islamaumaroc

جيل الظمأ

  دعوة الحق

90 العدد

وجدت فاطمة، وراء الباب، شابا في مقتبل العمر وشيخا ذا وجه متغضن نحيل، احتلت ثلثيه لحية مسترسلة بيضاء، يلبس جلابة لفت جسده من الرأس حتى آخر القدمين، وغطت رأسه عمامة اختفى تحتها قسم من جبينه البارز العريض، كان الشيخ يحمل على ظهره كيسا صغيرا.
لقد جند نفسه بشغف عظيم للاخلاص إلى مهنته، منذ صباه، واستقام له الأمر فأصبح منذ بلغ عامه الخمسين سيد نفسه ورب العمل المستأجر. هو الآن في عامه السبعين. وهل معنى ذلك في أوج العمر؟ قينا لا ألم يسمح الله لنوح بأن يعيش مآت ومآت ومآت من السنين؟ فالله قدير على كل شيء، ولا حول ولا قوة إلا بالله سبحانه وتعالى. إذن، اصبح «معلما» في سن موافقة، ولكن حذقه ومهارته يبعثان على الدهشة. ففي (الرباط) كلها، وحتى في (سلا) يلهج الناس كلهم باسمه ويتحدثون عن مهارته. أجل أنه منجد أصيل. وراء الجلابة القطنية يخفق قلب «معلم» جبار عظيم، معلم من سلالة جدود صناع، مهرة حاذقين. ففي مقدوره أن يسميهم واحدا واحدا. كان هؤلاء الأجداد الأفذاذ يعملون في قصر (فاس) الفخم، عند أصحاب الجلالة، رضي الله عنهم. آه على الماضي الجميل!..
أن شيخنا فخور بمحتده، مدرك لما في مهنته من نفع أكيد شامل، أليس هو الذي يوفر الراحة لعظماء هذا العالم ولعيالهم ولضيوفهم؟ كيف يستطيع الناس سبيلا إلى النوم لو أنه لا ينجد لهم الفراش؟ وغني عن البيان أنه لا ينجد إلا الفراش الوثير المريح! الفارق جلي ظاهر بين عمل وعمل، وبين فن وفن. لقد استحدثت أشياء كثيرة.. ولكن الناس سرعان ما سيعدون إلى الفراش القديمة، بعد أن يظهر لهم ما في «الرسورات» من إساءة إلى صحة الجسم وراحته. وإذا كان أجدادنا  لم يستعملوا فراش «شركة سيمونز» فلأنهم عرفوا  كيف يميزون بين المتعب والمريح النافع والضار.
ما أجملها مهنة، مهنة المنجد!.. لذلك يعمل الشيخ جهده ليجعل من ابنه منجدا حاذقا ماهرا، وليصبح ابنه «معلما» نظير والده، حال بلوغه فترة نضج العمر عندما تستقيم له الحكمة والدراية، أي بعد مرور ثلاثين سنة.. ولابد من حدوث ذلك بعون الله القدير ومؤازرة أولياء الله ذوي الفضل والبركة، ومن الأكيد أن يكون  الناس قد أدركوا في ذلك الوقت، كل ما في فراش «سيمونز» من خلل واعتوار وأضرار.
                                                    *
وبينما الشيخ يسبح في تأملاته تلك، كان ابنه إلى جانبه ينظر في صمت. شتان ما بين الولد ووالده من حيث النظر إلى الأشياء والأمور. اعتمد الابن نظما ومبادئ تتنافى مع كل ما أخذ باهتمام والده. ولكنه لن يزيح ثقل النير الأبوي عن كاهله إلا بعد أن يبلغ سن  الرشد. أنه الآن في عامه العشرين. سيشق طريقه في الحياة على ضوء واقع البيئة التي يعيش فيها. ثم إذا كان لا يقص شعر رأسه، نظير ما يفعله والده، واستعاض عن الجلابة بالسربال فذلك ليبتعد عن  التشبه بالقدامى، أو بنصف القدامى مثل أخويه البكر  والأوسط. وليقوي من مدى تحرره وتفوقه، عمد إلى وضع النظارتين السوداوين على عينيه، وإلى تأبط المحفظة النظيفة اللماعة. وعندما كانت تتزاحم برأسه هذه الأفكار ارتفعت يسراه إلى النظارتين تثبتهما وتنحدر عيناه إلى المحفظة اللماعة بنظرة اعتزاز.
وتذهب به أفكاره، فيقول في سره:
كم يثيرني أن ارى والدي يحول جاهدا بيني وبين متابعة الدروس ليجعل مني منجدا.
