islamaumaroc

أصداء البيئة الطبيعية في اللغة

  دعوة الحق

90 العدد

خلق الإنسان من الأرض، وعاش على الأرض وإلى أمه الأرض يعود.
هذه قضية لا جدال  فيها ولا نزاع
وكيف يعتريها جدال أو نزاع، والإنسان يجد نفسه ابن الأرض، جسمه من عناصرها، وغذاؤه من ثمراتها ومائها وهوائها، وهي مسرحه في جده وفي لهوه، وفي طفولته وشبابه وكبره، ثم هي مثواه الأخير بعد جهاده وجهوده، يعود إليها كما نشأ منها.
وهل يمتري أحد في أن الحضارة التي ننعم بها ثمرة لتسخير القوى والمواد التي في الأرض وعلى الأرض؟
وهل البيئة الطبيعية للإنسان إلا حيز محدود من هذه الأم الكبرى الأرض؟
وإذا كان الإنسان يصطبغ بصبغات شتى، ويتأثر بعوامل عدة في حياته، فإن البيئة الطبيعية في صدارتها.
نعم في الصدارة، لأن أثرها عظيم في الجسوم والعقول والأخلاق، حتى إن الباحثين يرجعون إلى البيئة تفاصيل الخلقة كألوان البشرة والعيون والشعر، وسعة العيون وضيقها.
انظر إلى سكان الإقليم الاستوائي تجدهم سودا وإلى سكان المناطق الشمالية تجدهم بيضا وإلى سكان الجزيرة العربية مثلا ترهم سمرا.
وقديما زعم الإخباريون أن الزنوج اسود لونهم لأن نوحا عليه السلام دعا على ابنه حام، ثم جاء ابن خلدون ففند هذا الزعم، ورجعه إلى تأثير البيئة فقال: في هذا غفلة عن طبيعة الحر والبرد وأثرهما في الهواء وفيما يتكون فيه من الحيوانات، وذلك أن هذا اللون شمل أهل الإقليم الأول والثاني (من خط الاستواء إلى الدرجة 23 ومن الدرجة 24 إلى 29) من امتزج هوائهم بالحرارة المتضاعفة، فيكثر الضوء لأجلها، ويلح القيظ الشديد عليهم، وتسود جلودهم، لإفراط الحر، لأن الشمس تسامت رؤوسهم مرتين متقاربتين في كل سنة، فتسعفهم بحرارتها وضوئها، وتلوح جلودهم بنارها.
أما سكان الأقاليم السادس والسابع (من 48 إلى 53 ومن 54 إلى 59) فهم بيض البشرة، لأن هواءهم بارد،  والشمس لا تتجاوز آفاقهم في أوجها، فيضعف الحر، ويشتد البرد في عامة الفصول، فتبيض الألوان، وتزرق العيون، وتصهب الشعور، وتبرس الجلود، لهذا قال  ابن سينا في أرجوزته:
بالزنج حر غير الأجسادا    حتى كسا جلودها سوادا
والصقلب اكتست البياضا    حتى غدت جلودها بضاضا(1)
والبيئة هي التي صاغت أبناء الصحراء على ما يلائمها، من نحولة في الأجسام، وسمرة في الألوان، وحدة في البصر، وقناعة، وعزة في النفس، وصلابة في العزيمة، وصبر على المشقات، وصراحة في المقال، وإيثار للإيجاز، واكتفاء باللمح والرمز.
وهي التي أكسبت سكان الشواطئ قوة في السواعد، ومتانة في الصدور، ليجوسوا البحار بسفنهم، ويحركوا مجاديفها بسواعدهم.
وهي التي زودت سكان الجبال بقوة في أرجلهم، تسهل عليهم أن يتسلقوها، ويطاردوا حيوانها.
كذلك أثرت في تتر منغوليا، فصارت أكتافهم مرتفعة، وأعناقهم قصيرة، لأن بلادهم ذات ريح باردة لا بد لهم من اتقائها، وخير وسيلة عندهم رفع أكتافهم، وجمع أعناقهم، وضم بعضها إلى بعض وهم ذوو عيون ضيقة وأجفان غلاظ منتفخة، نتيجة لهذه البيئة نفسها، لأن الريح الباردة لا تلائمها العيون الواسعة، أما غلظ الأجفان فهو الوقاية من الريح ومن برودتها، على أن  بلادهم مملوءة بالثلج الذي يتلألأ في ضوء الشمس، فيأخذ بالأبصار، فالعيون الضيقة هي التي تستطيع الإبصار في هذا اللألاء.
