islamaumaroc

الإسلام والمسلمون في بلاد النمسا

  دعوة الحق

87 العدد

عاد من النمسا الأستاذ طه الوالي سكرتير جمعية المكتبات اللبنانية، واحد كبار موظفي دار الكتب، وقد كتب هذا التحقيق عن الإسلام والمسلمين في تلك القطعة المضيئة من أوربا بعد أن زارها بدعوة من مؤسسة هامر بورشتال التي تعتبر اكبر مرجع للاستشراق في بلاد النمسا.

الرحلـة إلى بـلاد النمسا:

أتيح لي أن ازور النمسا بدعوة من مؤسسة «هاربورشتال» وهي مؤسسة ثقافية تهتم بالدراسات الشرقية وتومن للوافدين من الشرق إلى النمسا لطلب العلم الوسائل التي تساعدهم على تحقيق ما قدموا من اجله
ويشرف على هذه المؤسسة شخصيات نموية، لها حظ من الثقافة الإسلامية، ومن هذه الشخصيات الدكتور «رودلف بانيتي» السكرتير العام للمؤسسة، وهو رجل عالم في منتصف العقد السادس من عمره، يمتاز باللطف والتهذيب وسعة الاطلاع على شؤون العالم العربي، وقد سبق له أن زار الشرق الأدنى واجتمع إلى عدد كبير من الجاليات العرب والمسلمين وتوطدت بينه وبينهم أواصر الاحترام والصداقة.

الجاليــة الإسلاميــة:
وفي خلال إقامتي في فيينا، خلال شهري أيار وحزيران لأجل استكمال دراستي لعلم المكتبات، تمكنت من الاتصال بعدد كبير من أفراد الجالية الإسلامية المقيمين في بلاد النمسا والذين اكتسبوا نتيجة استقرارهم في هذه البلاد الجنسية النمسوية وتمتعوا بسائر الامتيازات التي يتمتع بها أبناء البلاد الأصليين.
وهذه الجالية الإسلامية في الواقع تتألف من الأشخاص الذين يتحدرون من أصل عثماني أو من الذين هاجروا من بلادهم لأسباب اجتماعية أو سياسية أو أدبية كالألبانيين الارناووط واليوغوسلافيين البوشناق، وغيرهم من سكان المناطق التي انحسر عنها سلطان الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى أو التي غمرتها الموجة الشيوعية في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
وهناك، فئات كبيرة من المسلمين الأتراك الذين يقصدون النمسا طلبا للرزق عن طريق العمل في المصانع والمؤسسات وأعمال الطرق. وهؤلاء يتجاوز عددهم الألفين من الأنفس موزعون في مختلف المدن النمسوية وفق ما تقتضيه ظروف عملهم واختصاصهم، على أن اغلبهم يمارسون الأعمال اليدوية في شق الطرق ورصفها أو إصلاحها، ويتقاضون أجورا لا تختلف عن أمثالهم من أبناء البلاد الأصليين.

المسلمــون النمساويــون:
بالإضافة إلى هذه الجالية التي ما زال أفرادها محتفظين بجنسياتهم القومية الأصلية، فان هناك عددا كبيرا من أبناء النمسا الأصليين الذين اختاروا الديانة الإسلامية عقيدة لهم بعد دراستها والاطلاع على مبادئها،وهؤلاء يحافظون على التمرس بشعائر الإسلام وإقامة أركانه بكل إخلاص وصدق وإيمان. وعددهم في الوقت الحاضر محدود، ولكنهم يتزايدون مع الأيام، ولقد أكرمني الله بهداية اثنين من النمساويين خلال إقامتي في فيينا، وقد ذكر احدهما ويدعى (بترروت) أن هناك طائفة كبيرة من أبناء البلاد سجلوا أنفسهم في الدوائر الرسمية على أنهم يومنون بالله دون التقيد بدين معين، وهؤلاء يمكن إدخالهم في حظيرة المسلمين إذا وجدوا من يرشدهم إلى تعالم الإسلام بأسلوب منطقي وطريقة واضحة.
والمسلمون في النمسا يتمتعون بكافة الحقوق والامتيازات التي يتمتع بها غيرهم من أبناء الأديان الأخرى بموجب القوانين والشرائع الموضوعية، وإنهم إذا كانوا من أبناء البلاد، يجدون أمامهم نفس الفرص التي يجدها سائر مواطنيهم في مختلف مجالات العمل سواء في الحقل الاعلي أو في دوائر الدولة الرسمية فليس في النمسا تمييز بين أبناء الشعب الواحد بسبب العقيدة الدينية أو المذهب السياسي أو الاتجاه الفكري ولقد تعرفت إلى عدد من المسلمين النمساويين الذين يشغلون مناصب حكومية محترمة ويؤدون واجبهم في خدمة وطنهم كأي نمساوي آخر دون أن يكون إسلامه عائقا له عن بلوغ الرتبة الإدارية أو الفنية التي تؤهله لها كفاءته وإمكاناته.
بل أن المسؤولين في النمسا كثيرا ما اظهروا عاطفة خاصة نحو مواطنيهم من المسلمين، فلقد علمت من هؤلاء أن بلدية فيينا قد تبرعت في زمن مضي بقطعة ارض كبيرة ليشاد عليها مسجد جامع يستخدمه المسلمون لإغراضهم الدينية والروحية والاجتماعية، ولكن هذه الباردة لم تجد من يفيد منها في الوقت المناسب مما جعل الدوائر البلدية تعود عن تبرعها الذي اعتبرته في غير محله على أن الاتصالات التي قمت بها خلال وجودي في النمسا أدت إلى إعادة النظر ي موقف البلدية التي أبدت استعدادها لتقديم الأرض مجددا إذا وجدت من المسلمين الحماية الجدية لاستغلالها فيما قدمت من اجله .

