرب عنها وزالت دولة بقية إمبراطوريات أوربا من فرنسية وبلجيكية وهولندية، بعد أن هزمت عسكريا وسياسيا وروحيا.
على الرغم من هذه الحقائق المقررة، والتطورات التاريخية التي أصبحت واقع اليوم، فما زال الإنسان يتحدث عن الشرق والغرب كما لو كانا موقعين ثابتين، ولا يزال المفكرون والكتاب والصحفيون والأدباء بل ومن يزعمون لأنفسهم صفة الفلسفة، يرددون عبارات الشعوب الشرقية، واجتمع الشرقي والمدنية الشرقية والأديان الشرقية، في مقابل الشعوب الغربية والمدنية الغربية والفلسفات الغربية، وما أكثر ما ينزلق المعلقون وخاصة في البلاد العربية والأسيوية إلى تردد كلمة شاعر من غلاة المستعمرين وهو ريادة كبلنج عندما قال «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا».
وقد بدأ هذا الحديث منذ العصور الوسطى، حيث كان يظن أن الأرض ثابتة وأن لها شرقا دائما وغربا دائما، وقد ظلت المصورات الجغرافية حتى الآن ترسم على خريطة مبسوطة تعلق على الجدران، أو تبسط على المكاتب، أو ترسم في الكتب حيث تبدو آسيا في الشرق وأوروبا في الغرب..
وجمد الفكر الإنساني على هذه الصورة، ولو أنه وقف عند حد القول بأن هذا البلد أو ذاك يقع إلى الشرق من هذا المكان المعين، لكان ذلك مفهوما إلى حد ما فلا مناص من تحديد الموقع الجغرافي لأي مكان بالنسبة لأي مكان آخر، وهل هو يقع إلى الشرق منه أو إلى الغرب، ولكن المسألة قد خرجت ولا تزال خارجة، عن هذا التحديد الجغرافي، إلى القول بان هناك شرقا جغرافيا أبدا يتميز بخصائص طبيعية تضفيها عليه شرقيته، وهناك غرب جغرافي له بدوره خصائص يستمدها من غربيته.
وقد تعدى ذلك إلى الحديث عن روحانيات الشرق، وماديات الغرب، وثقافة الشرق والغرب، وخصائص الأجناس الشرقية في مواجهة خصائص الأجناس الغربية، إلى آخر هذا الخلط الذي جاءت به أوروبا في نهضتها الأخيرة في القرنين الثامن والتاسع عشر.

كل موقع على الأرض هو شرق وغرب
ونقول أن الوقت قد حان لمواجهة الحقائق العلمية وتطوير ألفاظنا وأحاديثنا فضلا عن كتاباتنا وأسس تفكيرنا، على ضوء المفاهيم العلمية الحديثة... فما دامت الأرض تدور فإن كل نقطة تشرق عليها الشمس بحيث تكون مشرقا فهي لا تلبث في ذات اللحظة أن تكون مغربا، ومعنى غروب لشمس كما نراها في الأفق، هو شروقها على أماكن جديدة، لا تلبث أن تغرب عنها الشمس بدورها، وهكذا دواليك، هكذا كانت الأرض منذ الخليقة كرة مستديرة تدور حول الشمس وحول نفسها، فليس بها مكان يمكن أن يوصف بأنه شرق دائم أو غرب دائم، وإنما هو شروق وغروب متلاحقان أبدا في مل من أجزاء الكرة الأرضية الدائمة الدوران، وملاحو الفضاء وهم يدورون الآن حول الكرة الأرضية مرة في كل تسعين دقيقة يشهدون في كل مرة شروقا وغروبا جديدين، وهذه الآن من الأمور المتفق عليها والمسلم بها.
