islamaumaroc

ثقافة القرآن والثقافة العالمية -4-

  دعوة الحق

87 العدد

3) يونانيـة لقمـان ووصايـاه
استشهد الأستاذ الوزاني-في جملة ما استشهد- على صلة الوصل القائمة بين ثقافة القرآن وثقافة يونان بذكر القرآن للقمان الذي قال عنه«وهناك شخص ثالث يوناني يسميه القرآن لقمان، ونقل لنا القرآن بعض وصاياه لابنه، واعتبرناها أساسية في التربية الإسلامية فلنعلم الآن أنها وصايا يونانية اقرها الإسلام بنفس القيمة التي كانت لها في امة الإغريق».
والقرآن عند ما قص علينا قصة ذي القرنين، وقصة الخضر مع موسى، وقصة لقمان ووصاياه لابنه، فقي جملة ما قص علينا من أحسن القصص للذكرى والاعتبار لم يذكر إلى أية امة من الأمم ينتسب هؤلاء الثلاثة ولا احدهم، والسنة المقرة للقرآن لم تنبث لنا أي شيء من ذلك، وقد يبق أبطال قرنية لاسكندر المقدوني، وإغريقية الخضر، في أقوال العلماء وشواهد التاريخ، أما لقمان هذا الذي توجد سورة في القرآن تسمى باسمه، والذي ذكر الأستاذ الوزاني انه يوناني،ت وان وصاياه يونانية وان القرآن ذكرها بنفس القيمة التي كانت لها عند الإغريق، فقد ذكر ابن قتيبة في معارفة (1)وابن كثير في تفسيره (2)وتاريخيه (3)وابن العربي في أحكامه (4)، وابن حجر في فتحه (5) أكثر من قول منقول عمن قبلهم من رجال العلم بالتفسير والحديث والتاريخ في نسبه وموطنه ذكروا انه حبشي، وذكروا انه نوبي، وذكروا انه من سودان مصر، وذكروا انه إسرائيلي، ولم ينقل أي واحد من هؤلاء عمن سبقهم بالقول عنه انه يوناني، ورجح ابن حجر-بناء على حديث المستدرك الذي صح عنده أستاذه- انه كان في زمن داوود والرواية الأجنبية عن لقمان الحكيم هذا لم تزد أي شيء على ما ذكرته الرواية الإسلامية، مما يدل على أن اغلب مصادرها عنه جاءت عن طريق الرواية الإسلامية، ولم تشر هذه الرواية الأجنبية ولو من طرف خفي إلى يونانية هذا الرجل، لقمان باليونان فهي أن اليونان مدينون له حيث أن بعض قصاصيهم قد قلدوا أساليب وصاياه غير اليونانية، فقد جاء في «دائرة معارف القرن العشرين للإعلام» عند الكلام على لقمان الحكيم هذا:«أن جميع أقاصيصه ووصاياه ذات شبه قوى باقصيص أيـــــــوب (AESOP) القصاص اليوناني المشهور (6)» وقالت (دائرة معارف ولسون (7)  عن أقاصيص ايسوب وخرافاته«أن لها أصلا تغلغلا في القدم، وان عليها سمة الحكايات الخاصة بكثير من الشعوب الشرقية، وان مما لا شك فيه أن حكايات ايسوب هذه ذات أصل عربي وفارسي، وان ايسوب هو شخص يوناني على شاكلة شخص لقمان العربي، وليست هناك-تقول دائرة معارف ولون- أية واحدة من حكايات ايسوب قد انحدرت ألينا من أصل يوناني» وإذا كان ايسوب هذا قد عاش في القرن السادس قبل المسيح كما يقول المترجمون له، وكان لقمان قد عاش في زمن داوود في اصح الروايات العربية أي في القرن الحادي عشر قبل المسيح، فان لقمان يكون إذن سابقا لا يسوب بقرون كثيرة وحينئذ يكون القصاص اليوناني المتأخر قد تأثر في اسلون قصصه وحكاياته بأسلوب لقمان الحكيم السابق في حكاياته وقصصه على مثل ما تأثر دانني الايطالي في جحيمه بابي العلاء المعري في رسالة غفرانه.