ويلتفت نحو والده يرشقه بنظرة ملؤها الحنق والحسرة والألم، ثم يضيف مخاطبا نفسه:
- لقد حصلت على شهادة الدروس الابتدائية لكي أهيء لي عيشا أفضل ومركزا يتناغم ومكانتي كمثقف. أن القضية تتعلق بمستقبلي أنا، بحياتي أنا، بذاتي أنا «ايوا»!.
إن الولد يجهل حافز والده نحو تقديس  مهنته، مهنة عديمة المستقبل قد مثل فيها منذ زمن بعيد. زد على ذلك أن الناس لا يحترمون أصحاب الحرف، وأن الحرف..
- ثم ما الذي يمنع شهادة الدروس الابتدائية من أن تفسح لي المجال الرحب لأصبح موظفا يشار إليه بالبنان؟ وما رأيك أخيرا بالبزة الخضراء؟ مفتش في الأمن العام!...
وتصور المنجد الغر الصغير ذاته يصدر الاوامر فيطاع. فرأى جنديا ماثلا أماه يؤدي له التحية.
- ولماذا لا أصير قائدا أو أعلى من قائد، أو بالأحرى أحد الوزراء؟ شرف، مال، سلطة ونفوذ!...
سيكون لي البيت الجميل المجاني، ثم الطباخ والسيارة مع السائق. وما قولك بالضمانات؟ والتعويضات المختلفة الكثيرة؟.. هيه!...
راح يتفحص الملفات في مكتب وسيع مريح. ورأى نفسه يتحكم بالهاتف كما يشاء، وبالضغط على زر مكيف الهواء، أو ينادي الجنود والخدم.. ثم تنهد وقال في نفسه:
- ذلك محال صعب المنال!.. فهل لمن يحمل مثلي شهادة الدروس الابتدائية حق في رتب ووظائف ممتازة؟ لقد قيل لي بأن هذه الوظائف من حق الذين لا يحملون الشهادات!.. على كل حال هي وظائف تستهويني جدا، ومن المعهود عندنا أن الشهادات لا تطلب إلا من ذوي الوظائف البسيطة والرتب الخفيضة أما للحصول على الوظيفة العالية فالمحسوبية تكفي..
                                                *
شاب غني باحلامه!
احلام جميلة يتخطى فيها الحاضر ليرى ذاته رجلا ذا مسؤولية في مستقبل مضيء جليل. ولكن، هيهات!.. أنه لا يفتأ «الولد» و «الصغير» في عين والده والحدث الطائش غير المسؤول أمام المجتمع والقانون.
رغم ذلك، قد يكفيه مرور سنتين حتى يقطع كل آصرة بينه وبين مهنة لا مستقبل لها. يريدون ارغامه على احترافها، ليكونن جبارا على كل ما تواطأت عليه الاسرة فينتخب وحده ما يراه ملائما لرجل يحمل شهادة!
                                                      *
لمح الشيخ في الممر مخدة من جلد، على مقربة من باب المكتب، فاقترب منها. وبعد أن استجدى الأولياء والصالحين الخير والبركة، رفع أردان الجلابة، وقعد على الأرض مرتفقا المخدة ومسندا ظهره إلى الحائط فظهر من وراء فخذيه المشبكتين الضخمتين سروال منتفخ عريض مثل معزف يدوي عندما يتفتح. صدرت عن الشيخ اشارات غامضة سريعة، ثم حرك يده، وأخذ يتمتم بالدعوات. وبعد لحظة انزل العمامة عن رأسه ووضعها على ركبتيه اعتقادا منه أن مرور الهواء النقي على الرأس يساعد على التنفس المنتظم. آه! لقد فارقته خفة وقوة الماضي الماتع الجميل يوم كان في ريعان الشباب! انظر إلى ابنه نظرة ضمنها الاعجاب والغبطة. كانت مهمنة المنجد، في شبابه، سبيل مجد وفخر، لا تفوقها رفعة وقدرا إلا رتبة الوزير، أو القاضي. وتوالت أنامله تلامس خرزات السبحة بينما بقيت يمناه ترتفق مخدة الجلد وفخذاه مشتبكتان.
دمدم الولد بعد أن رمق والده شزرا، هؤلاء الشيوخ ديدنهم اللامبالاة! وتمنى لو استطاع أن يقول لوالده رأيه فيه!
إنه يتميز غيظا ويتفجر حقدا على والده . ألم يمنعه من متابعة دروسه؟ إنه الوالد الجهول الذي يعترض سبيل الابن المثقف في الوصول إلى المجد والغنى، والسلطة، إلى السبيل الموصل إلى أبعد بعيد، إلى دنيا الجاه، والمستقبل.
