islamaumaroc

إفريقيا في مفترق الطرق -1-

  دعوة الحق

87 العدد

تتضاعف الشكوى من عدم الاستقرار الذي يغزو القارة الإفريقية في شكل مخيف والقارة الأسيوية في مشهد آخر يقرن القارتين في شرك واحد، وعدم الاستقرار هذا تتشابه عوامله وان اختلفت مشاهده.
ولا بد من الإشارة قبل الاسترسال في هذا العرض إلى عامل أصلي هو الذي تفرعت عنه العوامل الأخرى، وهذا العامل هو التخلف بنوعيه وفي شكليه الفكري والمادي.
إن المجتمعات الإفريقية والأسيوية تحيط بها المشاكل العميقة من كل جانب، وتتراكم من حولها الصعوبات التي تحتاج إلى النضج والواقعية والتبصر والنفس الطويل أكثر من ذلك، وهذه الصفات لابد من توفرها في كل قيادة تتولى تسيير شؤون الشعوب في كل من القارتين.
وإذا كان كفاح هذه الشعوب من اجل الحصول على استقلالها قد اتسم في اغلب صورة وفي كافة مراحله بالعاطفة المجردة، فان الكفاح من اجل مقاومة التخلف يحتاج إلى عنصر الواقعة التي تكون بمثابة «الفراميل»لكل اندفاع عاطفي مجرد، إلا انه يبدو أن رواسب العواصف المجردة ما تزال تؤثر في تكييف سلوك القادة، إما بالطبع، وأما بالتطبع مسايرة لعواطف الجماهير، فكان مما لابد منه-والحالة هذه- أن تستأثر بعض القرارات التي تمس تسيير الشؤون العامة وخصوصا-في قارتنا الإفريقية بثورة وطنية يطبعها الوازع الوطني الصرف الذي لا يريد في بعض الجهات أن يخضرم نفسيته وسلوكه بالواقعية التي يتطلبها عيد الاستقلال ومقاومة التخلف، فنتج عن ذلك ارتكاب بعض الأخطاء التي جعلت السلبية تحل محل الايجابية، ومهما قيل عن حسن النية في ارتكاب هذه الأخطاء فان العمليات الحسابية الظرف الزمني وسرعة القافلة العالمية لا تقبل عذر حسن النية طبقا لما تقتضيه مدونة القرن العشرين.
وبما أن التنمية الاجتماعية هي التي كانت موضوع مختلف التجارب التي أجريت لحد الآن، فان ما وقع من أخطاء كان أمرا لابد وان تردد انعكاساته على مختلف الميادين، وليس عيبا بل وليس بدعا أن تمنى التجارب ببعض الأخطاء، بيد انه كان ينبغي الاستفادة من تلك الأخطاء وذلك بالبناء الجديد على مقتضى عبر القديم، ولكن الذي حدث هو غير هذا، وخصوصا في قارتنا الإفريقية.
لقد كان من الطبيعي أن تتسابق مختلف الإيديولوجيات إلى اقتحام أبواب القارتين وخصوصا منهما الإفريقية بعد أن اضطرب الإيديولوجية الاستعمارية إلى التخلي والجلاء، كما انه كان من الطبيعي أن يقع النظر في هذه الإيديولوجية عسى أن يقتبس منها ما يمكن اقتباسه في خطط التنمية وتقويم التصاميم التي تتصل بها.
إلا انه كان من الضروري كذلك أن تجرى عملية الاقتباس هذه بكل دقة وبكامل التحري، فهل كان ذلك؟
الواقع أن عملية الاقتباس قد خضعت في منظم الظروف والأحوال في إفريقيا إلى اندفاع كان حظ التأثير فيه للعواطف أكثر من حظ التفكير الواقعي.
وإذا كان غير شك أن يكون للأساليب الثورية مفعولها في معركة النمو ومقاومة التخلف، فان هذه الأساليب كان يجب اللجوء في البعض منها إلى عملية الضغط على «الفراميل» كلما دعت الضرورة لذلك حتى لا تختلط الثورية بالارتجال، ويطغى هذا على ذلك.
إن كلمة «الاشتراكية» وما يتفرع عنها من مفردات كان ينبغي لها أن تكون دالة لمدلول يستمد عناصر تكوينه من بيئة كل بلد يجتاز مرحلة النمو واخذ بالاشتراكية وركز على مبدئها برامج إصلاحه ووسائل إنمائه، يضاف إلى ذلك انه كان ينبغي بل وينبغي أن يوخذ بعين الاعتبار-في مرحلة تطبيق الاشتراكية- ما طرا على أساليب تطبيقها من مرونة وتعديل حتى في البلاد التي كان يعد فيها المذهب الاشتراكي إنجيلا غير قابل للتأويل فأحرى للتعديل، ومن ثم كانت الأخطاء التي ارتكبت أو ترتكب في تطبيق المبدأ الاشتراكي ببعض البلدان النامية- عاملا أما مباشرا أو غير مباشر في حرمان تلك البلاد من الاستقرار الضروري والأساسي في مرحلة النمو النرى انه ليس من المناسب ضرب الأمثال أو تعدادها بل انه من الأحسن الاكتفاء بالإشارة إليها بمثل هذه الإشارة العابرة.
