islamaumaroc

أضواء على مفهوم القومية والربط بين العروبة والإسلام

  دعوة الحق

87 العدد

أخطر قضية تواجه فكرنا العربي الإسلامي المعاصر هي قضية «تجزئة المفاهيم»، ذلك أن فكرنا يؤمن بترابط عناصر الدين واللغة والتاريخ والتراث والتقائها وامتزاجها في بوتقة واحدة، وآية ذلك أنك لا تستطيع أن تتحدث عن اللغة العربية منفصلة عن الدين والتاريخ والتراث، وحيث لا يمكن فصل الدين عن التاريخ أو اللغة أو التراث، أو فصل التاريخ عن الدين وهكذا.. ومن هنا تبدو «وحدة الفكر» لا وحدة الجنس.
وفكرنا العربي المعاصر الإسلامي بطبيعته، من حيث أن الإسلام ليس دينا فحسب، ولكنه دين وزيادة، ومن هنا يبدو خطأ كل الذين حاولوا أن يطبقوا رأي الفكر الغربي في «الدين» على الإسلام.
ذلك أن نظرية «الدين» التي كونها الفكر الغربي ونقلها دعاة التغريب والشعوبيون إلى فكرنا العربي محاولين فرضها على الإسلام، هذه النظرية زائفة، لأنها لا تتخذ تجربتنا ولا حياتنا أساسا لها، وهي بعد منسوجة على مقاس «دين» معين، دين كريم نبع في الشرق، وزحف على الغرب، فاعتبره الفكر الغربي دخيلا، وحين قبله لم يسلم به كاملا ولم يأخذ به وحده، ولكنه أضاف ما قبل منه إلى وثنيته الإغريقية، ومن هنا نشأت المسيحية الغربية التي عاد الغرب فأنكرها في ظل حركة الإحياء والنهضة وفي ظل غلبة مفهوم المادية الداروينية وسيطرتها على جميع مفاهيم الفكر الغربي التي تقوم أساسا على المفهوم المادي سواء في الفلسفة أو التربية أو الاقتصاد أو الاجتماع أو النفس.
ومن هنا كان الغرب منسجما مع فكره، حين اتخذ المادية الداروينية قاعدة له وأقام عليها كل فكره. هنا بدت وحدة الفكر عنده واضحة، ومن هنا كانت نظرة الغرب إلى «الدين» مستمدة من تجربته من المسيحية الغربية التي ابتدعها والتي وقفت أمام نهضته وقاومت حريته في التطور العقلي والعلمي.
ومن هنا يبدو الخطأ الواضح والخلط المبين في الحديث عن «الدين» مستمدا من نظرية الغرب، فليس الإسلام أساسا دينا فحسب، وليس هو دين الروحانية التي يمكن أن تؤخذ كجانب مماثل للمادية الغربية كما يحاول التغريب أن يصوره، وإنما كان الإسلام دينا وفلسفة وحضارة ومجتمعا، ومن هنا تظهر روحه واضحة متصلة في مختلف مقومات الفكر العربي فمن قال إن الإسلام دين فحسب فقد قصد جانبا واحدا، ووقف عند «جزئية» من جزئيات الإسلام.
والغربيون وأتباعهم من دعاة التغريب والشعوبية على أن الإسلام «دين» يتمثل في الجانب الروحي وحده وهم بذلك يقعون في خطأ لا حد له، حين يتعرضون لعديد من قضايا الفكر والقومية والتربية والأدب.
والحق الذي يجب أن يكون معروفا في هذا المجال: أن الدين جزء من الإسلام، ولذلك يجب أن يصرف النظر نهائيا عن هذه النظرية المغلوطة والمفهوم الخاطئ، وهو أن كلمة الإسلام تعني الدين كما تعني المسيحية أو اليهودية أو غيرها.
وتفصيل ذلك أن الإسلام إلى جانب أنه دين للمسلم فهو فكر وثقافة وحضارة شارك فيها العالم الإسلامي كله بمختلف أجناسه وأديانه وعقائده، فقد انصبت كل هذه الثقافات الهندية والفارسية والرومانية والمسيحية والإغريقية في بوتقة الفكر الواحد الذي صاغ منها هذه المفاهيم. والمسيحيون في العالم العربي مشاركون في هذا الفكر واللغة والتراث ولذلك فكل مسيحي تتكون ثقافته من تعاليم دينه المسيحي وثقافة الإسلام، هذه القيم الفكرية التي هي قيم كل مسلم ومسيحي ويهودي، فضلا عن تشابه القيم الروحية بين الإسلام والمسيحية في أن كلامها رسالة السماء وهدفها الحق والخير والعدل والحرية.
ومن هذه القيم والمعاني التي تبلورت في بوتقة الفكر العربي الإسلامي تبدو وحدة الفكر مقدمة على وحدة الجنس، وهي التي تصوغ «روح الأمة»، ولقد أفصح الكثيرون من الكتاب المنصفين عن هذا المعنى. ومن هنا يبدو الخطر البالغ الذي نواجهه في تجزئة المفاهيم، فإن وحدة فكرنا هنا تتمثل في امتزاج القيم واندماجها، فنحن نؤمن بالروح والمادة والعقل والقلب والدين والدنيا، وليس فكرنا العربي الإسلامي روحيا خالصا، وليس ماديا خالصا، ومن هنا تبدو خطورة الفصل بين القيم أو تجزئة المفاهيم فلقد كانت نظرتنا إنسانية شاملة، تمتزج فيها العروبة والإسلام ولا ينفصلان.