الشعور الإنساني، الثورة البناءة، الطموح الشريف، هذا ما يجهله والده تمام الجهل. جبذا لو شعر بوجود تلك المفاهيم، على الأقل. قد تأكد وثبت وجود عالمين مختلفين، يتضادان ويجهل أحدهما الآخر. مفهومان متباينان للعالم، وصورتان متنافرتان متباعدتان للأنسان: حياة مغلقة على ذاتها، لا طموح فيها ولا جرأة، وحياة زاهية، ملؤها الأمل المشرق البسام. ولكن، أنى للوالد القانع بما هو عليه، أن يفهم أو يتبين سأم وتحرقات ابنه؟ وكم مرة صاح: يا فئات الشباب! لو ادركتم مدى شرودكم لحسدتمونا، نحن الشيوخ، على ما ننعم به من هدوء وراحة بال، وما ذلك الا من فضل الله ورضاه.
لولا أن فاطمة فتحت الباب لطال الوقت والمنجدان يسبحان ويهيمان في أجواء الخيالات والأحلام. إنها ايقظت الفتى من حلم ورمت به في أحضان حلم جديد.
الصبيحة مشمسة دافئة، يتغلغل فيها مناخ معتدل مثقل برواء الربيع المغربي. أليس في خصب شباب الفتى ويناعة فاطمة، وفي إشراقة الحياة ونضارتها ما يفسح المجال رحبا لدنيا الخيالات والأحلام؟
أغرق المنجد الشاب نظره الأزرق الرقيق في عيني فاطمة السوداوين، وابتسم لها بتعلق ولطف، ابتسم لأحلامه البعيدة ولأحلامه القريبة، وانكشفت له الحياة فجأة تتماوج بشرا وسناء. طفحت ابتسامة الشاب في اغراء وعلا الدم الطليل في وجنتي فاطمة وارتاحت لمنظر وسحر شبابها الخضل. إن في انوتثها زهو الربيع واغتراره، ومع ذلك فهي كثيرة الخفر والحياء، دائمة التخوف والعزوف عن كل ما يشين الطهر والشرف. ليت الفتيات جميعهن يصمدن أمام زهوة الربيع وليت الشباب كلهم يعرفون كيف يحترمون الزهور والورود فلا يهدرون عطرها وشذاها!
                                                      *
اعتذرت فاطمة للمنجدين عن تأخر ادريس عن استقبالهما فورا فقد شغلته مكالمة هاتفية، ثم أدخلتهما إلى المكتب وغادرت المكان بعد أن أغلقت الباب وراءها. ولم يفتها أن تبتسم لهما، قبل مغادرة البيت، ابتسامة مقتضبة تزخر لطفا وغنجا.
تقدم اريس من زائريه وحياهما:
- السلام عليكم، أهلا وسهلا!
بعد أن خفض الزائران من رأسيهما، يردان التحية تقدم الولد بخطى ثابتة من ادريس، وصافحه قائلا:
- عليك السلام ورحمة الله. إن زوجتك قد استقدمتنا لنصنع لها فراشا
ادريس متعجبا:
- ولكن زوجتي لم تحدثني بذلك ابدا!
- الفراش الجديد سوف يكون، كما تعلم لطفلتك الصغيرة.
- طفلتي الصغيرة؟
- هو ذلك ياسيدي.
- ولكن اية طفلة؟
- طفلتك انت!
- لا طفلة لي!
- آه! حقا، الطفلة التي ستولد!...
- ولكن ماذا؟ هل سنهدر الوقت في جدال حول الاطفال؟ ولمن؟ أرجو المعذرة.. ماذا قلت؟ السيدة.. لأجل .. الفراش.. الطفلة طفلة؟ من الجائز انكما لم تهتديا إلى البيت الذي تريدان الذهاب إليه.
فأجاب الشيخ بصوت خشن مبحوح:
- هل تظننا من المشعوذين؟ إنني أعرف البيت،  وأعرف كل المدينة، بكل ازقتها ودروبها. استطيع أن اسمي لك كل زقاق وكل شارع كبير. فهذا الشارع تربطني به أواصر ألفة راسخة الجذور. فأنا أعراف عائلات الرباط النبلاء واحدة واحدة. والدك هو الحاج قدور بن الحاج احمد، وقد تزوج، للمرة الأولى بابنة الحاج عزوز بن الحاج محمد ورزق منها بولد. رباه!.. كم كانت رائعة فخمة العقيقة! (انذاك، هز الشيخ رأسه، ورفع يده إلى السماء): الله! ما أمتع  تلك الأيام وما أجملها! عهود من الازدهار والأفراح! أما أنتم شباب اليوم، فما نعمتم بشيء.
