islamaumaroc

الثقافة الإسلامية من الناحية المنهاجية

  دعوة الحق

87 العدد

«الثقافة جيش غير منظور..»
حكمة بالغة، وقولة حق من كان لا يزال من صدقها في شك فلا يقرا هذا المقال، لأنه لن يخرج منه بطائل! ذلكم أن الثقافة الصحيحة قوة، وحصانة، بالنسبة للأمة المثقفة، كما أن جيشها هو لها كذلك... والأمة الإسلامية التي تتطلع إلى حياة أفضل في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لن يتأتى لها ذلك إلا إذا كانت ثقافة منهجية منظمة، قادرة بما تتوفر عليه من أسباب النضج والحيوية أن تأخذ مكانتها بين الثقافات العالمية المختلفة، وان تتصارع معها على نفس المستوى، وان يكون لديها من أسباب القوة والمناعة ما تستطيع به المحافظة على بقايها أن لم يكن في استطاعتها أن تحتل مكان السيادة من الثقافات الأخرى.
وان الناس في العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه ليتحدثون كما يتحدث غيرهم في مختلف أنحاء العالم الحديث عن العدالة والمساواة والحرية والديمقراطية، ويتلهفون على يوم يرون فيه سلاما وأمنا وطمأنينة وعافية اجتماعية ينعم في ظلالها كل فرد، وكطل أسرة، وكل مجتمع، بل تنعم بها الإنسانية كلها...
وتلكم بالضبط هي رسالة في أنقى صورها «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»
وذلكم على التدقيق هو القصد من بعثة الرسول عليه السلام كما هي وكما فهمها المسلمون الأوائل:«أن الله بعث محمدا هاديا... ولم يبعثه جافيا».
وقد دللت في الشق الأول من هذا المقال المنشور بالعدد الأول(نوفمبر 1965) من هذه المجلة وبما لا يدع مجالا للتشكك على القيم المثالية التي لا تزاحم، والأهداف الإنسانية السامية، والغايات التربوية النموذجية التي تستشف من خلال الثقافة الإسلامية باعتبارها الأساس الذي أنبنى عليه ماضي العالم الإسلامي أيام مجده وتفوقه، ونقطة الانطلاق التي من تصحيح أوضاعها الحالية يجب أن نقدح الشرارة الأولى لكي ينير المشغل ونتبين الطريق نحو حاضر امثل وغد أفضل.
ولكي تتضح خطواتنا معا أعود فأقول:أن عالمنا الإسلامي يعاني ما يعانيه من التخلف والانهزام، وهو إذ يستهدف الانطلاق نحو المستقبل السعيد لابد من أن يبدأ من«الثقافة» لاعتبارها ذلك الجيش غير المنظور الذي منها سيستمد-كما تستمد أمم العالم جمعية- أسباب الحياة والتطور والازدهار... والثقافة الإسلامية كوسيلة للتربية غنية بكل ذلك، ولكن:هل الطرق المتبعة في تلقين هذه الثقافة حاليا كفيلة بتحقيق هالتيك الغاية؟ أو بعبارة أخرى:ما هو حظ الثقافة الإسلامية في الوقت الراهن من الاستفادة من الطرق المنهجية سواء بالنسبة لتلقينها، أو لنشرها وإذاعتها؟
إن هذا السؤال المحدد يشغل بالي في إلحاح، وهو الذي دفعني إلى الاهتمام بالثقافة الإسلامية، والكتابة عنها في هذه المجلة الغيورة، وهو في رأيي يجب أن يشغل بال مفكرينا وعلمائنا وساستنا ومصلحينا بل وجمهور العالم الإسلامي، لان الثقافة بدون منهج فراغ في فراغ، ولان الثقافة بدون مخطط هي إلام الشرعية للفوضى العقلية والبلبلة الفكرية، وخير منها في رأيي البقاء على الفطرة في رحاب الأمية!.