                                                      -2-
وليس من شك في أن الإنسان يخضع لمؤثرات أخرى، تشكل طباعه وأخلاقه وعاداته ومزاجه، فينطبع إنتاجه الفني بهذه المؤثرات، ويتشكل بالمزاج والأخلاق والعادات، فهنالك النظم السياسية والدينية  والاجتماعية وغيرها، لكن البيئة الطبيعية هي المؤثر  الأول، والعامل الفعال، حتى ليصح أن نشبه النفس الإنسانية بالقيثارة، توقع عليها الطبيعة وغيرها ضروبا من  الألحان والأنغام، هي رجع لما في البيئة الطبيعية من مظاهر الخير والشر والجمال والقبح أكثر مما هي صدى للمؤثرات الأخرى.
وليس يخفى على الباحثين أن للبيئة أثرها العظيم في مفردات اللغة، لأن اللغة وسيلة التفاهم والتعليم والأخبار، والذين يعيشون في بيئة واحدة يتواضعون على كلمات خاصة نابعة من بيئتهم، ويطلقون أسماء معينة على مسميات يعرفونها.
ومن هنا نجد البيئة الصحراوية غنية بكلمات متصلة بالرمال والتلال والخيام، وغنية بكلمات متصلة بالإبل والخيل والغنم وحيوان الصحراء، على حين أنها فقيرة فيما يتصل بالبحر والسفن والملاحة والزراعة.
ونجد البيئة الزراعية ثرية بمفردات دالة على الزروع وآلات الزرع والحصاد، وهي في الوقت نفسه قليلة الكلمات الدالة على ما يتصل بالصحراء.
أما البيئة البحرية فإن في لغتها كثيرا من الكلمات الدائرة على البحر والموج وحيوان البحر، وعلى السفن والملاحة، لكن كلماتها الدالة على البيئة الصحراوية أو الزراعية قليلة ضيقة النطاق.
فإذا ما تجاوزنا المفردات إلى العبارات وإلى الخيال تبين لنا أنها مطبوعة بالبيئة.
فسكان الصحراء ينتزعون منها صورهم وخيالهم من تشبيه واستعارة وكناية، ولهذا شبهوا الشجاع بالأسد والكريم بالغيث، والحليم بالجبل، والقوي بالصخر، وانتزعوا من البيئة صورا شتى في غزلهم وفخرهم ورثائهم ومدحهم ووصفهم.
وجاءت كناياتهم مستمدة من بيئتهم البدوية، فهم في ثوثيقهم للحلف والمعاهدة الدائمة كانوا يقولون: «ما بل بحر صوفة، وما أقام رضوى- إن كان جبلهم رضوى، وكل قوم يذكرون جبلهم أو المشهور من جبالهم- في مكانه، على حين أن القضاة في جزيرة الرجل Isle of Man  كانوا إذا حلفوا على مراعاتهم للعدالة او القانون قالوا: إننا سنستقيم في تطبيق القانون استقامة العمود الفقري في ظهر سمكة الهيرنج.
كذلك كنى العرب عن العبث في تقديم شيء لمن يملك منه الكثير بقولهم: كمستبضع التمر إلى هجر،  على حين أن الإنجليز يعبرون عن هذا بقولهم: كحامل الفحم إلى نيوكاسل.
وشبه العرب الأبيض بضوء الشمس أو بشعاعها، كقول سويد بن أبي كاهل اليشكري.
حرة تجلو شتيتا واضحا     كشعاع الشمس في الغيم سطع
أما الإنجليز فشبهوا الأبيض بالثلج as white as anow وهكذا يستمد كل قوم من بيئتهم، ويتأثرون بها في تخيلهم وفي تصويرهم.