لاحظ الشاب أن والده لم يكف عن سرد ذكرياته فأسرع يؤاخذه:
- أتينا نصنع فراشا لا لنسمعك تحكي ذكريات أيامك الغابرة!
فرد الشيخ بامتعاض:
- الأجدر بك أن تخفض من صوتك، أيها الطفل الغر! في الماضي لم يكن الأبناء يرفعون أصواتهم بمحضر الآباء...
- أجل، لكن الوالدين كذلك لم يكونوا يصيحون في وجه أولادهم!
- أنت تسعى إلى قلب النظام الطبيعي رأسا على عقب. فأجيال تحتقر الشيوخ ولا تحترم الوالدين والتقاليد، لابد أن تجر علينا أوخم العواقب. فأنتم الذين تستنزلون على رؤوسنا لعنات من السماء والغضب، فالجنوب قد اجتاحه الجراد! وكما ذكر لي شيخ وقور..
قاطعه الولد بعنف وحنق:
- لابأس قص على مسامعنا سيرة حياتك إن الوقت ملائم مناسب!
واستدار نحو ادريس:
- فلنعد إلى موضوع فراش ابنتك، أيها السيد
فاجاب ادريس بلطف وأدب:
- أية ابنة تعني؟ لم يقل لي احد حتى الآن أن لي ابنة!
- أظن أن زوجتك تنتظر ولادة طفلة، وهي تود تحضير كل شيء من قبل.
فرد ادريس بحدة:
- أفهم من حديثك أن زوجتي حامل؟
- أنت تعلم بذلك اولا واخيرا، ياسيدي.
                                                *
ضاع من ادريس اتزانه العادي: أن ادريس «الأستاذ الدكتور» كما نقول في المشرق، أو العالم العلامة البحر، كما نقول في المغرب، قد استبدت به البلاهة،  ولم تفده ثقافته شيئا في تفهم الوضع وحله. أما الشيخ فلم يعر حديثهما إلا بعض انتباهه، فقد شردت عيناه على الكتب الجاثمة في رفوف المكتبة وعلى المقاعد الوثيرة وعلى الآلة الكاتبة الجديدة. وحالما وقع نظره على رسم الملك تمايل: أطال الله في حياة سيدنا. ثم انحنى للمرة الثانية، وتمتمت شفتاه تستمطران بركات  الله على صاحب الجلالة.
فقال له ابنه بصوت خفيف ساخر:
- صاحب الجلالة لا تهمه انحناءاتك. كان من الأجدر بك أن تتبع أوامره السديدة ونصائحه الرشيدة، فتسمح لأولادك أن يتابعوا دروسهم ولبناتك أن يتحررن كما تحررت الأميرات.
فأسرع الشيخ يخرس ابنه بإشارة عريضة من يده، وبعد أن صب عليه نظرات الازدراء، التفت نحو ادريس:
- حالتك تذكرني بما حدث لحاج من أصدقائي القدامى. حدث ذلك في عام التيفوئيد. ما زلت أتذكر ذلك لأن تلك السنة كانت لها خيرات وبركات لشقيقي حفار القبور. حتى زوجتاه اكتسبها في تلك السنة.. ولسوء الحظ لم يشرق الازدهار على اخوة شقيق كلهم. لقد طالب الناس بحفر قبور كثيرة، دون أن يطلب واحد منهم صنع فراش واحد. وأود أن تنتبه لما أقول، كان أخي حفار القبور الوحيد الذي يلبي كل الطلبات: مهارته في حفر القبور ومؤازرة التيفوئيد اتاحت له زبائن كثيرين لا يحصون. كان يعمل بحزم في مقابر الرباط وسلا بسلطة مطلقة.
عيل صبر الشاب ولم يقو على كظم الغيظ، فصاح:
- انك تجهل كل مراعاة لمقتضى الحال ولقيمة الوقت. أليس الوقت من ذهب؟
أيجوز لك أن تتحدث عن الأموات وعن التيفوئيد في بيت يستعد لاستقبال مولود جديد؟
قطع ادريس عليهما الكلام ليؤكد أنه لا وجود لأي مولود جديد في البيت، وأنه لا يؤمن بالوساوس والخيالات والخرافات. ولكن الشيخ تابع حديثه ساخرا من ولده، أخذا عليه انه رغم تعلمه في المدرسة مادة التاريخ التي تتحدث عن الحروب وفناء الآلاف من البشر، يمانع أباه في حكاية أخبار، هي من التاريخ كذلك. اما هو، فأي ضير عليه؟ إنه يحكي قصة شقيقه... وهل يجوز للولد أن يلم ويحيط بسير الأمراء والقادة الوثنيين ولا يجوز له أن يتعرف إلى حياة أجداده الاتقياء الورعين، ويجهل كل شيء عن ثروة عمه الواسعة؟
.. ثم تابع الشيخ الحديث كانه يستنير ما بقي من زهيد الصبر في صدر سامعيه. واستطاع أن يفيض في وصف الازدهار العجيب الذي رافق التيفوئيد المباركة.
