islamaumaroc

الموحدون والحضارة -3-

  دعوة الحق

87 العدد

أبو الوليـد ابن رشــد:
هو أبو الوليد محمد بن احمد بن محمد بن رشد «26-1198م» ويلقب بالحفيد تمييزا له عن جده محمد بن رشد وهو أشهر من شمس على علم كما يقال، فشهرته قد طبقت الآفاق شرقا وغربا، فليس بنا عن حاجة إلى التنويه بعظمته، أو الإشارة بمجهوداته الطيبة أو الفلسفية أو غيرهما فلا شك أن الكاتب داوود كرم يعرف ذلك حق المعرفة أو بعض المعرفة على الأقل لان من علم شيئا غابت عنه أشياء. هذا الحق.
ولكن الذي يعنينا هنا-وقد استشهد صاحبنا بابن رشد وأشاد بعظمته باقتضاب وبالمكانة الرفيعة التي يحتلها في عالم الطب- أن نذكر هذا الكاتب بان تلك المكانة التي احتلها ابن رشد وكان أهلا لها-إنما أحله إياها أبو يعقوب يوسف الخليفة الموحدي، بواسطة ابن طفيل الذي قدمه إليه وعرفه عليه، كما قدم إليه جماعة أخرى من العلماء فقد كان يجلبهم إليه من جميع الأقطار، وينبهه عليهم، ويحضه على إكرامهم والتنويه بهم «1»
ويصف لنال المراكشي اللقاء التاريخي الأول الذي وقع بين الخليفة وأبي الوليد فيقول :«اخبرني تلميذه «يعني تلميذ ابن رشد» الفقيه الأستاذ أبو بكر بندود بن يحيي القرطبي قال: سمعت الحكيم أبا الوليد يقول غير مرة: لما دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب، وجدته هو وأبو بكر بن الطفيل، ليس معهما غيرهما، فاخذ أبو بكر يثني علي، وبذكر بيتي وسلفي، ويضم بفضله على ذلك أشياء لا يبلغها قدري. فكان أول ما فاتحني به أمير المؤمنين بعد أن سألني عن اسمي واسم أبي ونسبي أن قال لي:
«ما رأيهم في السماء؟ «يعني الفلاسفة» أقديمة هي أم حديثة؟»
«فأدركني الحياء والخوف فأخذت أتعلل وأنكر اشتغالي بعلم الفلسفة، ولم أكن ادري ما قرر معه ابن طفيل. ففهم أمير المومنين مني الروع والحياء، فالتفت إلى ابن طفيل وجعل يتكلم على المسالة التي سألني عنها، ويذكر ما قاله أرسطو طاليس وأفلاطون وجميع الفلاسفة، ويورد مع ذلك احتجاج أهل الإسلام عليهم، فرأيت منه غزارة حفظ لم أظنها في احد من المشتغلين بهذا الشأن، المتفرعين له. ولم يزل يبسطني حتى تكلمت، فعرف ما عندي من ذلك
«فلما انصرفت، أمر لي بمال وخلعة سنية ومركب».
ولعل شهرة ابن رشد الفلسفية، قد طغت بعض الشيء، على شهرته كطبيب، ولعل شهرته تلك قد اكتسبها بسبب شروحه لفلسفة أرسطو حتى أطلق عليه «2»لقب الشارح.  El Comlentador
أن هذه الشروح مع ما صحبها من مباحث شخصية، قد ترجمت إلى اللاتينية وتبنتها جامعات أوربا في القرون الحديثة فأيقظت أوربا من سبات العصور الوسطى المظلمة. يرجع الفضل في هذه الشروح وفي الفلسفة «الرشدية» «Averroismo»ذاتها إلى عاهل الموحدي نفسه. وها هو ذا المراكشي يكمل مشاهد هذه الرواية الطريقة حين يقول :
«واخبرني تلميذه المتقدم الذكر عنه، قال : استدعاني أبو بكر بن طفيل يوما فقال لي : سمعت اليوم أمير المومنين يتشكى من قلق عبارة أرسطو طاليس، آو عبارة المترجمين عنه، ويذكر غموض أغراضه، ويقول : لو وقع لهذه الكتب من يلخصها، ويقرب أغراضها، بعد أن يفهمها فهما جيدا لقرب ماخوذها على الناس. فان كان فيك فضل قوة لذلك، فافعل، واني لأرجو أن تفي به، لما اعلمه من جودة ذهنك، وصفاء قريحتك، وقوة نزوعك إلى الصناعة. وما يمنعني من ذلك إلا ما تعلمه من كبر سني، واشتغالي بالخدمة، وصرف عنايتي إلى ما هو أهم عندي منه».