وثقافتنا الإسلامية بوضعها الراهن ثقافة مشلولة لا لأنها بطبيعتها كذلك، بل لان غيرها من الثقافات المعاصرة تتهيأ له من الأسباب والظروف ما لا يتهيأ لها، فتبقى هي في أذهان الكثيرين-وخاصة من شبابنا الذي لم يكشف له الغطاء عن المفاهيم والقيم الحقيقية للثقافة الإسلامية، بينما تصبحه وتماسيه الثقافات الأجنبية بكل زخارفها ومساحيقها-ثقافة لا تستحق أن تسمى ثقافة، لأنها في رأيهم مجرد أفكار ونظريات قديمة أن عاشت زمنا في القرون الوسطى فلن تصلح للعصر للحديث، عصر التقدم الصناعي والتطور الآلي، عصر الذرة والصاروخ وغزو القمر، عصر الاشتراكية العمالية لا اشتراكية«الزكاة» أو «اشتراكية الصدقة والتسول!» عصر العلم والعمل لا عصر التوكل والكسل! عصر المادية لا عصر الميتافيزيقية! عصر«مشكلة الخبز وتضخم السكان» لا عصر «جوعوا تصحوا» أو عصر «للصائم فرحتان...»!
وشباب هذه فكرة معظمه عن الإسلام، وهذه بضاعته من الثقافة الإسلامية، ضمن جمهور من المسلمين معظمه أمي.. فقير.. غير متصنع.. تتفشى فيه البطالة.. تلقى أفكاره عن الإسلام والإيمان بالوراثة خلفا عن سلف.. هل يرجى من هذا الجمهور وذلك الشباب أن يعكس فكرة-ولو واحدة صحيحة عن الإسلام الحق باعتباره دينا ونظاما سواء داخل العالم الإسلامي أو خارجه؟ وبالتالي هل حال من هذه حاله تبشير-أن استمر في هذا الاتجاه- بالحاضر المتألق أو الغد الأفضل؛ قطعا لا.
وأذن: فمن المسؤول عن هذا الوضع السيئ المجتمع الإسلامي، وعن هذه الأفكار المقلوبة عن الإسلام وثقافته؛ هل هو طبيعة هاتيك الثقافة؟ الجواب قطعا لا؟ لان الثقافة الإسلامية-كما دللت على ذلك في مقالي السابق هي المثل الأعلى والنموذج الأسمى لتربية الأفراد والجماعات والأمم والشعوب، وضمان حياة العزة والكرامة والرفاهية واليمن والرخاء والسلام لها ولهم سواء في العاجلة والآجلة بشهادة المنصفين حتى من غير أبناء الأمة الإسلامية..
وإذن فمن المسؤول عن هذا الوضع الشاذ لثقافتنا الإسلامية؟
إن المسؤول الرئيسي في رأيي هو جميع المتصدين لهذه الثقافة والمشتغلين بها من أساتذة، وخطباء مساجد، ووعاظ، وزعماء إسلاميين، ومتكلمين باسمها في الندوات والمؤتمرين، وذلك لأنهم في رأيي جميعا متضامنون متواصلون في السكوت على منا يعوق الثقافة الإسلامية من انحراف في أداء رسالتها نحو جمهور المسلمين، هذا الانحراف الذي أصابها ويصببها من عدم نقد الطرق العميقة التي تقدم بواسطتها هذه الثقافة إلى الجمهور، وعدم المناداة بوجوب الاتفاق على منهج علمي واضح يكون جميع المتصدين لهذه الثقافة ملزمين بإتباعه أثناء العمل تماما كما هو الشأن في مختلف الأوان الثقافات الحية المعاصرة من رياضية وطبيعية وتاريخية واجتماعية واقتصادية وسياسية، حيث يوجد لكل منها منهاج خاص، ذو أسس علمية قائمة على الاستنباط والاستقراء بواسطة الملاحظة والتجربة، ويكون جميع المتصدين لفرع من هذه الفروع الثقافية ملزما بالسير وفقا لذلك المنهاج وتتبع خطواته، وإلا كان عمله غير مضمون النتائج ولا محمود العواقب«1».