اسكته الولد بقحة بالغة:
- كلامك تافه فارغ، لا يهم أحدا..
والتفت ادريس وتابع:
- إننا لا نحب ضياع الوقت يا سيدي. هيا اعطنا الصوف الذي سنصنع منه فراش ابنتك.
- اية ابنة؟
- اذن لنقل الابن!
- أي ابن؟
- الطفل ، الطفلة، الولد. كلهم يؤلفون عائلة واحدة وانت تعلم جيدا أن فراش الطفلة..
- لا يا سيدي، أنا لا أعلم شيئا.. الحقيقة..
- عجبا لقد أطلعتني زوجتك على ذلك منذ بضعة أيام!
فصرخ ادريس مذعورا قلقا:
- ماذا؟ زوجتي ارتك ذلك؟ أفصح يا هذا! منذ لحظات كنت تقول بان البنت ستولد، وها انت الآن تقول أنك رأيتها!
- ماذا أصابك ياسيدي؟ الحديث عن الصوف، صوف الفراش!
أضاف الشيخ:
- ثم إن الفراش للطفلة، هل فهمت الآن؟
                                                      *
ارتمى ادريس على أقرب كرسي بجانبه، وأخرج من جيبه غليونا وكيس تبغ وعلبة ثقاب. وبعد أن ركز نظارتيه على عينيه، حشا الغليون بالتبغ، وأشعله وراح يتأمل تلافيف الدخان بنهم وشره، وتردد قبل أن يقول معتذرا:
- أجل.. سأسأل زوجتي. إني سأحدثها عن ذلك.. فصاح الولد مستفسرا:
- عم ستتحدث إليها؟
- عن قضية الطفلة!
- أية طفلة؟
- طفلتي!
- ولكن ليست لك طفلة.
- أنت قلت أن لي طفلة!
فاجاب الولد بفتور مصحوب بابتسامة بادرة:
- قلت انك سترزق بطفلة!
- ولم طفلة؟
- سيكون لك أكثر من واحدة إذا اردت فأنا لا أرى مانعا في ذلك!
- الحق أنني لا أريد شيئا.
- ولكن السيدة حرمك تريد صنع الفراش لابنتها هي، ولو رفضت انت.
- لو كانت لها ابنة لكانت ابنتي في نفس الوقت.
- حسنا أنها ابنتك انت!
- أكرر عليكما، للمرة العاشرة، أن ليست لي ابنة!
- المهم في الموضوع هو أن الفراش سيصنع لشخص ما! طفلة منك، أو من زوجتك أو منكما معا، أي أنت وزوجتك!
- وإذا رفضت أن تكون لي طفلة؟
- فلنقل اذن طفل!
ادريس بشدة:
- لا فارق عندي بين طفل وطفلة!
- فليكن مولودا بلا تحديد!
- كيف؟
- سوف تصبح أبا. انسيت أنك زوج والدة الطفل المنتظر؟
ابتسم الشيخ، وسعل ثلاث مرات متوالية متلاحقة. من الممكن أنه أراد بسعاله أن يلفت انتباه محدثيه إلى ما سيقوله، أو أن دخان الغليون هو الذي سبب له السعال الحاد. رن صوته بلهجة حوت الكثير من الرصانة:
- هي الحقيقة! نعم، هي الحقيقة عينها. اريد  أن تعلما ما حدث، في عهد السلطان مولاي عبد الحفيظ، تغمده الله ببركاته ورحمته، انتما، لم تكونا قد ولدتما بعد. فجدك الحاج قدور الذي رجع إذ ذاك من الحج منذ وقت قريب، جدك الرجل المسكين رحمه الله...
قاطع الابن أباه:
- ألا تتركني أكمل حديثي!
( ثم إلى ادريس):
- أجل، الصوف ياسيدي، الصوف للفراش، فراش...
واردف الشيخ بقوة:
- لأجل الصوف!
فاجابه الشاب بصوت أشد حدة:
- كلا الفراش للصوف.. لا! لا! الصوف للفراش، الفراش للطفلة.
إذ ذاك ضرب ادريس الطاولة بقبضة يده صائحا:
- لا وجود للطفلة!
فقال الولد بصوت مائع:
- إذن طفل!
عاد ادريس يضرب الطاولة من جديد بقبضته ولهجته ترتعد:
- كلا! كلا!..