ولم تكن نظرية الفصل بينهما إلا من مؤامرات التغريب والشعوبية التي تستهدف دائما تجزئة المفاهيم والفصل بين القيم. ولقد كان علينا أن نواجه دائما المفهوم الغربي لكل قضية من قضايانا، وأن يفرض علينا هذا المفهوم على أنه المفهوم  الصحيح. لقد مر العالم العربي بمراحل متعددة في العمل من أجل تحرير نفسه وبلاده وفكره من النفوذ الغربي، مر بمرحلة الجامعة الإسلامية والرابطة الشرقية والوحدة العربية، ومهما يكن من أهداف ودوافع وراء إثارة عشرات الدعوات والقضايا في أفق العالم العربي والإسلامي، فإن الفكر العربي الإسلامي كان دائما قادرا على هضم هذه الدعوات وتقبلها دون أن يدعها تمزقه أو تحقق هدفها التغريبي في القضاء عليه.
ولقد اصطدمت دعوات الفرعونية والفينيقية والبابلية والأشورية والبربرية أعواما طويلة ثم اكتشف الفكر العربي الإسلامي أن لها جميعا جذورا عربية، فقد كانت كلها موجات خرجت من الجزيرة العربية وانبثت في الآفاق.
وربما كانت دعوة التغريب بمخططاتها الداعية إلى القضاء على وحدة العالم الإسلامي قد قضت بالتفرقة بين العرب والترك وإثارة دعوات مسمومة في كلا الجانبين، مما استهدف تدمير هذا البناء الشامخ الذي كان يتمثل في الدولة العثمانية التي كانت تمثل وحدة العالم الإسلامي.
وإذا كانت الأمة العربية قد وجدت في دعوة القومية التي تأثرها العالم إذ ذاك وسيلة للترابط بين أجزاء الأمة العربية في النفوذ الأجنبي واتخاذه «عدة مقاومة» لعوامل التمزيق والتجزئة، فإنها بذلك قد فوتت هدف النفوذ الأجنبي من اتخاذ هذه الدعوة وسيلة للصراع بين العالمين العربي والإسلامي، غير أن النفوذ الأجنبي في مجال الفكر أراد أن يفرض على «القومية» مفهومه الغربي لها حتى يثير من جديد خلافات جذرية بين العروبة والإسلام، محاولا أن يجعل منهما قضيتين منفصلتين، ومن هنا كانت الدعوة الضاغطة الزائفة ذات المنابر والأقلام المشبوهة، وهي التفسير الغربي للقومية، والذي يقول «قومية من غير دين» أو أن الدين ليس مقوما من مقومات القومية والدين هنا هو «الإسلام».
وإذا كان من حقنا أن نجري مع الفكر الغربي في حلبة الفكر الإنساني فإن من حقنا أن يكون للقيم مفهومها المستمد من فكرنا وتاريخنا وتجربتنا، وأن لا يفرض علينا مفهوم الغرب لها، ومن هنا بدأت مراجعة النظرية التي تقول بأن اللغة والتاريخ من مقومات القومية وأن الدين ليس مقوما.
ونحن نعرف لماذا جحد الغرب دينه وأبعده عن مقومات القومية، ولذلك فإن رأي الغرب في دينه أساسا لا ينطبق علينا، والإسلام الذي يراد أن تطبق عليه النظرية ليس دينا فحسب، وإنما هو فكر وثقافة وإنه لا سبيل إلى الفصل بينه وبين اللغة والتاريخ، بل إن هذه اللغة تكاد تكون مرتبطة به ارتباطا جذريا، وكذلك التاريخ فإنه من العسير جدا أن يفصل عن اللغة العربية كما لا يمكن أن ينفصل التاريخ واللغة عن الإسلام الذي يكاد يكون مادة هذا التاريخ، وروح هذه اللغة، كما يكاد يكون كتابه «القرآن» أكبر مصادر اللغة في منطوقها وعلومها.
ومن هنا تبدو حقيقة ما ذهبنا إليه من أن القومية العربية تقوم أساسا على وحدة الفكر لا وحدة الجنس، ومن هنا يسقط الرأي القائل بأن الدين ليس مقوما من مقومات القومية، بالنسبة للإسلام لأن الإسلام ليس دينا ولأن الفكر العربي الإسلامي مترابط في مفاهيمه إلى الحد الذي لا يمكن الفصل فيها بين اللغة والدين والتاريخ والتراث. والفكر العربي الإسلامي هو الذي أعطى الأمة العربية قوتها، وهو الذي دفعها إلى الآفاق وحقق لها بناء هذه الحضارة العظيمة وقيام الدولة الضخمة في أقل من قرن من الزمان.