هذا وأننا لم نسمع فيما بلغ علمنا مما كتبه الكاتبون وأرخه المؤرخون لحكماء يونان وفلاسفتهم أن فيهم من كان اسمه لقمان، فأي مستند تاريخي إذن قد استند عليه الأستاذ الوزاني في إثبات يونانية لقمان ويونانية وصاياه ليجعله هوة أيضا شاهدا من شواهده على إثبات الصلة بين ثقافة القرآن وثقافة يونان؟

4) حكمـة القـرآن وحكمـة اليونـان
كان مدخل الأستاذ الوزاني إلى التماس الصلة بين (ثقافة القرآن) و (ثقافة اليونان) في الحكمة اليونانية أن أشار إلى (رجال صالحين) قال عنهم أنهم حبوا القرآن في مجلس عزلتهم التي عاشوا فيها وفسروا معانيه حسب ما واحته إليهم هذه العزلة التي جعلتهم كما يقول «ينظرون إلى القرآن بمنظارها وقد تدهشهم بعض التعابير القرآنية، لأنها في خضم الحياة البشرية» وكان من بين الآيات القرآنية التي رأى أنها أدهشتهم فلم يدركوا على وجه الضبط والتحقيق المراد منها،قوله تعالى(كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم ءاياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون).
والرجال الصالحون لا يمكن أن يعني بهم في كلام الأستاذ الوزاني إلا أولئك الذين كان لهم من سبق الفهم في كتاب الله ما كانوا به أوفياء لذلك الكتاب، فهؤلاء ما أدهتهم الآية المذكورة فغاب عنهم-في رأيه- إدراك معنى الحكمة فيها (فاختلفوا فيها) إلا أنهم كما يقول:«غفلوا عن دراسة نفسيا تهم وما اصطفت به من انتمائها إلى عالم الكتاب ولو ساروا على طريق التفصيل وانتقوا من الحضارة أساليبها لما عسر عليهم أن يجدوا المفهوم الاجتماعي لعبارة الحكمة» وهو يعني بالمفهوم الاجتماعي لعبارة الحكمة ما أدركه هو حين إدراك «أن العالم باعتبار الهداية والعمل الصالح كان ينقسم إلى عالم الكتاب وعلى رأسه بنو إسرائيل، وغلى عالم الحكمة وعلى رأسه الأمم اليونانية، فلما نزل القرآن كان جامعا بين الكتاب والحكمة باعتبار أن الأمرين معا تراث أنساني للمسلمين أن يستفيدوا من احدهما كما يستفيدون من الآخرين، وبحسب النظرة السطحية يبدو أن القرآن اخذ من عالم الكتاب-بني إسرائيل- أكثر مما اخذ من عالم الحكمة-اليونان- وليس الأمر كذلك الكفتان متساويتان، فقد نقل القرآن من الحكمة ما لا يقل عما أخذه من الكتاب»، فالمفهوم الاجتماعي لعبارة الكتاب على هذا الفهم في الآية الكريمة هو جنس الكتاب الذي على رأسه كتاب بني إسرائيل، والمفهوم الاجتماعي لعبارة الحكمة فيها كذلك، هو جنس الحكمة التي على رأسها حكمة اليونان، وحينئذ تفهم المنة التعليمية العظمى التي امتن الله بها على التباع محمد في هذه الآية، انه أرسل إليهم محمدا ليعلمهم ما نقل من ذلك الكتاب وتلك الحكمة.(8)
ومعنى هذا أن الحبر بن العباس رضي الله عنه الذي دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وتعلم التأويل فكان (ترجمان القرآن) كما كان يسميه عبد الله بن مسعود (9)، والذي قال عنه احد مجتهدي القرن الثامن (10) (انه متى صح الأستاذ عنه كان تفسيره مقدما على كثير من الجماهير) هذا الحبر الجليل والصحابي الكبير الذي فسر كلمة الكتاب في الآية الكريمة بأنها تعني (القرآن ) وكلمة الحكمة بأنها تعني (المعرفة بالقرآن) بجميع أنواع المعرفة، يكون قد عسر عليه أن يجد المفهوم الاجتماعي لعبارة الحكمة، حين لم يفسر الكتاب بما يشمل كتاب بني إسرائيل، وحين لم يفسر الحكمة بما يشمل حكمة اليونان يعني فلسفة ابن أقراط وسقراط. وجالينوس وأفلاطون وأرسطو، كما فسر ذلك الأستاذ الوزاني!!