اردف الشيخ، وهو يدفع سحب الدخان من فمه:
- حسنا، فلنقل ولد، فلربما تروق هذه اللفظة أكثر من لفظة طفل أو طفلة.
- لا ، لا يروقني شيء!
ورد الشيخ محتفظا بهدوئه:
- أذن، الصوف للفراش، والفراش للاشيء! وليدم مولانا على خاطره!
ضاق ادريس بكبت غضبه وانفعاله وصاح في وجههما:
- كفى حديثا! ارجوكما!
فاحتج الشاب:
- على رسلك يا سيدي! نحن ما قلنا شيئا يغيظك. فهل من العار أن نتحدث إليك عن أولادك؟ ان تصبح والدا، هل في ذلك ما يشين ويزعج؟
ثم قال لوالده:
- هيا نذهب!
                                                     *
مشى الشيخ ذهابا وجيئة يحصد في طريقه فوارات من دخان (الكيف) العنيفة وسرعان ما اختلطت مع رائحة الكتب المجلدة والجرائد ومع رائحة نسيم مايو. امتلات الغرفة بهذا المزيج، مما أثار سعال ادريس.
استرسل الشيخ يدخن غير مبال بالآخرين، ثم وقف عن السير، وتسمر في مكانه ملقيا نظرات ساخرة على ادريس، ذلك الرجل المائع الذي لا يتحمل رائحة (الكيف) ثم استأنف مشيه باتجاه الباب، رافعا ذراعيه نحوالسماء، ثم قال لولده مؤنبا:
- هكذا تمنع الناس عن الكلام، مع أن الله  تبارك وتعالى قد وهبنا لسانا لنتكلم!
فتمتم الولد:
- على شرط أن نتحدث باقتصاد ولا نضخم الجو بالصيحات!
اكتفى الشيخ بأن نظر إلى ابنه ببرودة واشفاق قبل أن يلتفت إلى ادريس من جديد:
- انت تمنع الناس أن يشتغلوا، رغم أن الله خلق الخروف ليعطي الصوف، والصوف ليصنع منه الفراش، ولقد من الله علينا، نحن المنجدين أن نصنع الفراش، ثم قال لابنه:
- كل ذلك يذكرني بما حدث، بعد ولادتك ببرهة وجيزة اسمع! كان ... ذلك..
ايه! كان ذلك في السنة التي سقط فيها الثلج على فاس، سافرت لزيارة مولانا ادريس، رضي الله عنه، ولما رجعت إلى الرباط وجدتهم قد اشتروا الخروف بعد اليوم الخامس من ميلادك نعم! حدث...
- حدث ماذا؟ هيا يا أبي، لا اريدك أن تعود القهقرى في الماضي الغابر.
- واحسرتاه! هؤلاء الأولاد، أولاد هذه الأيام لا يريدون سماع أحاديث شيوخ، ولا يحبون الاصغاء إلى أقوال الحكمة.
هنا تململ ادريس فوق كرسيه وقال بلهجة من يصطنع الود والابتسام، وهو ينتصب قائما ببطء:
- أني ارثي لكما ياسيدي. من الأكيد انكما ضللتما الطريق إلى البيت الذي تبغيان الذهاب إليه لصنع الفراش.
فأجاب الولد على الفور:
- لا ياسيدي، إن العنوان مسجل بدفتري، لا خطأ فيه.
                                                    *
عاد الشيخ إلى داخل المكتب، وجلس على أريكة مشبكا فخذيه، ثم أخرج من الكيس سبحة كبيرة وقال، وهو يؤرجح رأسه:
- أجل بكل تأكيد، إن صاحبنا يرفض أن تكون له طفلة.
- كلا يا شيخّ! أنا لا أريد شيئا، ولا أرفض شيئا.
فأجاب الولد:
- ألا يعني الاصرار على عدم الرفض وعدم القبول أنك لا تفصح عن رغبتك؟
- هل تريد صنع فراش الطفلة؟
وسأل الأب بدوره:
- وإذا لم يرد طفلة؟
- يصنع الفراش لطفل!
- وإذا لم يرد، لا طفل ولا طفلة؟ ولكن فقط... فلنقل ولدا!
- جيد! جيد.. ولكن الطفل والطفلة او الطفلة كليهما يدعيان ولدا!
بدأ ادريس يتثاءب ويتحرك، معبرا عن سأمه وضجره. فما كان الشيخ إلا أن تابع جداله مع ولده.
وقال بعد أن نفخ في غليونه لينظفه مما علق به:
- اعتمد المنطق ولو قليلا! إن جيل هذه الأيام يشكو ضعفا في العقل وغباوة في التفكير. سيدنا الفقيه لا يريد طفلة! هل سمعت؟ لا يريد، أنه أراد ألا يريد طفلة.