وإذن فكل حديث عن الشرق الأقصى والشرق الأوسط والشرق الأدنى، ليس إلا بقية من بقايا أخطاء أوروبا وأوهامها وجهلها الذي كانت غارقة فيه من ناحية، ثم مظهر غروبها وصلفها بعد أن تعلمت، فظلت تعتبر مرقعها هو مركز العالم ومحوره، وتتحدث عن الشرق باعتباره دونها في مقومات الحياة، وليس أعجب من أن نظل نردد هذه المسميات، بعد أن أصبحنا نعرف أن هذا الشرق الذي نصفه بالأقصى، إنما يقع غرب أمريكا ولكي تصل أمريكا إلى آسيا فهي تبحر أو تطير إليها بأن تتجه صوب الغرب، والاتحاد السوفياتي إنما يقع الغرب من أمريكا، وأوربا هي الشرق بالنسبة لأمريكا، وكل بلد بالنسبة لأي بلد آخر هي شرق بالنسبة للبعض وغرب بالنسبة للبعض  الآخر، وتكون عبارات الشرق الأقصى، والأوسط والأدنى والغرب، هي كلمات خاوية لا مدلول لها من الناحية العلمية الجغرافية والتطبيقية.

لا أفكار أو حضارات شرقية أو غربية
وهذا الذي يقرره علم الطبيعة والجغرافيا، بحيث يدحض هذه التسميات الخاطئة الشائعة، فإن علوم التاريخ والاجتماع والأجناس واللغات والاقتصاد تدحض بدورها كل هذا الذي لا زلنا نردده من خصائص نفردها للشرق وأخرى تخص الغرب، وروحانيات شرقية ومادية غربية ومفاهيم شرقية وأخرى غربية، وأجناس من البشر قد اختص بها الشرق وأجناس أخرى قد عاشت في الغرب، فكل هذه قد أصبحت من تخليطات الجهل والتعصب والاستعلاء الذي غرقت فيه أوربا حينا من الزمان.
فالإجماع الآن قد أصبح منعقدا بين علماء الأجناس، إن ليس ثمة ما يمكن أن يوصف بأنه جنس نقي، فضلا عن أن يكون بطبيعته أرقى من أجناس البشر، وما من جنس على ظهر البسيطة «فيما خلا بعض الجزر المنعزلة في محيط أو غابة أو في أعماق صحراء» إلا وهو خليط من كل ما نعرف من الأجناس، سواء كانت هذه الأجناس كما كانت توصف في القديم بأنها من نسل سام وحام ويافت أو كما أصبحت توصف في الحديث، بأنها مغولية أو بيضاء أو زنجية، وقد تبددت الخرافات التي تفرد للرجل الأبيض خصائص لا تتوفر في الزنجي مثلا، من حيث الطول والقصر، أو من حيث محيط الجمجمة أو من حيث الاستعداد العقلي، فما من جنس على ظهر الأرض في الوقت الحاضر إلا يوجد فيه كل الطرز المختلفة من بقية أجناس البشر، فأقصر أناس في الوجود وأطوالهم على السواء قد وجدوا بين زنوج وسط إفريقيا.
وما يقال عن الأجناس وخصائصها الفسيولوجية، قد أصبح يقال بدوره عن اللغات التي يتحدث بها  البشر، فليست هناك لغة يمكن أن لا تكون هي حصيلة البشرية كلها من اللغات التي سبقتها والتي تعاصرها، حيث تجري عملية التلقيح والأخذ والعطاء بين سائر اللغات بدون انقطاع في كل وقت وآن.
ومثل ذلك يقال عن الأفكار والثقافة وكل مقومات الحضارة الأخرى من أديان وتشريعات ونظم وفنون ومعارف.
وأي حضارة عرفها بنو البشر في الحديث أو القديم، لا يمكن إلا أن تكون حصيلة التراث الإنساني كله السابق عليها، ابتداء من حضارة مصر القديمة فالإغريق فالرومان من ناحية والصين والهنود والفرس من ناحية ثانية، ثم الحضارة الإسلامية فالأوربية فالأمريكية أخيرا. ودراسة مفصلة لأي من هذه الحضارات، لا تلبث أن تطلعنا على الروافد الجانبية التي صبت فيها وتألقت منها، وبحسبنا أن ننظر في شيء من التبصر لما يسمى الحضارة العربية الإسلامية لنرى كيف أنها بالرغم من أنها حضارة قد قامت على جوهر من الإسلام وتعاليم الإسلام الذي ينفرد بدعوة صارمة للتوحيد وعبادة اله منزه عن التشبيه والتجسيد يعلو على سائر الكائنات، فإنها لم تلبث أن استوعبت كل ما سبقوها من تراث الحضارات القديمة صينية أو هندية أو فارسية أو إغريقية أو رومانية وافريقية أو أوربية، وهي ما كان لها أن تكون غير ذلك وقد استقرت في هذه الرقعة الكبيرة من الأرض وراحت تتفاعل مع كل مقوماتها.