النشاط الإسلامـي في النمسـا: 
علاقة النمسا بالإسلام والمسلمين ليست حديثة، بل هي ترجع إلى ذلك العهد الذي انطلقت فيه جحافل العثمانيين تحت راية «لا اله إلا الله محمد رسول الله» باتجاه الغرب حتى نطحت بأسنة رماحها أسوار فيينا بالذات مرتين متواليتين في القرنين السادس عشر والسابع عشر. ولولا أن أوربا تنادت يومها إلى وقف الزحف العثماني بكافة قواها وإمكاناتها العسكرية لكان الوضع الديني في هذه القارة على غير ما هو عليه الآن وعلى الرغم من الملابسات التاريخية التي رافقت طبيعة الاحتكاك بين الشرق المسلم والغرب المسيحي، على الرغم من هذه الملابسات فان الروح المهنية اليوم في النمسا تمتاز بالاعتدال والتعقل فيما يتصل بصدد الوجود الإسلامي في ربوعها، ولقد لمست بنفسي رغبة المسؤولين في النمسا في توفير كافة وسائل الطمأنينة والراحة للمسلمين من مواطنين أو مقمين أو عابري سبيل.

الجمعيـة الإسلاميـة النمساويــة:
ومن دلائل التسامح الرسمي والأهلي في النمسا مع المسلمين هو وجود «الجمعية الإسلامية النمساوية».
وهذه الجمعية هي مؤسسة اجتماعية ثقافية، غايتها جمع شمل مسلمي النمسا في نطاقها ورعاية مصالحهم وتامين أحسن الظروف لوجودهم في هذه البلاد. وبالتالي فإنها تحاول أن تكون في خدمة أي مسلم يقصد النمسا، وتضع تحت تصرفه الوسائل التي تمكنه من التعرف على إخوانه في الدين والاجتماع بهم في ناديها القائم في وسط فيينا.
ورئيس هذه الجمعية هو الدكتور احمد عبد الرحيم زاهي، أفغاني الأصل نمساوي الجنسية، يعاونه سكرتير الجمعية الدكتور إسماعيل باليش يوغوسلافي الأصل نمسوي الجنسية. وللجمعية مجلس إدارة يضم نخبة من الشخصيات الإسلامية المشهود لها بالفضل والإخلاص.
ولا بد من الإشارة إلى أن الدكتور باليش سكرتير الجمعية يعتبر احد أركان الدراسات الإسلامية في النمسا.