والعلماء بالكتاب من بعد ابن عباس حين استخرجوا من تفسيره من كلمة الحكمة تفاسير، وحين فرعوا من فهمه لها فهو ما، قد عسر عليهم هم أيضا أن يجدوا المفهوم الاجتماعي لعبارة الحكمة، فقتادة والحسن البصري ومقاتل بن حيان وأبو مالك حين قالوا عن الكتاب في الآية المذكورة (انه (القرآن وعن الحكمة أنها (السنة(11))، ومالك بن انس حين قال:«انه ليقع في قلبي أن الحكمة الفقه في دين الله (12)» والشافعي حين جمع هذه الآية مع ما شابهها من الآيات وفرها بقوله:«فذكر الله تعالى الكتاب وهو القرآن وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله صلى الله عليه سلم، قال الحافظ البهيقي معللا تفسير الشافعي:أشبه ما قال بان القرآن ذكر اتبعته الحكمة فذكر الله منته على خلفه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز –والله اعلم- أن تعد الحكمة هاهنا إلا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلــــــم (13)» وابن تيمية حين أدرك من معنى الحكمة في القرآن ما عبر عنه يقوله:«وقد بعث الله محمدا (ص) بالحكمة التي هي سنته وهي الشرعة والمنهاج الذي شرعه فكان من هذه الحكمة أن شرع له من الأقوال والأعمال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين (14)» والأستاذ الإمام محمد عبده الذي شرح ما علوه بكلمة السنة التي فسروا بها الحكمة فأحسن الشرح حين قال:«دعا القرآن إلى التوحيد وأمهات الفضائل وبين أصول الأحكام ولكنه لم يفضل سيرة الملوك والرؤساء مع الوقة والمرءوسين ولم يفصل سيرة الرجل مع أهل بيته في الجزئيات وهو ما يسمونه نظام البيوت-العائلات- ولم يفصل طرق الأحكام القضائية والمدنية والحرية وذلك أن هذه الأمور ينبغي أن تؤخذ بالأسوة والعمل بعد معرفة القواعد العامة التي جاءت في الكتاب، ولذلك كانت السنة هي المبينة لذلك بالتفصيل يسيرة النبي (ص) في بيوته ومع أصحابه في السلم والحرب، والسفر والإقامة وفي حال الضعف والقوة، والقلة والكثرة، فالسنة العلمية المتوارثة هي المبنية للقرآن بتفصيل مجمله وبيان مبهمه وظهار ما في أحكامه من إسرار والمنافع ولهذا أطلق عليها لفظ الحكمة (15)». فهؤلاء الإعلام العلماء بالكتاب والسنة (قد عسر عليهم أن يجدوا المفهوم الاجتماعي لعبارة الحكمة) وإنما الذي لم يعسر عليه فهمها في أحسن معناها واصدق مفهومها فهو ذلك الذي فسر الكتاب بما يشمل كتاب بني إسرائيل والحكمة بما يشمل حكمة اليونان، وهذا والله يذكرنا بما  حدثونا به عن ذلك الشاعر (16) الأديب الذي قالوا عنه انه قال:«كلما اجمع الناس على استحسان شيء انشات من فكرتي من جنسه ما ادحض به المتقدمين»
حقيقة أن بعض عبارات السلف قد اختلفت في التعبير عن المعنى العام الذي قصده ابن عباس (ص) عندما قال عن الحكمة أنها (المعرفة بالقرآن)، ولكن اختلافهم في التعبير لا يعني اختلافهم في المعنى الذي قصده ترجمان القرآن، وقد نص ابن تيمية عندما عرض عبارات السلف عن معنى (الزور) في قوله تعالى (والذين لا يشهدون الزور) على أن (عادة الملف في تفسيرهم هكذا يذكر الرجل نوعا من أنواع المسمى لحاجة المستمع إليه أو لينبهه على الجنس كما لو قال الأعجمي  ما الخبز؟ فيعطي رغيفا ويقال له هذا بالإشارة إلى الخبز لا إلى الرغيف(17)).