قال أبو الوليد :«فكان هذا الذي حملني على تلخيص ما لخصته من كتب التحكيم ارسطوطاليـــــس» «3»
أما شهرته كطبيب فيكفي للتدليل عليها شغله وظيفة طبيب البلاط الموحدي، وهي الوظيفة التي تنازل عنها ذو المواهب العديدة ابن طفيل «4»نظرا لكبر سنه من جهة، ولكونه أراد أن يتفرغ لغير الطب من الإلهيات ثانيا: فقد صرف عنايته في آخر عمره إلى العلم الإلهي، ونبذ ما ســـــواه«5». ويكفي للتدليل على شهرته كطبيب، كتابه القيم الذي ترجم إلى اللاتينية وغيرها من اللغات كما نشر نصه العربي في تطوان مؤخرا. هذا وقد تداوله الناس واستعملوه في خلال العصور الوسطى كلها، إذ انه يتنازل التشريح ووظائف الأعضاء، والأمراض وأعراضها، والأدوية والأغذية وحفظ الصحة والعلاج«6». وحسب العادة القديمة التي كانت تقضي بان يحرص الأب على تعليم ابنه نفس الحرفة التي يحترفها، نجد أن أبا الوليد خلف ولدا كان له باع في الطب طويل كذلك.

كبــوة جـــواد:
وبهذه المناسبة-والشيء بالشيء يذكر- أشير إلى هفوة وقع فيها الأستاذ المرحوم احمد أمين، في البحث الذي كتبه واعده لمهرجان العيد الألفي لابن سينا، وعنونه ب «حي بن يقظان لابن سينا وابن طفيل والسهروردي».
ففي حديثه عن ابن طفيل قال :«وكان معاصرا للفيلسوف المشهور ابن رشد، وان كان ابن رشد اكبر منه سنا» «7»، والصواب أن ابن طفيل كان اكبر سنا من ابن رشد، كما يتضح من كل ما تقدم وإلا لما نصحه بتفسير فلسفة أرسطو تلبية لرغبة أمير الموحدين، ولما تخلى له عن وظيفة «الطبيب الخاص» نظرا لكبر سنه.
وفي نص الصفحة يقول الأستاذ احمد أمين :«وقد حل ابن طفيل طبيبا للسلطان، لما طعن ابن رشد في السن»، ولكن العكس هو الصحيح كما سبق أن اشرنا.
وفي صفحة 10 نجد هذه العبارة :«ويذهب بعض المؤرخين إلى انه-أي ابن طفيل- كان تلميذا لابن رشد»، وهذا غلط، لان أحدا من المؤرخين لم يقل بذلك، وإنما المشهور أن ابن طفيل تتلمذ على ابن الصانغ المعروف بابن باجة المتوفى سنة 1138م، ولم يتتلمذ على بن رشد البتة.
وفي الصفحة ذاتها، وبعد سطر واحد يقول:«وعلا أمره «أمر ابن طفيل» حتى أصبح طبيبا لأبي يعقوب يوسف المنصور، خليفة الموحدين 1163-1184م» وهذا خطا تاريخي أيضا لان أبا يعقوب يوسف، لم يلقب نفسه، ولم يلقبه احد بالمنصور، وإنما لقب بذلك ولده وخليفته من بعده أبو يوسف يعقوب.
وقد تبع احمد أمين في وصف يوسف بالمنصور، الأديب الاسباني أنخيل كنثاليث بالينثيا في كتابه الذي ترجمه الأستاذ حسين مؤنس بعنوان «تاريخ الفكر الأندلسي» والغريب أن احمد أمين قلد «تاريخ الفكر الأندلسي» في هذا الخطأ، ولم يقلده في صواب العبارة السالفة التي وردت في ترجمة كتاب الأديب الاسباني هكذا :«ويذهب بعض المؤرخين إلى انه كان تلميذا لابن باجــــة««8».