فارتجف صوت ادريس غضبا:
- ولا اريد طفلا أيضا!
فاجاب الشيخ بنبرات ثقيلة:
- أذن تريد ولدا وكفى!
- ....
- ماذا تريد أذن؟ فراشا!
- قلت لكما لا أريد فراشا!
حينذاك نفذ صبر الولد:
- ولكن حرمك تريد فراشا، وذلك يعني أنها تريد ولدا من اللهّ!..
- أنا ارفض كل شيء. ألست رب البيت وسيد امرأتي؟
- لا تنس أن للسيدة كلمتها في الموضوع!
- ليست القضية قضية أقوال وكلمات، بل قبل كل شيء، قضية ولد. النساء يلتزمن الطاعة لأزواجهن وعلى الزوجة أن تخبر زوجها قبل أن تحبل وتلد.
                                                   *
من سخرية الصدف أن يكون الشيخ حاضرا في حوار الأطرش مع الأبكم. القضية بالنسبة له واضحة:
- الله هو الذي يقوم بالخلق والإبداع. كل هذه الأمور تصدر عنه وتتعلق به كما كان يقول جدي...
يا للشسخ المسكين! الحظ يخونه إنه موضوع سخرية، خصوصا لولده. وأكثر من ذلك أنه يقاطعه! أه! شباب اليوم!
أمر الولد أباه بالذهاب إلى حال سبيلهما.
فأجاب الشيخ:
- أخيرا سنذهب. ولكني سانتهي إلى الاعتقاد بأن السيد لا يريد أن يكون له أولاد.
لف سبحته حول رقبته، وأخرج كيس الدخان، ثم تابع كلامه، دون أن ينتبه إلى الآخرين:
- أنا، عندما وهبني الله تبارك وتعالى هذا الولد (مشيرا إلى ابنه) هو الولد الثالث عشر، أو الرابع عشر من بين أخوته وأخواته، لم أعد أذكر بالتأكيد عندما نفحني الله بهذا الولد، قبلت عطية الخالق جل شأنه وأذعنت لمشيئته. أفعل أنت أيضا كما فعلت أنا. اتركنا نصنع لك الفراش لتبرهن أنك لا ترفض هبة الله (وتابع بعد صمت وجيز) يا ابنائي. اصغوا إلى أقوال من هم أكبر سنا وأكثر حكمة فارشاداتهم كنوز هذا العالم.
هنا سمع صراخ طفل يتعالى من أقصى البيت، فاقترب المنجدان من الباب، وقد بدا عليهما الفرح، مع شيء من الدهشة، فركزا نظراتهما على ادريس، وقد استحوذ عليه الذهول والشرود فصرخ الشيخ:
- انها هي! انها هي!
سقطت منه علبة الدخان وراح يجمع التبغ الذي تبعثر على الارض، وصاح الشاب كأنه يردد صدى صراخ أبيه:
- انه هو! انه هو!
اما ادريس فقد أخذ يتمتم مشدوها حائرا:
- من؟ من؟ ماذا حدث؟
                                                   *
تسمر اريس في مكانه غارقا في بحر من الفراغ المذهل المروع، فراغ العزلة والبعد، أمام هذين الرجلين اللذين لا يفهمهما ولا يفهمانه.
ما هذا الصراخ؟ ما هذا البكاء؟ أفكار متقلقة لا قوة له على لم شعتها، وتركيزها في نقطة واحدة. أحس بجمود وانهيار يعصفان بكيانه. هواجس وأوهام أقدار مجرمة سفاكة! بكاء غريب في بيته؟ ولكن هل سمع البكاء والصراخ حقا؟ أم أن ما حدث لا يتعدى مجرد  خيالات وأحلام؟ أنه يشعر بأن روحه تتقهقر في داخله، وفي اذنيه ولولة انهيار وضجيج دمار.
وأخيرا سمع ادريس صوت الشيخ يتفجر فيوقظه من بلباله:
- أنه يتظاهر بالبراءة، ويتلبس السداجة! لقد سمع صراخ الطفل في بيته، ومع ذلك فهو لا يكف عن سؤالنا، من؟ يا للمزاح الصبياني! إنها ابنتك ياسيدي إنها طفلتك إنه ابنك أو طفلك. هو ولدك، هي ولدك!
                                                   *
من جديد انغمس ادريس في عالم الحالم اليقظ ذاهلا يغوص في أعماق اللامعقول. أمام مثل هذا الحصار العبثي، تضع الثقافة السلاح ويستسلم الفكر صاغرا ويبدأ التجول في الظلام حيث يتساوى المثقف بالأمي، والمبصر بالأعمى. لم تعد أجهزة ادريس الفيزيولوجية تتناغم مع وجدانه، فحتى شفتاه أخدتا تتحركان دون تسيير من الإرادة ، تقذفان بعبارات غير واعية.