والناظر بعين الاعتبار لحكمة الله في تتابع الرسالات، وتعاقب الرسل، وتبديل الكتب، ونسخ الآيات الكونية والتشريعية والإتيان بخير منها أو مثلها حسبما يقتضيه تطور الأزمان وتغير الأحوال، كالناظر بعين الاعتبار فيما تضمنه كثير من سور القرآن من حجج تقرير معجزة القرآن ونبوة النبي الذي جاء به ودحض مفتريات بني إسرائيل ومن لف لفهم من كفار العرب ومنافقيهم في تلفيق الأكاذيب وليس الحق بالباطل ليصدوا عن سبيل القرآن ويبونها عوجا، يدرك تمام الإدراك أن ما فهمه السلف الصالح من معنى الكتاب والحكمة في الآية السابقة هو الفهم الصحيح، فمحمد (ص) وان لم يكن بدعا من الرسل قبله، والكتاب الذي بعث به وان كان مصدقا لما بين يديه من الكتاب، ولكن محمدا بعث بالقرآن لتقرير شرعة غير شرعة من سبقه من الرسل، ولسلوك منهج غير منهجهم في الحكم والسياسة والتربية والاجتماع، وصدق الله العظيم (ولكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا واو شاء الله لجعلكم امة واحدة).
ونسق القرآن في ترتيب هذه الآية على الآية التي قبلها يقوم حجة ناهضة كذلك على أن السلف قد اهتدوا الهداية التامة إلى مراد الله في الآية الكريمة، فالآية قبل هذه وهي قوله تعالى(ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ليلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعتي عليكم ولعلكم تهتدون) صريحة كالآيات قبلها في أمر إتباع محمد باستقبال قبلة غير قبلة بني إسرائيل في الاتجاه إلا الله، وذلك يقضي أن تكون النعمة التعليمية التي امتن الله بها على إتباع محمد عقب نهيهم عن استقبال قبلة بني إسرائيل كتابا غير ما يشمل كتاب بني إسرائيل وحكمة غير حكمة اليونان أو غير اليونان ممن لم تقع لهم أي إشارة في هذه الآيات لا بالأمر بالاقتداء ولا بالأمر بالمخالفة، ولم يكن ذلك الكتاب إلا القرآن ولم تكن تلك الحكمة سوى سنة رسول الله.
ثم إن لفظ الحكمة في القرآن لو كان يمكن أن يصرف إلى معنى السنة وغير معنى الفقه في الدين والمعرفة بكتاب الله علما وعملا لصرف إلى حكمة لقمان، تلك الحكمة التيس ذكر الله في القرآن انه أتاها لقمان، والتي لم ير مالك بن انس أي غضاضة في أن يأتي منها في كتاب الجامع من موطئه بما يؤيده الكتاب والسنة ولكن النبي (ص) رفض أن تتساوى حكمة لقمان وحكمة القرآن، فقد روى ابن هشام في سيرته(18):«إن سويد ابن صامت ابن صامت أخا بني عمرو بن عوف قدم مكة حاجا أو معتمرا فتصدى له رسول الله (ص) حين سمع به فدعاه إلى الإسلام فقال له سويد فلعل الذي معك مثل الذي معي، فقال له رسول الله (ص) وما الذي معك قال مجلة لقمان يعني حكمة لقمان، فقال له رسول الله (ص) اعرضها علي فعرضها عليه، فقال (ص) أن هذا الكلام حسن والذي معي أفضل من هذا قرآن انزله الله علي هو هدى ونور» وقد أحس ابن تيمية القول في التفرقة بين حكمة القرآن وحكم غير القرآن وبين من يستحق الثناء من عند الله ومن لا يستحقه من أصحاب الحكم المختلفة حين قال-وهو يرد على أولئك الذين زعموا أن الاقية ثلاثة المعروفة عند المناطقة هي المذكورة في قوله تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة، والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن):«وقد تكلم في هذا طوائف من الداخلين في الإسلام... لكن غلطوا... فان مراد الله ورسوله بالعلم ليس هو العلم النظري الذي هو عند فلاسفة اليونان، بل (الحكمة) اسم يجمع العلم والعمل به في كل امة، قال ابن قتيبة وغيره: الحكمة عند العرب العلم والعمل به، وسئل مالك عن الحكمة فقال:معرفة الدين والعمل به، وكل