islamaumaroc

محمد الخامس مجدد نظام الملكية بالمغرب

  عبد الكريم غلاب

العددان 4 و5

قرأت منذ سنوات بحثا كان تحت عنوان (كيف استطاعت إنجلترا أن تحتفظ بالنظام الملكي) حلل فيه الكاتب استجابة الملكية في إنجلترا للتطور الفكري الِذي طرأ على عقليات الشعوب، وللتطور الاجتماعي والسياسي الذي دفع الشعب الإنجليزي إلى المطالبة بحقوقه، ومحاولة التخلص من نظام الحكم الفردي، إلى النظام الديمقراطي، حتى انتهى بالنظام الحالي الذي أصبح فيه الملك - أو الملكة - يملك ولا يحكم، نتيجة لاتفاق تام بين الملك والشعب، وبذلك استطاع الشعب أن يتطور في نظامه الديمقراطي الذي أصبح من أسلم النظم الديمقراطية في العصر الحديث، واستطاعت الملكية أن تحتفظ بمركزها كرمز لوحدة الشعب الإنجليزي والشعوب المرتبطة به، واستطاعت إنجلترا أن تتلافى الارتجاج الذي تعرضت له كثير من الأمم الأوربية نتيجة لتغيرات أوضاع الحكم ونظمه.
وقرأت منذ حين كتابا عن انهيار الملكية في مصر على يد فاروق، صور فيه الكاتب كيف أن فاروقا كان يسير في اتجاه معاكس لكل الرغائب التي كانت تختلج في صدور الشعب المصري، سواء من حيث تطور نظام الحكم نحو الديمقراطية الدستورية، أو من حيث الإصلاح الداخلي، أو من حيث السلوك الشخصي النظيف الطاهر، وقد أدى ذلك كله إلى أن أصبح فاروق في عزلة عن خط السير الذي يريد الشعب المصري أن يسير فيه، وبما أنه كان يملك ويحكم، ويريد أن يسيطر على كل مقدرات الشعب، فقد صعب عليه أن يجتاز الهوة التي حدثت بينه وبين شعبه، وتجرد من كل سلاح يحمي الممالك والملوك، فهوى سريعا سهلا وهوت معه الملكية في مصر.
مثالان من أمثلة التطور بنظام الملك، أدى بأحدهما إلى بقاء الملكية وتعزيزها، رغم أن ما كان يحيط بها من ممالك قد هوت فيها العروش كما تهوي أوراق الخريف، وأدى بأحدهما إلى انهيار الملكية، رغم عزتها وسلطانها، ورغم أن ما يحيط بها من ممالك كان من شأنه أن يعزز جانبها ويقوي سلطانها.
والمغرب يعيش اليوم فترة التطور والانقلاب في حياته السياسية الاجتماعية، وهو يشهد الثورة في أنظمته تقلب أسسها وتغذي جذورها بدافق من حيوية وصيب من إكسير التطور والاندفاع، والنظام الملكي عميق في حياته عمق الدين والقومية والوطنية، لأن العرش كان منذ كانت للمغرب حياة سياسية، وكان من صميم الوطن - وحتى الأدارسة كانوا مستوطنين، رغم أن المغرب يتساهل في معنى الوطنية حينما يتحد الدين والقومية - وكان الحفيظ على الدين والوطن والقومية، وكان المعبر الأمين عن إرادة الشعب، ولكل ذلك امتزج العرش بالشعب وأصبح جزءا من حياته، يجتازان المحنة معا كلما هبت عواطف المحن على المغرب، وينعمان بالعز كلما انتصرا على عوادي الزمن، واندفعا يخدمان الوطن والقومية، لا في حدود الوطن الضيقة فحسب، ولكن أيضا هناك في شمال الأندلس، وفي جنوب الوادي، وعلى حدود مصر، وفي كل بقعة استطاعا أن يبسطا عليها ظل السلام.
جاء محمد الخامس والمغرب يتمخض عن ثورته تلك التي ألمعنا إليها، فلم يقف بمعزل عن الميدان، ولم يستكن للإرادة المسيطرة إذ ذاك، التي كانت تريد أن تجعل من العرش متحفا، كما فعلت بالحكومة، ولكنه تزعم الحركة بنفسه، فدعا إلى الإصلاح وحض عليه، واتحدت آماله بآمل الشعب، وتوثقت عرى عمله بأعمال الشعب، فلم يختلفا في تفكير ولا اتجاه ولا عمل، حتى جهرا معا بالمطالبة بالاستقلال لتحقيق الإصلاح عن طريقه، وحتى عملا معا على تقويض دعائم الحماية والوقوف في وجه كل تشريع يزيد في المساس بسيادة الأمة، ووقف أخيرا العرش والشعب وقفة صريحة في وجه الحكم الأجنبي، فلم يعد أمامه إلا أن يرتطم بصخرة الوطنية ممثلة في العرش والشعب، وكانت الصدمة، وكان بعدها الانتصار. وعاد الملك إلى عرشه، لا ليقتعده وهو يرى بلاده مستقلة فحسب، ولكن ليقود دفة البناء في عهد الاستقلال كما قاد دفة الهدم لعهد الحماية.
وبدأت المشروعات البنائية تتولى في كل اتجاه، وحقق المغرب في سنتين اثنتين ما عجزت الحماية عنه في سنين أربعين، وما عجزت عنه بلاد أخرى في عقود من عهد استقلالها، يفكر في كل ذلك ويرعاه ويدفع إليه جلالة الملك محمد الخامس.
المهم  في كل هذا أن محمد الخامس جعل من الملكية نظاما قائما بالشعب لخدمة الشعب، فحينما كان هذا النظام ينهض لمقاومة عهد الاستعمار لم يكن يسير في معزل عن الشعب ولم يستبد برأي دون رأي الشعب، ولم يكن يترك الشعب ليكافح وحده دون مراقبته وتأييده والكفاح معه.
 حينما انتهى الأمر بالمغرب إلى الاستقلال قام النظام أيضا بالشعب لخدمة الشعب، فالمشاريع البنائية يعتمد في بناء معظمها على الكفاح الشعبي، والجهود توجه لخدمة المصالح التي تستفيد منها أكبر طبقة من الشعب.
والواقع أن هذا المجهود الذي يعبئه محمد الخامس لخدمة شعبه -ولو أنه يستمد أصوله من تقاليد العرش المغربي- إلا أنه في تاريخ المغرب الحديث يعتبر تجديدا لمهمة النظام الملكي، لأن الشعب المغربي في تاريخه الحديث لم يشعر بهذا التضامن بين العرش والشعب كما يشعر به اليوم، ولم يحس بأن آماله في الحياة الحرة الكريمة الجديدة تتبلور في شخص كما تبلورت في عهد محمد الخامس.
ويمكننا أن نقول: إن ملكا من ملوك المغرب في العهد الحديث لم يشعر بالعبء كما يشعر به محمد الخامس، ولم يعبئ جهوده كما عبأها محمد الخامس لخدمة الشعب ورعاية مصالحه.
وإذن فهو تطور مهم يواكب عهد الثورة التي يعيشها المغرب منذ ثار على الاستعمار، تطور في فهم معنى النظام الملكي، وتطور في أساليب العمل بل وفي ميدان العمل.
ومن أجل ذلك أكسب محمد الخامس النظام الملكي بالمغرب قوة فوق قوته، وأعطى للدولة مناعة وقتها شر ما كانت الحماية تبيته لها من أخطار.
إنه نظام ملكي يعمل بالشعب ولمصلحة الشعب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here