واعترف أن نقد الطرق المتبعة في تلقين ثقافتنا الإسلامية، واقتراح منهاج علمي متكامل يقوم على أنقاض هاتيك الطرق، شيئان عظيمان، وأمران جسيمان، هما في حاجة إلى إقامة الندوات والمؤتمرات لمناقشتهما والإتقان على رأي نهائي فيهما... ولكن من هذا المقال أن أثير المشكلة وأنبه الأذهان إليها، وان ادلي برأيي المتواضع فيها مضغوطا مختصرا، على هذا يدفع الغيورين إلى الاهتمام بها جملة وتفصيلا، فيهيئوا الظروف اللائقة والجو المناسب لمناقشتها على المستوى الذي يليق بموضوع يتوقف عليه حاضر المسلمين ومستقبلهم.
أما قبل: فما هو الحال الذي توجد عليه ثقافتنا الإسلامية في الوقت الراهن؟ وما هي طرق الإصلاح؟.
وأسارع فأقول قبل التصدي للإجابة على هذين السؤالين: أن استقراء هذا الموضوع بالمسبة لجميع الأقطار الإسلامية مستحيل على الأقل بالنسبة لي لا سيما وان مناطق من العالم الإسلامي تشع منها إشاعات للثقافة الإسلامية جد متألقة زهار بالجمهورية العربية المتحدة الذي لا يجارى في هذا المضمار مثلا... ولهذا فسأكون مضطرا إلى الاقتصار على حال الثقافة الإسلامية بمغربنا العزيز فقط، واقتراح ما أراه حسب اجتهادي الشخصي كفيلا بالإصلاح وتقويم الاعوجاج...

1) أول رسول من رسل التوعية بالثقافة الإسلامية في رأيي بالمغرب هو«خطيب الجمعة»... فصلاة الجمعة هي الفرصة الأسبوعية الوحيدة التي تجمع جماهير المسلمين والآباء-وحتى كثير من السيدات والأمهات- على صعيد واحد، يسوقهم إلى رحاب المساجد فيها إيمانهم بوجوب أدائها والسعي عند أذان المؤذن إليها، وكونها فرض عين على كل مكلف قادر وليست بدلا من الظهر، وهم يستعدون لها بما يستعدون به من التطهر والتطيب والتزين: ويسعون لها وهم فرحون بنعمة الإسلام والإيمان، مستشعرون قداسة هذا اليوم من أيام الأسبوع، الأمر الذي يكونون معه مهيئين نفسيا لتقبل كلا خير وكل هدي وكل فضيلة وكل ما يعود عليهم شخصيا وعلى أسرهم ومجتمعهم بل والإنسانية جمعاء بالسعادة والفلاح... فماذا تكون النتيجة؟
أنهم يجدون-في الأعم الأغلب- خطيبا محدود الثقافة سطحيها، لا يكاد يلم بشيء من شؤون الناس والحياة في عصرنا الحاضر-غير مستشعر بما يثلج في صدور المسلمين اليوم من هموم واهتمامات، وليست له أية خبرة من قريب أو بعيد بنفسية الجماهير ونوازعها، ولا بكيفية استمالتها والتأثير فيها، كل مقومات الخطبة في نظره وحسبما تلقاه ما جدا عن ماجد أن تبتدا بالتحميد والتمجيد والصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام، وان تشتمل على بعض لأي والأحاديث وتختم بالدعاء الصالح لجمهور المسلمين وللإمام... أما الموضوع والدقة في اختياره، وأما الأسلوب والحرص على تبسيطه حتى ولو اقتضى الحال أن يكون بالعامة في بعض الإحياء والمناطق التي لا يفقه معظمها من اللغة العربية شيئا، وأما عن الخطابة كفن له أصوله وقواعده التي عليها يقوم كالإمام بنفسية الجماهير والطرق التي يجب أن تسلك لإقناعها والتأثير فيها، وكالاعتناء بالإلقاء الذي يلعب دورا خطيرا في استجلاب المستمعين واستمالتهم والاستحواذ عليهم.. فانا شخصيا لا أجد من ذلك-وأقول مرة أخرى فيس الأعم الأغلب-شيئا.