أن التطور الصناعي المدهش قد أصبح يقضي بضرورة وضع تصميم لحركة استثمارية في البلاد النامية حركة متسعة الإرجاء متنوعة إنمائي بكل ما تقتضيه ضرورة المحافظة على السيادة الوطنية وعدم التبعية والانحياز المطلق، فانه ينبغي إلى جانب ذلك إلا يتحكم في مثل هذه التصاميم عامل الجمود والسلبية والثورة اللفظية الجافة ولا نقول جوفاء.
وسلوك مثل هذه السبيل القويم من شانه أن يعزز ولاشك عناصر التنمية على الصعيد الداخلي من جهة، ويسد الأبواب أمام الطفيليات الخارجية التي عودتنا أن تتصيد الأخطاء في ميدان التنمية الاجتماعية والاقتصادية لتتخذ منها أعشاشا للتبييض والتفريخ ثم تستخدمها فيما بعد كأسلحة تنقض بها على ركيزات الاستقرار الواحدة منها تلو الأخرى.
وإذا كان يبدو انه من الصعب بحكم الظروف الابتعاد عن ميادين الحرب الباردة فان هذه الصعوبة تتضاعف كلما ضعفت المتانة في خطط التنمية، وانعدمت عوامل التضامن فيما بين الأقطار النامية التي تريد أن تسلك سياسة جدية في هذا الباب، ذلك أن 
الاضطرار الذي نلاحظ مظاهره أحيانا في سياسة بعض البلدان النامية والذي يجرها إلى التأثير بهذه الحرب الباردة، لنما هو ناتج في الأصل عن انعدام التضامن أو عدم فعاليته، وهذا الانعدام ينشا في الأحيان عن انعدام آخر هو عدم الثقة بالنفس أو التشكك في جدوى هذه الثقة.
ومن هنا يسوغ القول بان الحرمان من الاستقرار سواء منه المتواصل أو المتقاطع يتسبب فيه عنصران يتفرع احدهما عن الأخر، عنصر داخلي وهو الأصل، وعنصر خارجي وهو الفرع، ولقد تجلى من مختلف الأحداث التي تعرضت لها بعض البلاد النامية وخصوصا في القارة الإفريقية بروز هذين العنصرين في مشاهد مختلفة لم يعد معها ما يدعو إلى الإدلاء بحجج مقنعة أخرى، فالأخطاء المرتكبة عن حسن نية في بناء مجتمع جديد عن طريق الثورية اللفظية الجامدة والجامحة أيضا كان من نتائجها أن انقلبت إلى أسلحة في الخارج استعملت لإغراض مختلفة في الداخل.
وإذا كان أمرا طبيعيا أن تمنى بعض تصاميم التنمية بأخطاء فانه كان من الممكن استخدام ما سميناه في هذا العرض «بالضغط على الفراميل» وفي الوقت المناسب، ثم إعادة النظر في كافة الجهاز المسير بالفحص الدقيق لجميع أجزائه.
ويوجد كثير من البلاد النامية في أوضاع تمكنها من جراء المشورة فيما بينها، وهذه الأوضاع يبرز تشابهها أكثر فأكثر بالنسبة إلى البلاد النامية المتاخمة الحدود والتي تتشابه أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية كليا أو جزئيا.
ثم انه إذا كانت المعارك الحربية ينبغي أن يصاحبها الحذر فيما يخص مؤخرة الجيش، فان المعارك ضد التخلف لا تختلف عنها.
والشرط الأساسي لربح معركة التخلف هو الحرص على أن تكون المؤخرة في الميدان الداخلي وعلى المستوى الوطني سليمة-وبأقصى ما يمكن من الوسائل- من عوامل التشكيك والبلبلة وتعتبر هذه المهمة من أقدس المهمات التي ينبغي أن يضطلع بأعبائها رجال السياسة، وكل العناصر التي يمكن أن يكون لتوجيهها تأثير على الرأي العام الوطني، ومهمة كهذه فتقضي وبكثير من الإلحاح بان تكون الروح الوطنية الجماعية هي وحدها التي تملي اتخاذ المواقف من جميع القضايا الوطنية في كافة البلاد النامية.
أن الاستعمار القديم كان يبدو في شخصيته الحقيقية ويطبق خططه جهرا وعلانية فكان لذلك يعرف بسيماه، وكانت مطاردته تقع في شكل جماعي تبعا لذلك.