ومن هنا تبدو العروبة والإسلام كشقين  لحقيقة واحدة، وأن التغريب في دعواه إلى تجزئة المفاهيم يحاول أن يقيم الشبهات والشكوك، ولقد كانت العروبة والإسلام متفقتين منذ قرون على مفهوم واضح عميق مستمد من مقومات الفكر العربي الإسلامي، ولقد كانت روح الإسلام في تاريخ العرب قوة دافعة في النضال ومقوما أساسيا لبناء المجتمع: عقيدة جهاد يأخذ ويعطي، ولم يعرف الإسلام بعض العناصر الأخرى، وقد اتسعت آفاق عالمه، ممن لا يؤمنون به فعاشوا في سماحة غير مكرهين على رأي أو عقيدة، وليس دليل على هذه السماحة من وجود أقلية عربية غير مسلمة لا تحس بالضغط ولا الاضطهاد، لأنها مشاركة أساسا مشاركة فعلية في مقومات الفكر العربي الإسلامي تعتنقه فكرا لها وتراه بعد الدين عقيدة وإيديولوجية حياة.
ومن هنا يبدو ذلك التماثل الفكري والوحدة الثقافية إزاء كل مواقف التاريخ وأحداثه.
فالعروبة والإسلام ممتزجان مرتبطان كوجهي عملة واحدة، وإذا كانت العروبة جسما فإن روحه الإسلام بهذا المفهوم.
ويصور هذا المعنى كاتب مسيحي معروف فيرى أن الفكرة القومية المجردة في الغرب منطقية إذ تقرر انفصال القومية عن الدين، لأن الدين دخل على أوربا من الخارج فهو أجنبي عن طبيعتها وتاريخها، وهو خلاصة من العقائد الأخروية والأخلاق لم ينزل بلغاتهم القومية ولا أفصح عن حاجات بيئتهم ولا امتزج بتاريخهم في حين أن الإسلام بالنسبة إلى العرب ليس عقيدة أخروية فحسب، ولا هو أخلاق مجردة، بل هو أجلى مفصح عن شعورهم الكوني ونظرتهم إلى الحياة وأقوى تعبير عن وجوه شخصيتهم التي يندمج فيها اللفظ بالشعور والفكر والتأمل بالعمل والنفس بالقدر، وهو فوق ذلك كله أروع صورة للغتهم وأدبهم وأضخم قطعة من تاريخهم القومي، فعلاقة الإسلام بالعروبة ليست إذن كعلاقة أي دين بأية قومية، وسوف يعرف المسيحيون العرب، عندما تستيقظ فيهم قوميتهم يقظتها التامة ويسترجعون طبعهم الأصيل، أن الإسلام له ثقافة قومية يجب أن يتشبعوا بها حتى يفهموها ويحبوها فيحرصوا على الإسلام حرصهم على أثمن شيء في عروبتهم». ومن هذا النص، ومثله كثير، يتأكد المفهوم القائل بأن وحدة الفكر العربي الإسلامي هي التي ربطت العربي غير المسلم بالمسلم العربي في قيم أساسية ومقومات أصلية وأن محاولة فرض المضمون الغربي أو المفهوم الغربي للقومية هو إحدى محاولات التغريب والشعوبية.
وإن التجربة الغربية للدين والقومية قد تؤخذ مأخذ الاعتبار ولكن لا تؤخذ مأخذ التطبيق، فإن مفاهيم فكرنا العربي الإسلامي تختلف في جذورها عن مفاهيم الفكر الغربي أساسا.
والإسلام لا ينفصل عن اللغة والتاريخ والتراث في الفكر العربي الإسلامي، ولا يمكن أن يكون هناك فكر عربي منفصل عن الفكر العربي الإسلامي، ولا تاريخ عربي منفصل عن الفكر العربي الإسلامي، ولا تستطيع اللغة العربية أن تنفصل عنه أيضا.
فلا تاريخ للعرب إلا التاريخ العربي الإسلامي، والإسلام هو ميدان التاريخ العربي، والإسلام هو صانع العروبة ومقيم أسسها.
وآية وحدة الفكر العربي والإسلامي هو ذلك الانفعال الوجداني الواحد أمام الأخطار والأحداث والتاريخ والغزو الصليبي والفكري، وقد أفصح حبيب كحالة عن وحدة الفكر بين الإسلام والمسيحية حين قال «كما التقت النصرانية والإسلام في طريق الدين، فقد التقتا أيضا في الأدب والشعر والعلوم والفنون، وفي كل ما يدعم صرح الحضارة، فقد تعاون المسلمون والنصارى تعاونا وثيقا في هذا المضمار.


 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here