امة لها حكمة بحسب عملها ودينها، فالهند لهم حكمة مع انهمك مشركون كفار، والعرب قبل إلا كانت لهم حكمة، وكان فيهم حكماء العرب، مع كونهم مشركين يعبدون الأوثان، فكذلك اليونان كانت لهم حكمة كحكمتهم وحكماء كل طائفة هم أفضل تلك الطائفة علما وعملا، قال: لكن لا يلتزم من ذلك أن يكونوا ممدوحين عند الله تعالى فان الممدوح عند الله ورسوله لا يكون قط إلا من المؤمنين المسلمين الذين ءامنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وعبدوا الله وحده ولم يشركوا به شيئا ولم يكذبوا نبيا من أنبيائه ولا كتابا من كتبه ولا يثني الله قط إلا على هؤلاء(19). وقد حذا ابن قيم الجوزية حذو إمامه في هذه التفرقة بين حكمة القرآن وحكمة اليونان، فأجاد وأفاد حين قــــــــــال: (20)«والحكمة نوعان قولية وفعلية، فالقولية هي قول الحق والفعلية هي فعل الصواب، وكل طائفة من الطوائف لهم حكمة يتقيدون بها واصح الطوائف حكمة من كانت حكمتهم اقرب إلى حكمة الرسل التي جاءوا بها عن الله، إلى أن قال عن حكمة اليونان «أن الفلاسفة اسم جنس لمن بحب الحكمة ويؤثرها، وقد صار هذا الاسم في عرف كثير من الناس مختصا بمن خرج عن ديانات الأنبياء ولم يذهب إلا لما يقتضيه العقل في زعمه واخص من ذلك انه في عرف المتأخرين اسم لإتباع أرسطو وهم المشاؤون خاصة وهم الذين هذب ابن سينا طريقتهم وقررها وهي التي يعرفها بل لا يعرف سواها المتأخرون من المتكلمين».
والذين لم يكن لديهم أي اعتبار لوجهة النظر الإسلامية ولا لأية وجهة نظر دينية أخرى، في تفسير التاريخ الإنساني، أحداثه وحوادثه، وعقائده وأفكاره وإنما كانت وجهتهم في دارسة التاريخ قرن الأسباب بالمسببات والنتائج بالمقدمات، حسبما يقتضيه قانون العقل ومقارنة الحس، واستقراء الظواهر قد هداهم بحثهم التاريخي العلمي إلى خصائص وسمات في الحضارة القرآنية لا يصح معها أن تفهم كلمة (الحكمة) في القرآن المبعوث به صاحب الرسالة المحمدية بما يمت بأية صلة من الصلات على حكمة اليونان ولا إلى أية حكمة لها قربى بحكمة اليونان، اللهم إلا صلة التقابل والنضاد، والغلبة والانتصار في هذه الضدية الهادفة، فالمؤرخ الانجليزي «ارنولد نويني» الذي بنى طريقته في دراسة التاريخ على أساس البحث المستقصى، والاستقراء الشامل للفوارق والجوامع بين الحضارات والمدنيات، قد هذه البحث إلى أن الرسالة المحمدية جاءت تتويجا لجميع ردود الأفعال التي قامت بها الأمم قبل هذه الرسالة في مقاومة الثقافة الهلينية (الحكمة اليونانية) التي كانت تحاول أن تفرض نفسها على أمم أخرى بعد أن فرضتها على الأمم التي جالست جيوش لاسكندر المقدوني خلال ديارها، فلنستمع إليه حين يقول:«... وقدر للإمبراطور هرقل نفسه أن لا يذوق الموت إلا بعد أن رأى «عمرا» خليفة النبي محمد، يفد إلى مملكته ليبطل تماما وإلى الأبد فعل جميع من طبعوا الإنحاء السورية بالطابع الهيليني ابتداء من لاسكندر فصاعدا» قال:«فلقد وقف الإسلام فيما فشل فيه سابقوه لأنه استكمل عملية طرد الهيلينية عن العالم السوري، كما عاد فادمج في الخلافة العربية الدولة العالمية السورية التي اختزل لاسكندر الأكبر حياتها بقسوة قبل أن تستكمل رسالتها وقتما هدم الإمبراطورية الاخيمية الفارسية، وأخيرا منح الإسلام المجتمع السوري بعد طول الانتظار عقيدة دينية عالمية أصيلة، فعاون بذلك المجتمع السوري-بعد انقضاء عدة حروب من توقف حيوية- على أن يسلم الروح وهو متأكد انه لن يزول دون أن يخلف عقبا، إذ غدت العقيدة الإسلامية اليرقة التي بزغت في حينها الحضارتان العربية والإيرانية (21)».