وبناء عليه أردنا لجمهور المسلمين أن يحسنوا الاستفادة من الإرشاد والتوجيه والتوعية والتثقيف بواسطة«خطب الجمعة» التي تاعب اخطر دور في السواد الأعظم من المسلمين بالمغرب فيجب علينا أن نولي«اختيار خطباء المسلمين» من طرف المسؤولين عناية خاصة، بل تعان الدولة التعبئة العامة في هذا المجال فتستنفر للقيام بهذه المأمورية الخطيرة كل شخص تبنت جدارته لها ولو بالإكراه أن اقتضى الحال لان من كتم علما الجمة الله بلجام من نار مما يعون الرسول عليه السلام.
كما أرى أن من الواجب أن تعتقد لخطاب المساجد بالمغرب دورات تدرسية وتثقيفية يزودون فيها بمبادئ علم النفس الجماهيري، وبأصول الخطابة وقواعدها وبفن الإلقاء وأساليبه، وبنظرات شاملة متكاملة عن رسالة الإسلام الحقيقية، وعن أصول الترغيب والتهيب فيه، وعن المشاكل التي يعانيها الإسلام والمسلمون وكيفية عرضها، وعن الحلول الممكنة لمعالجتها، وان ينهوا إلى أن الإسلام هدى رحمة وبشرى للمؤمنين، وانه ليس فقط-كما يصوره معظمهم- نارا تلظى، وحيميما وغسلينا، وسوط عذاب! وإنهم بالأمان على خطتهم الأخيرة هذه إنما يدفعون السواد الغالب من المسلمين إلى اليأس؛ وانه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.. الخاسرون.
هذا: و أضفنا إلى ما تقدم أن بعض خطبائنا نادى على المنبر جهارا نهارا بالويل والثبور وعظائم الأمور لكل من بجرا على القول بإمكانية«غزو الفضاء، واختراق السماء» في وقت كانت فيه«لايكا» الحيوان الأعجم قد مضت عليها أيام وأسابيع وقد غزت فعلا الفضاء واخترقت السماء، ولن بعضهم قد قرأ فيما قرأ من أحاديث أن«شر الأماكن الأسواق» وان«أول من يدخل الجنة الفقراء وأخر من يدخلها الأغنياء» فمضى في خطبته يذم الأسواق واقتحامها، وبمجد الفقر وينفر من الغنى، جاهلا سيادته وغافلا في نفس الوقت عن أن المقصود من الحديثين-أن صحا- ذم أخلاق بعض أهل الأسواق من غش وتدليس وتعامل بالربا والحظ على تجنبها، وان المقصود من الحديث الثاني التنبيه ليوم الحساب حيث يكون للغني ما بحاسب عليه من مال فيسأله الحق سبحانه عن ماله: من ابن اكسبه، وفيما أنفقه لا ذم المال الذي هو من ضروريات الحياة في نظر الإسلام... إذا أضفنا إلى كل ذلك الذي تقدم هذا النوع من الخطباء الذين يقومون بدورهم معكوسا، ويؤدون رسالتهم في جمهور المسلمين مقلوبة، عرفنا في أية هوة سحيقة بتردي وعي المسلمين عن طريق خطبة الجمعة بالإسلام ورسالته، وعرفنا أيضا في أي طريق منحرف يسار بالمسلمين بواسطة هدي وثقافة كهذه ليست الحقيقة من هديه وثقافته.
على أن الإنصاف يقتضيني أن أقول:أن ما يتقاضاه خطاؤنا من التعويض المادي لقيامهم بهذا العمل يستلزم إعادة النظر فيه إذا أردنا أن يتقدم للميدان خبرة المثقفين، وان ننهض به النهوض المطلوب
2) ويأتي بعد ذلك في نظري وسائل التثقيف الجماهيري المختلفة، واخص منها: الإذاعة والتلفزة والصحافة فما يقدم في الإذاعة من برامج الثقافة الإسلامية يجب أن يتحمل مسؤوليته مختصون في هذه الدراسات منتدبون له أن لم يمكن أن يكونوا متفرغين، وان توضع له أهداف واضحة تتفق واهتمامات المغرب بوصفه قطرا إسلاميا ذا مركز خاص يمكن أن يقوم بدور عظيم وفعال في خدمة القضايا الإسلامية بوجه عام والإسلامية الإفريقية بوجه خاص... كما يجب أن تعطى عناية خاصة بأسلوب العرض، واللغة المبسطة، وضبط الأماكن والإعلام، وان ينتدب للقيام بهذه المهمة مذيعون ذوو ثقافة عربية وإسلامية تعصمهم من الزلل الذي كثيرا ما يلاحظ بصورة مثيرة جدا في هذا المضمار.