ونحن نعلم اليوم، أن أوربا الحديثة قد بدأت نهضتها بعد أن نهلت من المعارف الإسلامية وإذا كانت أوربا يحلو لها عن طريق التعصب أن تزعم أنها وليدة الحضارة الإغريقية، فإنها لم تعرف تراث هذه الحضارة وتتأثر به إلا من خلال اللغة العربية والمعارف الإسلامية، وإن الإنسان لا يفتأ يذهل من حين لآخر، عندما يطالع يوما بعد آخر، أنه ما من اختراع، ما من فرع من فروع العلم، ما من لون من ألوان الفن، ما من ضرب من ضروب الصناعة، إلا وبذوره وجذوره راسختان في إفريقيا وآسيا باعتبارهما كانتا سابقتين على أوربا، وكثيرا ما يشار في هذا الصدد بالنسبة للمخترعات الحديثة إلى الورق، والمطبعة، والبارود، وقد بقي أن نعرف أن آخر ما وصل إليه فن التكتيك والاختراع كما يتمثل في الصاروخ هو من صنع الصين التي استعملته أول ما استعملته  في الحروب، وهذه الصواريخ التي سعدنا ونحن أطفال وما زلنا نسعد بها وهي تنطلق في الفضاء محدثة هذه الأضواء الملونة البهيجة هي من اختراع الصين، ونظرية الصاروخ التي ينطلق بها القمر هي ذات النظرية التي كانت تطلق هذه الألعاب النارية في الفضاء.
فالعلم أي علم، والفكر أي فكر، هو علم إنساني يسهم فيه البشر جميعا منذ وجد الإنسان على ظهر هذه الأرض في التطور به واغنائه وإثرائه، والحضارة في شمولها، هي حضارة إنسانية لا يمكن أن توصف بأنها شرقية أو غربية، وما من مجتمع من المجتمعات على ظهر الأرض في كل زمان ومكان، إلا ويتقلب حظه، بين الخفض والرفع، بين العلم والجهل، بين القوة والضعف، بين الإيمان والإلحاد، ومن العبث بل من المحال، أن يوصف مجتمع من المجتمعات بانطوائه على صفات أو ملكات أو خصائص تفرقه عن غيره من بني الإنسان، من الناحية الجسدية أو الفكرية أو السيكولوجية أو الوجدانية... وفي أي مجتمع، صغيرا أو كبيرا، ستجد فيه الطويل والقصير والأبيض والأحمر، والأسود العينين والأزرقها، والسبط الشعر والجعد، والرقيق المشاعر والجاف، والجبان والشجاع، والمحب للعلم والكاره للعلم، والمؤمن بالله والكافر به، والمثالي في تفكيره، أو صاحب التفكير المادي. 
وليس هناك ما هو أمعن في الخطأ من وصف شعب من الشعوب بأكمله من انه مغرق في المادية أو ممعن في الروحانية، وإن ذلك يرجع إلى موقعه الجغرافي أو بسبب جنسه أو أصول ثقافته، فإن أوروبا التي توصف اليوم بالمادية قد غرقت الفا من السنين أو يزيد فيما يصفه كتابها بالعصور المظلمة، حيث أوشكت أوربا كلها أن تكون كنيسة واحدة أو ديرا مسيحيا واحدا، أو معنى أدق أوشكت أن تتحول إلى ضيعة يديرها الباب باسم المسيح، وحيث كان كل حديث عن العلم أو الفكر الحر، يعرض للاضطهاد والسجن والحرق، تحت معاول محاكم التفتيش وهي ظاهرة لم يسبق لها مثيل، ولم تقع من قبل في هذا المجتمع الذي يصفونه الان بالشرقي ويصمونه بالجمود والتعلق بالأوهام والخرافات  والروحانيات، فلم يحدث في تاريخ في تاريخ الشعوب في آسيا وافريقيا كلها أن حرق انسان لأنه قال بنظرية  علمية قيل أنها تضاد العقيدة الدينية.