أما الاستعمار الجديد فهو يجوس خلال الديار وخصوصا في القارة الإفريقية متنكرا يرى هو وقبيله من حيث لا يراه الناس، على طريقة الشيطان تماما، ولهذا اتسمت مهمة مطاردته بشيء غير قليل من العسر والصعوبة، وكان من نتائج تنكره تضارب الآراء في حقيقته، الأمر الذي أدى ويؤدي بأوضاع في بلدان النامية إلى ما تعتريها أحيانا من انقسام في الرأي تتولد عنه بلبلة عامة سرعان ما تنقلب إلى تهديد بالحرمان من الاستقرار.
وهكذا تتضح لنا معالم الطريق المؤدية إلى عدمن الاستقرار في البلاد العربية والإفريقية التي تكاد أن تنتقل إليها عدوى الروايات المتسلسلة البوليسية التي تميزت بها الأوضاع السياسية في دول أمريكا اللاتينية.
ولو أن القادة الأفارقة وكل القادة في البلاد النامية يجهلون العوامل التي تؤدي إلى عدم الاستقرار أو تعذر عليهم لمسها : كان في الإمكان القول بان هنالك حالة من التعقيد يمكن قبولها في شكل اعتذار لما ترتطم به البلاد النامية في حفر عدم الاستقرار أما والحال أن هذه العوامل بينة وواضحة وتزيد الأحداث المتوالية والمؤسفة في نفس الوقت فتلتقي عليها أنوار ساطعة، فان كل عذر لم يعد له محل من الإعراب.
ومن خلال هذا العرض الوجيز يمكن استخلاص الحقائق التالية.
أولا- أن البلاد النامية والإفريقية منها بوجه خاص تعاني الكثير من تكاثر في الكمية البشرية ونقصان في الإنتاج ووسائله.
ثانيا- تعتقد الأوضاع وبالأخص منها الاجتماعية والاقتصادية التي خلقها الاستعمار وراءه كالغاز أراد من تركها أن يتحدى عهود الاستقلال.
ثالثا- أن الاشتراكية في إفريقيا يجب أن تخضع في تطبيقها لظروف الهيئات الخاصة وان تكون التصاميم على قدر الإمكانيات، وان يؤخذ بعين الاعتبار لدى وضع كل تصميم في إطار التنمية مختلف التيارات العالمية وتقع الموازنة والتقدير الدقيقين قبل الانطلاق في اتجاه معين.
رابعا- أن التضامن فيما بين الدول النامية وخصوصا منها الإفريقية ضرورة تستلزمها الظروف المتشابهة والإمكانيات الطبيعية والبشرية التي يكمل منها البعض البعض الأخر.
خامسا- يجب أن تكون القيادة السياسية في كل بلد من هذه البلاد وطنية في روحها واقعية في سلوكها توازن وتلائم فيما بين ما تقتضيه الوطنية وما تفرضه التقنية.
سادسا- ينبغي إخضاع العلاقات فيما بين الدول النامية والدول الأخرى إلى عامل المصلحة القومية قبل عامل كل فلسفة إيديولوجية.
سابعا- مقاومة كل نوع من الحوار البيزنطي على المستوى الوطني وإعطاء الديمقراطية عائقا ينتصب أمام مطار التنمية المنطلق فيتسبب في توقيفه ثم في تعجيزه.
ثامنا- مقاومة الاحتراف السياسي في غير هوادة وإبادة كل صور من صوره بعدهما أفصحت الأحداث والوقائع بما لا يقبل الشك أو التردد-بأنه داء عضال.
تاسعا- مقاومة النزعة الجديدة التي ابتليت بها القارة الإفريقية عن طريق البذخ المصطنع الذي أدى إلى انعدام الضمير المهني والفساد الإداري اللذين تضررت منهما القارة الإفريقية اشد الضرر وابلغه.
تلك في رأيي هي العناصر التي تولد ويتولد عنها الحرمان من الاستقرار في البلاد النامية، وهذه وسائل مقاومتها باختصار.
أن توالى الأحداث المخيفة في إفريقيا كان من شانها أن وضعت كافة أقطار هذه القارة في مفترق طريقين، لا في مفترق طرق كما يقال، فلما استقرار تتوفر عوامله جملة وتفصيلا يساعد على تخطى الصعوبات ومواجهة المشاكل بما يتلائم مع أهميتها في الكيف والكم وأما أن يتحقق الإعجاز التي تحدانا به الاستعمار وما زال، ولا ثالث لهما.


 

 


 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here