- لكن.. لا! ليس لدي طفل أبدا. ولا طفلة أيضا.. لا.. أبدا..
فعلق الولد ساخرا، واكتسى صوته نبرات الواثق مما يقول:
- إنه طفلك أو شيء شبيه به!
                                                      *
يسمع البكاء والصراخ من جديد، ويقترب ادريس من النافذة. يرهف السمع جهة الباب. لقد أحاطت به غيوم دكن من الحيرة والشرود واغترف الشيخ الفرحة من تلميحاته الأخيرة، ولبس ابراد النشوة بالظفر. اقتربت اسنانه الهرئة ترن ضحكة ساخرة هازئة ثم أخذ يقول بحدة:
- وأخيرا أراد الله تبارك وتعالى أن نلمس لمس اليد الدليل الناجز القاطع. اسمعت يا سيدي الفقيه؟ من المؤكد أنك سمعت. ومع ذلك ظننت من السهل أن تلصق بنا صفة المشعوذين. اما الآن، فها هو الطفل نفسه، مثل ملاك سقط من السماء، جاء يدعم هدفنا بالبرهان، بصوته الملائكي العذب. المنة لله ولرسوله لقد سمعت بآذني اليسرى، لان اليمنى انتابها صمم منذ وقت سحيق بعيد (.. ثم إلى ابنه): حدث ذلك عندما ولد أخوك، واحد من الثلاثة الأوائل! آه: لقد مضت على ذلك اربعون، أو بالأحرى خمسون سنة. حينذاك كان الحاج...
امسك الشاب بذراع والده وجره إلى خارج الغرفة.
                                                      *
ردد ادريس وعيناه ما زالتا عالقتين على الباب الداخلي، وقد اصفر لونه، وكل اشاراته تشبه حركات النائم المتجول:
- امام ما حدث ما زلت على جهل مطبق مرير. الشرود والتردد يستبدان بي بقسوة.
مشى إلى النافذة بخطوات متثاقلة والتهم نظره الحزين المتلجلج الرباط كلها. خصوصا الرباط الجديدة. ولكن نظره لا يستقر على شيء، ولا يبحث عن شيء. الشيء الذي يهتم له ادريس هو أن يحيط بما يعتمل في داخله. ولكن هل لديه القوة الكافية لسبر أغواره وتفهم ذاته؟ أنه يتطلع ولا يرى شيئا ويخفض رأسه ويحلم دون أن يدري بماذا يحلم. ضميره متشنج متخدر. لابد أن دوارا كثيفا مترجرجا مثل الضباب يغلفه الخور يدب في جسمه، والفراغ يعوي في رأسه. حبذا لو استطاع إلى البكاء سبيلا. شهوة إلى ذرف الدموع تتآكله. شهوة إلى دموع مهدئة، «ما هو سر الطفلة؟ ما سر الصوف؟ زوجتي ترى في المنام أننا رزقنا بابن، ويأتي المنجدان ليصنعا فراشا، ألا هي! في أي عالم أنا؟
مولود! طفلة ! طفل! ابنها؟ ابني؟ ابننا؟ ابن من؟».
                                                   *
رفع ادريس رأسه ونظر من جديد في الفراغ... المدينة بيضاء ناصعة ، مثل حجرة الجراحة في المستشفى، مثل المغربيات وقد تسربلن ثياب الحداد، مثل الكفن، مدينة مغناجة لا شبيهة لها إلا بلدة أغادير، انه لمهندس عبقري فذ، تمرس بالتساوق والتناغم، ذلك الذي صمم وخطط الرباط الحديثة ولكن الرباط تنفح ادريس في هذه اللحظات بالمشهد العاتم الحزين.
من هو هذا المولد، ما جنسه؟
هل هو اسود أم ابيض.
ما اتى يفعل هنا؟
نعم هنا ماذا أتى يفعل؟
من جاء به إلى هنا؟
هل هناك من يتردد على البيت ؟ قسما..
                                                      *
طفل!
إنه يمثل الحياة ورمزها، أنه حياة الألغاز إن الطفل، أي طفل، كل قائم بذاته، وهو في الوقت نفسه لا شيء بدون الاخرين. هنا نحس بغلاظة لغز الإنسان وكثافته. وأن اللغز يمر منا، وخارجا عنا، يمر في كل شيء ولا يوجد لغز، وسره في أي مكان إذ ذاك هو لغز كل لغز وسره الدائم أننا مجبرون على ملاحقته، في بحث أبدي مأساوي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here