ولعل السبب في عزوف الأديب العربي عن اخذ العبارة كما هي، اعتقاده أنها خاطئة، وقد تسرب إليه هذا الاعتقاد اثر اطلاعه على كتاب الأستاذ عمر فروخ «ابن طفيل وقصة حي بن يقظان» فقد أدان هذا المؤلف، العلامة المغربي عبد الواحد المراكشي قائلا :«.. حينما زعم أن ابن طفيل قرأ على ابن باجة» «9» مع أن عبارة المراكشي واضحة ولا غبار عليها فهو يقول :«قرأ-أي ابن طفيل- على جماعة من المتحققين بعلم الفلسفة منهم أبو بكر الصانغ المعروف عندنا بابن باجة، وغيره«10».
وليت شعري أين وجه الزعم أو الخطأ في هذا القول؟ ما المانع من أن يأخذ ابن طفيل عن ابن باجة مع أن الأخير اكبر سنا من الأول، بينما عمر الأول كان ثمانا وعشرين سنة على الأقــــــــل «11»، حينما توفى الثاني؟ وإنما يكمن المانع أو يتطرق الشك إلى تلميذة ابن رشد على ابن باجة، نظرا لان هذا الأخير توفى-على أرجح الأقوال- سنة 1138م أي في الوقت الذي كانت فيه سن ابن رشد لا تزيد عن اثنتي عشرة سنة.
وهكذا نجد أن الأمر اشتبه على بعض الأدباء، فخلطوا بين ابن طفيل وابن رشد بصدد التلمذة على ابن باجة، فكان هذا سببا في الخطأ الذي ارتكبه المرحوم احمد أمين، إلى جانب الأخطاء الأخرى الطفيفة، التي أمل أن تقوم دار المعارف في مصر بإصلاحها حينما تعتزم إعادة طبع الكتاب.
ولا اخفي على القارئ مدى الدهشة التي اعترتني، وأنا اقرأ الصفحات الأولى من بحث الأستاذ احمد أمين، فقد وجدت بضع صفحات منه «9-14» تتفق تماما مع بضع صفحات «348-351» من كتاب «تاريخ الفكر الأندلسي» وقلت في نفسي أن احدهما اخذ من الأخر.
وعندما تصفحت الكتابين بحثا عن تاريخ الطبع، وجدت «البحث» نشر سنة 1952 بينما الترجمة نشرت بعد ذلك سنة 1955 فازددت حيرة، يبد أن الحيرة تبددت حينما قرأت مقدمة الترجمة فوجدت المترجم يزجي الشكر للأستاذ المرحوم لما كان له من فضل وتشجيع لترجمة الكتاب، وطبعها على نفقة الإدارة الثقافية التابعة لجامعة الدول العربية وبصفته مديرا لتلك الإدارة، تمكن-حتميا- من الاطلاع على نص الكتاب قبل طبعه.
ومن ثم حلا له أن يقتبس أو يأخذ منه صفحات تلك، دون أن يتمكن من أن يشير إلى المصدر، كما لم يتمكن من مراجعة جميع النصوص المتعلقة ببحثه، ولو راجعها جيدا، لما تورط-على ما اعتقد- في الأخطاء التي تورط فيها بصدد اختلاف السن بين ابن طفيل ابن رشد.

«عـــود إلــى بـــدء»
أرجو إلا أكون قد بعدت بالقارئ من الموضوع الأساسي الذي هو محاولة إقناع من أساء إلى خلفاء الموحدين، حينما وصمهم بأنهم اطفاوا نور الحضارة العربية، ودكوا أركانها في المغرب كما فعل المغول في المشرق.
ولعل الإنصاف يقتضي أن نشير هنا إلى حادثتين ربما كان كاتب الحلقة الرابعة من سلسلة «الجراحة عبر القرون» قد اعتقد عليهما وهما :
1» محنة ابن رشد : اجل، لقد امتحن ابن رشد، حينما تغير عليه المنصور، وقلب له ظهر المجن لسببين : احدهما خفي، والأخر ظاهر كما يقول المراكشي.