على أن للبيئة أثرها في ذوق أهلها، وفي مقاييسهم للجمال والقبح. فالعرب مثلا استملحوا العيون الدعج والعيون الحور، وأعجبوا بالدعج في الأبكار وبالحور(2) في الغزلان، وشبهوا بهذا وذاك عيون الحسان لكن التركمان استملحوا العيون الخزر - الضيقة - والوجوه العريضة المستديرة، والأعناق القصار، لأن البيئة صاغتهم على هذا الغرار.
ثم إن العرب أبغضوا اللون الأسود، وعدوه رمزا للكآبة والحزن، ونفروا من الغراب، وتشاءموا به، لأنه نذير الفرقة، ولكن الزنوج يميلون إلى اللون الأسود، ويؤثرون المرأة السوداء، وكلما كان سوادها حالكا ازدادت في نظرهم جمالا وإغراء وفتنة.
لكن تعميم الأحكام على العرب الجاهليين لا يخلو من إسراف وتزيد، لأن اتساع الجزيرة، وتباعد أطرافها، واختلافها في البيئة والجو، وفي القرب والبعد، من الممالك المجاورة، واختلاف سكانها في الحضارة والبداوة، كل هذا لا يكفل الصدق للأحكام العامة التي تشمل العرب جميعا.
فقد كانوا ينقسمون إلى طبقات شتى، تجمعها طبقتان كبريان: أهل المدر وأهل الوبر، فأما الأولون فهم سكان الحواضر والقرى، وكن عماد حياتهم على الزرع والنخل وتربية الماشية والتنقل بالمتاجر، وأما الآخرون فهم قطان الصحاري، وكانوا يعيشون على ألبان الإبل والغنم ولحومها، وينتجعون منابت الكلأ، ويرتادون مواقع المطر، فيخيمون بها ما وجدوا خصبا ومرعى، فإذا نضب الماء ونفد العشب يمموا مكانا آخر فيه عشب وماء، فهم لا يزالزن في حل وترحال.
وكانت القبيلة الواحدة تنقسم أحيانا هذين القسمين، فيتحضر بعضها، ويتبدى بعضها، فهنالك قريش البطاح المقيمون بمكة، وقريش الظواهر المقيمون بالبادية، الأولون متحضرون والآخرون أعراب.
وهنالك عبد القيس، بعضهم حضر أقاموا في عمان والبحرين، وبعضهم بدو.
كذلك تغلب وبكر وإياد كان بعضهم حضرا سكنوا شمالي العراق وما بين النهرين، وبعضهم بدو في جزيرة العرب نفسها.
وجهينة كان قسم منها في البادية بنواحي جبلي رضوى وعزور، وقسم آخر في الحاضرة بينبع، وقسم ثالث في الصفراء وهي قرية كثيرة النخل والمزارع والماء، وهكذا.
وكان هنالك بدو صبغتهم البداوة بصبغتها، لأنهم موغلون في البيداء، يبعدون عن القرى، يكاد التطور والتأثر بغيرهم لا يمسهم إلا في حذر  وعلى مهل وهينة، وهؤلاء هم الأعراب الجفاة، وهنالك بدو لم يصطبغوا بالبداوة هذا الصبغ، لأنهم يقيمون حول الحواضر والقرى، عن كثب من سكانها، وعلى صلات بهم، وكثيرا ما كانوا على وشائج قرابة بسكان القرى التي يقيمون حولها، وكثيرا ما كانوا قسما من القبيلة التي يقيم بعضها في الحاضرة أو القرية، كقريش الأباطح وقريش الظواهر، وكجهينة ونهد ومزينة وهذيل وغيرها.
على أن هؤلاء جميعا اختلفت حرفهم وأعمالهم، فكان منهم تجار ورعاة وزراع وصيادون وصناع.
ومعنى هذا أن اللغة تأثرت بالبيئة العامة والبيئة الخاصة، فجاءت المفردات والعبارات والصور والموضوعات صدى للبيئة وللأحوال الخاصة، ولكن آثار البيئة الطبيعية أوسع وأعمق.

(1) -  المقدمة 71.
(2) - الدعج: شدة سواد العين مع سعتها. الحور: شدة بياض العين وسواد سوادها مع استدارة الحدقة ورقة الجفون، أو هو اسوداد العين كلها مثل الظباء، ولا يكون في بني آدم بل يستعار لها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here