ومثل ذلك يقال في التلفزة أيضا، إلى كل ذلك أن الأوقات المخصصة حاليا لهذا الموضوع غير كافية، وانه أفضل بكثير أن نعرض على جمهور المستمعين والنظارة مختلف المواقف البطولية والإنسانية التي يغنى بها تاريخ الإسلام والمسلمين من أن نعرض عليهم التمثيليات التي يكثر فيها القتل والمنكر والاحتيال؛ إذ في ذلك تربية للعقل والشعور والذوق وتوجيه نحو الحق والخير والفضيلة والجمال بينما على العكس من ذلك هذا النوع الأخير الذي هو باختصار:سم قتال.
وأما الصحافة المغربية فلعمري أنها مقتصرة في هذا الباب على الرغم من ذلك النوبة التي تعتري بعضها خلال شهر رمضان المعظم، وليس أدل على ذلك من إننا نراها تخصص للأدب وللرياضة وغيرها إعدادا من الأسبوع خاصة بينما لا تخصص للقضايا الإسلامية والثقافة الإسلامية شيئا اللهم إلا الحديث العابر يظهر في هذه الصحيفة أو تلك بين الفينة والأخرى.
على أن الإنصاف يقضي أن اذكر بالتمجيد فيس هذا الباب صحيفة أبلت البلاء الحين وجاهدت جهاد الإبطال تلكم هي صحيفة«الميثاق» التي كان يصدرها الأستاذ العلامة المصلح السيد عبد الله كنون باسم  رابطة العلماء في المغرب، والذي بذل في سبيلها استأذنا الجليل هذا-ومعه زملاء له آمنوا بربهم فزادهم هدى- أنفس النفيس وأغلى الغالي... ولكنها مع الأسف الشديد اضطرت إلى التوقف عن الصدور!!.
ورجاؤنا إلا يكون نفس المصير في انتظار مجلة «الإيمان» التي يصدرها الأستاذ الجليل السيد أبو بكر القادري والأستاذ الجليل السيد الحسن السائح، هاته المجلة التي تغني جمهرة المثقفين بأبحاثها القيمة وبنظراتها المتكاملة في الثقافة والتوجيه الإسلاميين، والتي جاءت النذر منذ شهور بأنها ربما اضطرت إلى التوقف بسبب العجز المادي!!.
وغني عن التنويه ما لمجلتنا هذه«دعوة الحق» من جهاد في هذا الصدد.. حياها الله، وبارك في جهود القائمين عليها والعاملين بها، وأدام لهم التوفيق وهداهم إلى سواء السبيل.
3) وفي ميدان تلقين الثقافة الإسلامية عن طريق التعليم والتدريس نلاحظ:
أولا- بالنسبة للتعليم الثانوي: تسند مادة التربية الإسلامية إلى نفس المدرسين والأساتذة الذين يقومون بتلقين التلاميذ مختلف مواد العربية ولو لم تكن لهم دراية بالثقافة الإسلامية من قريب أو بعيد مع انه في الشرق الإسلامي يمنع أستاذ تدريس هذه المادة لغير المختصين فيها.
ثانيا- يتجه الآن إلى توحيد منهج التعليم في مختلف الثانويات المغربية، وهذا من جهة سيطعم المواد التي تعطي بالثانويات الإسلامية أصلا بمواد حديثه كمادة العلوم والهندسة واللغات الحية وما إليها، ولكنه في نفس الوقت سيشجع الغالبية من حملة البكالويا المغربية على الدخول إلى الكليات غير المختصة بالدراسات الإسلامية ما دام خريجوها يجدون من المجالات والاهتمام ما لا يجده خرجو الكليات الإسلامية-أن صح هذا التعبير- ولهذا فأنني أحبذ توحيد المناهج هذا وتطعيمها بالمواد الحية بشرط أن يكون خرجوا الكليات المختصة بالدراسات الإسلامية متمتعين بنفس الحقوق والمجالات التي يتمتع بها خرجو الكليات الأخرى، بل ربما اقتضى الحال أن نكون لهم ميزات إضافية تشجيها للشباب على التخصص في هذا الميدان الذي يعصف الشعور بالغربة والوحدة والاعتزال بعواطف أبنائه والمنتمين إليه، فيدفعهم ذلك إلى نكران أنفسهم، وبالتالي إلى اليأس من كل إصلاح، والاستماتة في سبيل ترك هذا الاتجاه أساسا، أنهم إلا من ندر، والنادر-كما يقولون- لا حكم له.