فأما الخفي فهو أن فيلسوفنا في شرحه لكتاب الحيوان-احد كتب أرسطو- تكلم عن الزرافة، وقال :«وقد رايتها عند ملك البربر» هكذا أوردها كلمة جافة جافية دون تنميق أو مجاملة لولي نعمته، فأسرها المنصور في نفسه ولم يبدها له.
أما السبب الظاهر فهو سعاية بعض حساده ومنافسيه القرطبيين الذين اهتبلوا فرصة وجود المنصور بين ظهرانيهم في قرطبة فسعوا إليه وأطلعوه على ما كتب أبو الوليد ابن رشد بخط يده قائلا وهو يحكي عن بعض قدماء الفلاسفة :«فقد ظهر أن الزهرة احد الإلهة».
وحيثما مثل أبو الوليد بين يدي المنصور الذي كان محفوظا بالرؤساء والأعيان من كل طبقة، نبذ الخليفة الأوراق أمامه وقال له : أهذا خطك؟ فأنكر الفيلسوف أن يكون ذلك خط يده، فقال الأمير: لعن الله كاتب هذا الخط، وأمر الحاضرون بان يلعنوه. ثم أمر بإخراج أبي الوليد على حال سيئة وأبعاده وإبعاد من يتكلم في شيء من هذه العلوم الفلسفية ونفاه إلى اليسانة (Lucena) بالقرب من قرطبة
2)) إحراق كتب الفلسفة : وكان الحادثة الأولى وغضبة أبي يوسف يعقوب التي صحبتها كانت سببا في الحادثة الثانية التي طالب فيها الخليفة الموحدي من الناس أن يتركوا هذه العلوم الفلسفية، وان يحرقوا كتبها كلها ما عدا كتب الطب «كذا» والحساب وما يتوصل به من علم النجوم إلى معرفة أوقات الليل والنهار واخذ سمت القبلة.
بيد أن المنصور لم يلبث حينما رجع إلى عاصمته مراكش أن نزع عن ذلك كله، وجنح إلى تعلم الفلسفة، العلم الذي أحبه والده وأتقنه بشهادة ابن رشد نفسه «وابن البطة لا يكون إلا عواما» كما قيل وهكذا نجد المنصور يستدعي أبا الوليد ابن رشد من منفاه إلى مراكش بقصد العفو عنه والإحسان إليه فقصدها سنة 1197م، غير انه لم يمكث بها طويلا إذ توفــــى في العــــام التالـــي «12»كما أن المنصور لم يلبث أن توفاه الله في السنة التالية 1199م.
 هكذا يرى القارئ أن الأمر يتعلق بسحابة صيف لا يستطيع أن نصدر بسببها حكما قاسيا على دولة الموحدين، وخلفائهم الذين أسدوا أيادي بيضاء للحضارة والفلسفة وللطب وجه خاص.. اجل ربما يكون كاتب المقال قد استند من وراء تجنيه على هذه الدولة، إلى ما صدر عن المنصور-أيضا- بصدد اليهود، فربما اتخذ الكاتب بعض تصرفات المنصور معهم ذريعة للقول باضطهاد الحضارة العربية والفتك بالعلماء وأرباب المعرفة وقتلهم بلا رحمة، فكان اليهود هم العرب، وكان حضارتهم هي الحضارة العربية!!
فماذا فعل المنصور إزاء هذه الشرذمة التي طالما أظهرت غير ما تبطن، وطالما تنكرت للدولة التي تعيش بين أحضانها، وطالما عاشت في الأرض فسادا؟ لقد أمر بان يلبسوا ملابس خاصة بهم تميزهم عن المسلمين، يقول المراكشي :« وإنما حمل أبا يوسف على ما صنعه من أفرادهم بهذا الزى وتمييزه إياهم به، شكه في أسلافهم»«13».. غير أن هذه الحالة لم تطل، إذ لما ولي الخلافة ابنه أبو عبد الله محمد الناصر «11991213م» توسلوا إليه بمن قبل شفاعته فيهم، فرفع تلك القيود أو خففها عنهم على الأقل.