وليس أمعن من الخطأ أن تتصور أن أوربا اليوم، مادية بالصورة التي تحاول أن تضعها في مقابل روحانية آسيا، فشعوب أوربا بل أمريكا لا تزال مسيحية ممعنة في مسيحيتها، لا أوروبا الغرب الرأسمالية، بل وأوربا الشرق التي تأخذ حكومتها بالمبادئ الشيوعية، وما أكثر ما طالعت وحدثني رودا بولندا الشيوعية، عن ثماثيل العذاراء المقامة في كل شارع وعلى كل عمارة بل أن اسقف بولندا يخطب أخيرا ليصف بولندا حصن الكثلكة في أوربا، وجماهير الشعب في كل مكان من أنحاء اوربا  تتردد على الكنائس، وتشعل الشموع حول تماثيل  العذارء، وتتزوج في الكنائس، والأطفال تعمد بالمياه المقدسة لتكون مسيحية، ولقد أذهلني مرة أن أجد في النجلترا مئات الالوف من الانجليز المتعلمين  المثقفين، يكفرون بالتداوي عن طريق الطب الحديث ويرون السبيل الوحيد للتداوي  عن طريق تلاوة آيات من الانجيل على يد معالج بتلاوة الانجيل، وسرعان ما اكتشفت ان هذه طائفة كبيرة لها مئات الكنائس في انجلترا أو الولايات المتحدة، وتصدر عشرات الصحف ما بين اسبوعية وشهرية ويومية وعلى رأسها  الجريدة الاأمريكية المشهورة الكريستيان مانيس مونتور .. أما هذه الجماعة المسيحية فتطلق على نفسها جماعة "العلم المسيحي".
وليس ذلك إلا نموذجا أو عينة لمختلف الافكار الروحية اللممعنة في روحانياتها في اوربا وامريكا.
بل ان ما اصبح يطلق عليه اسم علم الارواح وتحضير الارواح، هو نبات اصبح ينمو ويترعرع في اوربا وامريكا، حيث اصبح يدرس في الجامعات، وتنشا له معاهد وتصدر فيه عشرات الالوف من الكتب.. وتؤمن به عشرات الملايين، وبالرغم من ذلك فما اسهل ان يقال ان اوربا مادية لان حضارتها مادية، اما الشرق فروحاني لان حضارته روحية.
وما الراي في بلد الان كالصين وهي اقصى الشرق كما كان يحلو للاوروبيين ان يسموه، وقد اصبح من الناحية الرسمية يدين بالماركسية التي هي اعلى صور المادية، وقد بدات الصين تحقق تقدما علميا ساحقا، حتى لقد فجرت قنبلتها الذرية الاولى والبانية، اليس هذا يهدم خرافة روحانية الشرق، ومادية الغرب.
ومع ذلك فانه ليكون خطا ما بعده خطا ان يتصور متصور ان الصين قد اصبحت ما بين غمضة عين وانتباهتها مادية مغرقة في المادية، فالصين بملايينها الستمائة أو السبعمائة ستظل هي الصين، حيث البوذية والكونفشوسية والاسلام والمسيحية، وةكل فكر ومعتقد انساني عرفه البشر.

