islamaumaroc

[كتاب] صور ومشاهد من الحضارة الإسلامية (لعبد القادر الخلادي)

  دعوة الحق

87 العدد

جـــزءان:
الأول 329 صفحة
الثاني 207 صفحة
ما يزال الكتاب الدراسي الأداة الأولى لعملية التكوين العلمي والأدبي والروحي للنشء المفروض فيه أن يرتبط بالأمة التي ينتسب إليها ارتباطا أساسه الفكر، وأداته اللغة، وهدفه المعرفة، بأوسع معانيها ومجالاتها.
ولئن اتسعت ءافاق التثقيف وأساليبه الصامتة والناطقة فان الكتاب-ولا سيما الدراسي- سيظل النبراس المتلألئ في سماء هذه الأفاق: يهدي الساري، ويرشد الحيران، ويسد كل فراغ تحدثه الأساليب الأخرى في الفكر، واللغة والروح.
فالكتاب الدراسي بمعناه الدقيق إذا أحسن تأليفه واختياره وعرضه أمام الطالب يكون بمنزلة المطية الذلول التي تقدمها لمن يقدم على اجتياز المفازات الشائكة والمنعرجات الصعبة والمجاهيل الموحشة.
والأستاذ المدرس المرتبط بعدد من الطلاب والتلاميذ: يعرف مداركهم ومشاكلهم وما يعانون من نقص هو الذي يحسن عادة تأليف الكتاب الدراسي واختياره وعرضه لأنه بحكم تجربته الطويلة ومعرفته الواسعة اقدر من غيره على إصابة الهدف بمهارة واقتدار ودقة.
وهذا ما آثار اهتمامي وشغل فكري في كل مرة أكون فيها مضطرا إلى-اختيار- كتاب لطائفة من الطلاب والتلاميذ يكون عبء تكوينهم على كاهلي... وهذا ما وقع لي بالضبط وأنا-اختار- لهم هذا الكتاب الذي أقدمه اليوم كنموذج لما يناله الكتاب الدراسي من جودة التأليف والاختيار والعرض...
فهذا الكتاب «صور ومشاهد من الحضارة الإسلامية» ليس دراسة ولا بحثا يعتمد على مقدمة وتحليل ونتائج ولكنه «صور» «حية» و «مشاهدات» ناطقة اقتطفها المؤلف غضة طرية من أمهات الكتب الأدبية والتاريخية في أزهى عصور الحضارة الإسلامية في بغداد ودمشق، والقاهرة، والقيروان، وبجاية، وتلمسان، وفاس، ومراكش، وقرطبة، واشبيلية، وغرناطة، وغيرها من الأقطار الإسلامية الكبرى.
وعملية «الاقتطاف» عند المؤلف كما يظهر من كتابه لم تتم في أيام أو شهور أو سنة... ولكنها استمرت عدة سنوات كان المؤلف فيها أستاذا لأجيال مرت وأفواج عبرت الجسر في طريقها إلى الحياة العامة.
وبعد هذه العملية عانى المؤلف عملية أخرى وهي عملية التنسيق والتبويب وجمع الأشباه والنظائر بعضها إلى بعض ليكون الطالب أمام هيكل حقيقي لمعطيات الحضارة الإسلامية في المسجد، والمدرسة، والمستشفى، والبيت، والقصر، ومنتديات الأدب، والشارع، والحمام، ومجالس العلم، ومنتديات الأدب، والحفلات العامة والخاصة، والملاهي، والمهرجانات، والأعياد، والمواسم، والمناسبات، وما إلى ذلك...
وهذا ما حمل المؤلف على أن يجعل لمقتطفاته أبوابا يشتمل كل منها على موضوع خاص في الحضارة الإسلامية وتكون تلك المقتضيات إزهارا يفوح أريحها وتتلالا ألوانها ناطقة بالماضي الحافل المجيد لأمة سادت ثقافتها وحضارتها الشرق والغرب عدة قرون... وسكت المؤلف لتتكلم مقتضياته معبرة عما قصده من إعطاء صور حقيقية عن حضارة تنكر لها المتنكرون وتجاهلها المتجاهلون واءمن بها المومنون... ولم يتكلم إلا في أول الباب يهيئ الطالب والتلميذ لحسن التفهم والتنبه ليعين الحقائق ويقدر النتائج ويستمر في ربط الماضي بالحاضر على أساس سليم من الإيمان الذاتي بمجد أسلافه.
وفي كل قطعة نجد المؤلف يذكر مصدرها ويعرف برويها تعريفا مختصرا مع شرح الكلمات والعبارات شرحا لغوي أو تاريخيا أو اصطلاحيا حسب المقتضيات والأحوال.