هذا كل ما في الأمر، غير أن بعض الكتاب قد يحلو لهم أن يبنوا من الحبة قبة، أو أن يقيموا الدنيا ويقعدوها فيقول احدهم :«كان التعصب الطائفي قد ساق السلطان يوسف المنصور-يقصد أبا يوسف يعقوب المنصور- وولي عهده الناصر إلى سلوك سياسة عدم التسامح الديني بنبذه لليهود والمسيحيين، فعائلة بني ميمون وكثير من بني جلدتهم، اضطروا للهجرة إلى المشرق، وكان الموزاربين-أي المسيحيون الذين كانوا يعيشون مع مسلمي الأندلس- يتعقبون ويعانون آلاما مبرحة، وقد وصل الأمر بالأئمة- يعني أمراء المومنين-إلى حد تقرير إتلاف كل كتاب يتعلق بعلم الكلام وبالفلسفة، مع الحكم بالموت على من يحتفظ به أو يقراه»«14». ويقول في موضع أخر:
«حينما دخل عبد المومن عاصمة الخلافة-يقصد قرطبة- سنة 1148 أمر كل المسيحيين واليهود أن يعتنقوا الدين المحمدي في الحال أو أن يخرجوا من الإمبراطورية الموحدية، وكثير من اليهود ومنهم عائلة بني ميمون، اعتنقوا العقيدة الإسلامية في الظاهر، ولكن عندما وصل عالمنا-يقصد موسى بن ميمون- سن الثلاث والعشرين من عمره.. كتب كتبا ثورية لا تتمشى والمذهب الرسمي للإمبراطورية.. وانتقل إلى المغرب سنة 1160م وعاش في فاس أولا، ثم بعد ذلك ذهب إلى القدس والقاهرة»«15».
أن ذا الكلام أشبه ما يكون بالدعايات التي تقوم بها جماعات «الطابور الخامس» واقرب إلى حرب الأعصاب منه إلى حقائق التاريخ، أن أبا من المؤرخين الموثوق بهم لم يصرح بان الخليفة عبد المومن قد اجبر سكان قرطبة على اعتناق الإسلام أو الهجرة، مع أن التقاليد الحربية الإسلامية تمنع ذلك، والآية القرآنية تنص صراحة على أن لا إكراه في الدين.
وعلى العكس مما تقدم نجد احد المؤرخين يتحدث عن «العروبة الغربية» التي أمست مدنها وخاصة قرطبة وطليطلة واشبيلية أعظم شانا من وجهة النظر الثقافية حتى من بغداد أو أية مدينة من مدن فارس، ثم يقول :«وحتى أعضاء الأسر الحاكمة الجديدة البسطاء نسبيا-كذا- كالموحدين في مراكش، ما لبثوا أن أمسوا رعاة للمعرفة والفن، ولقد كان في التسامح الديني الذي أظهره حكام اسبانيا المسلمون، ما أجاز لكثير من العلماء النصارى واليهود أن يخلعوا غنى جديدا على الثقافة»«16».
لا أريد أن أطيل هنا أكثر مما فعلت، فاعدد أطباء وعلماء مغاربة آخرين، وإنما اكتفي بهؤلاء الإعلام الذين ذكر صاحبنا بعضهم في مقاله، لأدلل على أن الفضل في شهرتهم وعظمتهم راجع بالدرجة الأولى إلى تشجيع الموحدين وتبنيهم لأفكارهم، وتقريبهم للبلاط الملكي المغربي، على أن الصورة قد لا تكتمل إذا لم أعرج على ذكر طبيبات مغربيات مثل أخت الطبيب الشاعر أبي بكر ابن زهر الأنف الذكر، فقد اتخذها المنصور طبيبة خاصة لحريمه، وكان لا يقبل طبيبة سواها، ولما توفيت خلفتها ابنتها في القيام بالمهمة.
يقول جرجي زيدان :«ونبغ جماعة من النساء اشتهرن بصناعة الطب، منهن أخت الحفيد ابن زهر الأندلسي وابنتها، فقد كانتا عالمتين بصناعة الطب، ولهما خبرة جيدة بمداواة النساء، وكانتا تدخلان على نساء المنصور الأندلسي-كذا- وأهله، ولا يقبل المنصور سواهما»«17».