نهضـة اليابــان
ولعل الكثيرين من ابناء الجيل الحديث، لا يعرفون مدى الصدمة التي اذهلت الاوروبيين عندما هزمت اليابان روسيا عام 1905 فقد كانوا لا يستطيعون ان يتصوروا كيف يمكن لشعب يوصف بانه شرقي ان يهزم قوة كبرى من قوى اوربا الغربية، وسرعان ما راحت الاقلام والعقول الادبية، تبحث عن تعليل لهذه الظاهرة، وانتهت إلى أن ذلك استثناء محض من القاعهدة، وان السر في نهضة اليابان هسي كونها جزرا تشبه الجزر البريطانية، وهكذا ترى أن مجرد المشابهة لدولة اوربية قد اعتبر سببا للنهوض.
مع أن مصر قد سبقت اليابان في النهضة بنصف قرن في أعقاب الحملة الفرنسية عليها، ولو تركت مصر وشانها ولم تتألب دول أوربا الاستعمارية عليها لاستطاعت أن تنهض بافريقيا كلها.

الحـرب الفيتناميـة
ولعله ليس هناك ما يهدم هذه الخصائص التي عزمت للجنس الاوربي من الشجاعة والصلابة والعزم والاستعداد للتضحية حيث لا توجد هذه الصفات في الشعوب التي توصف بالشرقية «عدا اليابان» من هذا الذي حدث في الهند الصينية عندما دحرت قوى  وهر منها شر هزيمة منكرة في دبان بيان فو وعندما قسمت الهند الصينية إلى فيتنام الشمالية وفيتنام الجنوبية، وتصورت الولايات المتحدة الامريكية، أن باستطاعتها أن تنجح حيث فشلت فرنسا باعتبارها الاقوى والاغنى والاعز نفرا، فها هي تلقى نفس العناء والمصير من هذا الشعب الصغير، بحيث تشهد البشرية اليوم عجبا من اشد العجب، فثمة شعب صغير يواصل الحرب عشر سنوات دون أن تلين قناته، ويرفض كل مساومة حول الصلح أو التفاهم إلا أن يجلو الامريكان عن أرضه.. ويرتفع صوت أمريكا بالشكوى والغستجداء والتوسل لتجد لنفسها مخرجا من هذا المأزق الذي تداس فيه كرامتها، وهي لا تستطيعغ بكل حولها وطولها وجيوشها وأساطيلها أن تخضع هذا الشعب الصغير الذي يتحداها.
وما أكثر ما حدثونا عن الشرق الذي يمتهن المرأة، بخلاف الغرب الذي يكرمها ويرفع من شانها وما أكثر ما صدعوا رؤوسنا بتحليل اسباب ذلك.. وأن ذلك آية التخحلف عند الشرقيين، ومظهر السمو عند الغربيين.. وها نحن أولا نرى أن أول امرأتين تولتا رئاسة الحكومة في العصر الحديث يجيئان من هذا الذي يسمونه شرقا متخلفا، لا من الغرب المتحضر.. فبالأمس في سيلان واليوم في الهند، تتربع انديرا غاندي في منصب رئيس الوزراء لشعب من أربعمائة مليون من البشر، وهي ظاهرة لا يفكر فيها، ولا يمكن أن يفكر الأمريكان أو الروس الذين يزعمون أن المرأة عندهم قد وصلت إلى أرقى ما يمكن أن تصل إليه في أي مكان في العالم.
وليس ذلك إلا الدليل القاطع من الواقع العملي عن فساد ما زعموه من خصائص شرقية، وأخرى غربية، ومدنيات وقيم شرقية وأخرى غربية، فإنما هو كوكب واحد يدور باستمرار ولن يكف عن الدوران وهي انسانية واحدة ذات خصائص واحدة، تنتهي إلى نفس النتائج في ظل الظروف الواحدة، وليست هناك صفات جامدة يمكن أن يوصف بها مجتمع للتفريق بينه وبين مجتمع آخر.
ومن هنا فقد حان الوقت، لتكف عن هذا الخلط من التحدث عن الشرق والغرب واختصاص كل منهما بمدنيات وحضارات وأفكار تتصل بشرقيته وغربيته، وحان الوقت لنؤمن إنما هو إنسان واحد، له خصائص الإنسانية، مصيره ومصلحته لا تتحقق في عصرنا الحديث إلا في تعاون إنساني كامل شامل.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here