وإذا درسنا هذه النصوص من الوجهة التاريخية وجدنا أنها تكون مستندات لعدة موضوعات في أساليب الحكم والإدارة والقضاء والشرطة والحسبة والسكان والعادات والأخلاق والملل والنحل والمذاهب والآراء.
وإذا درسنا من الوجهة الأدبية وجدنا إنها تكون رصيدا من التراكيب والعبارات والألفاظ اللغوية والإصلاحية ما أجدر ذاكرة الطلاب بالاعتماد عليها في تكوين القموس الشخصي الذي لا غنى عنه للتعبير الصحيح السليم والأسلوب الواضح المستقيم.
وإذا درسنا من ناحية ثالثة وهي ناحية !التعريف» بأمهات الكتب والموسوعات وأشهر المؤلفين والرواة والرحالين والمؤرخين والكتاب والشعراء فإننا نجد أنفسنا أمام مكتبة متنوعة في جد الحياة وهزلها وطريفها وتليدها.. فالمؤرخ إلى جانب المغني، والفيلسوف إلى جانب الشاعر، والرحالة إلى جانب الفقيه... والمسجد إلى جانب المستشفى، والحمام إلى جانب الملهى... والبذخ والثراء... إلى جانب الحرمان والشقاء، والأبطال والفاتحون إلى جانب أهل الكدية والمشعوذين...
وإذا عامنا أن المؤلف أعطى لكل قطعة عنوانا يناسبها من الجد أو الهزل علمنا إلى أي حد أراد أن يشوق الطلبة ويجذب انتباههم ويلفت نظرهم بمثل هذه العناوين.
- بخيل في مجلس انس..
- إزهار تبايع الورد..
- الكتابة على التفاح..
-  ظباء تحلب..
- أستاذ في ضروب الظرف وفنون الأدب..
- أميرات يقدن قوافل الحج..
- يسال عن كتاب في موسم عرفات..
- المعالجة بالطرب..
ولا شك أن حسن الاختيار والتبويب منع إعطاء عناوين لكل قطعة ليس عملا هينا يتم بين عشية وضحاها كما أن حسن العرض لا يتأتى إلا إذا عرف العارض الكيفية اللائقة بأسلوب العرض ومزايا العرض المناسب
وكل هذه الأشياء لا تحاربي المؤلف ولا تجامله إذا سجلنا انه قد حالفه التوفيق فيها.. وانه بذلك قدم نموذجا للكتاب الدراسي وما ينبغي أن يتوفر فيه من عناصر ترجع قبل كل شيء إلى ذوق المؤلف وتجربته وخبرته وروحه...
واخطر ما في الكتب الدراسية أن تؤلف على أنها كتب وكفى... تقدم معلومات... وتشرح حقائق... وتساير منهاجا... من دون اهتمام برسالة تؤديها... وروح تذكيها... ومشاعر تنميها... ومبادئ تغرسها... مثل عليا تنعيها... في كل العلوم وفي كل الحقائق... وفي كل الأساليب مهما كان نوعها... وهذا ما يسمى بالتوجيه في التعليم والتربية... وكتابنا هذا قد أثلج الصدر بعدة خطوات في ذا السبيل.
وقد أراد المؤلف أن يكون كتابه هذا معينا لا ينضب لكل طالب أو تلميذ أراد أن ينمي ثقافته العربية ويوسع معلوماته الأدبية والتاريخية واللغوية... فقدمه لأبناء المدارس الثانوية وهو يعلم قبل غيره أن كتابا مشحونا بمثل هذه المادة الغزيرة لن يقتصر النفع به على تلاميذ المدارس الثانوية وحدهم ل أن بعض المعلمين والأساتذة وكذلك طلبة الآداب سيجدون فيه ضالتهم المنشودة بكل تأكيد... نظرا لتنوع الموضوعات واختلاف أساليب كتاب الأصول التي اخذ منها المؤلف مقتطفاته...
ونحن إذ نقدم هذا الكتاب لا نجهل الخط الفاصل بين التقديم والتقريظ وبين إظهار الحقيقة وتقديم المجاملة، فكتاب «صور ومشاهد من الحضارة الإسلامية» نموذج طيب للكتاب الدراسي في المكتبة المغربية الناهضة... وهو ككل عمل إنساني، لا يخلو من نقص على حد تعبير مؤلفه نفسه في المقدمة...
ولعل الحقيقة هي التي تملك التعبير عن نفسها في هدوء وإيمان من غير احتياج إلى شيء آخر... وحقيقة هذا الكتاب هي التي أقنعتني أولا... ولعلها تقنع غيري ممن لا يريد شيئا غيرها...

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here