ووصف جرجي زيدان المنصور هنا بالأندلسي فيه نظر كما يقال، لان المنصور الأندلسي هو المنصور محمد ابن أبي عامر حاجب الخليفة الأموي الأندلس، هشام الثاني، فإذا كان يريده-لعله يريده بدليل وصف ابن زهر بالأندلسي أيضا- كان واهما، أو كان مثله مثل أعضاء لجنة أجنبية كانت تمتحن احد الأعيان المغاربة لمنحه شهادة «البكالوريا» فسئل من طرفها عن المنصور، فقال لهم: أيهم تريدون المنصور المرني؟ أو المنصور السعدي؟ فأجابوه مبتسمين: سألناك عن الأول، فنحن لا نعرف غير منصور واحد.
لم يقتصر الأمر في المغرب على الطب داخل القصور الملكية، بل هناك أطباء عديدين كانوا يداوون الناس، كما كانوا يديرون المستشفيات والمارستانات «18»التي أسسها الموحدين في ذلك الزمان المبكر، فقد أسس المنصور مستشفيات ومارستانات للمرضى والمجذومين والمجانين في مراكش وشالة والقصر، وأجرى النفقات على مرتاديها من الرجال والنساء، ومما يدل على التخصص والازدهار، أنهم قسموها قسمين: احدهما للرجال والأخر للنساء، وجهزوا كل قسم بآلات وعدد وخدم ومشرفين وأطباء.
نخلص من هذا كله، إلى القول بان الموحدين قد شجعوا الطب والأطباء، والعلم والعلماء، وشجعوا الفنون والآداب، وان عهدهم كان عهد ازدهار في جميع الميادين العلمية والطبية والفلسفة والرياضي والأدبية والفنية، وخاصة فن العمارة الذي ما تزال آثاره قائمة في اشبيلية «مسجدها الأعظم ومنارته التي أطلق عليها بعد اسم لاخيرالدا.
وفي الرباط «المدينة نفسها ومسجد حسان وصومعته» وفي مدينة مراكش «جامع الكتبيين وصومعته» فهذه الآثار المادية وغيرها، قد تكون مشاهدتها من طرف الجاحدين، ابلغ في إقناعهم من كتابة كاتب أو نقد ناقد.

«1»  عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص 147.
«2» ميكيل كروث هرنانديت: ابن رشد وأصول العلم الأوربي الحديث، بحث في كتاب «فلاسفة الإسلام في الغرب العرب» قام بترجمته: عبد الله العمراني طبعة تطوان سنة 1960
«3» المعجب ص 147-148.
«4» كان يأخذ مرتبا من الدولة كواحد من الأطباء والمهندسين والكتاب والشعراء والرماة والجناد، وكان يقول: لو نفق عليهم علم الموسيقى لأنفقته عندهم، بمعنى لو كانت سوق الموسيقى رائجة عندهم لروج الموسيقى، وذلك دليل على موسوعيته.
«5» المعجب ص 145.
«6» تاريخ الفكر الأندلسي ص 169.
«7» ص 7.
«8» تاريخ الفكر الأندلسي ص 338.
«9» ص 31.
«10» المعجب ص 145.
«11» هذا على القول الذي نرجحه واخذ به كثير من المؤرخين، من أن ابن باجة توفى بفاس في رمضان 533هـ1138م، أما على ما نقله المقرئ في نفح الطيب من انه توفى في رمضان عام 523هـ أو 525 فيكون عمر ابن طفيل اقل من ثمانية وعشرين عاما. مهما يكن من أمر فان عمره كان يسمح بتلقي العلم ومبادئ الفلسفة.
«12» المعجب ص 189-190 وانظر أيضا 85 J. G. Gallents, P.
«13» المعجب ص 188.
«14» 82 La médecine arabe, p.
«15» المصدر السابق ص 162.
«16» العرب والإسلام ص 228.
«17» تاريخ التمدن الإسلامي ج 3 ص 204.
«18» مأخوذة من الكلمة الفارسية بيمارستان التي تتألف من ثلاثة مقاطع: بي بمعنى دون أو عدم ومار بمعنى مرض ثم استأن بمعنى مكان. ومكان عدم المرض هو المصحة أو المستشفى، ولكن الاستعمال المغربي أو العربي حذف المقطع الأول وأطلق الباقي على مستشفى المجانين.


 


 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here