ويشغل حاليا منصب مدير القسم الإسلامي فغي المكتبة الوطنية الكبرى وله عدة مؤلفات عن الإسلام والنبي عليه الصلاة والسلام وتفسير سورة يسن باللغة الألمانية والدكتور باليش يتمتع في الأوساط الاجتماعية والعلمية بالنمسا بمكانة مرموقة تساعده على خدمة إخوانه المسلمين وتامين مصالحهم في الدوائر الرسمية.
وهذه الجمعية الإسلامية تسد فراغا كبيرا في ميادين العمل الإسلامي، ويعتبر ناديها مركزا لتلاقي المسلمين في أوقات معينة كما يعتبر هذا النادي مدرسة يتلقى فيه أبناء المسلمين دروسا في الدين والسيرة وتلاوة القرآن الكريم على يد أستاذ مختص.
وفي نادي هذه الجمعيات تعرفت إلى العديد من إخواني الطلبة العرب وأبناء الجالية الإسلامية في فيينا بمناسبة حديث ألقيته بدعوة من الرئيس الدكتور احمد عبد الرحيم زاهي.
ولا بد من القول بان الجمعية الإسلامية التي نحن بصددها تبذل جهودا كبيرة في خدمة رسالة الإسلام ومبادئه القومية وهي شبه عزلاء ألا من إيمان أركانها وعزيمتهم وصبرهم. واني إذ أتحدث عن هذه الجمعية لا يعني إلا التنويه بأعضائها لما أسبغوه علي من فضل حين وضعوا شخصي الضعيف في ضيافتهم شطرا من إقامتي في فيينا مع توفير كافة أسباب راحتي واستقراري.
واني أتمنى، بهذه المناسبة، على ممثلي الدول الإسلامية، بالنمسا، أن يتجاوبوا مع هذه الجمعية الراقية في مشروعاتها الدينية والثقافية على المستوى الذي يرفع رأس المسلمين ويجعلهم محل احترام الآخرين في تلك البلاد الأوروبية السحيقة.

الطلاب العــرب في النمسـا:
في النمسا مجموعة كبيرة من الطلاب المسلمين، بعضهم في العاصمة فيينا، والبعض الأخر في المدن الأخرى، وأهمها غراتس. واغلبهم يتخصصون في علوم الطب والهندسة، وهؤلاء الطلاب ينتمون إلى جنسيات مختلفة، ففيهم العربي والإيراني والباكستاني وغير ذلك من أبناء البلدان الشرقية والإفريقية.
ولقد سمحت لي ظروف بان اجتمع إلى اكبر عدد من إخواني الطلبة العرب في عدة مناسبات لاسيما حين طلبوا إلى إقامة الجمعة فيهم، وانه من الإنصاف أن أثير بهذه المناسبة إلى الروح الوطنية التي تخفق بها قلوب هؤلاء الطلاب، فأنهم إلى جانب عنايتهم بدراساتهم المختلفة لا يدعون فرصة تمر دون معالجة قضية الإسلام الأولى-فلسطين- بما يسعهم من جهد القول والكتابة والعمل، وكثيرا ما يتبرعون بأموالهم لخدمة هذه القضية المقدسة.
وكثيرا ما قرأت لهم نشرات تتضمن الدفاع عن حق العرب في «فلسطين» وبيان زيف العدوان اليهودي على هذه الأرض المقدسة.
وهم يتبادلون فيما بينهم نشرات مطبوعة على الستنسل عنوانها المسلم المغترب، ومصدرها ميونيخ في ألمانيا، وفي هذه النشرات مقالات بأقلام الأدباء من هؤلاء الطلاب  في بيان التعاليم الإسلامية والحض على التمسك بالمبادئ الدينية والأخلاقية، ولست أنسى تلك الوجوه الوطنية التي لبت نداء الجمعية في قاعة استؤجرت لهذا الغرض والتي استمعت إلي وأنا اخطب للجمعية في موضوع فلسطين وقد اغرورقت عيونها بالدموع وتصعدت من صدورها الزفرات الحرى معبرة  عما يضطرم في جنباتها من غيرة دينية وحمية وطنية. اجل لست أنسى تلك الوجوه، فلقد رأيت ملامحها الثائرة العزيمة الصادقة على العمل من اجل عزة العرب ومجد الإسلام.

مجــلات وصحـف عـربيــة:
أن الطلبة العرب في النمسا حريصون على تتبع أحوال بلادهم، كما هم حريصون على تغذية نفوسهم بكتابات الصحف ذات المبادئ السليمة، ولقد كان من أسباب سروري إني كنت أرى مجلة «المسلمون» في بعض بيوت هؤلاء يقراونها من الغلاف للغلاف،ت ويتداو لونها فيما بينهم ليفيد منها اكبر عدد منهم، كما يهمني بهذه المناسبة أن أتوجه بالنداء إلى أصحاب الصحف الإسلامية والعربية بان لا يبخلوا على إخواننا الطلبة بما يصدرونه من مطبوعاتهم التي يجد فيها هؤلاء غذاء روحيا لهم في ديار غربتهم يساعدهم على مواكبة تطور الحياة في بلادهم والمساهمة في خدمة هذا التطور إلى الأفضل.