وبعد فقد قالوا عن أرسطو انه بلغت به المبالغة في التخيل في تنزيه الله إلى أن الحق بصفة الإلوهية ما لا يليق بمقامها، ولعل تحمس الأستاذ الوزاني هو أيضا لان يرفع (الثقافة القرآنية) إلى ارفع مقام هو الذي بلغ به إلى أن يتخيل من الشواهد والدلائل على عالميتها ما لم تقبله أحكامها ومقرراتها، وما لم تثبت لا في ميزان العلم ولا في ميزان التاريخ، وفي بقية مقاله بقية أحكام يرفضها الإسلام بروحه ومنهجه في تنظيم الحياة وشؤون الناس، كما يرفضها العلم والتاريخ بكل ما يحول العلم والتاريخ من نصوص وأحكام كقوله (وصورة الحج الإسلامي لا تختلف كثيرا عن مواسيم الإغريق في زيارتهم (الاكروبول) ) وكقوله(أن يونس عليه السلام كان من نينوي وان نينوي قرية من صميم العالم اليوناني) وكقوله (وما أجدر أفلاطون وأرسطو وإضرابهما أن يكونوا أنبياء ورسلا) الخ... وأننا لنكتفي بنقص ما مضى في نقص ما بقى، ونقول للأستاذ الوزاني أن (ثقافة القرآن) ثقافة دينية لها خصائصها وسماتها وميزاتها، وان الحقيقة الاجتماعية التي عبر عنها من قال«أنت دائما أنت وأنا أنا»، حقيقة ثابتة في الآراء والعقائد والأفكار وثقافات كما هي ثابتة في الإفراد والجماعات، وقد أبدتها الآية الكريمة القائلة (ولكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة).

(1) المعارف ص 25.
(2) تفسير ابن كثير ج 3 ص 443.
(3) البداية والنهاية ج 2 ص 126-127.
(4) أحكام ابن العربي ج 2 ص 155-156.
(5) فتح الباري ج 6 ص 362.
(6) The New Century Cyclopaedia Of Names Part Tow (Lokman)
(7) Nelson’s Encyclopsedia Part I (Hesopus)
(8) سبق في الجزء الثاني من المقال أبطال أن يكون القرآن قد نقل أو اخذ أو استعمل.
(9) مقدمة تفسير ابن كثير.
(10) محمد ابن المرقضي اليمني، انظر كتابه (إيثار الحق) ص 157.
(11) ابن كثير ج 1-ص 184.
(12) ابن كثير ج 1- ص 322.
(13) أحكام القرآن للشافعي ج 1-ص28.
(14) اقتضاء الصراط المستقيم ص 6.
(15) تفسير المنار ج 2-ص 29.
(16) أبو علي بن الحسن المعروف بشميم الحلي ترجدمته في معجم الأدباء وابن خلكان والشذرات.
(17) اقتضاء الصراط المستقيم ص 86.
(18) ج 1- ص 265 من هامش الروض.
(19) الرد على المناطقة ص 447-448.
(20) إغاثة اللهفان ج 2-ص 256-257.
(21) مختصر دراسة التاريخ ج 1-ص 240-241.

 


 
 

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here