ثالثا- وبالنسبة للتعليم الجامعي والعالي: لا يزال يلاحظ على معظم الذين يقومون بأعبائه عدم التقيد  بمنهاج علمي خاص عند التلقين؛ فالأستاذ يبتدئ درسه حسبما اتفق، وينتهي فيه أيضا حسبما اتفق، والدرس في الغالب معلومات تلقى لا مهارات بدرب عليها الطلاب ولا ملكات تفتق، وكل العمل يقوم به الأستاذ، أما الطلبة فدروهم الإنصات في حين أن التعليم العالي عموما يقوم على تدريب الطلاب وتمرينهم على البحث ووسائله، والمراجع ومظانها؛ أو هو باختصار تكوين للملكات وتفجير لعبقريات من الداخل، لا حشو للذهن وملء له من الخارج...
يضاف إلى ذلك غرام بالشكليات كثير، وتعلق بالجزئيات وبالتفاصيل بل وحتى بالصور المتخيلة غير الممكنة الوقوع؛ الأمر الذي يقطع الصلة بين هذه الدراسات-أحيانا- وبين الحياة المعاشة في وقت تتجه فيه مدارس للتربية فعلا! أي إلا إذا كان وثيق الصلة بالحياة.
وبديهي أن إصلاح هذه الدراسات يكون عن طريق تجنب هذه العيوب التي ذكرنها، والتي يوجد مع كل عيب منه ما تقابله.
هذا:وإذا أردنا أن نفتح الآفاق المديدة إمام الثقافة الإسلامية عموما في مختلف مستوياتها ومجالاتها وجب علينا تنشيط وسائل الملاحة العلقية إلى كل ما يقوم العقل وينشط الفكر؛ إلى مختلف الثقافات المعاصرة عن طريق تعلم اللغات الأجنبية والاهتمام بالتيارات الفكرية الحديثة لا لكي تكون نسخة من معتنقيها والمتمذهبين بها بل لنأخذ منها لثقافتنا الإسلامية خير ما فيها من جهة، ولتنسلح بمعرفة ما فيها من عيوب مثالب ضد المتحاملين على ثقافتنا المتاعصبين لغيرها من الثقافات فنناقشهم عن علم ونجادلهم عن معرفة.
وبعد: فهذا رأيي... أرجو مخلصا أن يفهم الجميع إنني ما أردت به إلا النقد النزيه الهادئ البناء، وإنني لام اقصد التعريض أو التلميح لأي من هذا أو ذاك، وإنني ما أردت به إلا الإصلاح، وإصلاح حال جمهورنا المسلم عن طريق إصلاح دواليب ثقافته الإسلامية، ولنا قبل هذا وبعده أعظم الآمال في أن تحظى جامعة القرويين العتيدة، ودار الحديث الحسنية من جلالة ملكنا المسلم العظيم والمومن الكريم الحسن الثاني أمير المؤمنين حامي حمى الملة والدين، ومن المسؤولين، بما تستطيعان به أن تقوما بدورهما خير قيام، وان تكونا مشعلا لهذا الثقافة العتيدة يشع على المغاربة جميعا بل المسلمين في كل أنحاء المعمور، التوجيه الصحيح الصالح نحو الخير والسعادة والنور.


«1» راجع كتاب «المنطق الحديث ومناهج البحث» للدكتور محمود قاسم نشر مكتبة الانجلو المصرية، فهو يلقي أضواء مهمة جدا على هذا الموضوع)


 
 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here