مؤسسـة الافـرو اسياتيــك:
هذه المؤسسة ظاهر أمرها، أنها في خدمة الطلاب الوافدين إلى النمسا من بلدان أسيا وإفريقيا للدراسة وهي مجهزة بكافة الوسائل والأدوات الصالحة لاستقبال الغرباء، وفيها موظفون مختصون يضعون أنفسهم في خدمة هؤلاء الغرباء، وفيها قاعة محاضرات تعطي بالمجان لمن يطلبها من المنظمات الطلابية للأغراض الفكرية والثقافية.
وعلى الرغم من أن هذه المؤسسة يشرف عليها ويديرها أشخاص تابعون للكنيسة الكاثوليكية، فان هؤلاء حريصون على إعطائها الطابع العلماني دون سواه، ولكن هذا لم يمنع بان تكون من طريق غير مباشر، إحدى وسائل الدعاية الكاثوليكية التبشيرية، ولكن بأسلوب مغلف بالخدمات العامة والنشاط الثقافي.

اجتماعي بلكردينال كونيغ رئيس أساقفة النمسا:
الكثلكة هي المذهب المسيحي السائد في النمسا ويرأس الكنيسة الكاثوليكية هناك الكردينال كونيغ وهو رئيس أساقفة النمسا، والشخص الثاني بعد البابا في الفاتيكان، وتعتمد عليه الدوائر البابوية في علاقتها مع غير الكاثوليك في العالم نظرا للثقافة الواسعة، واطلاعه المكين على الأحوال العالمية بالإضافة إلى انه يتقن حوالي تسع لغات معروفة، وهو المسيحي الرسمي الوحيد الذي تسمح له البلدان الشيوعية بدخول أراضيها لتفقد رعايا الكنيسة الكاثوليكية فيها.
ولقد دعاني الكاردينال كونيغ إلى زيارته في مقره الرسمي في فيينا، فلبيت دعوته وأنا بالثوب الديني، فكانت فرصة جميلة مكنتني من التفاهم مع هذا المسؤول المسيحي الكبير على أفضل الوسائل للتعاون بين الإسلام والمسيحية لمقاومة موجة الإلحاد في العالم، وكان موقفه مشجعا لا سيما وقد كانت زيارتي له في أعقاب زيارته للقاهرة حيث ألقى بالأزهر الشريف محاضرة في موضوع التقارب بين الإسلام والمسيحية حازت إعجاب أصحاب الفضيلة العلماء المسلمين.
ولقد كانتا هذه الزيارة مناسبة أتاحت لي التحدث مع هذه الشخصية ذات النفوذ الكبيرة في بلادها في موضوع الظروف بما يتلائم والرغبة المشتركة في تأكيد الثقة المتبادلة بين المؤمنين بوجود الله عز وجل، وانتهزت الفرصة فشكرت المسؤولين النمساويين على ما يبدونه من روح ايجابية في هذا الصدد.

الدعوة الإسلامية في أوربا:
وقبل أن اترك القارئ الكريم يهمني أن الفت نظر إخواني المسلمين في العالم إلى أن في أوربا متسعا لخدمة المبادئ والأفكار الإسلامية عن طريق الحجة والمنطق والرأي السديد، وانه امن المستحسن أن توزع في كل بلد أوروبي، نشرة دورية تتضمن الموضوعات التي يمكنها أن تعطي فكرة واضحة عن مزايا الإسلام وصلاح تعاليمه في حل مشكلات الإنسان ومعضلات العصر الراهن.

استعداد الأوروبيين لتفهم الإسلام:
واني لعلى ثقة بان كثيرين من أبناء أوروبا سيقبلون على قراءة هذه النشرة الدينية بروح ايجابية لا سيما وان الجو المخيم على العالم الغربي اليوم هو جو القلق الذي يبعث في نفس الرغبة الملحة في طلب الخروج منه إلى راحة الطمأنينة والاستقرار ولا حرج في إخراج هذه الفكرة من حدود الرأي إلى نطاق التنفيذ لان غشاوة العداء للإسلام بدأت تنحسر عن أفق المثقفين في أوروبا إذ بدا هؤلاء يميلون إلى معالجة مفاهيم هذا الدين الحنيف من خلال الحقائق العلمية والوقائع التاريخية وإذا نحن أحسنا انتهاز الفرصة فان الأمل كبير في أن يأتي يوم عير بعيد ورسالة القرآن في جملة الحلول التي يمكن اعتمادها لإخراج الحضارة الأوروبية من المأزق الذي وضعتها فيه المبادئ التي تتخذ أفكار الخالق قاعدة لانطلاقها بين الناس وترى الوجود ظاهرة مادية لا علاقة للروح فيها.

                                                            

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here